» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
المغني المفيد الشريط الثالث




قال الله تعالى يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا يا ابن آدم هذا خطاب للجنس البشري كله، لو أتيتني بقراب الأرض أي بملئها خطايا أي سيئات ثم لقيتني أي مت لا تشرك بي شيئا هذا حال معناه مت على عدم الشرك مت على التوحيد لأتيتك بقرابها مغفرة، لأتيتك أي لكافأتك بقرابها بقراب الأرض أي بملئها مغفرة، والإتيان هنا المقصود به القدوم على الله سبحانه وتعالى، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، المقصود به أن الإنسان إذا مات سيأتي يحمل طائره إذا حشر سيأتي إلى الله يحمل طائره، والله سبحانه وتعالى يأتي عباده يوم القيامة لكن ليس ذلك الإتيان المقصود هنا، المقصود في مقابل قراب الأرض من الخطايا تأتي سعة رحمة الله سبحانه وتعالى فيأتي بقرابها مغفرة، ومغفرة الله أوسع من ذلك، والمغرفة معناه ستر الذنب في الدنيا وعدم المؤاخذة به في الآخرة، هي من الغفر الذي هو الستر، قال: \"فيه مسائل: الأولى سعة فضل الله\" وذلك يدل عليه عدد من النصوص السابقة مثل قوله r من شهد أن لا إله إلا الله في حديث عبادة بن الصامت لأنه قال: أدخله الله الجنة على ما كان من العمل فهذا يدل على سعة رحمة الله ومغفرته وفضله، وكذلك في قوله هنا لأتيتك بقرابها مغفرة، فلذلك قال: الأولى سعة فضل الله، والسعة الاتساع، والفضل في الأصل الزيادة، والمقصود به نماء العمل في قبوله، فما يتفضل الله به على الإنسان من التضعيف للحسنات هو زيادة فيها لأن الإنسان في الأصل عمل حسنة واحدة لكن ضاعفها الله إلى العشر إلى ما زاد إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء، \"الثانية\" أي المسألة الثانية، كثرة ثواب التوحيد عند الله، فإن الله سبحانه وتعالى بين أن دخول الجنة سببه التوحيد به وعدم الشرك به شيئا فهذا ثواب عظيم على التوحيد، والثواب المثوبة أي المقابل الذي يمنحه الله سبحانه وتعالى عبده، \"الثالثة تكفيره مع ذلك للذنوب\" تكفيره أي التوحيد مع ذلك أي مع كثرة ثوابه للذنوب فإنه مكفر لكلها لأنه بين النبي r أن من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة على ما كان من العمل كما في حديث عبادة السابق، وكذلك في حديث أنس هذا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة، فدل هذا على أن التوحيد تكفير، والتوحيد إن كان لاحقا للسيئات فهو مكفر لها قطعا لأن الإيمان يجب ما قبله، ولهذا قال الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف أما إن كانت السيئات لاحقة للتوحيد كمن كان موحدا لا يشرك بالله شيئا لكن مع ذلك أسرف وأساء فالتوحيد نفسه لا يكفرها حينئذ لكنه يمنع الخلود في النار، فيمكن أن يكون التكفير بغيره من الأعمال الصالحة لأن الحسنات يذهبن السيئات، \"الرابعة تفسير الآية التي في سورة الأنعام\" وهي قول الله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم فإن ذلك لما نزل شق على أصحاب رسول الله r قالوا: أينا لم يَلبس إيمانه بظلم، والمقصود بلبس الإيمان بالظلم أي خلطِِه به، فبين لهم نبينا r أن المقصود بالظلم هنا الشرك، وذلك لقول الله تعالى: ﴿إن الشرك لظلم عظيم في سورة لقمان، الخامسة أي المسألة الخامسة من مسائل هذا الباب \"تأمل الخمس اللواتي في حديث عبادة\" وهذه ليست فائدة مستقلة لكنها موضع تنبيه فقط إلى التدبر والتأمل في الشهادات الخمس في حديث عبادة من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له هذه هي الشهادة الأولى، وأن محمدا عبده ورسوله هذه هي الشهادة الثانية، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وهذه الشهادة الثالثة، و أن الجنة حق و هذه الشهادة الرابعة و أن النار حق وهذه الشهادة الخامسة فهذه خمس شهادات من شهدها أدخله الله الجنة على ما كان من العمل، والمقصود بالتأمل أي التدبر في وجه ذكر هذه الخمس بخصوصها، فلماذا خصت الشهادة بأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه عن غيره من الأنبياء وهم يجب الإيمان بهم جميعا لا نفرق بين أحد من رسله، ووجه ذلك أن عيسى قد انتشر أتباعه في جزيرة العرب وتنصر عدد كبير من العرب من سكان الجزيرة فكانوا يعتقدون أنه ابن الله، فمن شهد منهم أنه عبد الله ورسوله مع الشهادتين وأنه كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه وشهد مع ذلك بالجنة والنار فهذ الذي يستحق أن يدخل الجنة، \"السادسة\" أي المسألة السادسة من مسائل هذا الباب أنك إذا جمعت بينه وبين حديث عتبان، بينه أي بين حديث عبادة هذا وبين حديث عتبان بن مالك وما بعده أي حديث أبي سعيد الخدري وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه يتبين لك معنى قول لا إله إلا الله، ويتبين لك خطأ المغرورين، فإذا نظرت إلى هذه الأحاديث إلى حديث عبادة الذي فيه من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهذا تأكيد للتوحيد حين قال وحده لا شريك له وبين ما في حديث عتبان فإنه قال: إن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، فقيد الإطلاق الذي في حديث عبادة، وكذلك في حديث أبي سعيد الخدري في ذكر موسى فقد بين منزلة لا إله إلا الله، وفي حديث أنس أيضا، قال: لقيتني لا تشرك بي شيئا، وهذا حال أنه في حال لقائه لله عند موته كان لا يشرك بالله شيئا، وهذا قيد جديد وهو أن التوحيد إنما ينفع من مات عليه، أما من لم يمت عليه ولو كان موحدا طيلة حياته فلا ينفعه لأن الأمور بخواتيمها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين وقال تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين وقال تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة فبهذا تذهب شبه المغرورين الذين يزعمون أن مجرد النطق بالشهادتين كاف، لأنه قال يبتغي بذلك وجه الله، والذين أيضا لا يعولون على الخواتيم وهم المرجئة، فإنه قال: لقيتني لا تشرك بي شيئا، فلهذا قال: تبين لك معنى قول لا إله إلا الله وتبين لكن خطأ المغرورين، \"السابعة\" أي الفائدة السابعة من فوائد هذا الباب، \"التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان\" فمن شرط قول لا إله إلا الله أن يكون ذلك قناعة لدى الإنسان في قلبه، لأنه قال: يبتغي بذلك وجه الله، الشرط الذي في حديث عتبان هو يبتغي بذلك وجه الله فمن قال لا إله إلا الله لا يبتغي بذلك وجه الله وإنما هو قول يقوله ككلام المنافقين فإن ذلك لا ينفعه ولا يغني عنه من الله شيئا، \"الثامنة\" أي الفائدة الثامنة من هذه الفوائد كون الأنبياء يحتاجون للتنبيه على فضل لا إله إلا الله، هذا التعبير فيه نقص في الدقة فالمقصود هنا أن موسى عليه السلام لو صح الحديث بين له مقدار لا إله إلا الله ومنزلتها عند الله، وليس معنى ذلك أنه محتاج إليه بعد تمام نبوته، فهو مثل كل وحي يوحى إلى الأنبياء يبين لهم فيه ما لم يكونوا يعلمونه، وهذا ما امتن الله به على أنبيائه من تعليمهم ما لم يكونوا يعلمونه كما قال لنبينا r وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما، فمثل ذلك تعليمه لموسى ما لم يكن يعلم من أمور الدين، \"التاسعة التنبيه لرجحانها بجميع المخلوقات\" الفائدة التاسعة التنبيه لرجحانها أي لرجحان لا إله إلا الله، \"بجميع المخلوقات\" مع أن كثيرا ممن يقولها يخف ميزانهم، أي الجمع بين ذلك، فدل هذا على أن المقصود برجحانها أي هي بذاتها، عظيمة عند الله بهذه المنزلة، أما العمل الذي هو قولها فليس مثلها هي، فقد يقولها من لا تكتب في كفة حسناته أصلا، كمن يقولها بلسانه ويعتقد خلافها، وقد يقولها من يعتقد معناها لكنها لا تكون بهذا الرجحان في كفة حسناته لأنها إنما تضاعف كل الناس بعشر، لكن التضعيف فيما زاد على العشر يختلف باختلاف الناس، والله سبحانه وتعالى يضاعف لمن يشاء، \"العاشرة النص على أن الأرضين سبعٌ كالسماوات\" وهذا ورد في بعض الأحاديث كقوله r في دعاء دخول القرية، اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ورب الأرضين السبع وما أقللن، ويدل عليه قول الله تعالى، ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن في سورة الطلاق، \"الحادية عشرة أن للأرضين عُمَّارًا كعمار السماوات\" فعمار السماوات ذكروا في عدد كثير من الأحاديث، «أطت السماء وحق لها أن تئط فما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك لله فيه ساجد أو راكع» إلى آخر الحديث، فكذلك الأرضون لهن عمار أيضا مثل ما أن للسماوات عمارا من خلائق الله سبحانه وتعالى قد يكونون من الملائكة وقد يكونون ممن سواهم من ملكوت الله التي تخفى علينا، \"الثانية عشرة إثبات الصفات خلافا للأشعرية\" الثانية عشرة أي المسألة الثانية عشرة من مسائل الباب، إثبات الصفات أي ما ورد منها في هذا الباب، وذلك مثل قوله: يبتغي بذلك وجه الله، إذا حمل ذلك على صفة الوجه فهو إثبات لها، وكذلك في قوله: لأتيتك بإثبات صفة الإتيان التي هي صفة فِعْلية والأولى الوجه صفة ذاتية، إذا حمل ذلك على هذه الصفة أيضا، قال:خلافا للأشعرية، أي لبعضهم فقط ليس هذا لكل الأشعرية، والأشعرية هم المنتسبون إلى أبي الحسن الأشعري ومذهبهم فيه أقوال كثيرة في الصفات متباينة فأبو الحسن نفسه صرح بتقسيم الصفات بإثبات هذا النوع من الصفات الصفات الفعلية وإثبات الصفات الذاتية، وإثبات نوع آخر من الصفات يسميها الصفات الجامعة، كالجلال والعظمة والكبرياء، لكن بعض أتباعه وبعض المنتسبين إلى مذهبه ينفون إثبات بعض الصفات كالوجه ويؤولونه، لا ينفونه بمعنى إنكار النص لكن يؤولونه، ومثل ذلك ما يتعلق بالمجيء والصفات الفعلية فيؤولون ذلك، وهو هنا جعل ذلك نفيا لأنه قال: خلافا للأشعرية، والخلاف بمعنى الضد، وهذا من المبالغة فليس أحد من الأشعرية ينفي الصفات نفيا مطلقا، وإنما منهم من يؤولها، \"الثالثة عشرة أنك إذا عرفت حديث أنس عرفت أن قوله في حديث عتبان فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله أنه ترك الشرك\" ليس قولها باللسان، وهذا قد سبق التنبيه عليه، فهو تكرار لقوله فيما مضى، التنبيه للشرط الذي في حديث عتبان، هذه الفائدة هي تكرار لتلك، لأنك إذا عرفت حديث أنس وحديث أنس فيه لقيتني لا تشرك بي شيئا عرفت أن قوله في حديث عتبان فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله أنه ترك الشرك، أن المقصود بذلك ترك الشرك وأيضا في حديث أنس الموت عليه، الموت على الإيمان وعلى ترك الشرك، وليس ذلك قولها باللسان فقط بل لا بد من القناعة القلبية، لأنه قال: يبتغي بذلك وجه الله، \"الرابعة عشرة\" أي المسألة الرابعة عشرة: \"تأمل الجمع بين كون عيسى ومحمد عبدي الله ورسولَيْه، أي أن محمدا r وعيسى كلاهما وصف في هاتين الشهادتين بأنه عبد الله ورسوله، فهما من جنس واحد في كونهما عبدين لله وفي كونهما رسولين من عنده إلى عباده وكل الرسل كذلك، ولهذا قال الله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم وقال: وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم، وهذا التأمل ليس فائدة مستقلة من فوائد الباب لكن المقصود بذلك فقط التنبيه على نتيجة التأمل وما يحصل منه، \"الخامسة عشرة معرفة اختصاص عيسى بكونه كلمة الله\" والواقع أن كل مخلوق يخلقه الله بكلمته، قال تعالى: إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، وهذه هي الكلمات الكونية التي لا يتعداها بر و لا فاجر و التي لا حصر لها، لهذا قال الله تعالى فيها: ﴿ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعد سبعة أبحر ما نفدت كلمات اللهوقال تعالى: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا وهي الكلمات التي لا تبديل فيها ولا مبدل لكلمات الله، أما الكلمات التشريعية فإنها يقف عندها البر ويتعداها الفاجر، فإذا قال للبر صَلِّ يصلي، وإذا قال للفاجر صل يمتنع، أما الكلمات الكونية فإن قال للبر مت أو للفاجر مت فلا يستطيع أن يتأخر ولا أن يتقدم، والكلمات التشريعية تقبل التبديل والنسخ كما قال تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها وكما قال تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون فلماذا خص عيسى بكونه كلمة الله، أي لأن غيره من البشر في جمهورهم ما عدا آدم مثلا وحواء وإن كانوا ما خلقوا إلا بكلمة الله بِكُنْ لكن مع ذلك عرف البشر الأسباب فكان لهم آباء وأمهات، أما آدم فقد خلقه الله من غير أب ولا أم، وأما حواء فقد خلقت من آدم فليس لها طرف آخر، وأما عيسى فقد خلق من مريم وليس له طرف آخر أيضا فلهذا قيل فيه كلمة الله، \"السادسة عشرة معرفة كونه روحا منه\" أي معرفة كون عيسى روحا منه وقد بينا معنى ذلك وأن الروح هو النفخة التي نفخها جبريل في جيب مريم، \"السابعة عشرة معرفة فضل الإيمان بالجنة والنار\" لأن حديث عبادة بن الصامت تضمن الشهادات الخمس ومنها الشهادة بالجنة والشهادة بالنار، والجنة حق والنار حق، وهاتان الشهادتان يحفزان على العمل، فمن آمن بالجنة وآمن بالنار اقتضى ذلك منه الرجاء والخوف فيسعى لعمل أهل الجنة ويخاف من عمل أهل النار، \"الثامنة عشرة معرفة قوله على ما كان من العمل\" و قد بينا أن المقصود به العمل السيئ، والمقصود به ما عدا الشرك من الأعمال السيئة فإنها كلََّها قابلة للمغفرة، إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، \"التاسعة عشرة معرفة أن الميزان له كفتان\" وهذا بالتفسير الإشاري فقط، ليس الميزان المذكور هنا لأنه هنا إنما أشار إلى أنه لو وضعت في ميزان ولم يبين أن الميزان الأخروي توضع فيه السماوات السبع والأرضون السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة، بل لو قدر أن هناك ميزانا وضعت السماوات السبع وعامرهن والأرضون السبع وعامرهن في كفة منه ولا إله إلا الله في كفة فإن لا إله إلا الله سترجَح، لكن يفهم من هذا أن كل ميزان له كفتان، فالميزان الأخروي له كفتان كفة للحسنات وكفة للسيئات، \"العشرون معرفة ذكر الوجه\" أي إثبات صفة الوجه لله سبحانه وتعالى وقد بينا أن الآية محتملة لأن تحمل على ذلك ولأن تحمل على السبيل، وكل ذلك ثابت فصفة الوجه ثابتة لله عز وجل وإطلاق الوجه على الذات ثابت وإطلاقه على السبيل أيضا ثابت، وكذلك صفة المجيء الإتيان في قوله لأتيتك فقد ذكرنا أن صفة الإتيان ثابتة لله في عدد من النصوص، ولكن هذا الحديث يمكن أن يحمل عليها ويمكن أن يقصد به لأتيتك بكذا معناه قابلت ما أتيت به من السيئات بما يقابله من الإحسان، وقوله هنا معرفة ذكر الوجه أي الإقرار والإثبات لصفة الوجه، وفي هذا الباب فوائد أخرى غير التي ذكرها، فمنها قضية إخراج من دخل النار من أهل الإيمان بإيمانه، فأن الإيمان يقي من النار أصلا في حق غير العاصي، ويقي من الخلود فيها في حق العاصي، فإن الله يخرج من النار أقواما قد اسودوا وامتحشوا فيلقون في نهر الحياة فتنبت أجسامهم كما تنبت الحبة في حميل السيل ثم بعد ذلك يؤمر بهم إلى الجنة، وكذلك فيه بيان حرص الأنبياء على الذكر الذي لا يعرفه من سواهم فإن موسى حرص على أن يتعلم ذكرا يذكر الله به ويدعوه به لا يعلمه من سواه، فهذا يقتضي أن يحرص الإنسان على أن يكون له من العبادة والذكر والثناء ما لا يكون لغيره، سواء كان ذلك في الزيادة أو في الفضل، أن يحرص على الأفضل أو أن يحرص على أن يزيد على غيره من العِباد لأنه مجال للتنافس، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وكذلك فيه بيان كثرة سيئات بني آدم فالشخص الواحد منهم قد يأتي بقراب الأرض من السيئات، وقُرابها أي ما يقرب من ملئها من السيئات فدل هذا على كثرة سيئات ابن آدم مع أن عمره قليل ومدةَ بقائه في الحياة الدنيا يسيرة، ولكن مع ذلك قد يأتي بكثير من السيئات حتى تكون قريبة من ملء الأرض من السيئات وذلك باعتبار عِظمِها في الميزان وما يقابلها من العقوبة عند الله سبحانه وتعالى، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

\"باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب\" يجوز صرف هذا الباب فيقال باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، ويجوز إضافته إلى ما بعده، والباب في الأصل فرجة في ساتر يتوصل بها من داخل إلى خارج وبالعكس حقيقةً في المباني كباب الدار ومجازاً في المعاني مثلُ هذا الباب، والمقصود به عنوانٌ لطائفة من العلم يدخل إليها منه، والعنوان الجامع لهذه الطائفة هو أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، وهذا الإطلاق استنبطه هو من حديث بريدة الذي سيأتي إن شاء الله، لكن الواقع أنه ليس قاعدة مطردة، بل يحاسب كثير من المؤمنين المحققين للتوحيد، فليس كل من حقق التوحيد لا يحاسب، لأن كثيرا من الحساب إنما هو على جزئيات العمل لا على أصل التوحيد، ومن حقق التوحيد معناه من وصل إلى أعلى مقاماته وتحقق به، والحساب المحاسبة أي مُحاقَّة الإنسان في حسناته وسيئاته ونعم الله عليه، فهو يشمل هذه الأمور الثلاثة، الحسنات التي قدمها لنفسه والسيئات التي اقترفها بالإضافة إلى نعم الله عليه، والناس في الحساب قسمان، من حوسب حسابا يسيرا، وهم أهل الجنة، ومن حوسب حسابا عسيرا وهم الذين يؤمر بهم إلى النار، وقد صح عن النبي r أنه قال: من نوقش الحساب عذب، فمناقشة الحساب ضرب من العذاب، قال بعدها، \"وقول الله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين وقال: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون\" هذا من تمام الترجمة، من تمام ترجمة الباب، وقد عطف فيه الجملة الفعلية على الجملة الاسمية وهو مثل الخطإ السابق في الباب الأول، فإما أن يقول: وقول الله تعالى إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك كن المشركين وقوله تعالى، والذين هم بربهم لا يشركون، أو أن يقول وقال تعالى إن إبراهيم ثم يقول: وقال حتى يكون العطف بين جملتين متسقتين، في الآية الأولى أثنى الله تعالى على إبراهيم عليه السلام بأنه كان أمة والأمة الرجل الصالح، التام الذي لا يحتاج إلى غيره، وهذا الكمال هو الكمال الممكن في المخلوق، وقد صح عن النبي r أنه قال: كمل من الرجال كثير وكمل من النساء أربع، فإبراهيم من الذين كملوا من الرجال وهو المثال للكمال الممكن في المخلوق، ولهذا قال: كان أمة، ثم وصفه بعد هذا بقوله: قانتا لله، والقنوت يطلق على أربعة أمور في اللغة، فيطلق على السكوت، وبه فسر قول الله تعالى: وقوموا لله قانتين، فقد كانوا يتكلمون في الصلاة قبل نزولها، ويطلق على القيام ومنه قول النبي r: أفضل الصلاة طول القنوت، ويطلق كذلك على الدعاء ومنه أحاديث القنوت أن النبي r قنت شهرا يدعو على قوم وقنت شهرا يدعو لقوم أي للمستضعفين بمكة، ويطلق القنوت أيضا على العبادة مثل قول الله تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين واقنتي لربك أي اعبدي، وهذا معنى قانتا لله أي عابدا لله، فذلك تحقيق التوحيد فقد كان قانتا لله، حنيفا أي مائلا عن الشرك، أو مستقيما على طريق الحق، فهي من الألفاظ التي تستعمل في الأضداد، فالحنيف المائل والحنيف المستقيم، فإذا فسرت بالميل كان المعنى مائلا عن الشرك، وإذا فسرت بالاستقامة كان المعنى مستقيما على طريق الحق، ولم يك من المشركين هذا بيان لقوله: ﴿قانتا لله حنيفا، و لم يك من المشركين بحال من الأحوال لا قبل نبوته ولا بعدها، ولم يخالطه أي شرك ولا أي شك، وذلك بما فطره الله عليه من الإيمان وما اجتباه به من الخُلة، فالخُلة معناه مداخلة المحبة لخَلَلِ القلب بحيث لا يحب غير الله، وقد امتحنه الله في ذلك، فإن الإنسان إذا كان كبيرا ولم يرزق الأولاد إلا على كبره، ورزق قرة عين من الأولاد خَلْقًا وخُلُقًا وتماما فإنه لا بد أن يخالط قلبه محبة ولده ذلك، وإبراهيم عليه السلام عندما رزقه الله هذا الولد وهو كبير وكان هذا الولد قرة عين في خلقه وخلقه وتمام عقله وتمام بره بأبيه وأمه مع ذلك امتحنه الله بالأمر بذبحه في المنام، فنجح إبراهيم في الإمتحان وحققه ولهذا قال الله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما فلهذا لم يبق في قلب إبراهيم مكان لمحبة أي شيء غير الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿ولم يك من المشركين وأما ما جاء في سورة الأنعام في إقامته الحجة على أصحابه وعلى الذين يدعوهم إلى الإيمان بعبادة ما هو خير من أصنامهم التي يصنعونها وينحتونها من الحجارة وأنه دعاهم أولا إلى عبادة الكوكب ثم لما أفل قال لا أحب الآفلين ثم لما طلع القمر دعاهم إلى عبادته ثم لما أفل وتردد رأى الشمس فقال هذه أكبر وأحق بالعبادة فلما أفلت أقام عليهم الحجة بعبادة الله وحده فإن هذا هو من إقامة الحجة ومن قول الإنسان لما يقوله مجاراة لغيره لخصمه مما لا يعتقده هو، ونظير ذلك في دعوة نبينا محمد r قول الله تعالى: ﴿وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين فإن النبي r لا يمكن أن يتردد في أنه هو الذي على الهدى وأن المشركين هم الذين على الضلالة، إنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين، ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى بين قبل الآية التي حوت هذه المحاورة أنه هدى إبراهيم من قبل، فبين أنه كلمهم من قبل ودعاهم إلى الإيمان، فذلك سابق على هذه المحاورة، ويؤخذ من هذه المحاورة جواز تمثيل الإنسان بما لا يقتنع به ولا يعتقده انتقادا له أو تغييرا له، فهذه حجة الله التي ألهمها إبراهيم على قومه، فأقام عليهم الحجة فإذا كانوا لا يؤمنون إلا بما يرونه فليعبدوا مما يرونه ما هو خير من الحجارة التي ينحتونها كالكواكب مثلا، فلما اتجهوا إلى الكواكب إذا الكواكب تغيب فقد آمنوا بما لا يرونه، فلا يمكن أن يقنعهم بالإيمان بما لا يرونه ما داموا يعبدون الأصنام التي بين أيديهم، لكن عندما استطاع أن يقنعهم باستغنائهم عن تلك الأصنام ذهب بهم إلى ما يغيب عن الحس حتى يؤمنوا به في حال غيبته لأنه عندما غاب الكوكب قالوا إنه سيعود من القابلة، فقال: إذن آمنتم بما لا ترونه وهكذا في القمر وهكذا في الشمس فأقام عليهم هذه الحجة البالغة بأنهم يؤمنون بما لا يرونه، والله سبحانه وتعالى أثنى عليه بهذا الثناء ليكون إسوة وقدوة لكل من يأتي بعده، ولهذا أمَرَ النبيَّ r بالاقتداء به، بل بين في كتابه أنه لا يرغب عن ملته إلا السفهاء، فقال: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه وقال: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون هذا ثناء على عباد الله الذين ارتضى تصرفهم، فأثنى عليهم بأنهم بربهم لا يشركون، أي أنهم يعبدونه ولا يشركون معه أحدا في عبادته، ﴿والذين هم بربهم لا يشركون وقدم المعمول ليفيد ذلك الاختصاص، فالمعمول هو بربهم وهو معمول لِلاَ يشركون، وقدم ليدل ذلك على الاختصاص لا يشركون بربهم وهذا إثبات لعبادتهم له أولا ونفي لعبادتهم لكل من سواه، فهم لا يشركون بحال من الأحوال وهذا معنى تحقيق التوحيد، لا يشركون به لا في العبادة ولا في التوكل ولا في الاستغاثة ولا في غير ذلك، ثم افتتح الباب بقوله: \"عن حصين بن عبد الرحمن قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة فقلت أنا ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة ولكني لدغت، قال: فما صنعت، قلت ارتقيت قال: فما حملك على ذلك قلت: حديث حدثناه الشعبي قال وما حدثكم، قلت حدثنا عن بريدة بن الحُصَيْبِ أنه قال لا رقية إلا من عين أو حُمَّةً قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي r أنه قال: عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فظننت أنهم أمتي فقيل لي هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض فدخل منزله فخاض الناس في أولئك فقال بعضهم فلعلهم الذين صحبوا رسول الله r وقال بعضهم فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا، وذكروا أشياء فخرج عليهم رسول الله r فأخبروه، فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن مِحْصَن فقال ادع الله أن يجعلني منهم قال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة\"

هذا الحديث هو الذي عقد له الباب وهو الذي استنبط منه المؤلف رحمه الله أن من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب، فذكر عن حصين بن عبد الرحمن وهو من أئمة أتباع التابعين، قال كنت عند سعيد بن جبير وهو من أئمة التابعين فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة، وهذا امتحان من الشيخ لطلابه، فسألهم عن كوكب انقض في الليل والناس نيام فيمكن أن يكون ذلك تنبيها على عجائب خلق الله ومواعظه فهذا من الآيات التي يحسن التدبر فيها والاعتبار، ويمكن أن يكون أيضا سؤالا ليعرف من يقوم الليل منهم، فلذلك قال: فقلت: أنا أي أجبته بذلك، ثم خشي على نفسه الرياء، خشي أن يكون سعيدٌ قصدَ أيكم كان في صلاة، فأجاب عن ذلك قال: ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، فبين أنه لم يكن إذ ذاك وقت سقوط الكوكب في صلاة، ولكني لدغت، أي لدغتني عقرب، واللدغ بإهمال الدال وإعجام العين للعقرب وذوات السموم، واللذع بإعجام الذال وإهمال العين للنار، قال: فما صَنَعْتَ، أي عندما لُدِغْتَ، وهذا أيضا من السؤال ليقرر عليه حتى يتذكر الطالب المسألة لأنه إذا أدركها في جواب سؤال وبعد تدبر وتحير اقتضى ذلك منه ثباتها في ذهنه، واستقرارها عنده لأن النيل بعد اليأس أبلغ في النفس، فسأله سعيد قال: فما صنعت، معناه فماذا عملت بعد أن لدغتك العقرب، قلت: ارتقيت، أي طلبت الرقية، والرقية هي ما يتلى على المرض بقصد شفائه، فإن كان ذلك المتلو من الوحي المنزل وكان تاليه من أهل الإيمان كان لذلك أثر كبير في الشفاء، فقد قال الله تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، وقال النبي r في ذكر الفاتحة وما يدريك أنها رقية وسيأتي الكلام في الرقى إن شاء الله، وإن كان ذلك بغير الوحي المنزل فإن كان مما فيه ثناء على الله وتمجيد له فإن النبي r أقر من رقى الجاهلية ما كان كذلك، وإن كان فيه شرك أو ما لا يفهم معناه فلا تجوز الرقية به وهي داخلة في الرقى التي هي من الشرك كما سيأتي إن شاء الله، فذكر أنه طلب الرقية ولم يذكر ممن طلبها، فيمكن أن يكون طلبها من أهله فقال: فما حملك على ذلك، معناه ولم طلبت الرقية ويريد أن يحدثه بالحديث على ذلك الأساس، قلت: حديث حدثناه الشعبي، الذي حملني على الرقية حديث حدثناه الشعبي وهو عامر بن شراحيل من أئمة التابعين الكبار من أهل العراق، قال: وما حدثكم، فسأله عن ذلك الحديث، قلت حدثنا عن بريدة بن الحصيب وهو من أصحاب رسول الله r رضي الله عنهم أنه قال: لا رقية إلا من عين أو حمة، لا رقية إلا من عين معناه هذه أبلغ الرقى فالرقى من كل مرض في الأصل ولكن أبلغها وأقواها وأحسنها ما كان من عين أو ما كان من حمة والحمة السم، فما كان ناشئا عن لدغ ذي سم أو كان ناشئا عن عين فهذا أبلغ الرقى وأهمها، ولا يقصد هنا الحصر فقد ثبت عن النبي r أن جبريل رقاه من السحر، فيقتضي ذلك عدم الحصر، وكذلك فإنه هو رقى ثابت بن قيس بن شماس من مرض كان به، قال: بسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك والله يشفيك، وأيضا فإنه عمم فقال: من كل شيء يوذيك فكل ما فيه أذى يمكن أن يرقى منه، فهذا الأسلوب يكثر في النصوص الشرعية، ولا يقصد به الحصر، وإنما يقصد به أن ذلك هو الأولى و الأحسن مثل إنما الربا في النسيئة، ومثل إنما الماء من الماء، ونحو ذلك من النصوص التي لا تقتضي الحصر وإن كانت صورتها صورةَ حصر، والعين أي من إصابتها، وسميت الإصابة باسم المصيب، لأن العائن إنما ينطلق أذاه من عينه، لأن حقيقة العين نظر المستحسن الخبيث النفس الذي شيب بحسد فيؤثر في المحسود، وأما الحمة فهي السم مطلقا سواء كان من لدغ حية أو عقرب أو غيرهما، قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع، هذا إقرار من سعيد بن جبير رحمه الله بحسن ما فعله حصين حين انتهى إلى ما سمع أي عمل بما علم، انتهى إليه أي وقف عنده، وما سمع معناه ما روى وهو الدليل الذي حدثه به عامر الشعبي، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي r وهذا استثناء فإنه لم يستطع رد النص السابق لأن الرقية ثابتة في ذلك ولكنه بين أن لديه نصا آخر يقتضي أفضلية الصبر على الرقية، فالتوكل على الله سبحانه وتعالى مقام من مقامات الإيمان، وطلب الشفاء من القرآن مقام من مقامات الإيمان، ولكن التوكل أرقى من طلب الاستشفاء بالرقية، ولهذا قال: \"ولكن\" استدراكا على إقراره السابق «حدثنا ابن عباس عن النبي r أنه قال: عرضت علي الأمم» والمقصود بعرضها عليه أي مثلت له في عرضها في وقت المحشر، وهذا التمثيل كثيرا ما يقع للنبي r فتمثل له مشاهد القيامة وأحوالها فتعرض عليه الجنة والنار ويعرض عليه أهلهما ويعرض عليه الناس في المحشر، قد يقع ذلك في اليقظة وقد يقع في المنام ومنامات الأنبياء وحي كحال اليقظة منهم، والأمم المقصود بها أمم الأنبياء، «فرأيت النبي ومعه الرهط» أي العدد اليسير كالفخذ من القبيلة أو البطن القليل من بطونها، والرهط اسم جمع للرجال، ومن ذلك قول الله تعالى حكاية عن أصحاب شعيب في قصته فيها يقول: ﴿ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز قال يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريا «والنبيَّ ومعه الرجل والرجلان» أي رأى بعضَ الأنبياء مع أحدهم رجل واحد أو رجلان فقط من قلة أتباعه، وليس ذلك نقصا في نذارة ذلك النبي وإنما هو بيان لأنه لا يؤمن أحد إلا بقدر الله، فإن الإيمان ليس ناشئا عن القناعة أو عن أساليب الدعوة، وإنما هو نور من عند الله يقذفه في قلب من شاء من عباده، ولهذا فإن نوحا مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما وأعمل جميع الأساليب الدعوية الناجحة، ومع ذلك قال الله تعالى: ﴿وما آمن معه إلا قليل وكذلك إبراهيم بعد أن رأى قومُه المعجزةَ الواضحةَ عندما رموه في النار فقال: حسبي الله ونعم الوكيل فقال الله: ﴿يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم ما آمن له منهم إلا لوط وساره، فالإيمان إذن من قدر الله واختياره كما قال تعالى: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون وقال تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ولذلك قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله في الفلاسفة ذوي العقول الكبيرة الذين أنتجوا كثيرا من النظريات العقلية الصعبة النادرة قال هؤلاء أُعْطُوا ذَكاءً وَلَمْ يُعْطَوْا زَكاءً، فقد آتاهم الله ذكاء وزيادة في العقل ولم يعطهم زكاء وإيمانا فالزكاء الطهارة ونماء الإيمان فلم يطهرهم الله من أوحال الشرك، وإن كان أعطاهم ذكاء وقوة عقل، «والنبيَّ وليس معه أحد» فقد رأى بعض الأنبياء وليس معهم أحد لعدم استجابة أحد من أممهم لهم، «إذ رفع لي سواد عظيم» إذ هنا للمفاجأة، معناه بينما الأمم تعرض عليه إذ رفع لي أي ظهر لي سواد عظيم أي كثير من الناس، والسواد يطلق على الكثير من الناس أو من البهائم، والأسودة تطلق كذلك على جماعات الناس وعلى الأخبية، وقد قال حسان بن ثابت رحمه الله:



 

لا يسألون عـــن السـواد المقبل

أي إذا جاءهم الضيوف لا يستغربون ذلك ولو كثروا لكثرة ضيوفهم وكرمهم، «فظننت أنهم أمتي» فظننت أنهم أي أن ذلك السواد الكثير وهنا أعاد ضمير الجمع على السواد الذي هو مفرد لأن السواد معناه جمع، فالسواد مفرد سواد عظيم، ولكنَّ معناه الجمع حيث يدل على العدد الكثير من الناس، فلذلك أعاد عليه ضمير الجمع، قال: فظننت أنهم أمتي، ظننت أنهم أي أن أهل ذلك السواد أمتي، وذلك لعلمه أن أمته أكثر الأمم كما قال r فيما أخرج عنه البخاري في الصحيح: «ما من نبي بعثه الله قبلي إلا أوتي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة» وقد قال أيضا: «إني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» فهو يعلم أن أمته هي أكثر الأمم فلما رأى ذلك السواد العظيم ظن أنهم أمته، وأمته أي أتباعه المنتسبون إليه، «فقيل لي هذا موسى وقومه» فقد كانوا سوادا عظيما، «فنظرت فإذا سواد عظيم» أي أعظم من الأول وفي بعض الروايات قد سد الأفق، أي ملأ الأفق وذلك لكثرته، «فقيل لي هذه أمتك» هذه أي هذا السواد أمتك، وهنا أيضا أشيرَ إليه باسم الإشارة المؤنث لأن السواد هنا تقصد به الأمة، فلذلك أشير إليه بهذه، فمقتضى الظاهر أن يقال هذا أمتك، أي هذا السواد أمتك، لكن بما أن الأمة مؤنثة أشير إليه باسم الإشارة الذي يشار به إلى المؤنث، فقيل هذه أمتك، قيل لي هذه أمتك، «ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب» ومعهم أي مع أمتك سبعون ألفا، والمعية هنا لا تقتضي أنهم من غيرهم، بل هم منهم، فسبعون ألفا من أمة محمد r بل بعضهم من أصحابه كما سيأتي في ذكر عكاشة بن مِحْصَنٍ الأسدي رضي الله عنه، لكن عطفهم على الأمة هو من عطف الخاص على العام الذي يفيد مزية في الخاص، سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، بغير حساب لا يحاسبون أصلا، ولا يسألون في ذكر حسناتهم وسيئاتهم ونعم الله عليهم بل يصرفون إلى الجنة دون أن يحبسوا في المحاسبة، ولا عذاب أي لا يشهدون أي عذاب آخر، فمن الناس من يُجمع له بين الحساب والعذاب ثم يخرج من النار إلى الجنة، ومنهم من يحاسب فقط ثم يدخل الجنة كما جاء في ذكر أهل الجنة أنهم يحاسبون حسابا يسيرا ثم بعد ذلك ينقلبون مسرورين إلى أهليهم في الجنة، «ثم نهض» أي نهض رسول الله r وقام من مجلسه «فدخل منزله» أي إحدى حجره وهي محيطة بالمسجد، «فخاض الناس في أولئك» خاض الناس أي الذين كانوا عنده في مجلسه، وظاهر الحديث أن ذلك كان في المسجد، فهو المكان الذي يجتمع فيه الندي الكبير على النبي r فإن حجره ضيقة لم يكن يجلس فيه العدد الكبير من الناس فإذا كان في مجلس عَلْمٍ فأغلبَ ما يكون في المسجد وحجره محيطة به، فخاض الناس في أولئك خاضوا باجتهادهم، وهذا الدليل على جواز الاجتهاد بحضرة النبي r وفي زمانه، وقد ذهب بعض الأصوليين إلى منع ذلك لأن الاجتهاد ظني والظن إنما يعدل إليه عند انعدام اليقين ومن كان بحضرة النبي r فإن اليقين ممكن في حقه بسؤال النبي r عن أي أمر أشكل عليه، ولكن يجاب بأن الله سبحانه وتعالى أحالنا على الاجتهاد لإعمال عقولنا فنثاب على ذلك فإن النبي r قال: إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران وإذا اجتهد فأخطأ كان له أجر، فهو مثل التكاليف كلها، امتحان من الله سبحانه وتعالى لعباده «فقال: بعضهم» أي قال بعض أولئك الذين خاضوا في هذا الأمر «فلعلهم الذين صحبوا رسول الله r » هذا اجتهاد وارد وهو أن يكون الذين يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب من هذه الأمة وهم سبعون ألفا أصحاب رسول الله r أي أوائل الصحابة الذين جاهدوا وأنفقوا من قبل الفتح وهم الذين أعلى الله منزلتهم وقال فيهم في كتابه ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلواوقد صح عن النبي r أنه عندما اختصم عنده خالد بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف فأغلظ خالد الكلام لعبد الرحمن غضب رسول الله r فقال: «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه» فأصحابه هم من أمثال عبد الرحمن بن عوف من السابقين الأولين، فأعمالهم مضاعفة تضعيفا لا يمكن أن يلحقه تضعيف من دونهم فلهذا قال: لو أن أحدكم، وهذا خطاب لأصحاب آخرين لكن ليسوا على مستوى السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار وإنما هم من الذين جاءوا من بعدهم واتبعوهم بإحسان من أصحاب رسول الله r كخالد بن الوليد الذي أسلم قبل الفتح فقد أسلم عام الحديبية، لكن رسول الله r خاطبه بهذا الخطاب رفعا لشأن السابقين الأولين وتحدثا بمزيتهم في الإسلام، لو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه، وقد نوه الله بهذا السبق في قوله والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، فهؤلاء القوم اجتهدوا فظنوا أن السبعين ألفا هم الذين صحبوا رسول الله r فمزية الصحبة تقتضي التفضيل بخلاف غيرها من المزايا فأفضل هذه الأمة قطعا الذين صحبوا رسول الله r، لقول النبي r خير القرون القرن الذين بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، وكذلك فإنه r قال: «يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى محمدا فيقولون نعم، فيفتح لهم، ثم يغزوا فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى من رأى محمدا فيقولون نعم فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال: هل فيكم من رأى من رأى من رأى محمدا فيقولون نعم، فيفتح لهم» فهذه مزية القرون الثلاثة الأولى، فمزية الصحابة العامةُ عليهم هي رؤيتهم لرسول الله r مؤمنين به، ومزية التابعين رؤيتهم لمن رأى النبي r، ومزية أتباع التابعين رؤيتهم لمن رأى من رأى محمدا r، «وقال بعضهم فلعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا» هذا اجتهاد أيضا من طائفة أخرى فإنهم ظنوا أن أولئك السبعين هم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئا ولم يصدر منهم شيء من أعمال الجاهلية، وهذا اجتهاد حسن كسابقه، فإن الذين ولدوا في الإسلام و لم يسبق عليهم أي شيء من آثار الشرك قد حققوا التوحيد بذلك وبالأخص في الصدر الأول عندما كان الناس متمسكين بهذا الدين تمام التمسك وكانوا مستقيمين على المنهج تمام الاستقامة، فالذين ولدوا في الإسلام منهم لم يلبسوا إسلامهم بأي نوع من أنواع الشرك فلذلك قالوا فلم يشركوا بالله شيئا، «وذكروا أشياء» أي اجتهادات أخرى، «فخرج عليهم رسول الله r » أي رجع إليهم من منزله، «فأخبروه» أي أخبروه بأنهم اختلفوا في هذا الأمر واجتهدوا فيه وحدثوه بآرائهم واجتهاداتهم، فقال: «هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» بين أن أولئك الذين يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب «هم الذين لا يسترقون» أي لا يطلبون الرقية ممن سواهم «ولا يكتوون» أي لا يتعالجون بالكي بالنار من المرض، «ولا يتطيرون» أي لا يصدر منهم شيء من الطِّيرَة، التي كانت من أمر الجاهلية وقد بقيت في هذه الأمة، «وعلى ربهم يتوكلون» وهذا الجامع للأمور السابقة، فالمتوكل على الله سبحانه وتعالى لا يحتاج إلى استرقاء أحد ولا يحتاج إلى الكي بل يُجْمِل في الطلب، ولا يحتاج كذلك إلى الطيرة، بل هو مؤمن بالله سبحانه وتعالى وبقضائه وقدره، متوكل عليه تمام التوكل فلذلك لا يمكن أن يستهويه أي شيء مما يتطير به أهل الجاهلية، وهذا تحقيق الإيمان، لأنهم عندما آمنوا بالله وآمنوا بقدره النافذ لم يحتاجوا إلى الاسترقاء ولم يحتاجوا كذلك إلى الأخذ بالأسباب التي فيها عدم إجمال كالكي مثلا، ولم يأخذوا بما ينافي التوحيد من المظاهر كالطيرة فهي من أمر الجاهلية وإن كان بعضها باقيا في هذه الأمة، وقد كان أهل الجاهلية يتطيرون إذا رأوا ما لا يعجبهم، فإذا خرج أحدهم في حاجة فرأى منظرا لا يعجبه أو سمع صوتا لا يعجبه رجع وقطع سفره وظن أن ذلك يؤثر فيه، وهذا مناف للإيمان بقدر الله، فإنه قد رفعت الأقلام وجفت الصحف عما هو كائن وتلك المظاهر لا تؤثر في شيء قد كتب وقدر، «وعلى ربهم يتوكلون» أي يعتمدون عليه في الأمر كله، يقال: توكل وتركل بمعنى اعتمد، وبهما روي قول الشاعر في وصف حديقة:

يظل على مسحاته يتوكل

 

ربت وربا في كرمها ابن مدينة

 أو يظل على مسحاته يتركل، ربت أي هذه الحديقة فارتفعت وازدادت، وربى في كرمها أي شجر العنب التي فيها ابن مدينة أي ابن أمة والمدينة الأمة في اللغة، يظل على مسحاته وهي آلة الزراعة يتوكل أي يعتمد عليها لفلاحة الأرض وإزالة ما فيها من الطفيليات ومن النبتات التي تضر بالزرع، ومثل ذلك يتركل أيضا أي يعتمد عليها، والتوكل على الله سبحانه وتعالى لا ينافي الأخذ بالأسباب، فالتوكل قناعة عقلية تقتضي أن يسند الإنسان الأمر كله إلى الله وأن يسلم نفسه إليه، وأن يعلم أنه لا ملجأ من الله إلا إليه ولا مفر للإنسان إلا إلى ربه، وأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، ويسلم أمره إلى الله سبحانه وتعالى ويعلم أن ما قدره الله خير له، إن كان ضراء فيصبر عليها وذلك خير له وأرفع لأجره، وإن كان سراء فإنه أيضا يشكر عليها فيكون ذلك خيرا له وزيادة في أجره، ولهذا قال النبي r: «عجبا لأمر المؤمن كل أمر المؤمن له خير إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» «فقام عكاشة بن محصن» هو ينطق بالتشديد والتخفيف فيقال عكَاشة وعكَّاشة، بن محصن الأسدي من بني أسد بن خزيمة وكان من شجعان أصحاب رسول الله r كان يوزن بألف فقال: «ادع الله أن يجعلني منهم» قال لرسول الله r ادع الله أن يجعلني منهم أي من هؤلاء الذين يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب وهنا قد اختلف في ذكر العدد في قوله ومعهم سبعون ألفا هل المقصود به الحصر أو التكثير، فإن العرب يستعملون لفظ سبعين للتكثير، ويطلق أيضا للحصر ومفهومه مفهوم مخالفة، لأن مفهوم العدد من أنواع مفهوم المخالفة، فالذين يتصفون بما وصف به رسول الله r هؤلاء من أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون في هذه الأمة أضعاف السبعين في كل عصر من عصورها، فيمكن أن يحمل ذلك على التكثير أي أن عددهم كبير فوصفهم بسبعين ألفا وذلك لتكثير العدد، ويحتمل أن العدد مقصود لذاته فيكونون خِيرة أولئك، فالسبعون ألفا لا يقصد انحصار الذين يتوكلون على الله تمام التوكل فيهم من هذه الأمة، و إنما يقصد أنهم سادتهم وخيرتهم، هذا على الوجه الثاني على حمل السبعين على الحصر، فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فعكاشة سأل النبي r أن يسأل الله له أن يجعله منهم «فقال: أنت منهم» النبي r أجابه بأن ذلك قد حصل أصلا، فعندما عرضوا عليه رآهم فيمكن أن يكون عرف بعضهم وممن عرفهم عكاشة بن محصن، أو أنه عرف من حاله هو أنه كذلك في تحقيق التوحيد وأنه من المتوكلين على الله غاية التوكل، «ثم قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم» قام رجل آخر أي من أصحاب رسول الله r وهذا يدل على حرص الصحابة على المنافسة في الخير فقال: ادع الله أن يجعلني منهم اقتداء بعكاشة، «فقال: سبقك بها عكاشة» سد النبي r الباب لئلا يقوموا جميعا فيسألونه ذلك، ومن المعلوم أن الأمر قد قدر وكتب ولم يشأ أن ينفي ولا أن يثبت، فلم يقل له لست منهم ولا أنت منهم، ولم يَدْعُ له أيضا لئلا يتسابقوا جميعا إلى ذلك فكان من أدبه r وحسن خلقه أن قال: سبقك بها عكاشة، فسد هذا الباب، وقد جرى هذا اللفظ النبوي مجرى المثل فأصبح الناس يستعملونه استعمال المثل سبقك بها عكاشة.

قال: \"فيه مسائل\" أي في هذا الحديث مسائل \"الأولى معرفة مراتب الناس في التوحيد\" أي أن الناس مراتب في التوحيد فهم درجات عند الله، فالذين يحققونه غاية التحقيق هم المنزلة الأولى وهم أكمل الناس إيمانا ثم من دونهم وهكذا، \"الثانية ما معنى تحقيقه\" أي أنك عرفت من خلال ما سبق معنى تحقيق التوحيد الذي ذكر في الباب ففي الترجمة ذُكِرَ تحقيق التوحيد وشرحه قد اتضح لك من خلال هذا الحديث، فإنه بين أنهم يتوكلون على الله غاية التوكل، فلا يأخذون من الأسباب إلا بما كان إجمالا في الطلب، \"الثالثة ثناؤه سبحانه على إبراهيم بكونه لم يك من المشركين\" وهذا في الآية التي ذكرت في الترجمة، فإن الله أثنى على إبراهيم بأنه لم يك من المشركين، فدل ذلك على أنه لم يمازجه ولم يخالطه شيء من الشرك أصلا، \"الرابعة ثناؤه على سادات الأولياء بسلامتهم من الشرك\" لأنه قال: ﴿والذين هم بربهم لا يشركون فهذا ثناء منه على سادات أوليائه بأنهم لا يتصفون بأي مظهر من مظاهر الشرك، \"الخامسة كون ترك الرقية والكي من تحقيق التوحيد\" وذلك لتمام التوكل على الله سبحانه وتعالى، فإن هؤلاء حققوا تمام التوكل بتركهم لتلك الأسباب التي هي من المرغوب عنه شرعا، وقد ورد في رواية ولا يرقون وهي شاذة فإن النبي r رقى، \"السادسة كون الجامع لتلك الخصال هو التوكل\" فالذي يجمع هذه الخصال وهي أنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون الذي يجمع كل ذلك هو معنى التوكل لأنه قال: «وعلى ربهم يتوكلون» \"السابعة عمق علم الصحابة لمعرفة أنهم لم ينالوا ذلك إلا بعمل\" فالصحابة رضوان الله عليهم عرفوا أن أولئك السبعين لم ينالوا هذا المقام العالي إلا بعملهم فبحثوا عن ذلك العمل واجتهدوا في بيانه، فمنهم من ذكر الصحبة، صحبة رسول الله r، ومنهم من ذكر البراءة من الشرك بالولادة في الإسلام وغيرَ ذلك من أنواع الآراء التي تتعلق بالعمل، فلم يرجعوا ذلك إلى نسب ولا إلى حسب وإنما أرجعوه إلى العمل، وذلك أن العمل هو سبب دخول الجنة وسبب النجاة من النار، فالجنة ليست في مقابل العمل، لا ينالها الإنسان في مقابل عمله، لكنَّ سبب دخولها العمل الصالح جزاء بما كانوا يعملون، أي بسبب ما كانوا يعملون، \"الثامنة حرصهم على الخير\" حرص الصحابة على الخير فهذا عكاشة يقول يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم والثاني أيضا يقول: ادع الله أن يجعلني منهم، فهذا من حرص الصحابة على أن ينالوا الدرجات العالية، \"التاسعة فضيلة هذه الأمة بالكمية والكيفية\" فهذه الأمة مفضلة على سائر الأمم بالكمية فسوادها سواد عظيم قد سد الأفق، وهو أكبر الأسودة، وهي مفضلة بالكيفية فمعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب فذلك بالكيفية، \"وهما مقولتان مقولة الكم ومقولة الكيف\" فمقولة الكم ما يرجع إلى العدد الذي يسأل عنه بكم، ومقولة الكيف ما يرجع إلى الحال الذي يسأل عنه بكيفَ، فالحال والأوصاف يسأل عنها بكيف والعدد يسأل عنه بكم، فاشتق من لفظ كم المصدر الصناعي الكمية، واشتق من لفظ كيف المصدر الصناعي الكيفية.

 

يتبع


عدد مرات القراءة : 4801



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22502420
المتواجدون الأن       8
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو