» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
المغني المفيد الشريط الخامس عشر




فإذا رأيتم ما تكرهون، أي رأيتم ريحا قد أقبل تكرهونه والرياح العواصف تهدم البيوت في كثير من الأحيان ويتضرر بها الزرع وتؤذِي الناسَ، فإذا رأيتم ما تكرهون أي ما تتوقعون فيه ذلك فقولوا اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، فهذه ثلاثة أدعية، الدعاء الأول اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، فالريح نفسها قد تأتي بخير وقد تأتي بشر، فالخير الذي فيها ما تذهب به من الأضرار عن الأرض، فهي تذهب بكثير من المكروبات والأضرار والروائح المضرة والأوساخ ونحو ذلك، وتأتي بخير منها فتغير الهواء وتصلحه، وتجدد الأكسجين، الدعاء الثاني وخير ما فيها، فإنها تحمل أشياء بعضها فيه خير وبعضها فيه ضرر، فقد تحمل مطرا فيه نفع وقد تحمل ضررا كما تأتي به كذلك من المكروبات ونحوها، وخير ما أمرت به، هذه الدعوة الثالثة بسؤال خير ما أمرت به الريح، فإنها قد تؤمر بهدم المنازل أو بإهلاك الحرث أو نحو ذلك، وقد تؤمر بخير كما ذكرنا من تجديد الهواء والذهاب بما لا نفع فيه، وفي رواية ما أرسلت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح أي من شرها هي في نفسها وشر ما فيها أي ما حملته، وشر ما أمرت به أي ما تفعله، فثلاث دعوات تقابل ثلاث دعوات، ثلاث دعوات بالخير وتُقابلها ثلاث دعوات بالاستعاذة من الشر، فيه مسائل الأولى النهي عن سب الريح لأنه قال: لا تسبوا الريح، والثانية الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره، وذلك بالإقبال على الله والدعاء واللجاء إليه سبحانه وتعالى فيما لا طوق للإنسان فيه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، والإنسان لا بد أن يكونَ دائما لا يأمن مكر الله ويخشى عقابه، ويخشى حصول جزاء ذنبه، فإذا رأى ريحا أو غيره تذكر أيام الله وأخذه للسابقين، الثالثة الإرشاد إلى أنها مأمورة، أي الإخبار بأنها مأمورة، لأنه قال: وخير ما أمرت به، وقال: وشر ما أمرت به، فهي مأمورة مرسلة ليس لها من الأمر شيء، الرابعة أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر، فبحسب ذلك لأنه سأل خير ما أمرت به واستعاذ من شر ما أمرت به.

\"باب قول الله تعالى: ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله﴾\" عقد هذا الباب لهذه الآية من سورة آل عمران وهي الآية السابقة على الآية التي ذكرت في الباب قبل هذا، وهي في رد الله سبحانه وتعالى على المنافقين في تثبيطهم للمؤمنين بعد غزوة أحد، وبعد أن قتل فيها من قتل من أشراف المؤمنين، فالمنافقون يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية، وهو ظن السُّوء وهو أن الله لن ينصر رسوله r، ولن يُمِكِّنَ له في الأرض، وهذا ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون، وقد قال الله تعالى: ﴿ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء، عليهم دائرة السوء وقد بينه بقوله: ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا فهم ظنوا أن رسول الله r لن ينقلب إلى أهله أبدا وأنه سيقتله المشركون ويسلطون عليه وهذا ما لا يقع فإن الرسول r منصور سينصره الله على عدوه ، والمنافقون يظنون بالله غير الحق وهو أنه سيتخلى عن رسوله r ولا ينصره، ولذلك كانوا يقولون للمؤمنين غر هؤلاء دينهم، ظن الجاهلية، فنسب هذا الظن إلى الجاهلية أي إلى أهلها، فهذا مثل ظن المشركين، فالمنافقون والمشركون إخوان يتفقون في ظن السوء كما وصفهم الله بذلك في قوله: ﴿ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء ﴿يقولون هل لنا من الأمر من شيء أي هؤلاء المنافقون يقولون لرسول الله r وأصحابه هل لنا من الأمر من شيء، أي يريدون منازعة رسول الله r الأمر حتى يقطعوا باب الجهاد ويوقفوه، وحتى ينهزموا أمام العدو خَوَراً وضعفا، فلذلك يقولون هل لنا من الأمر من شيء، فرد الله عليهم: ﴿قل إن الأمر كله لله فليس لهم من الأمر شيء، فالأمر كله لله عز وجل، والأمر هنا الذي سألوه إما أن يكون معناه القيادة والحكم، أو أن يكون معناه الرأي والمشورة فكل ذلك يطلق عليه الأمر، وإجابتهم بأن الأمر كله لله أي أن القيادة لله سبحانه وتعالى وقد وَلَّى رسولَه r هذه القيادة، وأن الأمر أي القَدَر وما سيحصل كله لله سبحانه وتعالى بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله، وقوله: ﴿الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وقد بينت المقصود هنا بظن السوء وأنه بينته الآية الأخرى وهي ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا، وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء قال ابن القيم رحمه الله في الآية الأولى فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله وأن أمره سيضمحل، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر وإنكار أن يتم أمر رسول الله r، وهذا كله تفسير المنافقين والمشركين أي وإنكار أن يظهره الله على الدين كله، وهذا هو ظن السوء لأنه خلاف ما أخبر الله به، وخلاف ما حقق لرسوله r، وهذا هو ظن السوء الذي ظن المنافقون والمشركون في سورة الفتح، ﴿الظانين بالله ظن السوء وإنما كان هذا ظن السوء لأنه ظن غير ما يليق به سبحانه وتعالى وما يليق بحكمته وحمده ووعده الصادق، فإن الله سبحانه وتعالى وعد رسوله r والمؤمنين بالنصر ووعد كل من نصره بالنصر، وقال تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون، إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين وقال تعالى: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز وقال تعالى: ﴿ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز وقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم وقال تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وقد وعد الله رسوله r بأن يظهره على الدين كله ولو كره المشركون، ووعده بأن يبلغ هذا الدين ما بلغ الليل والنهار، وأن لا يبقى بيت حجر ولا مدر إلا دخله، بعز عزيز أو بذل ذليل، ووعده بأن يدخل المسجد الحرام آمنا، فاتحا، وحقق الله الوعد لرسوله r ونحن على ذلك من الشاهدين، فمن ظن أنه يُدِيل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، يديله عليه أي يرفعه عليه ويعزه عليه، ويجعل الدولة المستمرة للباطل على الحق بحيث يضمحل الحق معها أو أنكر أن يكون ما جرى بقضائه وقدره، أي أنكر القضاء والقدر بحيث يكون ما جرى وما حصل ليس بعلم الله ولا بكتابته وتدبيره، أو أنكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد، أي أنكر أن يكون قدر الله وما حصل كلُّه لحكمة بالغة عنده سبحانه وتعالى يستحق عليها الحمد، لأنه سبحانه وتعالى كل أفعاله لحكمة بالغة، وهو يستحق الحمد على كلها، بل زعم أن ذلك لمشيئة مجردة، أي لمشيئة مجردة عن الحكمة فذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار، وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم، وذلك بالتشاؤم والنظر إ لى الأسباب المادية الدنيوية، وذلك من نقص الإيمان لأن المؤمن يعلم أن ما يحصُل قد كتب من قبل رفعت الأقلام وجفت الصحف، ويعلم أن أجله ورزقه وعمله كل ذلك مكتوب عند الله سبحانه وتعالى وأن ما قدر الله له هو الخير له، فإن كان خيرا شكر عليه فكان خيرا له، وإن كان شرا في الدنيا في العاجل أي ضررا دنيويا صبر عليه فكان خيرا له وهو الضراء، وأكثر الناس يظنون بالله ظن السوء فيما يختص بهم وفيما يفعله بغيرهم، فيما يختص بهم هم يظنون أنه لا يفعل بهم ما هو خير لهم، وما يفعله بغيرهم يظنون أنه لغير حكمة نسأل الله السلامة والعافية، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، ولذلك فإن كثيرا من الناس قد بلوا بوسواس الجبرية الذين يزعمون أن القدر خال من الحكمة، وأن هذا القدر جار على الناس بالإكراه والجبر، أو بُلُوا بوسواس القدرية المنكرين للقدر أصلا الذين يظنون أن الأمر أُنُفُ تعالى الله عما يقول الجميع علوا كبيرا، ولذلك فإن أحدهم يقول في الاعتراض على هذا القدر نسأل الله السلامة والعافية: «كم عالم عالم أعيت مذاهبه** وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا** هذا الذي صير الأرواح حائرة** وصير العالم النحرير زنديقا» لكن إنما يحصل ذلك بعدم الإيمان بقدر الله خيره وشره، والإيمان بحكمته البالغة في كل ما يفعله سبحانه وتعالى، ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده، أي عرف أنه سبحانه وتعالى لا يتصرف إلا وفق حكمة بالغة يستحق الحمد على تلك الحكمة، فإن عرفنا نحن مصلحة فيها فبها ونعمت فالحمد لله سبحانه وتعالى على الحكمة والحمد له على أن كانت مصلحة لنا، وإن لم نعرف فيها مصلحة، فإننا نحمده على حكمته البالغة فكل فعل على وفق تلك الحكمة، فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا، وليتب إلى الله وليستغفره من ظن بربه ظن السوء، ولو فتشت من فتشت، أي لو فتشت في جمهور الناس لرأيت عنده تعنتا على القدر وملامة له نسأل الله السلامة والعافية، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، وكثير من الناس يعترض على القدر بألفاظ مختلفة، فمثلا إذا جاء المطر قالوا عدم العدالة في التوزيع في المطر نعوذ بالله وهذا اعتراض على الله سبحانه وتعالى في خلقه وتدبيره، ويقولون سوء الأجواء أو نحو ذلك، فكل ذلك من الاعتراض على قدر الله، بل إن بعضهم يصل به الحال نسأل الله السلامة والعافية إلى أن يقول هذا من عبث القدر نسأل الله السلامة والعافية، وكل هذا هو من الكفر بقدر الله سواء اقتضى إنكار القدر أو اقتضى إنكار الحكمة، التي يرتب بها الفعل فكل ذلك نسأل الله السلامة والعافية من إنكار القدر، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا فمستقل ومستكثر، أي إن الناس في ذلك منهم المستكثر الذي يجاوز الحد ويصل إلى درجة الكفر نسأل الله السلامة والعافية، ومنهم المستقل الذي هو أقل من ذلك درجة لكنه يقع منه الاعتراض، وتقع منه الألفاظ النابية في حق القدر، وفتش نفسك وهذا إرشاد منه رحمه الله إلى أن الإنسان عليه أن يفتش نفسه فيما يتعلق بالإيمان بالقدر والرضا به، هل أنت سالم أي من ذلك من هذه الصفات المنتشرة في الناس، وهذا المرض الطافح فيهم، قال: «فإن تنج منها تنج من ذي عظيمة** وإلا فإني لا أخالك ناجيا» فإن تنج منها، أي إن كنت ناجيا من هذا المرض والاعتراض على القدر، تنج من ذي عظيمة أي نجوت من أمر عظيم، وإلا أي إن لم تنج منها، فإني لا أخالك ناجيا، لا إخالك أو أخالك يجوز فتح الهمزة وكسرها، أي لا أظنك، ناجيا، فمن لم ينج من الاعتراض على القدر لا يخال ناجيا من عذاب الله، فيه مسائل الأولى تفسير آية آل عمران وهي قول الله تعالى: ﴿يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء، قل إن الأمر كله لله، يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك، يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا، قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم، وليبتلي الله ما في صدروكم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور قد بينا تفسيرها، وتفسير الآية التي بعدها في الباب السابق، الثانية تفسير آية الفتح، وهي ﴿ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء وقد ذكرنا تفسيرها بالآية الأخرى في سورة الفتح وهي: ﴿بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكلام ابن القيم رحمه الله في تفسير ذلك وتَقَصِّيهِ، الثالثة الإخبار بأن ذلك أنواع لا تنحصر، فما يتعلق بالقدر والاعتراض عليه والاعتراض على الحكمة واستنكارها أنواع لا تنحصر لكثرة انتشارها في الناس كما نبه إليه ابن القيم رحمه الله في كلامه الذي ساقه المؤلف هنا، الرابعة أنه لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه كما نبه لذلك ابن القيم لأنه قال: ولا يسلم من ذلك إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته، وموجب حكمته وحمده، فالذي يعرف اسماء الله وصفاته ويثبتها لله سبحانه وتعالى: ويعرف نفسه وضعفه وعجزه ونفاذ قدر الله عليه، هو الذي ينجو من ذلك، وأما من لا يعرف أسماء الله فلا يعرف أنه الحكيم الخبير العليم، المدبر الذي لا يفوته شيء من خلقه، ولا يعرف صفاته ولا يعرف إرادته وقدرته، وقدره، وتمام تدبيره وقيوميته فهو الذي ينكر ذلك.

\"باب ما جاء في منكري القدر\" عقد هذا الباب لما جاء في منكري القدر أي ما جاء من الوعيد الشديد في حق الذين ينكرون القدر، فإن الإيمان بالقدر خيره وشره حلوه ومره من أركان الإيمان الستة، التي بينها رسول الله r لجبريل حين سأله عن الإيمان، فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فهذه الأركان الستة لا يؤمن أحد حتى يؤمن بها، فمن أنكر قدر الله فقد كفر لإنكاره ركنا من أركان الإيمان، وكذلك بيان حال المنكرين للقدر، وهنا ينبغي أن يعلم أن القدر الذي يجب الإيمان به أربع مراتب، المرتبة الأولى علم الله بجميع الأشياء إجمالا وتفصيلا قبل أن تكون، فقد علم كل شيء قبل أن يكون، المرتبة الثانية كتابة كل ما هو كائن في الصحف التي عنده فوق عرشه وهي أم الكتاب،وهاتان المرتبتان قديمتان وهما المذكورتان في قول الله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين المرتبة الثالثة توزيع ذلك على الزمن بتنزيله في اللوح المحفوظ، بما يتكلم الله به من أمره، وما يأمر به ملائكته، وما يدبره في خلقه على مدار السنة، ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا وذلك في ليلة واحدة يفصل فيها ما هو كائن في السنة، ومثل ذلك ما يكتب مع الإنسان وهو جنين في بطن أمه كما في حديث ابن مسعود حدثنا رسول الله r وهو الصادق المصدوق، إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد، فكل ذلك مكتوب، ومثل ذلك مع الأشجار والنبات، فإن النبي r قال: ﴿إن لهذه الأشجار لآجالا كآجالكم فيكتب معها آجالها، آجال أوراقها وما تزداد به وما تنتقص وما يخرج منها من الثمر وما يحصل في طعمه ولونه من التغير كل ذلك مكتوب معلوم مما يقع في السنَة، المرتبة الرابعة من مراتب القدر هي تنفيذ ذلك على وفق العلم السابق، أي قضاؤه على وفق ما علم الله، فجلستنا هذه علمها الله قبل أن يكون الكون وكتبها في أم الكتاب، وأنزلها في هذه السنة أن تكون فيها في هذا اليوم في هذا الوقت، وحقق ذلك الآن حين قضاه، فكانت على وفق علم الله السابق، فهذه المراتب الأربع يجب الإيمان بها، وقد بينا أقسام القدر الأربعة، وهي القدر الخير الحلو كما ييسره الله للمؤمنين مما يعينهم على طاعته ويقربهم إلى مرضاته،مما يحبونه، ثانيا القدر الخير المر وهو ما يكتبه الله على المؤمنين من المصائب التي ترفع درجاتهم في الجنة وتكفر عنهم السيئات، ثالثا القدر الشر الحلو، وهو ما يعجله الله لأعدائه مما يستدرجهم به من الزيادة في الأعمار والأرزاق، التي تزيدهم طغيانا وكفرا وجحودا، الرابع القدر الشر المر، وهو ما يقدره الله على أعدائه من المصائب والكوارث التي تعجلهم على النار فهذه أربعة أقسام هي أقسام القدر، يجب الإيمان بها أيضا، ثم إن أقوال الناس في القدر أربعة أيضا: القول الأول قول نفاة القدر الذين يزعمون أن الأمر أُنُفٌ، وأن الله لا يعلم بالأمر حتى يقع، وأن المخلوق يخلق فعله ولا يخلقه الله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وهؤلاء هم شر الفرق وقد جاء في الأحاديث أنهم مجوس هذه الأمة وأنهم شرار هذه الأمة، أُخِّرَ الكلام في القدر لشرار أمتي، المذهب الثاني مذهب الجبرية، وهم الذين يبالغون في القدر حتى ينفون عنه الحكمة والمصلحة، ويجعلون المخلوق لا تصرف له ولا فعل له فلا يفعل أي شيء، وينسبون الأفعال جميلها وقبيحها لله عز وجل وتعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، فيرون أن الإنسان لا يكذب ولا يسرق ولا يزني ولا يفعل أيَّ تصرُّفٍ وإنما ينسبون تلك الأفعال كلها لله عز وجل تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وهؤلاء مثل القدرية، وهم على النقيض منهم في القول لكنهم مثلهم في الشر والكفر نسأل الله السلامة والعافية، المذهب الثالث مذهب أبي الحسن الأشعري في إثبات الكسب، فإنه أراد التوسط بين المذهبين السابقين فلم يوفق للقول الصواب وإنما أتى بنظرية جديدة وهي نظرية الكسب حيث يقول إن المخلوق له قدرة لا يقدر بها، وإنما لديه كسب يكتسب به الأشياء، وأن الأشياء تحصل عند السبب لا به، فالمخلوق يتسبب في الفعل، فيحصل الفعل عند السبب لا به، وهذا القول لا يفهم وهو غلط بَيِّنٌ ولكنه رحمه الله اجتهد فهو معذور في اجتهاده إذ لم يهتد إلى الصواب في هذه المسألة ولم ينكر القدر ولم ينفه، ولم يثبت لله الأفعال القبيحة كما فعل الجبرية، ولكنه أخطأ في اجتهاده هذا، وأهل الكلام يقولون أربع لا تفهم، الطفرة عند النَّظَّام، هي نظرية أتى بها النظام من قادة المعتزلة، والكسب عند الأشعري وهي هذه النظرية، وحوادث لا أول لها عند شيخ الإسلام بن تيمية، والمصلحة عند الطُّوفِيِّ، فكل هذه نظريات حصل فيها الغلط في الاجتهاد، وفيها إشكال في فهمها أصلا، القول الرابع مذهب أهل الحق، بإثبات القدر خيره وشره، وإثبات أن كل شيء من خلق الله فالله يخلق العباد ويخلق أفعالهم، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿والله خلقكم وما تعملون والعباد يفعلون أفعالهم، فيثابون على صالحها ويعاقبون على سيئها، فللعبد قدرة وإرادة، فإرادته مربوطة بمشيئة الله، ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين وهو مكلف بالشرع لا بالقدر، فإن استجاب لأوامر الله واتجه إلى تحقيقها بقدرته وإرادته أثيب على ذلك ولو لم يحققه، لو حيل بينه وبينه بالقدر، وإن لم يتجه إليه بل اتجه إلى مخالفته، إلى مخالفة أمر الله، وأراد ذلك بإرادته واتجه إليه بقدرته، فإنه يستحق العقاب على ذلك ولو حال القدر بينه وبينه، كمن عزم على شرب الخمر، فلما رفع الكأس إلى فيه انكسرت مثلا، أو عزم على القتل فضرب فلم يقع القتل أو نحو ذلك، فهذا المذهب لا إشكال فيه ولا اعتراض عليه، فإن الأفعال تنقسم إلى قسمين إلى أفعال لا يفعلها إلا الله عز وجل كالإحياء والإماتة والخلق والرزق وإنزال المطر وإنبات الشجر ونحو ذلك، وإلى أفعال تصدر من المكلفين بقدرتهم وإرادتهم وهم يفعلونها بذلك باجتهادهم، فأفعال المكلفين هي من فعل المكلفين ومن خلق الله، فكل الخلق إلى الله فالله خالق كل شيء، لكن الفعل منه ما هو من الله ومنه ما هو من المخلوق، فهنا التفريق بين الخلق والفعل، فالخلق كله لله، الله خالق كل شيء، والفعل منه ما هو من فعل الله ومنه ما هو من فعل المخلوق، فأفعال المكلفين خيرها وشرها ليست من فعل الله وإنما هي من فعل المكلفين، ولكنها من خلق الله، وهنا ينبغي أن يعلم أن أفعال العباد من ناحية تعلق إرادة الله بها تنقسم إلى أربعة أقسام، فإن الله نوعين من أنواع الإرادة، النوع الأول هو الإرادة القدرية وهو المشيئة، والنوع الثاني الإرادة التشريعية وهي الأمر، فمن أفعال المكلفين ما لم تتعلق به واحدة من الإرادتين، ومنه ما تعلقت به الإرادة الكونية دون التشريعية، ومنه ما تعلقت به التشريعية دون الكونية، ومنه ما تعلقت به الإرادتان معا، فمثال ما تعلقت به الإرادتان معا الأعمال الصالحة من رسول الله r، أرادها الله إرادة كونية قدرية وهي المشيئة، لأنها حصلت، وأرادها إرادة تشريعية أمرية لأنه أمر بها، ومثال النوع الثاني وهو ما لم تتعلق به واحدة من الإرادتين الأعمال السيئة من رسول الله r، لم يردها الله إرادة كونية لأنها ما وقعت، ولم يردها إرادة تشريعية لأنه لا يأمر بالفحشاء، ومثال النوع الثالث وهو ما تعلقت به الإرادة التشريعية دون الكونية، الأعمال الصالحة من أبي جهل مثلا، فلم يردها الله إرادة كونية لأنها ما وقعت، ولكنه أرادها إرادة تشريعية لأنه أمره بها، والنوع الرابع وهو ما تعلقت به الإرادة الكونية دون التشريعية، مثاله الأفعال السيئة من أبي جهل، أرادها الله إرادة كونية لأنها وقعت، ولم يردها إرادة تشريعية لأنه لا يأمر بالفحشاء، وبهذا يُعلَمُ أن العبد مسير بالقدر مخير بالشرع، وتسييره بالقدر ليس على وجه الإكراه بل على وجه الاختيار، كما قال العلامة ابن متال رحمه الله: «العبد في الظاهر ذو اختيار** والجبر باطنا عليه جار** فكان من عجائب الجبار** أن يجبر العبد بالاختيار** كفعله لما له فيه ضرر** يفعله طوعا على وجه النظر» «إذا ما حِمام المرء كان ببلدة** دعته إليها حاجة فيطير» فهذه الأمور من عرفها واستوعبها عرف مسألة القدر، من عرف مراتب القدر الأربع وأنواع القدر الأربعة، وأقوال الناس في القدر الأربعة، وأقسام أفعال العباد من ناحية تعلق المشيئة والإرادة الأربعة استوعب مسائل القدر، قال ابن عمر والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبا ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر، هنا ذكر قطعة من حديث عندما ظهر القول بالقدر أي إنكار القدر بالبصرة، خرج رجلان من أهلها وهما حميد بن عبد الرحمن الحميري المشهور بحميد الطويل، وصديق له إلى الحج، فقالا: لو قيض لنا أحد أصحاب رسول الله r فنسأله عما يقول هؤلاء، فلما دخلا الحرم المكي إذا عبد الله بن عمر فاكتنفاه، قال: فعلمت أن صاحبي سيكل إلي الكلام، أو ظننت أن صاحبي سيكل إلي الكلام، فسألته فقلت: يا أبا عبد الرحمن إنه ظهر قِبَلَنَا قوم يزعمون أن الأمر أنف وينكرون القدر، فغضب ابن عمر حتى عُرِف الغضب فيه وقال: والذي نفس ابن عمر بيده، قسم بالله عز وجل، لو كان لأحدهم أي لأحد نفاة القدر، مثل أحد ذهبا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه فلا يقبل الله منهم أي عمل حتى يؤمن بالقدر خيره وشره، فلا بد من الإيمان بالقدر لأنه ركن من أركان الإيمان، ولا يمكن أن يقبل العمل بدون الإيمان، ثم استدل بقول النبي r: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، لأنه قال: حدثني أبي عمر بن الخطاب قال: بينما نحن جلوس عند النبي r إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي r فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وقال: يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال: أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال: صدقت فعجبنا له يسأله ويصدقه ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال صدقت، ثم قال: يا محمد أخبرني عن الإحسان قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال: صدقت فأخبرني عن الساعة، قال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال: فأخبرني عن أماراتها، قال: أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، ثم انطلق فلبثت مليا، ثم قال: يا عمر أتدري من السائل، قلت الله ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلمكم دينكم. وهو بهذا اللفظ في صحيح مسلم، وسؤالات جبريل لرسول الله r رواها عمر بن الخطاب في هذا الحديث ورواها أبو هريرة في الحديث الذي في الصحيحين، وابن عمر هنا استدل على بطلان عمل هؤلاء وعدم قبوله بحديث جبريل، لأنه بين فيه رسول الله r أن الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال لابنه يا بني إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، لن تجد طعم الإيمان أي حلاوته، والمقصود بذلك لن يكمل إيمانك أصلا، لن تستكمل أصل الإيمان لأن الإيمان بالقدر من أصل الإيمان، حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، فما كتبه الله عليك لا بد أن يقع، ما أصابك لم يكن ليخطئك، لو بذلت كل الأسباب لا يكن أن يخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك بوجه من الوجوه، لو اجتمع الناس جميعا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف كما في حديث ابن عباس، سمعت رسول الله r يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له اكتب، فأول مخلوقات الله سبحانه وتعالى، والمقصود بذلك كما قال ابن تيمية رحمه الخلق النسبي، فالمخلوقات في الأزل كانت ولا زمان، والأولية نفهمها نحن على الزمان، ففي اليوم مثلا نعرف الساعة الأولى والساعة الثانية والساعة الثالثة، لكن الأزل ليس فيه ساعات وليس فيه زمن فهو سابق على الزمان، إن أول ما خلق الله القلم، فقال له اكتب، فقال: رب وماذا أكتب؟ قال اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة، يا بني سمعت رسول الله r يقول: من مات على غير هذا فليس مني، أي من مات وهو لا يؤمن بالقدر فليس مني أي فهو كافر بما جئت به، لأن الكفر ببعض أركان الإيمان كفر بالإيمان، وفي رواية لأحمد: إن أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فجرى في تلك الساعة ما هو كائن إلى يوم القيامة، وفي رواية ابن وهب هو عبد الله بن وهب صاحب مالك، وشيخ البخاري ومسلم وأحمد وغيرهم، قال رسول الله r: فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بناره، وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي، قال: أتيت أبي بن كعب فقلت في نفسي شيء من القدر فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي، فقال: لو أنفقت مثل أُحِدٍ ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمنَ بالقدر، وتعلمَ أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لكنت من أهل النار، قال: فأتيت عبد الله بن مسعود، وحذيفة بن اليمان، وزيد بن ثابت، فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي r، رواه الحاكم وصححه فهؤلاء أصحاب رسول الله r متفقون على هذا الأمر، لا يختلف فيه اثنان منهم، وهم يرفعونه إلى النبي r، وقد بين بما تواتر عنه أن الإيمان بالقدر خير وشره ركن من أركان الإيمان، ولا يمكن أن يؤمن أحد إلا إذا آمن بالقدر خيره وشره، وهو مقتض أن يؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، وقد جاء في ذلك عدد كثير من الآيات في القرآن كقول الله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير وكقوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله \"فيه مسائل الأولى بيان فرض الإيمان بالقدر\" أنه ركن من أركان الإيمان، \"الثانية بيان كيفية الإيمان به\" أي ما يترتب عليه بأن تؤمن بأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك فبذلك تحقق الإيمان بالقدر، \"الثالثة إحباط عمل من لم يؤمن به\" أن من لم يؤمن بالقدر لا يمكن أن يتقبل الله منه أي عمل، \"الرابعة الإخبار أن أحدا لا يجد طعم الإيمان حتى يؤمن به كما قال: عبادة بن الصامت لابنه\" \"الخامسة ذكر أول خلق الله والتصريح بأنه القلم\" \"السادسة أنه جرى بالمقادير في تلك الساعة إلى يوم القيامة\" وذلك بأمر الله سبحانه وتعالى فأمره أن يكتب فجرى بما هو كائن إلى يوم القيامة، \"السابعة براءة النبي r ممن لم يؤمن به، ممن لم يؤمن بالقدر، فأنه بريء منه لأنه قال: فليس مني، \"الثامنة عادة السلف في إزالة الشبهة بسؤال العلماء\" فابن الديلمي عندما حصلت الشبهة في قلبه ذهب إلى أصحاب محمد r، فأتى أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت، وهم من كبار أصحاب محمد r، وفقهائهم وعلمائهم، فسألهم عما يجده في نفسه وسألهم أن يحدثوه بحديث يذهب ذلك عنه، فحدثوه عن رسول الله r وأقاموا عليه الحجة وبينوا له الأمر حتى رجع إلى مذهب الحق وآمن بالقدر خيره وشره، التاسعة أن العلماء أجابوه بما يزيل الشبهة، وذلك أنهم نسبوا الكلام إلى رسول الله r فقط، وأيضا فإنهم شددوا عليه في الأمر، فَأًُبَيٌ قال له: لو أنفقت مثل جبل أحد ذهبا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على هذا لكنت من أهل النار.

\"باب ما جاء في المصورين\" عقد هذا الباب للتحذير من نوع من أنواع الشرك، وهو الشرك في زعم الخلق، كأن يصور الإنسان شيئا فينسبه لنفسه أو ينسبه له الناس، كأنه مضاهاة لخلق الله ومشاركة له في خلقه، وهذا نوع من أنواع الشرك المنافي للتوحيد المنافي لكمال التوحيد، فقال: باب ما جاء في المصورين أي ما جاء في التصوير أو ما جاء في ذم المصورين ووعيدهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: رسول الله r، قال الله تعالى: ومن أظلم ممن يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة، أخرجاه، هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين أن النبي r قال: قال الله تعالى: أي أن الحديث قدسي يرويه النبي r عن ربه عز وجل، قال الله تعالى: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي» أي لا أحد أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، أي يضاهي خلق الله ويحاكيه، فليخلقوا ذرة، إذا كانوا يدعون أن لهم شركا في الخلق، فليخلقوا ذرة أي نملة وهي أصغر شيء وأخفه، أو ليخلقوا حبة من أي نوع من أنواع الحبوب، أو ليخلقوا شعيرة واحدة من الشعير، فإنهم لا يستطيعون خلق أي شيء، والذين يزعمون أنهم وصلوا إلى منتهى العلم اليوم، وأقصى ما يمكن أن تصل إليه التكنلوجيا لم يستطيعوا أن يحدثوا أي شيء من خلق الله سبحانه وتعالى، فالمادة العضوية التي تتضمن الحياة، لم يستطيعوا أن يركبوا منها أدنى شيء وأضعفه إلا اليوريا، وهي مادة البول، وهي أخس شيء في الكائن الحي وأقله نفعا، فجمعوها من أشياء وركبوها، والأشياء كلها من خلق الله سبحانه وتعالى، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة، ولا شك أنهم عاجزون عن ذلك، ولا يمكن أن يصلوا إليه ذلك بوجه من الوجوه، وما يغتر به كثير من الناس اليوم في شأن الاستنساخ ونحوه، هو جهالة بواقع الاستنساخ، فالاستنساخ ليس فيه خلق شيء غير خلق الله، وإنما هو إطالة للطريق واعوجاج عنها، فما كان يحصل بخلق الله سبحانه وتعالى بالطريقة العادية، يحصل بخلق الله تعالى بالطرق المعوجة، فمثلا جعل الله تعالى الحيوان يخلق من الجنسين من الذكر والأنثى عن طريق الاتصال الجنسي العادي، فيخلق الله ما أراد منه، والاستنساخ هو أخذ شيء من الكائن الحي وتلقيح البُيَيْضَةَ به عن طريق معوج ملتو، بدل أن تلقح بالطريق العادي، فإذن ليس فيه أي خلق ولا أي شيء جديد وإنما هو تطويل واعوجاج عن الطريق الذي سار عليه الخلق ومخالفة للفطرة، ويترتب عليه من المحذورات الشيء الكثير، ومثل هذا تغيير خلق الله، أيا كان، فهو كله ممنوع ومن عمل الشيطان وأمره، فإن الله سبحانه وتعالى أخبر عن إبليس أنه يأمرهم بتغيير خلق الله، ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ولهذا لعن رسول الله r الواشمات والمستوشمات والواشرات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن، المغيرات خلق الله، فكل ما فيه تغيير لخلق الله من ذلك فهو حرام، ولعن من وسم في الوجه، فكل ذلك من تغيير خلق الله، ولهما أي للبخاري ومسلم، عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله r قال: «أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله، الذين يضاهئون بخلق الله أو يضاهون بخلق الله» أي الذين يضاهون خلق الله، والباء زائدة فيه، والمقصود بذلك المصورون، الذين يضاهون خلق الله فيحاكونه فيصورون ذا روح، فهم أشد الناس عذابا لأنهم يعذبون حتى ينفخوا فيه الروح وما هم بنافخيه، ولهما أي للبخاري ومسلم أيضا عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله r يقول: «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم»  نسأل الله السلامة والعافية، من تمام عذابهم أن يجعل لهم على قدر ما صوروه من الصور أنفس فتعذب تلك الأنفس حتى ينالوا عذابها جميعا نسأل الله السلامة والعافية، ولهما أي للبخاري ومسلم عنه أي عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا، من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ، أي كلف يوم القيامة وعذب حتى ينفخ فيها الروح وما هو بنافخ لا يستطيع ذلك، ولهما عن أبي الهياج قال: قال لي علي ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله r: أن لا تدع صورة إلا طمستها ولا قبرا مشرفا إلا سويته، هذه وظيفة اختار لها رسول الله r ابن عمه علي بن أبي طالب فأرسله عليها، وهي: أن لا يدع صورة إلا طمسها، ولا قبرا مشرفا أي مرتفعا إلا سواه أي سواه بالأرض، وأرسل بها علي أبا الهياج فكلفه بها، ونحتاج هنا إلى معرفة الصورة ما هي، فالصورة ما كان ذا هيئة كاملة، وكان ذا ظل كالمنحوت من الحجر أو من الطين أو من الخشب ونحوه، فما كان كذلك فهو الصورة، فمن عمل شيئا منها أو كان مرسوما بالأصباغ بالرسم بالريشة أو بالقلم أو نحو ذلك فهذا هو التصوير الذي ينسب لصاحبه، وقد حدث في زماننا هذا ما يسمى تصويرا عن طريق الآلات كالتصوير الفوتوغرافي، والتصوير بالفيديو والتلفزيون ونحوه، وسماه الناس تصويرا، لكنه ليس تصويرا ولا تصدق عليه هذه النصوص التي جاءت عن النبي r، فإن النصوص إنما تُحْملُ على ما كان موجودا معروفا في لغة العرب، ومن حملها على ما حدث بعد ذلك وانصرف إليه اللفظ وسمي به فقد حملها على غير محملها وحرف الكلام عن مواضعه، فمن المعلوم أن الألفاظ تتبدل دلالاتها باختلاف الزمان، فمثلا القهوة في لغة العرب الخمر، وقد أصبحت اليوم تطلق على مشروب الْبِنِّ، وإذا فتحت القاموس قال لك القهوة الخمر، ومن ذلك قول طرفة: «كقهوة شارب متنطف» أي سكران، وكذلك السيارة في لغة العرب القافلة والعير، ونحن اليوم نطلقها على المركوب الذي نركبه، فمن فسر قول الله تعالى: ﴿وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه فقال: هي لاند روفر أو كابرس فقد فسر القرآن بغير معناه وحمله على غيرِ مَحمِله، وهكذا من فسر الصورة التي جاءت في الأحاديث بما حصل اليوم من التصوير الفوتواغرافي، أو نحوه فقد فسر النصوص بغير معناها وحملها على غير محاملها، وكذلك يبقى حكمها من ناحية القياس لأنها هي محدثة لم تكن وقت النص فلا يمكن أن يحمل عليها، فبقي حكمها يؤخذ من القياس، فلا يمكن أن تقاس على التصوير الذي نهى عنه النبي r لأنه بين علته، فعلة النهي هي محاكاة خلق الله ومضاهاته، وأنها تنسب إلى الإنسان فله مهارة فيها، فالذي يصور ويحاكي خلق الله تنسب إليه تلك الصورة أنها من فعله، وأما التصوير الفوتوغرافي فليس فيه مهارة لأحد، بل الصبي الصغير يمكن أن يصور عن طريق الأجهزة، وإذا رأيت صورة تسأل عن الجهاز الذي عملت به ولاتسأل عن المصور الذي فعلها لأن الدقة فيها ليست من المصور، بل هي من الجهاز نفسه، فلا تدخل في هذا الباب، بل هي مثل النظر في المرآة وقد كان لرسول الله r مرآة ينظر فيها، فالنظر في المرآة لم يقل أحد بمنعه، وهو لا شك إحداث لصورة تشبه صورة الإنسان، وكذلك التصوير الفوتوغرافي أو عن طريق الأجهزة كله كذلك ليس فيه إحداث شيء جديد وإنما هو حبس لظل الإنسان وهو مثل النظر في المرآة تماما، لكن حكمه أن ما يجوز النظر إليه يجوز تصويره، وما لا يجوز النظر إليه لا يجوز تصويره، فالعورات مطلقا لا يحل تصويرها، وكل ما لا يجوز النظر إليه من النساء وغير ذلك لا يجوز تصويره، وإذا رأى الإنسان صورة لشيء من ذلك وجب عليه الغض عنها، كما يخرج في شاشات التلفزيون، فما لا يحل النظر إليه بالمباشرة لا يحل النظر إلى صورته،فيه مسائل، الأولى التغليظ الشديد في المصورين، والثانية التنبيه على العلة أن علة تحريم ذلك هي مضاهاة خلق الله، وهو ترك الأدب مع الله، وذلك من نقص التوحيد، لقوله: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فهذا سوء أدب معه سبحانه وتعالى، الثالثة التنبيه على قدرته سبحانه وتعالى وعلى عجزهم، لأنه قال: فليخلقوا ذرة فليخلقوا حبة فليخلقوا شعيرة، \"الرابعة التصريح بأنهم أشد الناس عذابا كما في حديث عائشة رضي الله عنها\" \"الخامسة أن الله يخلق بعدد كل صورة نفسا يعذب بها المصور في جهنم كما في حديث بن عباس\" نسأل الله السلامة والعافية، \"السادسة أنه يكلف أن ينفخ فيها الروح\" يكلف أي يلزم أن ينفخ فيها الروح، ويعذب على ذلك ولا يستطيع ذلك، كما في حديث ابن عباس، \"السابعة الأمر بطمسها إذا وجدت\" فالتماثيل كلها سواء كانت مما يعبد أو مما ليس كذلك فكل منحوت منها يطمس أي تغير ملامحه، يطمس وجهه تغير ملامحه فالصورة الوجه، العبرة فيها بالوجه لا بالأطراف، فالصورة الوجه وعلى هذا فكل صورة ينبغي أن يطمس وجهها، ولا حرج في بقية أطرافها، إذا طمس الوجه أو قطع، أو قطع الرأس لحديث علي هذا، كذلك من فوائد الباب التي لم يذكرها تسوية القبر وأن لا يكون مشرفا، ففي ذلك ذريعة أن يعظم ثم يعبد بعد، ومثل هذا الصور الفوتوغرافية وضعها في البراويز وتعليقها في البيوت وبالأخص إذا كانت للعظماء والكبراء كالملوك والرؤساء والآباء والعلماء ونحو ذلك فهذا ذريعة للشرك، وتشبه بالنصارى بما يعملونه في كنائسهم فلا يحل فعل ذلك.

\"باب ما جاء في كثرة الحلف\" أي ما جاء في التحذير من كثرة الحلف، وقد سبق التنبيه عليه، وهو من الأدب مع الله سبحانه وتعالى أن لا يكثر الإنسان الحلف به، وأن يحفظ يمينه، فذلك من الأدب مع الله والأدب مع الله من التوحيد، فلهذا أدخل هذا الباب هنا، وقول الله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم هذا أمر بحفظ اليمين مطلقا، وحفظها يقتضي عدم الإكثار منها أصلا ويقتضي كذلك إذا حصلت أن يبرها الإنسان كما قال الشاعر: «قليل الألايا حافظ ليمينه** وإن بدرت منه الألية بُرَتِ» عن أبي هريرة رضي الله عنه سمعت رسول الله r: يقول: الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب، أخرجاه أي أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، الحلف معناه اليمين في السلعة أنه اشتراها بكذا وكذا، أو بأنها أحسن وأكمل الموجود، ووصفها بالأوصاف، والحلف على ذلك، منفقة للسلعة أي قد يُنَفِّقُهَا ويزيد في الرغبة فيها لدى الناس، لكنه ممحقة للكسب أي للبركة فيه، فمن كان يحلف كثيرا على سلعه ليروجها لدى الناس فذلك ممحقة أي محق وإزالة وذهاب للكسب أي لبركته، وعن سلمان رضي الله عنه أن رسول الله r قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، أُشَيْمِطُ زانٍ، وعائل مستكبر ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه» رواه الطبراني بسند صحيح، هذا الحديث ذكر فيه رسول الله r ثلاثة لا يكلمهم الله ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم، فهذا الوعيد الشديد نازل بهم، أن الله لا يكلمهم أي كلام رحمة ولا يزكيهم أي لا يطهرهم من ذنوبهم ولا يغفرها لهم، ولهم عذاب أليم، أشيمط زان، أي شيخ كبير قد خالط سواد رأسه الشيب، وهو زان مع ذلك، قد أدبر شبابه وهو مع ذلك يمارس الزنا نسأل الله السلامة والعافية، وعائل أي فقير مستكبر، متكبر، فليس لذلك سبب كيف يتكبر وهو عائل فقير لا يملك شيئا، ورجل جعل الله بضاعته، أي جعل يُنَفِّقُ بضاعته بالأيمان لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه، فهؤلاء الثلاثة متوعدون بهذا الوعيد الشديد، وفي الصحيح عن عمران بن حصين رضي الله عنهما، قال قال رسول الله r: «خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم» قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا، «ثم إن بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يَفُونَ ويظهر فيهم السِّمَنُ» هذا الحديث بين فيه رسول الله r مراتب هذه الأمة، فذكر أن أعلى المراتب فيها وأفضلها وأسماها القرن الذين بعث فيهم رسول الله r، وهم أصحابه، ثم الذين يلونهم وهم التابعون ثم الذين يلونهم وهم أتباع التابعين، والقرن هنا قيل مائة سنة، وقيل ستون عاما وقيل غير ذلك، وبعض أهل العلم يصرفه إلى الطبقات طبقات الرواية، والطبقات قد تكون ثلاث كالقرن الأول فيه الصحابة والتابعون وبعض أتباع التابعين، خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، قال عمران، عمران بن الحصين رضي الله عنهما وهو راوي هذا الحديث، فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثا، والذي يبدوا أنه ذكر ذلك مرتين لشهرة الحديث بالقرون الثلاثة المزكاة، فلو كان ذكرها ثلاثا لكانت القرون أربعة المزكاة، ثم إن بعدكم أي بعد هذه القرون المذكورة، قوم يشهدون ولا يستشهدون، أي يبادرون بالشهادة دون أن يتحملوها، يبادرون بأدائها دون تحملها، فلا تكون الشهادة تساوي شيئا عندهم، ولهذا يشهدون على ما لا يعلمونه، وهذا معنى ولا يستشهدون، ومن هنا فالشاهد لا يؤدي شهادته حتى تطلب منه، فلا ينبغي للإنسان أن يؤديها حتى تطلب منه إلا إذا كان يعلم أن لديه شهادة لا يعلم بها صاحبها الذي يستحق بها الحق، وأن حقه سيضيع إذا لم يخبره بها، فيخبره بأن لديه شهادة في ذلك الحق، ويخونون ولا يؤتمنون، يخونون في أماناتهم، وذلك من صفات المنافقين، ولا يؤتمنون أي لا يؤدون الأمانة، فهم يخونون كل أمانة، فالإنسان قد يخون ويؤتمن، معناه يخون مرة ويؤدي الأمانة مرة، لكن الذي يخون ولا يؤتمن معناه طبعه الخيانة نسأل الله السلامة والعافية وقد رفعت الأمانة من قلبه، وينذرون ولا يوفون، ينذرون أي ينذرون لله سبحانه وتعالى، وذلك يشمل أيضا الأيمان فاليمين مثل النذر، ولا يوفون أي لا يوفون بالنذر، وقد أثنى الله على أصحاب محمد r، بقوله: ﴿يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا وألزم الوفاء به فقال: ﴿وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ويظهر فيهم السِّمَنَ، وهذا وصف لهم بين فيه النبي r أنه يظهر فيهم أي يكثر فيصبح ظاهرة منتشرة، فيهم السمن وهو جسامة الأبدان، وإنما يحصل ذلك من الحرص على الدنيا والسرف فيها والمبالغة فيها، وليس السمن حراما لكنه قد يعطل عن بعض الطاعات كالجهاد في سبيل الله، والجد والتشمير في العبادة، ومع ذلك ليس هو بالحرام إذا كان المأكل من حلال، وقد يكون السمن ناشئا عن مرض كالذي ينتفع كثيرا بالتغذية أو ينتفخ بدنه بسبب المرض، وفيه عن ابن مسعود أن النبي r قال خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وجزم ابن مسعود هنا بمرتين بعد قرنه، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته.أي هؤلاء يبادرون بالشهادة، ويحلفون عليها، أو يحلفون أولا ثم يشهدون فلا يبالون بالأيمان ولا بالشهادات، وكل ذلك من نقص إيمانهم ومن نقص تعظيمهم للأيمان، فهذا تحذير من هذا الأمر، وقال إبراهيم النخعي، كانوا يضربوننا على الشهادة ونحن صغار، أي كان أصحاب ابن مسعود من التابعين يضربوننا على الشهادة، أي لئلا نشهد على الأمر حتى نتثبت فيه، ونحن صغار وذلك من التأديب، وهو يدل على أن الضرب في التأديب جائز ومحله أن يكون ثلاثا فدون، وأن لا يكون في الوجه إذا قاتل أحدكم أخاه، فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته، وأيضا أن يكون بحسب الجِرم والجُرم فالذي جرمه كبير جسيم ضربه أقوى من الذي جرمه نحيف ضعيف، وبحسب الجُرم أيضا، فهو تأديب فهو على حسب الجريمة، فإذا كانت الجريمة كبيرة كان التأديب كبيرا، وإذا كانت خفيفة كان خفيفا، وإنما اقتصر فيه على الثلاث لأن جبريل غط الرسول r ثلاثا عند بدء الوحي، \"فيه مسائل الأولى الوصية بحفظ الأيمان في قول الله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾\" \"الثانية الإخبار بأن الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة\" فإنه يُنَفِّقُ السلعة أي يزيد الرغبة فيها ويمحق بركة الكسب، \"الثالثة الوعيد الشديد لمن لا يبيع ولا يشتري إلا بيمينه\" كما في هذا الحديث، \"الرابعة التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي\" فَالأُشِيْمِطُ الزاني ليس له داع للوقوع في الزنى أصلا قد ولت شبيبته وضعفت شهوته، وكذلك العائل المستكبر، ليس له داع للاستكبار، فهو فقير، \"الخامسة ذم الذين يحلفون ولا يستحلفون\" فقد ذمهم رسول الله r بأنه تسبق يمين أحدهم شهادته وشهادته يمينه، وهذا اللفظ ليس في لفظ الحديث، وهو يحلفون ولا يستحلفون، ولكنه قاسه على قوله: يشهدون ولا يستشهدون السادسة ثناؤه r على القرون الثلاثة أو الاربعة الأول من هذه الأمة، وذكر ما يحدث بعد ذلك من الشر، وهذا الشر لا يعدم خيرا كما في حديث حذيفة، ومع ذلك فسيبقى في هذه الأمة خير لا محالة، وسيكون الخير أيضا في آخرها ولهذا فإن الحافظ ابن حجر رحمه الله حمل قوله r في حديث أنس لا يأتي على الناس زمان إلا والذي بعده شر منه، أن المقصود في زمان الصحابة فقط، وإلا فقد جاءت أزمنة متأخرة عن أزمنة هي خير منها بعد ذلك، ووردت أحاديث في فضل بعض عصور هذه الأمة المتأخرة، مثل أمتي كمثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره، وأحاديث أخرى في فضل أقوام سيأتون مثل فضل إخوان رسول الله r، الذين للواحد منهم أجر خمسين، \"السابعة ذم الذين يشهدون ولا يستشهدون\" وذلك صريح في الحديث، \"الثامنة كون السلف يضربون الصغار على الشهادة\" قال: والعهدِ أيضا قياس على الشهادة، أي يضربونهم على عدم المسارعة إليها وعدم التثبت فيها، تأديبا لهم.

\"باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه r\" عقد هذا الباب لنوع آخر من التوحيد وهو الأدب مع الله سبحانه وتعالى، وذلك في ذمته بأن لا تعطى ذمته وذمة رسوله r وإنما يعطي القائد ذمته وذمة من معه من المؤمنين إذا أراد عقد الذمة، والذمة العهد، وهي ما يذم بإخلافه، الذي إذا أخلفه الإنسان ذم به، فهذا الذي يسمى بالذمة، وذمة الله معناه عهده، وذمة نبيه r معناه عهده، لقوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم فنسب العهد إلى نفسه، وقال: إذا عاهدتم، ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها فهذا أمر منه سبحانه وتعالى بالوفاء بالعهد وبالوفاء باليمين كذلك وبرها، ﴿ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا وعن بريدة قال: كان رسول الله r إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، فقال: «اغزوا باسم الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا  ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية فإن هم أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا» رواه مسلم. هذا حديث عظيم يبين فيه النبي r


عدد مرات القراءة : 5364



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              21893088
المتواجدون الأن       11
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو