» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
الضوابط الشرعية لفهم الكتاب والسنة الجزء الأول




بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد فإن الله أرسل إلينا محمدا r بهذا الدين مظروفا في هذين الوحيين الثقلين كتاب الله وسنة محمد r وهما بلسان عربي مبين، وقد نوع الله سبحانه وتعالى دلالاتهما، فكانت دلالات القرآن متباينة منه ما هو واضح الدلالة ومنه ما هو خفي الدلالة، وواضح الدلالة منه ما هو محكم ومنه ما هو مفسر ومنه ما هو مبين ومنه ما هو ظاهر ومنه ما هو نص، وخفي الدلالة منه ما هو مجمل ومنه ما هو مشكل ومنه ما هو خفي ومنه ما هو متشابه، وكذلك في صيغ الأمر والنهي جاءت دلالات القرآن مختلفة، فدل على الأمر تارة بصيغة افعل وتارة بصيغة لتفعلوا وتارة بصيغة المضارع المجرد كقوله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ} [البقرة 233] وكذلك على صيغة النهي دل عليها تارة بلا تفعلوا وتارة بالأمر بالترك وتارة كذلك بالتحذير من فعل ما، وتارة بالأمر بالمنهي عنه للتهديد، فكل هذه صيغ تدل على النهي، وكذلك في الدلالات الخبرية جاء القرآن والسنة في القصص بدلالات متباينة يكمل بعضها بعضا ويفسره ويتممه، فعندما يقص الله علينا قصة في موضع من كتابه جلبت للاستدلال على أمر أو لعبرة ودرس في أمر معين فإنه يطوي منها ما لا يتناسب مع ذلك الموقع وينشره في مكان آخر من كتابه عندما تأتي المناسبة المناسِبة لها وهذا من إعجاز القرآن، ومثل هذا في الأحاديث، فإن النبي r قد يتكلم في أمر فيتقيد في حديثه باعتبار الحاضرين أو باعتبار الزمان أو باعتبار المكان، فيفصله في بعض الأحيان ويختصره في بعضها، وكل ذلك بهذه الاعتبارات السالفة، ولا تناقض ولا اختلاف بين شيء من هذه الدلالات ولا بين شيء من هذه الألفاظ، بل القرآن كله محكم بمعنى أنه كله متقن، ومعجز في صنعته وفي ترتيبه وفي تشريعه، وهو كله متشابه بمعنى أن بعضه يصدق بعضا ويفسره، ولهذا قال الله تعالى: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} [هود] وقال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا} [الزمر23]، ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى جعل الناس في حيال فهم الكتاب والسنة بين طرفين، فالطرف الأدنى هم الذين لا يفقهون هذه الدلالات ولا يستوعبونها، وهؤلاء حظهم منها سؤال أهل العلم لقول الله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل 43]، والطرف الأعلى هم الذين يستطيعون الاستنباط من هذه الدلالات ويعرفون ما وراء الألفاظ بقوة فهمهم الذي أودعهم الله وبما درسوه من كتاب الله وسنة رسوله r والعلوم الخادمة لهما وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء83] فهؤلاء هم الذين يستبطونه، والله تعالى لم يقل: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلموه جميعا، وإنما أحال علمه حينئذ إلى الذين يستبطونه منهم، ولا شك أن بين هذين الطرفين وسائط كثيرة، وهذه الوسائط هي التي يثور حولها الإشكال ويكثر فيها البحث والمناظرات، أما الطرفان في الغالب فلا خفاء فيهما، فمن بلغ رتبة الاجتهاد المطلق، أو رتبة الاجتهاد فيما دون ذلك فلا خفاء ولا إشكال في استنباطه من كتاب الله وسنة رسوله r، ومن كان كذلك لا يفهم النصوص العربية ليس من أهل اللغة العربية ولا يستوعب أي خطاب بها فلا جرم أن يسأل أهل العلم {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل 43] ولا إشكال حينئذ في تصديقه لمن يثق فيهم من أهل العلم، لكن الإشكال فيما بين هاتين الواسطتين، وهو الذي سنحاول التعرض لضوابط فهمه لكتاب الله وسنة رسوله r.

إن هذا الكتاب وهذه السنة لم ينزلا لجيل واحد من الناس، ولم يختص الله بهما أهل الاستنباط فقط، وإنما أنزلهما للجميع، لكن جعل حظوظ الناس وأرزاقهم من فهمهما متفاوتة، كتفاوت الحظوظ والأرزاق كلها، فالله تعالى هو المدبر الحي القيوم الخالق الرازق يقسم ما شاء لمن شاء لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، يجعل بعض الناس قادرا على الفهم والاستنباط والاستيعاب ومع ذلك يخفي عليه بعض القضايا السهلة للعلم أنه ناقص قاصر: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} [الإسراء] ومن هنا فإن العلم من الصفات المشككة مثل الفهم، والصفات المشككة هي التي لا يتساوى فيها أفرادها كالبياض والسواد والطول والقصر ونحو ذلك فليس الأفراد على درجة واحدة فيها، وضدها الصفات المتواطئة وهي الصفات التي يستوي فيها جميع الأفراد الذين يتصفون بها كصفة الحدوث فكل الحوادث يستوون في هذه الصفة، وكصفة المخلوقية، فكل الناس مخلوقون لله تعالى يستوي في ذلك آدم ومن دونه، فهذه هي الصفات المتواطئة وهي ضد الصفات المشككة، أما الصفات المشككة فمنها العلم والفهم، والعلم جعله الله تعالى من ذخائره والفضائل التي يقسمها لمن شاء من عباده، وجعله من أقاصي أنعامه على خلقه ومن دقائق ألطافه بعباده فمن فضله على عباده أن علمهم ما لم يكونوا يعلمون، ولهذا قال تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} [العلق] وقال تعالى: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4)} [الرحمن] وقال تعالى: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ} [النحل 78] وقال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)} [البلد] فهذا تعليم الله تعالى لخلقه وامتنانه عليهم بذلك، ولكنه مع هذا لا يمكن أن يعلم أحدا من عباده جميع العلم، لأن العلم الحقيقي صفة الله والله مخالف للحوادث، فلو طلب عالم لا يجهل شيئا لا يمكن أن يتحقق هذا إلا في الله وحده، فكل من دونه لا بد أن يكون جاهلا لبعض الأشياء، ولهذا قال الله لبني إسرائيل بعد أن أعجبوا بما علمهم من العلم في التوراة قال: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} [الإسراء]، فالذي آتاهم من العلم لا يساوي شيئا من خزائن علم الله تعالى، ولهذا فإن أهل العلم قالوا: إن العلم ثلاثة أشبار الشبر الأول من ناله تكبر وظن أنه أحاط علما بكل شيء، والشبر الثاني من ناله تواضع وعرف أنه جهل كثيرا من الأشياء، والشبر الثالث لا يصله أحد، ومن هنا فإن المتعالمين أصحاب الشبر الأول يكثرون في آخر الزمان الذي يرفع فيه العلم، فقد صح عن رسول الله r أنه ذكر فتنا بين يدي الساعة يرفع فيها العلم ويظهر الجهل ويكثر فيها النساء ويقل الرجال. وإنكم اليوم في آخر أزمنة هذه الأمة، لا تنتظرون الآن إلا أن يصابحكم الدجال أو أن يماسيكم، في آخر الأمم، وأنتم تستشعرون أن هذه الفتن صدق حاصلة لا محالة، وهي واقعة فيكم فاستعينوا الله عليها واحذروها، واعلموا أنه صح عن رسول الله r فيما أخرج عنه البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما أنه قال: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور الناس ولكن يقبضه بموت العلماء فإذا مات العلماء اتخذ الناس رؤساء جهالا وفي رواية رءوسا جهالا فاستفتوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا، فسيرفع هذا العلم ولن يبقى إلا هؤلاء الرؤساء الذين يقلدهم الناس ويسألونهم فيَضِلُّون ويُضِلُّون، يَضلون بأنفسهم حين يتكلمون بما لا يحيطون به علما، حين يتجرؤون على التوقيع عن رب العالمين بما لا يعرفون وقد قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)} [الأعراف] فهذا من أكبر الكبائر، وكذلك قال تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} [الإسراء]، من هنا فإن أول ما ينبغي أن يستحضره الإنسان في مجال فهم الكتاب والسنة أن يعلم أن فهمهما ينطبق على نوعين من أنوع العلم، النوع الأول فهم طرق دلالتهما على الأحكام، وهذا النوع هو علم الأدلة، والنوع الثاني علم حال المستفيد ليعرف مقامه هو وفي أي المستويات ومن أين يبدأ وإلى أين يقف، فحال المستفيد مهم جدا في معرفة دلالة الكتاب والسنة، والمستفيد لا يكون إلا مؤمنا أولا فهذا الشرط الأول الذي تستوي فيه جميع الطبقات، فالكفار والمنافقون لا يزيدهم هذا القرآن إلا ضلالا، ولذلك قال الله تعالى: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10)}  [الإسراء] وقال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82)} [الإسراء] فيزيد الظالمين خسارا لإقامة الحجة عليهم ولأنه يلعنهم على ألسنتهم، وهو إما شافع مشفع وإما ماحل مصدق، فلذلك الشرط الأول من شروط فهمه أن يكون الإنسان مؤمنا به، وهذا الشرط يقتضي الأدب معه، فإن كثيرا من الناس يتجرأ على كتاب الله ويهجم عليه دون أن يكون مسلما بكل ما فيه، دون أن يكون منطلقا من قاعدة التسليم، فأول شيء تتعامل به مع كتاب الله أن تنطلق من قاعدة التسليم أنك جاهل وأنه هو كلام الله وأنك تريد أن تتعلم منه كما أمرك الله، وتريد أن تتدبر التدبر الذي أمرك الله به في قوله: {لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (29)} [ص] وفي قوله: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)} [محمد] فتنطلق أولا من قاعدة التسليم بأن كل ما فيه حق، وأن ما قصرت أنت عنه من الفهم فليس ذلك لعيب في القرآن وإنما هو لعيب فيك، إن كثيرا من الناس يتجاسرون على التدبر دون أن ينطلقوا من قاعدة التسليم، فتجدهم يضربون بعض النصوص ببعض وتختلف عليهم فيكون هذا مثار الشبهة نسأل الله السلامة والعافية، ومن هنا يفتنون عن كتاب الله، فشبهة واحدة في فهم كتاب الله قد تحول بين الإنسان وبين كثير من طاعات الله وعباداته وتصده عن التقرب إلى الله سبحانه وتعالى زمانا، نسأل الله السلامة والعافية.

الشرط الثاني بعد الانطلاق من قاعدة التسليم التي هي من الإيمان به، أن يكون الإنسان عارفا بأوليات هذه اللغة العربية، فهذه اللغة هي التي بها أنزل القرآن وبها تكلم الرسول r في سنته، والجاهل بأولياتها الذي لا يستطيع الخطاب ولا يحسن الإجابة بها لا يمكن أن يتدبر ويتفهم في كتاب الله وسنة رسوله r، لأن ذلك ضرب من العبث، والعبث قد اختلف في حكمه، فقد ذكر خليل رحمه الله كراهة العبث في الصلاة باللحية فعده من المكروهات: وعبث بلحية أو غيرها، وانتقده كثير من الفقهاء فقالوا: بل العبث حرام، ومن الذين ذكروا حرمة العبث المواق رحمه الله تعالى في باب الوديعة من شرحه لمختصر خليل حيث ذكر أن الاشتغال بطلب العلم في حق العاجز عن ذلك عبث وهو حرام فكيف يثاب عليه، والواقع أنه لا منافاة بين الأمرين فمن العبث ما هو حرام ومنه ما هو مكروه لأن كله إضاعة للوقت والعمر، وإفساد لجهد ليس الإنسان مالكا له وإنما هو ملك لله سبحانه وتعالى، والإنسان فيه مأمور أن يصرفه فيما يرضي الله سبحانه وتعالى وهو نعمة عليه لا بد أن يشكرها، ثم إن تعلم هذه اللغة أيضا على درجات متفاوتة، فلا يجب على كل فرد من الأفراد أن يقرأ مثلا محتوى كتاب سيبويه أو شرح المفصل لابن يعيش، أو شروح التسهيل لابن مالك مثلا، فهذه أمور لا تجب على أفراد الأمة وإن كانت تجب كفاية لا بد أن يكون في الأمة من يستوعب هذا المستوى من فهم اللغة وإتقان جزئياتها، ولكن ذلك لا يجب على الأفراد، أما أدنى المستويات فهو فهم الخطاب وإتقان إجابته، فهذا المستوى مختلف في حكمه بين الناس، فمن قدر عليه فالراجح أنه يندب له، وقالت طائفة يجب عليه، وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان في المسجد الحرام فسمع رجلين يتحدثان بالفارسية فانتهرهما وقال: ابغيا إلى العربية سبيلا، ولا يحرم الكلام بأي لسان في أي مكان ولكن مقصوده بذلك أنهما لا يمكن أن يتفقها ولا أن يتفهما في الدين ولا أن يتدبرا القرآن إلا إذا فهما الخطاب بالعربية واستطاعا إجابته، وهذا أقل المستويات، وهذا القدر القليل الواجب أو المندوب على الأقل إنما يتأتى بأحد أمرين، إما عن طريق الدراسة وإما عن طريق خلطة أهل اللغة والتحدث إليهم، ولا يغني فيه مجرد الكلام باللهجات العامية، لأن هذه اللهجات ملحونة وكثيرا ما تؤدي بالإنسان إلى سوء فهم كتاب الله، وقد لاحظت أن بعض الأفراد سبب خطئهم في فهم كتاب الله اقتناعهم باللهجة العامية، فقد سألني أحد العوام عن قول الله تعالى: {النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا} [الحج 72] قال: وعدها الله كيف يكون هذا، لأنه يفهم اللهجة أن وعدها بمعنى ذهب إليها، فهذا انطلاق من لهجة عامية لا يليق بمن يريد التدبر في كتاب الله والتفهم فيه، ومن نوادر معلمي الصبيان أن رجلا في هذا البلد في هذه العاصمة كان يعلم ولدا القرآن فسأله من أبو عيسى بن مريم فضربه ضربا شديدا وقال: كل يوم أحفظك قول الله تعالى: {وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)} [آل عمران]، فأثرت عليه اللهجة فلم يستطع استيعاب هذا الكلام، فاقتطع هذه القطعة وظنها جملة مستقلة لأنه لا يعلم أن المبتدأ لا بد أن يكون مرفوعا، ونظير هذا كثير، لو تتبعنا أمثلته لكثرت، فهذا المستوى إذن هو أقل مطلوب أن يتقن الإنسان فهم الخطاب وإجابته باللغة العربية، ولا ينافي ذلك اللحن، بل قد يكون لحانا ومع هذا يستطيع التدبر في كتاب الله والتفهم فيه، فهذا أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان، وهو الذي تضاعفت في أيامه رقعة الإسلام لكثرة فتوحه واشتغاله بالجهاد في سبيل الله كان لحانا قد أتاه رجل من الأعراب فأراد أن يقضي حاجته ويلاطفه ويلاينه فسأله فقال: من جاء معك من باديتك؟ قال: ختني، فقال: ومن ختنَك؟ يقصد: ومن ختنُك؟ فقال: سبحان الله حجام كان معنا في البادية، فقال له عمر بن عبد العزيز: الأمير يقصد من ختنُك؟ فعرفه عليه فقال: وما شانَك؟ يقصد: وما شأنُك؟ فقال الأعرابي: عور في عيني وفدع في رصغي، فهذا الذي شانه، فقال له عمر بن عبد العزيز: الأمير يريد: وما شأنك، ولهذا فإن هذا النوع من فساد الألسنة هو الذي اقتضى بالصحابة رضوان الله عليهم أن يفكروا في طريقة صيانة هذه اللغة حتى يحفظ بذلك فهم كتاب الله وسنة رسوله r، فيروى أن أبا الأسود الدؤلي رحمه الله وهو من كبا التابعين كان يوما بالكوفة وكان اليوم قائظا صائفا، فدخلت عليه ابنته فقالت: يا أبت ما أشدُّ الحرِّ، قال: أيام ناجر، قالت: أنا متعجبة لا مستفهمة، فقال: لو كنت متعجبة لقلت: ما أشدَّ الحرَّ، فهنا سأل عليا رضي الله عنه أن يتدارك اللغة العربية وأن يضع لها قواعد تمنع الناس من مثل هذا الغلط، ويروى أيضا أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ذات يوم بالمدينة فرأى صبيانا يرمون هدفا فيخطئون في الرماية، فشق ذلك عليه لأنه يريد أن يكون أولاد المسلمين رماة أهل قوة وشجاعة فلما شق ذلك عليه قالوا: يا أمير المؤمنين نحن متعلمين، فقال: لخطؤكم في ألسنتكم أشد علي من خطئكم في أيديكم، يقصدون نحن متعلمون، وكذلك يقولون إن عليا رضي الله عنه بينما هو في مجلس قضائه إذ دخل عليه رجلان يريدان قسم تركة فقال أحدهما: مات أبينا وترك أبانا حمارا، فوضع أصل قواعد النحو فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم كلام العرب على ثلاثة أقسام اسم وفعل وحرف، فالاسم ما أنبأ عن المسمى والفعل ما دل على حركة المسمى والحرف ما دل على معنى غير ذلك، وسلمها لأبي الأسود الدؤلي وقال: انح هذا النحو يا أبا الأسود.

المستوى الذي هو أسمى من هذا وأعلى هو أن يستطيع الإنسان فهم أساليب اللغة المختلفة، فيعرف أن في اللغة حقيقة وفيها مجاز، وفيها تصريح وفيها كناية، وهذا المستوى يمكن الإنسان من أن يعرف على الأقل الفرق بين ما تعارض وما اتفق من الدلالات، وهذا المستوى يزيد على ما سبق وهو معرفة مبادئ النحو بمعرفة مبادئ البلاغة، والفرق بين النحو والبلاغة هنا في هذا الباب في فهم كتاب الله وسنة رسوله r أن النحو يعرف به الإنسان مواقع المفردات من الكلام ولكنه لا يستطيع التمييز بين الأساليب، فلا يعرف لماذا كانت هذه الجملة اسمية ولماذا كانت هذه فعلية، ولا يعرف لماذا أتي هنا بالاسم الظاهر وهنا بالضمير، ولا يعرف لماذا استعمل هنا اسم الإشارة وهنا الموصول، لكنه بالبلاغة يعرف ذلك، المستوى الذي هو أسمى من هذا هو المستوى الذي يستطيع الإنسان به التمييز بين العام والخاص والمطلق والمقيد ويعرف به أوجه التعارض والجمع، ويعرف به مقتضيات الألفاظ عند تفاوتها كالتخصيص والمجاز والنقل والاشتراك والنسخ، وهذا المستوى هو الذي يدرس في أصول الفقه، والإنسان محتاج إليه في استنباطه من كتاب الله وسنة رسوله r، فمن لم يعرف هذا لا يمكن أن يميز بين العام والخاص لأن العام هو لفظ يتناول الصالح له من غير حصر دفعة واحدة بخلاف المطلق فهو لفظ يتناول الصالح له من غير حصر على سبيل البدلية، فمثلا رجل: جاء رجل هذا اللفظ مطلق وليس عاما لأنه لا يمكن أن يدل على كل من في المسجد من الرجال دفعة واحدة، ولكنه يصدق على كل واحد منهم لو خرجوا من الباب للتدريس، أما العام فلو قلنا الرجال فهذا اللفظ يتناول جميع الرجال جميع من في علم الله من الرجال، فإذن هذا الفرق بين المطلق والعام وكذلك الفرق بين المقيد والمخصص، إذا استطاع الإنسان أن يصل إلى هذا المستوى ذهب عنه التقليد وكان مخاطبا مباشرة بأن يتفهم في الكتاب والسنة، وأن يأخذ الأحكام منهما، وهذا أمر سهل جدا للغاية، فيمكن أن يصل الإنسان إلى هذا المستوى من العلم بشهر واحد من التعلم، دراسة شهر واحد، دراسة شهر واحد يستطيع بها أن يميز بين الاسم والفعل والحرف وبين المرفوع والمنصوب والمجرور ويميز بها طرق تركيب الجمل ويميز بها بين أنواع الدلالات من الناحية البلاغية ويميز بها كذلك مفردات الألفاظ عند الأصوليين، شهر واحد يخرج بالإنسان عن طور الابتداء والتقليد إلى طور التبصر والتدبر، لكن ينبغي هنا أن نعلم أنه إذا جاءه موعظة من ربه فجاءته آية فهم دلالتها، وعرف أن الصيغة التي فيها تقتضي أمرا أو نهيا ولم يجد في الكتاب آية أخرى تعارضها فحينئذ لا يحل له أن يقلد أحدا ولا أن يشاوره، كيف تشاور إنسانا وقد جاءتك موعظة من ربك افعل كذا، فتقول حتى أستشير فلانا من الناس، لا يمكن أن يكون هذا، وكذلك لو جاءه حديث عرف معناه وفهمه ويزيد الحديث ضابطا آخر على الكتاب وهو البحث في إسناده، والحكم عليه بالصحة أو الحسن، حتى يعرف هل هو مقبول أو مردود، ولا يلزم التفصيل بين الصحيح والحسن ولا بين أنواع الصحيح ولا بين أنواع الحسن، المهم أن يميز الإنسان بين المقبول والمردود من الحديث فقط ويكفيه هذا، لكي يخرج من طور الابتداء والتقليد المطلق، إذا كان يعرف أن هذا الحديث عموما من حيز المقبول لا من حيز المردود، فإنه غير معذور إذا فهم دلالته وجاءه أمر من النبي r أن يفعل كذا فيقول حتى أستشير أو حتى أسأل فلانا، هذا غاية الجهل، لأن الرسول واحد هو المرسل إليك من ربك، وقد شرط الله على النبيين السابقين وأممهم أن يتبعوه إذا أمر فكيف لا يكون هذا الشرط على أمته، {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82) أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (83)} [آل عمران] فهنا إذا كان العهد قد أخذ على الأمم السابقة وعلى الرسل الذين اصطفاهم الله برسالاته وشرفهم بكلامه على أن يتبعوا محمدا r فكيف لا ينطبق هذا على أمته الذين يرجون أن يحشروا تحت لوائه وأن يبعثوا في زمرته يوم القيامة، هم أولى باتباعه وأولى بتصديق ما أخبر به والأخذ بكل ما جاءهم عنه وقد قامت عليهم الحجة أكثر ممن سواهم.

ثم بعد هذا نصل إلى مستوى آخر في تدبر الكتاب والسنة وهو مستوى يستطيع الإنسان به التمييز بين الناسخ والمنسوخ منهما، والعمل عند التعارض، وهذا المستوى لأهل العلم، فهم الذين يستطيعون الحكم بنسخ حديث أو آية وهم الذين يستطيعون كذلك إثبات التعارض بين الخبرين أو بين الآيتين مع أنه لا تعارض بين قطعيين ولا بين قطعي وظني وإنما يمكن التعارض بين ظنيين فقط، والقطعية إنما تأتي من قبل جهتين، من جهة الدلالة ومن جهة الثبوت، فقطعي الدلالة والثبوت هو آيات القرآن الواضحة المعنى، وأحاديث النبي r الواضحة المعنى المتواترة أو الصحيحة إسنادا، فهذه لا يمكن أن يقع التعارض بينها أبدا للعصمة، لكن قطعي الورود ظني الدلالة مثل الآيات التي دلالتها غير واضحة، أو الأحاديث الصحيحة التي دلالتها غير واضحة فهذا مما يمكن التعارض بينه، والتعارض بينه يكون إشكالا على بعض الناس فيحل لهم بعضهم هذا الإشكال ومن هنا فمن حكمة الله أن يحتاج بعض الناس إلى بعض حتى في تدبر كتاب الله، ومن هنا فاوتهم فجعلهم درجات متباينة، يكتب لبعضهم من فهم كتابه ما حبس عن غيره، وقد ذكرنا قول العلامة محمذ فال بن متالي رحمه الله:

وقسمة الحظوظ فيها يدخل
فيحرم الذكي من فهم الجلي

 

فهم المسائل التي تنعقل
إن لم يكن من حظه في الأزل

لا يفهم الواضحات فتخفى عليه، وهنا يحتاج إلى من يفهمه فيسأل عنها، ولذلك فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ سورة النحل حتى بلغ قول الله تعالى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47)} فاستشكل قوله: على تخوف، فسأل الناس في المسجد وهو الخليفة، لا يستحيي أن يسأل الناس عما جهل من دين الله، سأل الناس في المسجد من يعرف معنى التخوف، فجاء رجل من هذيل فقال: يا أمير المؤمنين هذه لغتنا، ومعناها أخذ الشيء بالتدريج والتقسيط، وأنشده قول الشاعر: \"كما تخوف عود النبعة السفن\". وكذلك فإنه بينما هو في مجلسه أتته امرأة من اليمن فقالت: يا أمير المؤمنين إن بعلي عبد حقي وترك الوصيد رهوا ولي عليه مهيمن فهل لي عليه من مسيطر؟ فالتفت إلى الحاضرين فقال: من فهم منكم كلام هذه المرأة؟ فقال ابن عباس: كلمات كلهن في كتاب الله يا أمير المؤمنين، فقال: هات ما عندك، فقال: إن بعلي معناه إن زوجي والله تعالى يقول: {وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا} [هود 72] عبد حقي بمعنى تركه وأضاعه والله تعالى يقول: {قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (81)} [الزخرف] بمعنى التاركين لعبادته، وترك الوصيد، الوصيد الباب، وفي القرآن يقول الله تعالى: {وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ} [الكهف 18] رهوا أي مفتوحا {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (24)}  [الدخان] ولي عليه مهيمن أي شاهد لقول الله تعالى: {وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ} [المائدة 42] فهل لي عليه مسيطر أي حاكم لقول الله تعالى: {لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)} [الغاشية] فلم يجعل هذا عمرَ غير مجتهد في دين الله ولا غير مستوعب لدلالات كتاب الله، ولكن الله تعالى يختص من شاء من هذا العلم بما شاء، وهذا المستوى من مستوى الدلالات هو ما ذكرناه من قبل من استيعاب اللغة وحفظ مجامعها الكبرى، وقد ذكرنا أنه من فروض الكفايات ولا يجب على الأعيان، ولا يمنع جهله من تدبر القرآن والسنة ولا أخذ الأحكام منهما.

إن هذا التفاوت في فهم الدلالات هو الذي جعل كثيرا من الناس يغلطون فيظنون أن المطلوب في فهم الكتاب والسنة أعلى المستويات في اللغة، فيقولون لمن رأوه يحاول التدبر والتفهم لكتاب الله: لست أهلا لهذا فاتركه، وهذا غلط فادح لأنه ليس عليه أي برهان من الله سبحانه وتعالى ولا من رسوله r وقد أمر الله الجميع بتدبر القرآن وسأذكر مراتب التدبر إن شاء الله تعالى، ومن هنا يتبين لنا مراتب التفسير، فتفسير القرآن، القرآن نفسه في التفسير على أقسام، القسم الأول منه هو ما يعرف تفسيره كل ناطق باللغة العربية، وهذا مثل قول الله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)} [الإخلاص] {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} [محمد 19] كل ناطق باللغة العربية يستطيع تفسير هذا ويحل له أن يعمل على مقتضى فهم هذا النوع، {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة 43] {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى} [الإسراء 32] هذا النوع من الآيات لا يحل التقليد فيه لمن ينطق بالعربية فيأخذه مباشرة من كتاب الله ولا يتقيد بشيء آخر، ونظير هذا من الحديث كثير أيضا، النوع الثاني ما يختص به من كان عارفا بغريب اللغة، الذي يعرف دلالات الغريب فقط، وهذا مثل قول الله تعالى: {كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51)} [المدثر]، فليس كل الناطقين بالعربية يفهمون معنى القسورة، ومثل ذلك: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (31)} [النبأ] فليس كل ناطق بالعربية يفهم معناها، فهذا يختص بأهل اللغة وهذا المرجع فيه ليس كتب الشريعة إنما المرجع فيه كتب الغريب، من لديه القاموس أو اللسان أو كتب المعاجم يستطيع تفسير هذا النوع من القرآن وليس مطالبا بأكثر من ذلك لأن الرجوع في هذا إلى معاجم اللغة، النوع الثالث من أنواع القرآن هو ما يختص به أهل التدبر والتفهم وهم العارفون لأقل مستويات النحو وأقل مستويات البلاغة وأقل مستويات الأصول، وذلك من مثل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} [المائدة 6] فظاهر هذه الآية يمكن أن يتفهمه كل أحد، لكن إذا أتينا إلى مستوى الاستنباط وأخذ الأحكام منها سيقف حمار الشيخ في العقبة، سنقف عند أو كلمة منها إذا، يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم، إذا ظرف للمستقبل فهل هو متصل بالفعل أو غير متصل به؟ هذا يحتاج إلى استنباط، قمتم فعل ماض وهو يقتضي أن يكون القيام قد حصل وهذا في المستقبل لأن إذا ظرف للاستقبال فإذا اجتمع المستقبل والماضي ما دلالتهما؟ ومتى يكون ذلك؟ وما معنى قمتم؟ هل معناها أردتم القيام أم معناه إذا وقفتم في الصلاة؟ إذا قمتم إلى الصلاة هل هذا على كل قائم للصلاة أم يختص به من لم يكن على طهارة؟ إلى الصلاة هل المقصود بها الفرائض فقط أو تشمل النوافل؟ وهل يدخل في ذلك مجرد سجود التلاوة وسجود الشكر والزلزلة؟ وهل الصلاة على الجنازة داخلة في ذلك وليس فيها ركوع ولا سجود؟ هذا يختص بأهل الاستنباط، وكذلك قوله: فاغسلوا: ما معنى قوله: فاغسلوا؟ هل هو مجرد إيصال الماء إلى العضو؟ أم يحتاج إلى دلك؟ وكذلك قوله: وجوهكم، هل المقصود بالوجه ما يتناول المضمضة والاستنشاق والاستنثار وكذلك غسل داخل العينين أو المقصود به غسل ظاهر الوجه فقط؟ وهذا محل استنباط وبحث وهكذا في بقية الآية، النوع الرابع من أنواع القرآن ما يختص بفهمه أهل الرسوخ في العلم الذين جمعوا علوما شتى واستطاعوا التنويع في المعارف، وهؤلاء قلائل جدا، لأنه لا يصدق هذا الوصف إلا على من أجاد ثمانية وعشرين علما، وهذا مثل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ (106) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)} [المائدة]، هذه الآية يقول ابن العربي في أحكام القرآن: هي أشكل آية في كتاب الله، ومقصوده بذلك أنها ليست على مستوى العوام، ولا على مستوى المبتدئين في طلب العلم، لكن ليس شيء من القرآن مشكلا بالكلية بمعنى أن لا يعرفه أحد، وبالأخص آيات الأحكام، آيات الأحكام منزلة للتطبيق، ومن هنا قال القرطبي في تفسيره ردا على ابن العربي: بل هي من واضح القرآن ولله الحمد، وذكر بيانها، النوع الخامس من أنواع القرآن فيما يتعلق بالتفسير هو المتشابه، وهذا منه ما استأثر الله بعلمه ولا ينبغي الخوض فيه مثل فواتح السور: الم، المص، الر، المر، كهيعص، حم، حم عسق، ونحو هذا، فهذا استأثر الله بعلمه، وهو إعجاز وتقريع للناس، ومنع أن يأتي أحد بمثل هذا القرآن، ومن مظاهر إعجازه أن أهل اللغة وأهل البيان حين أنزل عليهم لم يرتابوا فيه ولم يستشكلوه ولم يسألوا عنه، فلم يأت أبو جهل إلى النبي r يريد أن يشرح له: حم عسق، أو كهيعص، بل سكت عليه أهل اللغة مع حرص هؤلاء الجبابرة من قريش على أن يجدوا أي تناقض في القرآن أو أي اختلاف فيه، أعجزهم هذا فسكتوا، ومنه ما يدخر لبعض الناس دون بعض أو في وقت دون وقت، فمن المتشابه ما يزول عنه التشابه بالزمن، يكون متشابها في فترة تاريخية ثم يزول عنه التشابه، وذلك أن هذا القرآن غير منزل للصحابة وحدهم، ولا للتابعين وحدهم ولا لأي عصر من العصور، بل هو منزل لكل هذه العصور، يأخذ منه كل عصر حظه ويبقى القرآن بعد ذلك جديدا كيوم أنزل، ولهذا فإن الشافعي رحمه الله قال في تفسير قول الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115)} [النساء] قال: الآن انجلت، هذه الآية كانت متشابهة في أيام النبي r، لأنه ليس للمؤمنين سبيل إلا ما جاء به النبي r وقد عطف سبيل المؤمنين على ما جاء به والعطف يقتضي المغايرة، فكانت مشكلة من المتشابه في حياة النبي r ثم زال عنها التشابه في أيام الشافعي فعرف أن سبيل المؤمنين هو الإجماع، والإجماع غير معتبر في حياة النبي r لأنه إما أن يوافقهم وإما أن يخالفهم، فإن خالفهم فإجماعهم فاسد الاعتبار لمخالفته للنص، وإن وافقهم فالعبرة بقوله لا بقولهم، لكن بعد موت النبي r أصبح إجماع المسلمين حجة وهو سبيل المؤمنين، ونظير هذا قول الله تعالى: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ} [النحل] ويخلق ما لا تعلمون، جاء بصيغة الفعل المضارع المقتضي للاستقبال، وذلك في عد المراكب والامتنان بها، وقد انجلى لنا اليوم من ذلك السيارات والطائرات والمراكب الفضائية وغيرها من أنواع ما يركبه الناس، وربما ينجلي لمن وراءنا ما هو أكثر من ذلك، وكذلك قوله: {وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ  وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9)} [النحل]، كان هذا مشكلا أيضا حتى عرفت الرادارات التي يقع بها تقويم سير الطائرات والسفن في البحر، وهي تسير وفق خطوط مائلة غير معتدلة، ولكن تقويم سيرها إنما يتم بواسطة الرادارات التي تحدد مسارها، وربما انجلى ما هو أكثر من هذا وأبين، ومما انجلى في أيام النبي r أن الله أنزل عليه: {لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (27)} [الفتح] فقالوا: أو فتح هو؟ واستشكلوا ذلك غاية الاستشكال، واستعظم ذلك المشركون لأنهم صدوه عام الحديبية، فلما كان من العام القابل أخرجهم الله صاغرين فاعتمر رسول الله r وأصحابه عمرة القضاء، ودخلوا مكة ثلاثا لا يضايقهم فيها مشرك، وحقق الله لهم وعده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، كما قال النبي r حين وقف على الصف رفع صوته بهذا التشهد حتى سمعه المشركون «لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده لا إله إلا الله حقا حقا تعبدا ورقا» فحقق الله ما وعد، ولهذا كان ابن رواحة رضي الله عنه يرتجز بين يديه فيقول:

خلوا بني الكفار عن سبيله
واليوم نضربكم على تأويله

 

نحن ضربناكم على تنزيله

فقد قاتلوا عن هذا القرآن قبل أن يفهموه قاتلوا على تنزيله، واليوم نضربكم على تأويله، وتأويله معناه خروجه للعيان وبروزه وانجلاء معناه، ولهذا قال الله تعالى: {بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ} [يونس39]، ولما لنفي الماضي المنقطع معناه وسيأتيهم تأويله، وقد تحقق ذلك، كذلك فإن من هذا المتشابه ما يكون واضحا لدى بعض الناس خفيا على بعض، ولذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما في تأويل فواتح السور وهي من المتشابه الخفي قال: أنا من الراسخين في العلم الذين يعرفون تأويله، وهذا أخذ منه بشطر الخلاف، فإن الله سبحانه وتعالى قال: {مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)} [آل عمران] وقد اختلف في تفسير هذه الآية وفي محل الوقف منها، فذهب جمهور أهل التفسير إلى أن محل الوقف في الآية هو مثل ما قرأنا: وما يعلم تأويله إلا الله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به، فيكون قوله والراسخون في العلم مبتدأ وهو من عطف الجملة على الجملة، وقال آخرون بل الراسخون في العلم اسم معطوف على الله، معناه وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم فيكون الوقف على العلم، لكن القول الأول أرجح، لأن الله سبحانه وتعالى ذكر لنا تقسيما، والتقسيم لا بد فيه من طرفين على الأقل، والطرف الأول بارز واضح وهو قوله: فأما الذين في قلوبهم زيغ، والطرف الثاني غير بارز فلا يمكن أن يكون إلا قوله: والراسخون في العلم، فيكون المعنى على هذا: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله، وأما الراسخون في العلم فيقولون آمنا به كل من عند ربناوما يذكر إلا أولوا الألباب، فيكون هذا قسيما للقسم السابق لا عطفا على اسم الجلالة، وهذا الوجه هو الأرجح في التفسير لأن أما تقتضي التقسيم:

أما بفتح الهمز والتشديد

 

للشرط والتقسيم والتأكيد

فهي لتفصيل المذكور، بعد هذا يتفاوت هؤلاء أيضا أهل الرسوخ في العلم، يتفاوتون في فهم الدلالات، فمنهم من يصل إلى مستوى الاستنباط من الإشارات لا من الألفاظ فقط، وهم قلائل أندر من السابقين، من فهم العبارة ثم فهم الإشارة بعد العبارة، وهؤلاء منهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد فهم من قول الله تعالى: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة 233] مع قوله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف 15] أن أقل أمد الحمل ستة أشهر، وهذا ليس من دلالة أي لفظ من الآيتين، ولكنه من دلالة الإشارة فقط، لأنه جعل الإرضاع سنتين وجعل الحمل والإرضاع ثلاثين شهرا وسنتان إذا أخذتا من ثلاثين شهرا لم يبق إلا ستة أشهر، فلم يترك للحمل إلا ستة أشهر، فهذا النوع من الفهم هو فهم إشارات النص، ومنه فهم مالك رحمه الله لجواز الإصباح جنبا من قول الله تعالى: {فَالْآَنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة 187] قال: قد أباح الله تعالى الأكل والشرب والجماع طيلة الليل حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر فلم يترك وقتا للغسل، إذا كان الإنسان يجوز له الجماع إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر لم يبق وقت للغسل فدل هذا على جواز الإصباح جنبا وليس هذا من دلالة اللفظ وإنما هو من دلالة الإشارة فقط، ومثل هذا دلالة التنبيه، وهي التي يسميها كثير من الأصوليين بدلالة الإيماء، وهي أن يدل اللفظ على إشارة إلى التعليل وإلى العلية، اللفظ قد يدل على التعليل فقط أن الحكم معلل،  ولكنه لا يدل على العلة، وقد يدل على التعليل والعلية معا، يدل على أن الحكم معلل وعلى أن علته كذا، ومن ذلك قول الله تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14)} [الانفطار] فارتباط الحكم بوصف مشتق يدل على أن ما اشتق منه الوصف هو علة الحكم، معناه: إن الأبرار لفي نعيم لبرورهم، وإن الفجار لفي جحيم لفجورهم، فالبرور هو سبب دخول الجنة وسبب النعيم، والفجور هو سبب دخول النار، وهذا ليس دلالة صريحة ولا هو نص، لكنه إنما دلت عليه الآية بارتباط الحكم بالوصف المشتق، إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم، ومستويات الناس في هذا متباينة متمايزة يمكن أن نفصلها بالأرقام ليكون ذلك أدعى للانتباه، فالرقم الأول في الناس في فهم كتاب الله وسنة رسوله r من لا يفهم العربية أصلا، المطبق الذي لا يفهم العربية، فهذا حظه من دلالة النصوص التقليد في دلالتها كما يقلد في نقلها، لأننا ذكرنا أن الكتاب والسنة يبحث فيهما من جهتين، جهة الورود وجهة الدلالة، جهة الورود معناه الثبوت، ونحن في القرآن حصل لدينا العلم الجازم بالتواتر به وهو معصوم محفوظ فلا يحتاج اليوم إلى التفصيل في الأسانيد والتدقيق في تراجم الرجال لكن الإسناد مطلوب على كل حال وهو من خصائص هذه الأمة وقد شرف الله به هذه الأمة من بين الأمم ولذلك يقول أهل الحديث: كفى بالرجل شرفا أن يكون اسمه أدنى سلسلة أسماها اسم رسول الله r.


عدد مرات القراءة : 5895



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22883793
المتواجدون الأن       12
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو