» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
المغني المفيد الشريط الثانى




العمر الرابع عمر المحشر في الساهرة، ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون والعمر الخامس وهو الأخير العمر الأبدي السرمدي في جنة أو في نار بالبقاء والخلود فيهما، وهو عمر الجزاء المرتب على عمر العمل، فعمر العمل أقصر الأعمار وعمر الجزاء أطولها، وهذا من فضل الله سبحانه وتعالى ومن تمام عدله، ولهذا خاطب الإنس والجن ببيان الحكمة التي من أجلها خلقهم فقال: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وما هنا نافية وجاء بعدها الاستثناء بإلا للاجتماع بين النفي والإثبات، وهذا أسلوب من أساليب الحصر، وهو يقتضي أن حكمة خلقهم واحدة وهي عبادة الله سبحانه وتعالى، والخلق هو الإنشاء من العدم فليس مرادفا للفعل، فالفعل قد لا يكون من عدم كأفعال المخلوقين فإنها غير ناشئة عن عدم، فالخلق إذن خاص بالله سبحانه وتعالى وأما الفعل فقد يصدر من الله ويصدر من المخلوق فالله يفعل ويخلق، والعبد يفعل ولا يخلق، ﴿الله خالق كل شيء والجن جنس وقد اختلف هل بدايتهم من إبليس فيكونون كالإنس مقارنين لهم في النشأة والتطور أو أن إبليس منهم فقط، كما يدل عليه قول الله تعالى: ﴿كان من الجن ففسق عن أمر ربه وعلى هذا فالجن أنواع منهم من هو من ذرية إبليس ومنهم من ليس من ذرية إبليس، وهذا العالم الذي هو عالم الجن أنواع متنوعة بعضها لا يرى بعضا، ولذلك فالقرين من الشياطين الذي يصحب الإنسان، والشيطان الموسوس الذي يوسوس له كخنزب الذي يوسوس له في الصلاة والوَلْهان الذي يوسوس له في الطهارة والشيطان الوسواس الذي يجري من ابن آدم مجرى الدم ليس هو كجنس الجن الآخرين الذين قد يتلبسون ببعض الناس وقد يضربونهم وقد يتراءون لهم، فالجن الذين كان سليمان يستخدمهم ليسوا هم الذين يوسوسون في نفوس الناس ولا من هذا الجنس، بل هم من جنس ذلك الذي عرض للنبي r فخنقه حتى أحس ببرد لسانه، و أراد أن يربطه حتى يصبح صبيان أهل المدينة يلعبون به، ثم تذكر قول سليمان عليه السلام ﴿رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي فأرسله، والإنس هم البشر وهو جنس مشتق من الأُنس لأن بعضهم يأنس ببعض، وواحد الإنس إنسان ﴿إلا ليعبدون هذا الحصر ويقتضي إثباتا بعد النفي وهو استثناء من النفي السابق.

واللام هنا إما أن تكون للعاقبة معناه أن عاقبة أمرهم أن يعبدوه سبحانه وتعالى، وإما أن تكون للتعليل فمعناه أن حكمة خلقهم هي عبادتهم له، وكلا الوجهين يعترض عليه، فالوجه الأول أنها للعاقبة يعترض عليه بأن كثيرا منهم لا تكون عاقبته كذلك، لأن بعض الناس قد يكون عابدا في بداية أمره ثم تسوء خاتمته نسأل الله السلامة والعافية وكذلك في الجن، والوجه الثاني وهو أن اللام للتعليل يعترض عليه أيضا بأنه لو كانت اللام للتعليل لكانوا جميعا صائرين إلى عبادته ولم يخالف ذلك منهم أحد، ومن المعلوم أن بعضهم لا يعبد الله سبحانه وتعالى وهم جمهورهم فقد كفر أكثرهم، لكن يمكن أن يقال إن المقصود بالعبادة هنا ما هو أعم و أشمل من العبادة الخاصة التي يثاب فاعلها ويعاقب تاركها، بل المقصود بذلك السير على وفق أمره، فلا يستطيع أحد منهم أن يخالف ذلك، فيكون هذا من باب الكلمات الكونية لا من باب الكلمات التشريعية، فالكلمات الكونية لا يتعداها بر ولا فاجر، والكلمات التشريعية يقف عندها البر ويتعداها الفاجر، والله سبحانه وتعالى غني عن عبادة الإنس والجن غير مفتقر إلى شيء منها وغير محتاج إلى شيء منها، وإنما ذلك لبيان الحكمة لا لبيان العلة، فعبادتهم لمصالحهم هم هم المنتفعون بها، والله سبحانه وتعالى لا ينتفع بشيء منها، ولذلك قال: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم وقال: «يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».

ووجه سوقه لهذه الآية في كتاب التوحيد بيان أن التوحيد هنا أهم مقتضياته عبادة الله سبحانه وتعالى، وهي مقتضية للتخلص من عبادة كل ما سواه، ثم قال: وقوله: وهذا عطف غير مستقيم في اللغة، لأنه قال: قال الله تعالى، فالجملة فعلية فكان اللازم أن يقول: وقال تعالى، فالاسم هنا معطوف على الفعل فلا محل له فيشكل إعرابه، ويمكن أن يكون هذا خطأ من النساخ، فالأصل أن يقول قال الله تعالى وقال تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت الآية ﴿ولقد بعثنا هذا عطف للجملة على سابقتها واللام فيه للقسم معناه والله لقد بعثنا، وقد للتحقيق ﴿بعثنا المقصود بالبعث هنا الإرسال، فبعثة الرسل بمعنى إرسالهم بالحجة على قومهم، ﴿في كل أمة فالأمة إما أن تكون من الناس وإما أن تكون من الزمان، فالأمة من الزمان هي الوقت، يطلق على القرن وما فوقه وما دونه، والأمة من الناس يطلق على الجنس منهم، ويطلق على العدد الكثير، فالجنس كأمة العرب وأمة فارس وأمة الروم، والعدد الكثير مثل قوله تعالى:﴿ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس أمة من الناس أي عددا كبيرا منهم، في كل أمة رسولا، ورسول كل أمة إنما يكون منها، والرسل لا يكونون إلا من البشر أو من الملائكة، فهذا مخرج للأمم الأخرى من أجناس الخلائق من الطير والبهائم، فهي وإن كانت أمما مثلنا إلا أنها لا يبعث فيها الرسل، فقد قال الله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء لكن لا يشملها هنا قوله: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا} لأنه قال: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس فالرسل لا يكونون إلا من الملائكة أو من الناس، والرسول يطلق على الرسالة نفسها، فالرسالة التي تريد إبلاغها إلى غيرك تسمى رسولا، ويطلق أيضا على حاملها، فمن الإطلاق الأول قول الشاعر:

بليلى وما أرسلتهم برسول

 

لقد كذب الواشون ما بحت عندهم

 وما أرسلتهم برسول أي برسالة.

ومن الإطلاق الثاني قول الشاعر:

ولا كل يوم لي إليك رسول

 

فما كلَّ يوم لي بأرضك حاجة

وهو فعول للمبالغة لأن المقصود أنه ما ذهب إلا لتأدية تلك الرسالة، فالرسالة التي أرسل بها شخص مختص بتبليغها يسمى حاملها رسولا، وأما الرسالة التي أُرْسلَتْ مع البريد أو مع شخص كان مسافرا فلا يسمى ذلك الشخص رسولا لأنه لم يرسل بتلك الرسالة، إنما هو شخص مسافر أُوصي بتبليغ تلك الرسالة فقط، فإذن فيها معنى المبالغة تدل عليه لفظة فعول. أن اعبدوا الله هذه هي رسالة الرسل فالذي أرسل به الرسل هو هكذا أن اعبدوا الله، والمقصود بالعبادة هنا أمران، الأمر الأول عام وهو تحقيق العبودية له بالمذلة والإشفاق، والثاني هو تحقيق العبادة المخصوصة وهي ما أمر به الله سبحانه وتعالى من الطاعات واجتناب ما نهى عنه من المعاصي، ﴿واجتنبوا الطاغوت هذا مقابل لعبادة الله، فاجتناب الطاغوت معناه الكفر بكل ما يعبد من دون الله، فالاجتناب هنا بمعنى الكفر والترك، والطاغوت اسم جنس لكل ما يعبد من دون الله، وهو مشتق من الطغيان وهو تجاوز الحد، فكل ما عبد من دون الله سيكون مخلوقا والمخلوق إذا عبد فقد تجاوز حده وطوره، ومناسبة هذه الآية لكتاب التوحيد أنها بينت أن حكمة بعثة الرسل تحقيق العبودية لله في الأرض، لأنه قال: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله وأنها بينت كذلك أن العبادة لله لا تستقيم إلا باجتناب الطواغيت، فلا يمكن أن يكون الإنسان عابدا لله سبحانه وتعالى عابدا للطاغوت، جامعا بينهما، فالعبادة لله تقتضي الكفر بالطاغوت، كذلك قال: وقوله: وهي أيضا مثل سابقتها خطأ فالأصل أن يقال: وقال تعالى: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا وقضى ربك إذا كان الخطاب هنا لأمة الدعوة فمعناه أرشد إلى ذلك، وإذا كان معناه لأمة الإجابة، فمعناه حكم بذلك، فالقضاء يأتي لعدة معان في اللغة، فيطلق على الأداء، مثل قول الله تعالى: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين قضينا إليه ذلك الأمر أي أدينا إليه ذلك الأمر.

ويطلق على الحكم مثل قوله: {وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه} إن كان الخطاب لأمة الإجابة، ويطلق على الإتمام مثل قول الله تعالى: ﴿فقضاهن سبع سماوات في يومين أي أتم خلقهن، ويطلق على الأداء بمعنى أداء الدين مثل قولك قضيت الدين الذي عليَّ، وهذا قريب من الإتمام، ولذلك فسر بهما قول الله تعالى: ﴿فلما قضى موسى الأجل إما أن يكون مثل قضاء الدين بمعنى السداد والأداء، وإما أن يكون بمعنى الإتمام أي أتم موسى الأجل، ويطلق على الموت ومنه قول الله تعالى: ﴿فوكزه موسى فقضى عليه أي قتله، ويطلق على الأمر مثل: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه إن كان الخطاب لأمة الدعوة لا لأمة الإجابة، ولغير هذا من المعاني، والرب فَعْل للوصف من رَبَّهُ يَرُبَّه إذا قام عليه ورعى شؤونه، والعرب تستعمل من هذه المادة أربعة أفعال، فيقال ربه يَرُبه، ومنه قول صفوان بن أمية: لَأَنْ يربني رجل من قريش خير من أن يربني رجل من هوازن، ويقال رباه يربيه ومنه قول الشاعر:

كمُخُّة ساق أو كمتن إمام
عن القصد حتى بصرت بدمام

 

وربيته حتى إذا تم واستوى
قرنت بحقويه ثلاثا فلم يزغ

ويقال رببه يرببه، ومنه قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:

أسدا تُرببن في الغيضات أشبالا

 

بيضا مرازبة غلبا أساورة

ويقال رَبَّتَهُ يُرَبّتُه ومنه قول الشاعر:

بجمهور حزوى حيث ربتني أهلي

 

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة

 والرب هو المُوصل الشيءَ إلى كماله أي الذي أنشأه ثم تعاهده برعايته وعنايته حتى أوصله إلى كماله، والكاف هنا للمخاطب مطلقا لا بقيد كونه رسول الله r، قضى ربك أيها السامع، لأنه سيقول في هذه الآيات: {إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما} ومن المعلوم أن الخطاب ليس للنبي r هنا لأن والده مات وهو حمل ولأن أمه ماتت وهو في الرابعة من عمره فلا يمكن أن يخاطب بالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما، فالخطاب لكل من يسمع، لا للنبي r، ﴿أن لا تعبدوا إلا إياه هذا لكل السامعين وهو متعلق بقضى، أن لا تعبدوا أيها الناس إلا إياه، وهذا مثل الأسلوب السابق في قوله: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون جمع بين النفي والإثبات ليقتضي ذلك الحصر، وعلاقة هذه الآية بكتاب التوحيد أنها اقتضت انحصار العبادة على عبادة الله سبحانه وتعالى، وذلك مقتض لنفي عبادة كل من دونه، وهذا هو تمام توحيده في العبادة، ﴿وبالوالدين إحسانا لا يقصد إضافة هذه الجملة هنا وإنما جاءت لذكر جزء من الآية فقط، والوالدان مَنْ وَلَدَ الإنْسانَ وهما أبوه وأمه، ويشمل ذلك أيضا الجد والجدة من الجهتين أيضا، فيجب بر الأجداد كما يجب بر الوالدين على الراجح، والإحسان هو كل ما هو حسن عرفا في التعامل، فيشمل ذلك الإحسان القولي والإحسان العملي والإحسان العاطفي والقلبي، فكل هذه من أنواع الإحسان، {وقوله} أيضا مثل سابقتها خطأ والصواب وقال: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا هذا أيضا أمر من الله سبحانه وتعالى لعباده بأن يعبدوه سبحانه وتعالى وحده، وأن لا يشركوا به شيئا بأسلوب آخر ليس كالأسلوب السابق في الحصر بالنفي والإثبات، إنما هو ابتدأ هنا بالإثبات في قوله: واعبدوا الله ثم أعقبه بالنفي في قوله: ﴿ولا تشركوا به شيئا ﴿ولا تشركوا به أي لا تشركوا معه بعبادته فالباء هنا بمعنى مع، للمصاحبة، شيئا هو أنكر النكرات فيشمل ذلك الملائكة والجن وكل ما يدعى من دون الله من الصالحين والحجارة والشجر وغير ذلك، وقوله: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وقوله أيضا مثل سوابقها كان اللازم أن يقول و قال تعالى:﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا قل يا محمد للذين تدعوهم تعالوا اسمعوا وأطيعوا وتعالَ طلب للإقبال والمقصود بتعالوا أي بكل إنصاف وطمأنينة حتى تسمعوا، وذلك مناف للإعراض الذي حصل منهم عن دعوته، أَتْلُ ما حرم ربكم عليكم، أي أقرأ عليكم ما حرم ربكم، ما هو؟ ﴿أن لا تشركوا به شيئا فهذا هو ما حرمه الله سبحانه وتعالى على عباده  أوله أن لا يشركوا به شيئا فهذا نفي للشرك وهذه الآية تضمنت النفي هذه الآية صريحة في النفي المتضمن للإثبات، أن لا تشركوا به شيئا معناه أن تعبدوه وأن لا تشركوا به شيئا، وإن لم يرد فيها التصريح بالعبادة فقد جاء بالضمن لأنه إذا نفي الإشراك به فذلك مقتض لتمام العبادة، ثم عقب على هذه الآية الأخيرة بقوله: قال ابن مسعود من أراد أن ينظر إلى وصية محمد r التي عليها خاتمه فليقرأ قول الله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا إلى قوله وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله هذا كلام ابن مسعود رضي الله عنه في بيان آيات سورة الأنعام الوصايا العشر التي وردت في ثلاث آيات من سورة الأنعام، فقال فيها: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد r، ومعنى ذلك أن هذه الآيات هي ملخص دعوته ورسالته، فالوصية ما يوصي به الإنسان سواء كان ذلك في الحياة إذا أراد السفر، أو بعد الممات إذا كان منتقلا عن الحياة الدنيا فيوصي من بعده بالأمر، والمقصود بكون هذه هي وصية محمد r أنها محكمة غير منسوخة وأنها خلاصة دعوته فهي جامعة مانعة، قد تضمنت عشر وصايا من وصايا الله سبحانه وتعالى لعباده التي بلغها محمد r عنه، ومعنى قوله التي عليها خاتمه، أي المجزوم بها التي لا يشك فيها أحد،  وعبر عن ذلك بوضع الخاتم عليها، فالخاتم في الأصل ما يختم به على الشيء عند نهايته كوضع الطين على الشيء، فإذا كسر عنه عُلمَ أن شخصا قد فتحه بعد صاحبه، وكانوا يجعلون الطين على الخمر ويقولون مفضوضة الختام إذا كانت قد كسر عنها الطين أو الشمع أو نحو ذلك، ومن هذا قول النابغة:

يبيس القمحان من المدام

 

إذا فضت خواتمه علاه

 ويستعمل الختم كذلك على الخاتم الذي يكتب فيه اسم الإنسان عادة أو ما يميزه، فيغمس في الحبر ويوضع على الكتاب أو نحوه ليدل ذلك على تثبت منه وعناية به، ولم يكن العرب يعرفون الختم على الرسائل، ولم يكن رسول الله r يختم كتبه حتى أراد أن يكتب إلى الروم، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابا إلا مختوما فاتخذ خاتما نقشه محمد رسول الله، وفي بداية الأمر اتخذ خاتما من الذهب فسارع الناس إلى اتخاذه فنزعه ورماه فرمى الناس خواتيمهم ثم اتخذ خاتما من الفضة، وهذا الخاتم سنة لمن كان في وظيفة من وظائفه r كالإمامة العظمى ونحوها من المبلغين كالقضاة والمفتين ونحوهم، وسواء جعل في اليد أو في غيرها فالمهم هو أن يكتب فيه اسم الإنسان أو ما يميزه فيختم به على رسائله وكتبه كما كان رسول الله r يختم بخاتمه، ويجوز اتخاذ الخاتم من الفضة بشرط أن لا يتجاوز درهمين وأن يكون ذلك لقصد التسنن والزينة، بالنسبة للرجال، والنساء يجوز لهن اتخاذ الخواتم من الذهب، لأن النبي r قال: «إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم»واختلف في وضع الخاتم فقيل يجعل في اليمين لأنها محل للتشريف والتعظيم، وبالأخص إذا كان الخاتم مكتوبا فيه ما هو محترم من الحروف العربية أو أسماء الله ونحو ذلك، لأن اليسار عرضة لأن تصل إلى الأقذار، وقيل بل يجعل في اليسار وهذا القول الذي رجحه كثير من أهل العلم، لأن النبي r لم يكن يتناول شيئا إلا بيمينه، فإذا تناول الخاتم بيمينه لا يمكن أن يجعله في يمينه فلا بد أن يجعله في يساره، وهذا الحكم يؤخذ منه حكم الساعة أيضا لا بد أن يتناولها الإنسان بيمينه وإذا تناولها بيمينه لا يمكن أن يجعلها في يمينه فلا بد أن يجعلها إذن في يساره، فليقرأ قوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا وهذه الآيات الثلاث كل واحدة منها تضمنت بعض الوصايا، فالآية الأولى تضمنت قول الله تعالى: ﴿أن لا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم والآية الثانية تضمنت قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا أربعة، والآية الثالثة تضمنت وصية واحدة هي: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به فهذه وصايا الله سبحانه وتعالى لعباده، الآية الأولى تضمنت أربعا[1] والثانية تضمنت خمسا والثالثة تضمنت واحدة.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي r على حمار فقال لي: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد؟ وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، قلت: يا رسول الله: أفلا أبشر الناس، قال: لا تبشرهم فيتكلوا» أخرجاه في الصحيحين.

هذا الحديث عن معاذ بن جبل وأتى به هنا بقوله وعن معاذ، معناه ورَوينا عن معاذ ورُوينا عن معاذ فعن متعلقة بمحذوف تقديره رُوينا أو رَوينا، عن معاذ معناه بالإسناد إليه، فلا يقصد به الرواية عن معاذ مباشرة، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي r يحدث عن نفسه بما يدل على تمام إدراكه وسماعه لكلام النبي r وهو أنه كان رديف النبي r أي يركب وراءه على حمار، فقال لي النبي r: «يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟» وهذا امتحان من المعلم للمتعلم فالسؤال إذا سبق الجواب اقتضى ذلك تعلق النفس بالجواب، لأن الإنسان إذا سئل عما لا يعلمه ستتعلق نفسه بأن يتعلمه، فيكون ذلك أرسخ لتلك المعلومة وأبقى لها في الذهن، فلو قال له مباشرة: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، لم يكن ذلك أدعى للحفظ والاستمرار بل الأدعى أن يسأله أولا: «أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله، قلت: الله ورسوله أعلم» وهذا من تأديب النبي r لأصحابه أن يقولوا الله أعلم فيما لا يعلمونه، وإذا كان ذلك المعلوم مما يعلمه رسول الله r أيضا أحيل العلم إليه كأمور الدين، فالعلم الشرعي الله ورسوله أعلم به، وأما العلم الأخروي وعلوم الغيوب فتحال إلى علم الله سبحانه وتعالى وحده، قلت: الله ورسوله أعلم، وعطف الرسول r هنا على الله بالواو فدل ذلك على الجواز مع أن النبي r أنكر على الأعرابي الذي قال في خطبته ما شاء الله وشئت، قال بئس خطيب القوم أنت، لا تقولوا ما شاء الله وفلان ولكن قولوا ما شاء الله ثم ما شاء فلان، ولكن ذلك ليس في كل موقع، بل كثر في الأحاديث العطف بالواو كقوله r «يأبى الله ذلك وابنا قيلة» ومثل قول معاذ هنا لرسول الله r: الله ورسوله أعلم، ويمكن أن يكون الحديث مختصا بالمشيئة فما يتعلق بالمشيئة لا بد فيه من العطف بثم، أما غير المشيئة فيمكن فيه العطف بالواو، وأعلم خبر المبتدإ وهو الله وإذا عطف على المبتدإ قبل الإخبار عنه كان الخبر عنهما معا، الله ورسوله أعلم قال: أي قال رسول الله r: «حق الله على العباد» والمقصود بحقه أي ما يلزمهم تجاهه، فالعباد بينهم و بين الله بيعة وعهد، فهذه البيعة الحق الذي على العباد فيها، أي الطرف الذي لدى العباد فيها هو أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، والطرف الذي إلى الله فيها هو أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا، وهذا معنى كون ذلك حقا للعباد على الله، فالله لا يجب عليه شيء لأحد لكن المعنى أنه بايع عباده على هذا وهو لا يظلم الناس شيئا، «أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا» ونفي العذاب مقتض لإثبات النعيم في المقابل لأن الآخرة فيها داران فقط، إما دار رحمة ونعيم وإما دار عذاب، فالمقصود أن من مات لا يشرك بالله شيئا استحق الجنة التي هي دار الرحمة والنعيم، وذلك مفهوم من مزحزحته عن النار وتجنبيه للعذاب، لأنه إذا لم يعذب اقتضى ذلك تنعيمه ورحمته، «قلت: يا رسول الله أفلا أبشر الناس»؟ قلت مبادرةً من معاذ «يا رسول الله أفلا أبشر الناس» أي أبلغهم ذلك وهذا بشارة لأنه بيان لسهولة الوصول إلى الجنة بمجرد أن لا يشرك الإنسان بالله شيئا ولو عمل أعمالا سيئة فإن ذلك الإيمان يدخله الجنة فهي بشارة في الواقع، لكن النبي r لم يأذن له في تبشير الناس بذلك فقال: لا تبشرهم فيتكلوا، معناه فبسبب بشارتك لهم يتكلون على مجرد الإيمان القلبي دون الحرص على العمل، أخرجاه في الصحيحين معناه أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم في صحيحيهما، ومعاذ إنما قال ذلك تأثما عند موته فعندما نهاه النبي r عن تبشير الناس به لم يبشرهم طيلة حياته، فلما كان عند موته خشي أن يكتم هذا العلم فيخرج من الدنيا وقد بقيت هذه الأمانة في عنقه لم يؤدها، والنبي r أمر بالإبلاغ عنه فكل من بلَغه علم عنه يلزمه أن يبلغه «بلغوا عني ولو آية» «نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه».

قال: \"فيه مسائل\" أي في هذا الكتاب مسائل والمقصود أن الكتاب في الأصل متناول لهذه الأدلة التي سبقت وهي الآيات والأثر الذي ورد عن ابن مسعود والحديث الذي رواه معاذ، \"الأولى\" أي أولى هذه المسائل لا من حيث الترتيب المتعلق بإيراد النصوص هنا، ولكن من حيث الذكر فقط، الحكمة في خلق الجن والإنس لأن الله بين حكمة خلق الجن والإنس بقوله: ﴿وما خلقت الجن والإنس  إلا ليعبدون وأنها عبادة الله، المسألة الثانية أن العبادة هي التوحيد المسألة الثانية المستنبطة من هذا الباب أو المستفادة منه أن العبادة هي التوحيد، المقصود بذلك أنها أبلغ مقتضياته فتوحيد الله سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة هو مقتضى ما خلق له الإنس و الجن ، ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون لأن الخصومة فيه لأن الخصومة في الدنيا والآخرة إنما هي في التوحيد، ففي الدنيا قال الله تعالى: كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، فسبب اختلاف الناس إذن بعثة الرسل بالتوحيد، وفي الآخرة: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد إلى آخر فالخصومة إذن في الدنيا والآخرة في التوحيد، \"المسألة الثالثة أن من لم يأت به لم يعبد الله\" أن من لم يوحد الله سبحانه وتعالى لم يعبده لأن من عبد الطاغوت ولو عبد الله لا يمكن أن تقبل عبادته لله، ولذلك أخرج مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي r قال يرويه عن ربه عز وجل: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك فمن عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه» لذلك قال: \"ففيه معنى قوله ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد\" ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد هم يعبدون الله ويعبدون الأصنام، لكن بما أنهم يعبدون الأصنام مع عبادة الله بطلت عبادتهم لله فلم يكونوا عابدين لله، لهذا قال: ﴿ولا أنتم عابدون ما أعبد \"الرابعة\" أي المسألة الرابعة من مسائل هذا الكتاب الحكمة من إرسال الرسل فإن حكمة إرسال الرسل هي قوله: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فحكمة إرسال الرسل هي إقامة الحجة على الناس بتوحيد الله سبحانه وتعالى وعبادته واجتناب من دونه، ولهذا قال: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وقال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة. الخامسة أن الرسالة عمت كل أمة أي أن كل أمة بعث فيها رسول كما هو صريح في الآية وقد بينا معنى الأمة من قبل.

\"السادسة أن دين الأنبياء واحد\" أن دين الأنبياء أي أن اعتقادهم واحد لأن الله تعالى يقول: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فكل نبي دينه ورسالته هي أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت وعلى هذا فدينهم واحد كما قال الله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه وقد صح عن النبي r أنه قال: «إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد أبناء علات» والمقصود بالدين هنا أصل التوحيد، وإلا فلكل واحد منهم شرعة ومنهاج كما قال الله تعالى: «لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا» فلكل شرعته ومنهاجه، ولا يقتضي ذلك عدم اقتداء بعضهم ببعض في بعض شرعته أو في بعض منهاجه، فقد أمر النبي r بالاقتداء بهم جميعا، كما في سورة الأنعام ﴿فبهداهم اقتده وأمر باتباع ملة إبراهيم بالخصوص ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ومع هذا فلكل منهم شرعة ومنهاج، المسألة السابعة ووصفها بالكبيرة أن عبادة الله لا تحصل إلا بالكفر بالطاغوت، فعبادة الله سبحانه وتعالى لا تتم إلا بالتوحيد، أن يكون وحده، فعبادته وعبادة غيره معه باطلة غير مقبولة قطعا، ففيه معنى قوله: ﴿فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى فهنا بدأ بالكفر بالطاغوت قبل الإيمان بالله، فذكر الكفر بالطاغوت قبل ذكر الإيمان بالله، لأن الكفر بالطاغوت هو من باب التخلي والإيمان بالله هو من باب التحلي، والتخلي سابق على التحلي في الأصل كالطهارة على الصلاة، فلهذا لا يمكن أن تقبل عبادة أحد لله تعالى إذا كان يعبد معه غيره، \"الثامنة: أن الطاغوت عام في كل ما عبد من دون الله\" المسألة الثامنة المستنبطة من هذا الباب أن الطاغوت لفظ عام في كل ما عبد من دون الله فيشمل الأشخاص من الجن والإنس وكذلك الأحياء والأموات، كذلك الأحجار والأشجار وغيرها، فكل ما عبد من دون الله يسمى طاغوتا، \"التاسعة: عظم شأن هذه الآيات المحكمات في سورة الأنعام عند السلف\" لأن ابن مسعود بين أنها وصية محمد r التي عليها خاتمه، واللفظ هنا قال \"التاسعة عظم شأن ثلاث الآيات المحكمات\" في هذا ضعف في اللغة، الأصل أن يقال التاسعة عظم شأن الآيات الثلاث المحكمات في سورة الأنعام، والمحكمات المتقنات والإحكام في القرآن يرد لمعنيين الإحكام العام الذي معناه الإتقان، مثل قوله تعالى: ﴿كتاب أحكمت آياته ثم فصلت والإحكام الخاص بمعنى وضوح الدلالة، ﴿منه آيات محكمات أي واضحات الدلالة، ويقابله التشابه فالتشابه العام بمعنى أن بعضه يصدق بعضا ويفسره وهو المذكور في قول الله تعالى ﴿الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها فبعضه يفسر بعضا ويصدقه، والتشابه الخاص هو خفاء الدلالة وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿وأخر متشابهات فهذه الآيات محكمات أي غير منسوخات ولا مبدلات وفيهن وضوح في الدلالة فلذلك وصفهن بالمحكمات، \"عظم شأنهن عند السلف\" قصد بالسلف هنا الصحابة الذين يمثلهم ابن مسعود ولا شك أن القرآن عظيم عند الصحابة كلا ولكن في قول ابن مسعود هنا إن هذه الآيات هي وصية محمد r التي عليها خاتمه يدل ذلك على العناية بهذه الآيات وعناية الصحابة رضوان الله عليهم بها لعناية ابن مسعود وهو مرضي فيهم وقد قال النبي r: «رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد» ثم قال: \"وفيها عشر مسائل\" وفيها أي في هذه الآيات الثلاث عشر مسائل: وهي الوصايا العشر، \"أولاها: النهي عن الشرك\" أول مسألة فيها هي النهي عن الشرك، ﴿تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم أن لا تشركوا به شيئا ثم قال: \"المسألة العاشرة الآيات المحكمات في سورة الإسراء\" أيضا والمحكمات بمعنى الواضحات غير المنسوخات وهي: ﴿وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وما بعدها، وحتى ما قبلها لأنه قال: ﴿ولا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا وفيها ثمانية عشرة مسألة\" آيات الإسراء فيها ثماني عشرة مسألة وهنا خطأ في اللغة وهو: ثمانية عشرة فلا يمكن أن يؤنث العددان بالتاء، فيها ثماني عشرة مسألة أو ثمانَ عشرة مسألة، بدأها الله تعالى بقوله: ولا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا، وهذا أمر بالتوحيد، وختمها كذلك بقوله: ﴿ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا وهذا أمر بالتوحيد فبه بدأ وبه انتهى، ونبهنا الله سبحانه وتعالى على عظم شأن هذه المسائل بقوله: ﴿ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة قبل نهاية هذه المسائل قال: ﴿ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة أي ذلك كله المقروء هنا.

وهي إشارة في الأصل إلى مفرد ولا يقصد بها الإفراد، بل يقصد بها كل ما سبق، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك أي بين ذينك الوصفين السابقين، ومثل قوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما أي بين ذينك الوصفين، فكذلك هنا ذلك إشارة لكل ما سبق، ﴿مما أوحى إليك ربك من الحكمة أي هو بعض ما أوحي إليك ربك أي أنزل إليك ربك سبحانه وتعالى من الحكمة وهي ما أنزل الله سبحانه وتعالى من الأمور النافعة لعباده، وهذا تنويه بشأن ذلك أنه من الحكمة وهي الأمر النافع، \"الحادية عشرة\": آية سورة النساء التي تسمى آية الحقوق العشرة، وهي قوله تعالى: ﴿واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا فإن الله سبحانه وتعالى ذكر فيها عشرة حقوق، أولا حق الله ثم حق الوالدين في قوله: ﴿وبالوالدين إحسانا ثم حق ذوي القربى، حق اليتامى، حق المساكين، وحق الجار ذي القربى، وحق الجار الجنب، وحق الزوجة والصاحب بالجنب، وحق ابن السبيل، وحق المملوكين وما ملكت أيمانكم فهذه عشرة حقوق، \"الثانية عشرة\" : أي المسألة الثانية عشرة التنبيه على وصية رسول الله r عند موته، ووصية رسول الله r عند موته تناولت ثلاثة أمور، فقد قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فاقتضى ذلك أن لا يُتَّخَذَ قبره هو مسجدا وأن لا يتخذ عيدا» وكذلك أمرَه بإخراج المشركين من جزيرة العرب، وكذلك وصيته «بالصلاة وما ملكت أيمانكم» فهذه وصاياه عند موته r، وهي كلها تقتضي إتمام التوحيد لله سبحانه وتعالى. \"الثالثة عشرة معرفة حق الله علينا\" فقد تضمنه حديث معاذ صريحا فقال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا» \"الرابعة عشرة: معرفة حق العباد عليه إذا أدوا حقه\" والمقصود بذلك بيان الطرف الثاني من البيعة بين الله وعباده، \"الخامسة عشرة: أن هذه المسألة لا يعرفها أكثر الصحابة\" لأنه قال: أفلا أبشر الناس، الناس الذين سيبشرهم معاذ هم الصحابة، وإنما يبشرهم بالأمر الذي قد خفي عليهم، وهذا يدل على ما ذكرناه سابقا، من أن كثيرا من المسائل العقدية التفصيلية، لا يطلب معرفتها من كل الناس، \"السادسة عشرة: جواز كتمان العلم لمصلحة\" فإن النبي r لم يأذن لمعاذ في إشاعة هذا العلم، والمقصود هنا كتمانه عن بعض الناس دون بعض، لا كتمانه مطلقا، فالنبي r قد علَّمه وبلغه حين علمه معاذا، فلا يحل له كتمانه المطلق، لقوله تعالى: {يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته} فيجب عليه التبليغ لكن لا يجب عليه التبليغ لكل أحد، فلذلك بلغ معاذا هذه المسألة والمقصود بالعلم هنا ما لا يترتب عليه عمل، أما ما يتوقف عليه عمل الناس من الأوامر والنواهي فلا يحل كتمانه بل لا بد من بيانه، أما ما لا يترتب عليه العمل من الأمور التي مرجعها إلى القناعات العقلية ونحوها أو إلى التاريخ ونحو ذلك فهذا مما يُخَصُّ به بعض الناس دون بعض، والمصلحة التي أشار إليها هنا هي أن لا يتكلوا، والمقصود هنا أن لا يتكل بعضهم فقط، فمن المعلوم أن كثيرا ممن سيبشرون بهذا لن يتكلوا، وإنما يتكل بسبب ذلك من لا يفهم الدين، فمن يفهم الدين يعلم أن الدين أنزل من عند الله ليعمل به كلِّه، ومن لا يفهمه ينظر إلى الوعد بتجريده عن قيوده وإلى الوعيد بتجريده عن قيوده، فإذا وجد وعدا لا يتحقق إلا على أساس قيوده فأراد الاتكال عليه دون تحقيق قيوده، ومن المعلوم أن نفي العذاب إنما هو عمن أطاع بامتثال الأوامر واجتناب النواهي، فلا يمكن أن يقول إنسان أنا لن أصلي أترك الصلاة أو أقترف الفواحش والكبائر ولكني لا أشرك بالله شيئا ويستحق بهذا النجاة من عذاب الله فهذا لا يمكن أن يَصْدُرَ من فاهم للدين، \"السابعة عشرة: استحباب بشارة المسلم بما يسره\" لأن معاذا هنا بادر إلى ذلك، وهذا من تربية النبي r لأصحابه، فقد عرفوا منه استحباب البشارة، فأراد أن يبشر الناس بذلك، فدل هذا على استحباب بشارة المسلم بما يسره، \"الثامنة عشرة: الخوف من الاتكال على سعة رحمة الله\" أن يخاف المعلم على من لا يفهم ويستوعب الكلام كما هو من أن يتكل على مجرد سعة رحمة الله أو على القناعة العقلية ولو يصحبها عمل، والواقع أن كل الناس ميسر لما خلق له فمن كان خلق للجنة فهو ميسر لها وبعمل أهلها يعمل، ومن كان مخلوقا للنار فهو ميسر لها وبعمل أهلها يعمل، لذلك قال الله تعالى: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} وقال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس.

\"التاسعة عشرة: قول المسؤول عما لا يعلم الله ورسوله أعلم\" فإن ذلك أدب ينبغي لمن سئل عما لا يعلم أن يحيل العلم إلى الله فيما لا يعلمه إلا الله وأن يحيل العلم إلى الله ورسوله فيما يعلمه رسول الله r.

\"العشرون: جواز تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض\" والمقصود بالجواز هنا ما يشمل الوجوب ونحوه، فالأسلوب اللائق أن يقول تخصيص بعض الناس بالعلم دون بعض، لأن ذلك من هدي النبي r، فلا يجب عليه تبليغ كل الناس، بل إذا بَلَّغَ من تقوم به الحجة كفى، ويختار لذلك من يبلغه عنه، ومن العلم ما لا يمكن أن يُبَلِّغَهُ للعوام، بل يختار له من يستوعبه، وما أنت بمحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة عليهم، «حدثوا الناس بما يفقهون أتحبون أن يكذب الله ورسوله» ولهذا قال أبو هريرة رضي الله عنه: حملت عن رسول الله r وعاءين من العلم أما أحدهما فبثثته وأما الثاني فلو بثثته لقطعتم مني هذا الحلقوم، فلا يمكن أن يحدث عوام الناس بكل شيء، لأنهم لا يستوعبون ذلك ولا يُنَزِّلُونَهُ منازله، وهذا المقصود بالعلم هنا أي ببعض العلم أيضا، فالتخصيص في الناس وفي العلم،  أن يخصص بعض الناس ببعض العلم دون بعض أي دون بعض الناس دون بعض العلم أيضا، \"الحادية والعشرون: تواضعه r\" وهذا معروف عنه وهو من خلقه العظيم الذي أثنى الله عليه به، ويؤخذ ذلك من ركوبه للحمار مع الإرداف عليه، \"الثانية والعشرون: جواز الإرداف على الدابة إذا كانت تتحمل ذلك\" إذا كانت الدابة تتحمل الإرداف فيجوز الإرداف عليها، ومحل هذا إذا كانت الدابة مملوكة للإنسان، أما إذا كان الإنسان استئجرها لحمل نفسه أو لمتاع مخصوص فلا يحل له الزيادة إلا بإذن صاحبها، ومثل ذلك الدابة المستعارة، إذا استعرت دابة من إنسان فإنما أذن لك أنت بركوبها، فلا يمكن أن تردف عليها، وأما التعاقب وهو أن تركب عليها غيرك، فإن كانت مستعارة أو مستأجرة فإنما يتم ذلك إذا كان الذي يعاقبك على وزنك أو دونه، أما إذا كان أثقل أو أشد على الدواب منك فلا يمكن ذلك إلا بإذن المالك. \"الثالثة والعشرون: فضيلة معاذ بن جبل\" لأن النبي r وثق بعلمه وفهمه فخصه بهذا العلم، ومن فضله أيضا أنه أداه وتحرج عند موته من كتمانه فبلغه، وقد شهد له رسول الله r بالعلم بالحلال والحرام وبين أنه يبعث أمام العلماء غَلْوَةً يوم القيامة أو رَتْوَةً مسافة أمام العلماء.

\"الرابعة والعشرون: عظم وشأن هذه المسألة\" هي مسألة البيعة بين الله وعباده أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وأن لا يعذبهم إذا فعلوا، فهذه المسألة عظيمة لأنها يتعلق بها حق الله وحق العباد، فدل هذا على عظم شأنها.

ثم قال: \"باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب\" هذا الباب داخلٌ في كتاب التوحيد، وقد عقده لفضله، أي ما رتب الله عليه من الفضل والأجر وما يكفر من الذنوب أي وتكفيره للذنوب فما هنا موصولة، موصول حرفي ما يكفر من الذنوب معناه و تكفيره للذنوب، وإذا كانت موصولا اسميا فمعنى ذلك أن التوحيد يكفر الذنوب ما عدا الشرك بالله فهو مناف له، والذنوب جمع ذنب وهو المعصية مطلقا سواء كانت عقدية أو قولية أو عملية قال: وقول الله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون فعطف هذا على فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، وكان الأجود أن يقول: قال تعالى مثل ما قال في الباب السابق، لأن هذا داخل في فضل التوحيد وداخل فيما يكفر من الذنوب أيضا، الذين آمنوا والمقصود بالإيمان هنا ما يشمل التوحيدَ، ولم يلبسوا إيمانهم بظلم والظلم هنا الشرك، أولئك لهم الأمن هذا فضله أن التوحيد فضله الأمن، الذي يشمل الأمن في الدنيا من الفتنة والردة، والأمن في الآخرة من العذاب، وهم مهتدون هذا فضل آخر وبيانٌ أن طريق التوحيد هو طريق الهداية، قال: \"عن عبادة بن الصامت\" أي رُوِينا عن عبادة بن الصامت أي رُوينا وأُخبرنا عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه والجنةَ حق والنارَ حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل» (أخرجاه) أي أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، وحديث عبادة هنا يقول فيه رسول الله r «من شهد أن لا إله إلا الله» وهذا التوحيد، «وحده  لا شريك له» تمام للتصريح بشهادة أن لا إله إلا الله، «وأن محمدا عبده ورسوله» الشهادة الثانية من الشهادتين أن محمدا r عبده أي عبد الله ورسوله، «وأن عيسى عبد الله ورسوله» أيضا، ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فكون عيسى عبدَ الله ورسولَه رد على النصارى الذين يزعمون أنه ابنه، ورد على اليهود الذين يزعمون أنه عدوه، فهو عبده ورسوله فليس ابنا له، ولا هو عدو له، وكلمته ألقاها إلى مريم، وهي أنه قال له: كن فيكون، لأن الله تعالى يقول: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون فألقى هذه الكلمة إلى مريم حين اعترضت إِذْ بشرت بعيسى، ﴿قالت أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون فقضى هذا الأمر وهو وجود المسيح ابن مريم فكان على وفق ما أراد الله، ولهذا قال في سورة مريم، ﴿وكان أمرا مقضيا وذلك بكلمة الله عز وجل ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه فالروح هنا المقصود بها النفخة التي أمر الله جبريل أن ينفخها في جيب مريم فوصلت تلك النفخة إلى فرجها فكانت منها وُلِدَ المسيح بن مريم، لأن الله عز وجل قال: ﴿ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا والروح هو جبريل عليه السلام، وهو الذي نفخ في جيبها فكان من تلك النفخة ابنها المسيح بن مريم، وفي الآية الأخرى نفخنا فيه من روحنا، وهذه الآية نفخنا فيها من روحنا فيها أي في مريم، وفيه أي في فرجها بالخصوص، ولا منافاة بين الضميرين فالمقصِد واحد فهذا مكان خلقه على مكان خلق البشر لئلا تنزعج فلو كان ميلادُه من فمها أو من أي مكان آخر منها لكان ذلك يمثل انزعاجا كبيرا لها، لكن الله سبحانه وتعالى أراد أن يكون خلقه خارقا للعادة فهو من غير أب ومن غير حمل في المدة وما يجده النساء عادة، فإن مخاضَه إنما كان ساعةً فقط، وحملته فانتبذت به مكانا.. نفس الوقت انتبذت به، والفاء تقتضي الترتيب والتعقيب، وكذلك ما صحب ميلاده من الآيات الغريبة كتكلمه في المهد، وكما حصَل لمريم من هز جذع النخلة الميتة فتساقط عليها الرطب في وقت لم يكن فيه وجرى تحتها النهَر العذب السرِيُّ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه روح منه أي من عنده سبحانه وتعالى فمن هنا ابتدائية والجنةَ حق والنارَ حق، أي من شهد أن الجنة حق وهي الدار التي أعد الله لنعيم أوليائه، وشهد أن النار حق وهي الدار التي أعد الله لعذاب أعدائه أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، أدخله الله الجنة وذلك في نهاية أمره على ما كان من العمل حتى لو أذنب في غير ذلك وأسرف، فنهاية أمره إلى الجنة، سواء دخلها قبل أن يدخل النار كمن تجاوز الله عنه فيما سوى ذلك من السيئات، أو دخل النار وأخرج منها دخل النار بمعصيته وأخرج منها بإيمانه فدخل الجنة بعد ذلك، فمصيره النهائي دائما إلى الجنة، لهذا قال على ما كان من العمل، على ما كان أي ما حصل منه هو من العمل والمقصود بالعمل هنا السيئ، قال: «ولهما في حديث عتبان بن مالك فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» فهذا الحديث بين فيه النبي r لأصحابه حين وصفوا رجلا بالنفاق أن من شهد أن لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله حرمه الله على النار، والمقصود بتحريمه على النار تحريم خلوده فيها لا تحريم دخوله لها، فإن العاصي قد يدخل النار بمعصيته ثم يخرج منها بعد ذلك بإيمانه، لهذا قال: فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله، حرم على النار معناه على وجه الخلود والبقاء، من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، بين أن المقصود هنا ليس مجرد القول، وهذا رد على المرجئة الذين يزعمون أن الإيمان هو مجرد النطق بالشهادتين، فلا يكفي النطق بل لا بد معه من عمل القلب الذي أشار إليه r بقوله يبتغي بذلك وجه الله، يبتغي أي يطلب بذلك وجه الله، وهذا فيه إثبات للوجه لله سبحانه وتعالى، وإضافة الوجه إلى الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى ثلاثة أقسام: فيطلق الوجه صفة خاصة ذاتية، وهو من الصفات التي نؤمن بها ولا نتعلق بِكَيْفِها كاليدين والعين والقدم والساق والأصابع والشخص، والإطلاق الثاني إطلاق الوجه على الذات، مثل قوله تعالى: ﴿ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام أي يبقى ربك ذو الجلال والإكرام، فالبقاء له جميعا لا لصفة الوجه فقط بل يبقى الله سبحانه وتعالى فهو الباقي الدائم الإطلاق الثالث إطلاق الوجه على السبيل، فيقال خذ هذا لوجه الله أي في سبيل الله، الصدقة لوجه الله أي في سبيله سبحانه وتعالى، وإطلاق الوجه على السبيل شائع في اللغة تقول اتجه إلى هذا الوجه أو سار في هذا الوجه، ورد فيه ذكر من هذا الوجه، ثم قال بعد هذا وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله r قال: «قال موسى يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى لا إله إلا الله، قال يا رب كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله» وهذا الحديث فيه ضعف، وقوله عن أبي سعيد معناه وأخبرنا عن أبي سعيد أو رُوينا عن أبي سعيد الخدري أو بالإسناد إليه، عن رسول الله r قال: أي أنه قال: قال موسى، موسى بن عمران نبي الله عليه السلام، يا رب علمني أي قال ذلك لله، قال يا رب علمني شيئا أذكرك به، شيئا معناه ذكرا ثناء، أذكرك وأدعوك به، والمقصود بالذكر هنا الذكر اللساني، لأنه قال: وأدعوك به، قال: قل يا موسى لا إله إلا الله، فعلمه أفضل الذكر وأعلاه، وهو شهادة أن لا إله الله، قال أي قال موسى يا رب كل عبادك يقولون هذا فأراد شيئا مخصوصا غير الذي يعرفه سائر العباد، كل عبادك يقولون هذا، والمقصود بكل عبادك أي العابدين لك، لا جميع العباد، فمن العباد من لا يشهد أن لا إله إلا الله، يقولون هذا، قال يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله، هذا بيان لفضل لا إله إلا الله ومنزلتها وعظم قدرها عند الله، لأنه قال: لو أن السماوات السبع على ضخامتهن وكِبَرهن وعامرَهن أي ما فيهن من الملائكة والخلائق غيري هذا استثناء منقطع لأن الله سبحانه وتعالى لا تحويه السماوات بل هو فوقهن، وهو فوق عرشه فالسماوات السبع في الكرسي كسبعة دراهم في ترس، والكرسي في العرش كحلقة في فلاة، والله فوق عرشه بائن من خلقه، وإنما يقال هو في السماء أي في العلو، ولا يقال ذلك في السماوات التي هي جمع، فإذا أطلق لفظ السماء على العلو صح أن يقال إن الله في السماء بمعنى العلو، أما السماوات بالجمع فهي هذه المخلوقات الطرائق السبع المبنية وهي في الكرسي والكرسي في العرش والله فوق عرشه بائن من خلقه، وعامرهن غيري وغيري أيضا هذا الاستثناء يفهم منه أن الخلائق جميعا لو أنها الخلائق أي كل ما سوى الله لو أنه في كفة ولا إله إلا الله في كفة رجحت بهن، والأرضين السبع، الأرضون جمع أرض على غير قياس فهي على صيغة جمع المذكر السالم، وهو في الأصل للمذكر من الأعلام والصفات الذي هو للعاقل، فجمع به هنا غير العاقل على غير القياس، ويقال فيه الأرَضون ويقال الأرْضون أيضا، ومنه قول الشاعر:

سدوس خطيب فوق أعواد منبر

 

لقد ضجت الأرْضون إذ قام من بني

 ووصفهن بالسبع بيانا لعددهن فهن مثل السماوات كما قال الله تعالى: ﴿ومن الأرض مثلهن هي سبع أيضا على وفق السماوات، في كفة أي لو وضعت في كفة ميزان، والكفة طرف الميزان، ولا إله إلا الله في كفة أي في الكفة المقابلة لها، مالت بهن لا إله إلا الله، أي كانت أرجح عند الله من المخلوقات جميعا، فكل المخلوقات لو وضعت في كفة ووضعت لا إله إلا الله في كفة لكانت لا إله إلا الله أرجح عند الله من المخلوقات كلها، وهذا بيان لعظمها لئلا يزدريها أحد (هذا الحديث رواه ابن حبان والحاكم وصححه).

(وللترمذي وحسنه عن أنس سمعت رسول الله r يقول قال الله تعالى: «يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة» هذا حديث عظيم وهو من الحديث القدسي الذي يرويه رسول الله r عن ربه عز وجل، قال الله تعالى يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا يا ابن آدم هذا خطاب للجنس البشري كله، لو أتيتني بقراب الأرض أي بملئها خطايا أي سيئات ثم لقيتني أي مِتَّ لا تشرك بي شيئا هذا حال معناه مت على عدم الشرك مت على التوحيد، لأتيتك بقرابها مغفرة، لأتيتك أي لكافأتك بقرابها بقراب الأرض أي بملئها مغفرة والإتيان هنا المقصود به القدوم على الله سبحانه

 

 

 

 

يتبع



[1] الأولى تضمنت خمسا و الثانية أربعا


عدد مرات القراءة : 5540



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22102969
المتواجدون الأن       6
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو