» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
المغني المفيد الشريط الرابع




\"العاشرة فضيلة أصحاب موسى\" لأن النبي r بين أنه رأى سوادا عظيما فظن أنهم أمته فقيل له هذا موسى وأمته، فهذه فضيلة أصحاب موسى الذين آمنوا به من بني إسرائيل فقد فضلهم الله على العالمين كما نص على ذلك في كتابه، والمقصود بالعالمين من كان في زمانهم منهم، \"الحادية عشرة عرض الأمم عليه r\" وذلك أنه الشهيد على هذه الأمة التي هي الشهداء على الأمم كلها كما قال الله تعالى، وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا فالرسول r هو الشهيد على هذه الأمة التي هي الشهداء على الناس، فتعرض عليه الأمم للشهادة لأن الشهادة من شرطها العلم، كما قال الله تعالى: وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين ولقوله تعالى: إلا من شهد بالحق وهم يعلمون، فاحتاج إلى أن يعلم بما يشهد عليه فعرضت عليه الأمم، \"الثانية عشرة أن كل أمة تحشر وحدها مع نبيها\" فكل نبي يرفع له لواء وتجثو تحته أمته، فكل أمة ترى جاثية يوم القيامة كما بين الله تعالى ذلك في سورة الجاثية، وكما قال تعالى في سورة الإسراء ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم فكل أمة تدعى بإمامها أي نبيها ويرفع لها لواء فتجتمع عنده، فكل أمة إذن تحشر وحدها، والمقصود هنا مرحلة من مراحل الحشر، ثم بعدها مرحلة أخرى من مراحل الحشر وهي العرض على الله فكل فرد فيه يحشر وحده، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا، في المرحلة الأولى يحشر الناس أمما وفي المرحلة الثانية وهي حال العرض يحشرون أفرادا كلهم آتيه يوم القيامة فردا، وبعد ذلك في حال حشر أهل النار إلى النار يحشرون أمما أيضا كلما دخلت أمة لعنت أختها، \"الثالثة عشرة قلة من استجاب للأنبياء\" والمقصود بذلك إذا ما قورنوا بالذين استجابوا لإبليس، فجمهور الناس هم أتباع إبليس، \"ولكن أكثر الناس لا يؤمنون\" \"وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله\" ولهذا فإن إبليس قد حقق يمينه وصدق فيها، وهي يمين الإغواء التي أقسمها بعزة الله في قوله ﴿قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين لأن الله أخبر بتحققها على أكثر الناس في قوله، ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين، فجعل الذين نجوا من إغواء إبليس فريقا فقط، قال: فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين \"الرابعة عشرة أن من لم يجبه أحد يأتي وحده\" أن من لم يجبه أحد من الأنبياء يأتي وحده، \"الخامسة عشرة ثمرة هذا العلم\" وذلك أن فائدة العلم العمل، فالعبرة فيه في خاصة النفس بالكيف لا بالكم، فلهذا قال: \"ثمرة هذا العلم هو عدم الاغترار بالكثرة وعدم الزهد في القلة\" فأهل الحق في كل زمان ومكان ذوو عدد قليل ولكن العاقبة لهم العاقبة للمتقين، ﴿كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله \"السادسة عشرة الرخصة في الرقية من العين والحمة\" كما جاء في حديث بريدة السابق، ففيه الترخيص في الرقية من النبي r أنه رخص في الرقية من العين ومن الحُمَة أي السم أيضا، \"السابعة عشرة عمق علم السلف\" فهذا سعيد بن جبير يقول: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع ثم استثنى بعد ذلك فقال: ولكن، فعلم أن الحديث الأول لا يخالف الثاني، لكن الثاني من أخذ به أخذ بالأَوْلى والأفضل، \"الثامنة عشرة بعد السلف عن مدح الإنسان بما ليس فيه\" فإنه قال: أما إني لم أكن في صلاة، لئلا يظن به من الخير ما ليس فيه، فيكون كلابس ثوبي زور، \"التاسعة عشرة قوله: أنت منهم\" قالها النبي r لعكاشة فهي علم من أعلام النبوة ودليل من أدلتها لأنها إخبار بمغيب قامت الحجة عليه بما رآه رسول الله r أو بما أخبر به بالوحي، \"العشرون فضيلة عكاشة\" فهو شهيد في سبيل الله قتله طليحة بن عدي الأسدي في حروب الردة، \"الحادية والعشرون استعمال المعاريض\" فإنه r هنا لم يصرح بالنفي ولا بالإثبات بل قال: سبقك بها عكاشة واستعمال المعاريض فيه مندوحة، كما قال r: في المعاريض مندوحة عن الكذب، والمندوحة الطريق الذي يخرج منه الإنسان من غير أن يؤذي غيره، \"الثانية والعشرون حسن خلقه r مع أصحابه\" فلم يقل له لست منهم ولم يضجر بسؤاله ذلك، ولم يعزره على أن سأله بل قال: سبقك بها عكاشة، وهذا من تمام حسن الخلق، ومن إلانة القول للناس، وقد أمره الله بذلك فقال: ﴿ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله وكذلك يؤخذ منه ما ذكرنا من أن العالم عليه أن يسأل طلابه في طريقة الحوار وأن يحدثوه بما معهم وأن الذي يريد أن يقنع غيره لا يمكن أن يصادِر رأيه بل لا بد أن يسأله عن حجته وإذا سمع الحق لا بد أن يصَدِّق، فهنا سعيد يخالف حصينا فيما فعل ولكنه مع ذلك سأله عن حجته فحدثه بها فأقر تلك الحجة، فدل هذا على أن طريقة الحوار هكذا أن يسأل الإنسان خصمه عن حجته، ثم إن كان فيها حق أقره عليه.

\"باب الخوف من الشرك وقول الله عز وجل ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء\"

عقد هذا الباب للخوف من الشرك وهو متناول لأمرين الأول التخويف منه أي بيان كثرته في الناس وسهولته عليهم، وقربه منهم ليخاف ويحذر منه، والثاني الخوف مما يترتب عليه من العقوبة فإنه سبب للخلود في النار نسأل الله السلامة والعافية، والخوف صفة نفسية تقتضي الحذر من الشيء واجتنابه، والشرك اسم مصدر الإشراك، أشرك بالله أي عبد معه غيره، أو أسند إليه شيئا من خلقه، فمصدره الإشراك واسم مصدره الشرك، \"وقول الله عز وجل\" عطف هذه الآية على الترجمة في الباب، ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به فهذا تخويف من الشرك إذ لا يغفر إلا في حق من تاب منه والتوبة منه إنما تكون بالإيمان بعد الكفر كما قال الله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وكما قال تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين فإن تابوا أي من الشرك وذلك بالدخول في الإيمان، ومثل ذلك قول الله تعالى: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم، وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له فعلم أن المقصود هنا بقوله إن الله يغفر الذنوب جميعا أي بالتوبة فيدخل في ذلك الشرك فهو يُغفر بالتوبة، وعلم أن قوله: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء أي بمشيئته المحضة من غير توبة، فالشرك لا يغفر إلا بالتوبة منه لكن التوبة منه مكفرة له قطعا، فقد صح عن النبي r أنه قال: إن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وإن الهجرة تجب ما قبلها، والجب القطع، والمقصود بذلك الخروج منه مطلقا، بدلالة الآيات التي سبقت، والذنوب ثلاثة أقسام ذنب لا يغفر وهو الشرك بالله، وذنب لا يترك وهو حقوق العباد، وذنب في المشيئة وهو حقوق الله المتمحضة، وقد اجتمعت هذه الذنوب الثلاثة في قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون من الله إلها آخر وهذا الذنب الذي لا يغفر وهو الشرك ﴿ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق وهذا الذنب الذي لا يترك وهو حقوق العباد ﴿ولا يزنون وهذا الذنب الذي من حقوق الله المتمحضة فهو في المشيئة إن شاء الله عفا عنه وإن شاء عذب به، ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك أي ما دون الشرك ﴿لمن يشاء وهذا الإطلاق يدخل فيه حقوق الله المتمحضة كلها بالاتفاق لأن الله غني عنها، وهل تدخل فيه حقوق العباد لأنهم محتاجون إليها وفقراء إليها محل نظر لكن الله يجازي من شاء من عباده عمن شاء، فلا يمكن أن يدخل أحد الجنة ويطالبه الناس بالحقوق بل لا بد أن يحبس الناس حتى يقتص لكل مظلوم من ظالمه، بل قبل ذلك يقتاد للشاة الجماء من الشاة القرناء في المحشر، وقال الخليل عليه السلام خليل الله إبراهيم فيما روى الله عنه وهذا الكلام كلام الله لكنه حكاه عن خليله إبراهيم: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام فسأل الله أن يجنبه هو وبنيه عبادة الأصنام، ﴿واجنبني أي باعد بيني وبين ذلك، ﴿وبني معطوف على الياء التي هي ضمير المتكلم، وبنوه يدخل فيهم ذريته جميعا إلى أن ينتهوا يدخل فيهم أولاده بالصلب وأولاد أولاده إلى أن ينتهوا، أن نعبد الأصنام وعبادتها هنا إسناد شيء من التقرب إليها والأصنام جمع صنم وهو في الأصل ما يمثل من الآلهة بالحجارة أو بالشجر أو بالطين أو نحو ذلك، ويطلق ذلك على التمثيل نفسه وعلى الشيطان الذي يكون فيه، فإن كل تمثيل عبد من دون الله تلبس به شيطان من الشياطين فيكلم عُبَّادَهُ عنده ويحاول تلبية بعض ما استطاع من حوائجهم ويكون ذلك فتنة لهم، ولهذا فإن خالد بن الوليد رضي الله عنه حين أرسله رسول الله r لقطع الشجرة التي كانت تسمى في الجاهلية بالعزى وكانت من أصنام العرب قطع الشجرة فرجع إليه فقال: هل خرج لك منها شيء قال: لا قال ارجع فاجتَثَّها فرجع فاجتث جذعها فخرجت له منه عجوز ثائرة الرأس تدعو بالويل والثبور فعلاها بالسيف وهو يقول:

إني رأيت الله قد أهانك

 

يا عز كفرانك لا سبحانك

 حتى قتلها بالسيف، وتلك العجوز هي التي كان المشركون بالعزى يعبدونها من دون الله، هي عجوز من الشياطين من الجن، وفي الحديث «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر» هذا مما ترجم له فكان مقتضى الترجمة أن يقول باب الخوف من الشرك ثم يقول قال الله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به وقال الخليل: واجنبني وبني أن نعبد الأصنام وفي الحديث أخوف ما أخاف عليكم، أو أن يقول: باب الخوف من الشرك وقول الله تعالى إن الله لا يغفر أن يشرك به ثم يقول قال الخليل بدون عطف ويجعل ذلك المبوب له وفي الحديث عطف على قال الخليل، «أخوف ما أخاف عليكم» هذا كلام رسول الله r يقول أخوف ما أخاف عليكم أي أشد ما أخافه عليكم خوفا، «الشرك الأصغر» فبين أنه لا يخاف على أصحابه من الموحدين بجزيرة العرب الشرك الأكبر فقد أيس الشيطان أن يعبد بها، ولكنه يخاف عليهم الشرك الأصغر الذي هو الرياء «فسئل عنه فقال: الرياء» والرياء مشتق من الإرئاء أي أن يظهر الإنسان شيئا ليراه غيره، وهو أن يظهر عملا صورته صورة العبادة لله سبحانه وتعالى ولكنه لا يفعله إلا أمام الناس ليريهم أنه عابد لله فيتمدَّحَ بذلك نسأل الله السلامة والعافية، ويلفظ بالياء والهمزة فيقال الرياء والرئاء وبهما قرئ في السبع في كتاب الله، ﴿الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس أو رياء الناس، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله r قال: «من مات وهو يدعو من دون الله نِداً دخل النار» رواه البخاري، هذا الحديث يقول فيه رسول الله r فيما روى عنه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار، فهذا بيان لأن الشرك لا يغفر إلا بالتوبة منه لأن من مات وهو يدعو من دون الله ندا وهذا نوع من أنواع الشرك الأكبر و الشرك الأكبر أربعة أنواع هي أولا العبادة أي إشراك غير الله في العبادة لله، كمن  يسجد لصنم أو ينذر له أو لقبر أو لغير ذلك فهذا من العبادة ويدخل فيها القسم وغيره، والثاني الدعوة كمن يستغيث بغير الله من سائر المخلوقات فذلك من هذا الشرك الأكبر لقول الله تعالى: ﴿ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم و يوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير فبين أن هذا من الشرك، النوع الثالث من الشرك الأكبر الشرك في التشريع وهو الإباحة والتحريم من دون الله، فقد قال الله تعالى: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله فجعل شرع ما لم يأذن به الله شركا، النوع الرابع الشرك في المحبة كمن  يحب مخلوقا حب الإلهية فيؤثر حبه على حب الله أو يساويه به، فذلك من الشرك الأكبر لقول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله فمفهوم ذلك أن هؤلاء ليسوا من الذين آمنوا لأنه قال: والذين آمنوا أشد حبا لله، فهذه هي أنواع الشرك الأكبر أما الشرك الأصغر فيدخل فيه الرياء كما بين النبي r في الحديث السابق، ومنه أيضا التسميع، ويدخل فيه أنواع من التطلع إلى الغيب ومن الطيرة، فما لا يصل إلى درجة الشرك الأكبر من ذلك يكون شركا أصغر لا يخرج من الملة ولكنه ذنب عظيم، «من مات وهو يدعو من دون الله ندا» و الند النظير ويسمى ندا ونديدا بمعنى النظير والمقصود به من يدعى مع الله، وقد كان أهل الجاهلية يدعون الله ولكنهم يدعون من دون آلهتهم وكانوا يقولون في تلبيتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك أنت تملكه وما ملك، وكانوا يزعمون أنهم يتوسلون بهم إلى الله وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى وقد رد الله عليهم في هذا الزعم بكثير من الآيات كما في قوله تعالى: قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون، وقال قبلها: أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه، وقال: ﴿قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين بل الله فاعبد وكن من الشاكرين﴾ «من مات وهو يدعو من دون الله ندا» أي مات على القناعة بذلك والاعتقاد به فهذا النوع من الشرك يشمل أمرين اعتقادَ أن غير الله سبحانه وتعالى يؤثر في الكائنات ويمكن أن يستجيب الدعاء، وفعلُ ذلك أي نداؤه، فهو يشمل اعتقادا وعملا، فالعمل هنا هو القول والاعتقاد هو ما يصدر عنه ذلك القول من القناعة في القلب، والمقصود هنا بقوله « يدعو من دون الله ندا» ما يشمل الأمرين معا، فليس المقصود الدعاء باللسان فقط، فقد يكون الإنسان معتقدا لذلك ولا يقوله لسانه، فيموت على ذلك فيموت مشركا، فلا يقصد مجرد النطق باللسان دون القناعة بل المقصود هنا الاعتقاد والنطق، فلو اعتقد ذلك ولم ينطق به فذلك شرك، أما إن كان ينطق به من غير اعتقاد كمن يجري على لسانه بعض ما يشيع في مجتمعه فإنه لا يُكَفَّر بذلك لأن النبي r جاء والناس يقسمون باللاتِ والعزى من دون الله، فقال لأصحابه لا تحلفوا باللات ولا بالعزى فمن قال ذلك فليقل آمنت بالله، وفي رواية فليقل لا إله إلا الله، فهنا لم يكفرهم بذلك الذي كان يجري على ألسنتهم في الجاهلية ودأبوا عليه وتعودوا عليه فيصعب تخلصهم منه، ولكن أرشدهم إلى التخلص منه بتحقيق الإيمان وبقول لا إله إلا الله، ومعنى «دخل النار» أنه يكون من أهلها نسأل الله السلامة والعافية فالمقصود به الخلود فيها في حق المشرك شركا أكبر كما بينا، ولمسلم عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله r عليه وسلم قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار» هذا الحديث بين فيه رسول الله r سبيل الجنة من الإيمان والتوحيد وسبيل النار من الشرك، فقال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا» أي مات وهو لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، حتى لو كان عاصيا بما سوى ذلك من العمل فلا بد أن يدخل الجنة ولا يمكن أن يخلد في النار، «ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار» ولا بد من الخلود فيها حينئذ لأنه إذا كان خاليا من الإيمان فهو من أهل النار الخالدين فيها نسأل الله السلامة والعافية، قال: \"فيه مسائل الأولى الخوف من الشرك\" وذلك شامل للأمرين السابقين للتخويف منه وللخوف من عقوبته، \"الثانية أن الرياء من الشرك\" لأن النبي r بين أنه الشرك الأصغر، \"الثالثة أنه من الشرك الأصغر\" أي انقسام الشرك إلى قسمين الفائدة الثالثة هي انقسام الشرك إلى قسمين شرك أكبر وشرك أصغر وبيان أن الرياء من الشرك الأصغر، \"الرابعة أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين\" أي على المؤمنين، فالمشركون الكفار يقعون في الشرك الأكبر ولا يخاف عليهم من الشرك الأصغر لأنهم متلبسون بما هو أكبر منه، لكن أهل الإيمان والصلاح يخاف عليهم من هذا النوع من أنواع الشرك وهو الشرك الأصغر، \"الرابعة أنه أخوف ما يخاف منه على الصالحين\" لأنه خاف على أصحابه منه، \"الخامسة قرب الجنة والنار\" أي قرب طريقهما فيسهل على الإنسان دخول الجنة وذلك إذا مات لا يشرك بالله شيئا، وفي المقابل أيضا يسهل دخول النار في حق من مات يشرك بالله شيئا، والمقصود بالقرب هنا السهولة سهولة دخول الجنة في حق كل موحد وسهولة دخول النار في حق كل مشرك، \"السادسة الجمع بين قربهما في حديث واحد\" فهذا الحديث الذي فيه من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار فيه فائدة وهي الجمع بين ما تفرق في الأحاديث الأخرى، فقد كثرت الأحاديث التي فيها من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، وجاء في عدد من الأحاديث أيضا من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار، فهذا الحديث جامع لهما للأمرين معا، \"السابعة أنه من لقيه لا يشرك به شيئا دخل الجنة\" وهذا تكرار ومثله من لقيه يشرك به شيئا دخل النار، ولو كان من أعبد الناس، هذا تكرار للفائدة السابقة لكنه قصد التصريح به لبيان أهميته، ولو كان من أعبد الناس، فالعبادة لله سبحانه و تعالى إذا دخلها شيء من الشرك بطلت به كما قال الله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا وكما قال تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب وقد بين الله بطلان أعمال أهل الشرك في قوله تعالى: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين وفي قوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وفي قوله تعالى: ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم ولو كان من أعبد الناس، \"الثامنة المسألة العظيمة سؤال الخليل له ولبنيه الوقايةَ من عبادة الأصنام\" المسألة الثامنة وقد نبه على أهميتها بقوله المسألة العظيمة وهي سؤال إبراهيم الخليل الذي اجتباه الله لخلته وجعل من ذريته أنبياءه وخيرته من خلقه، وهو مع ذلك يخاف الشرك على نفسه وعلى ذريته فيسأل الله الوقاية من عبادة الأوثان له ولبنيه، فهذا يدلنا على أنه ليس أحد بمأمن من هذا الشرك إلا من أمنه الله منه، وأن على الإنسان أن يسأل الله الوقاية من الشرك وأن يعتني بذلك فإن الله يخذل من شاء بفتنته ورده عن طريق الحق نسأل الله الثبات، \"التاسعة اعتباره بحال الأكثر لقوله: ﴿رب إنهن أضللن كثيرا من الناس\" اعتباره أي اعتبار إبراهيم والمقصود بذلك اتعاظه وانتفاعه بهذه العبرة وهي حال الأكثر، أن أكثر الناس من عَبَدَة الأصنام فلهذا قال: رب إنهن أي إن الأصنام أضللن كثيرا من الناس أي ضل بسبب عبادته لهن، كثيرا من الناس، \"العاشرة فيه تفسير لا إله إلا الله كما ذكره البخاري\" فإن الله سبحانه وتعالى بين أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء فهذا يدل على أن شهادة أن لا إله إلا الله المقصود بها نفي الشرك به في عبادته، فمن لم يشرك به شيئا فقد أفرده بالألوهية ووحده، \"الحادية عشرة فضيلة من سلم من الشرك\" أي مزيته وعلو قدره، إذا كان إبراهيم وهو ذو المكانة العالية في الإيمان وقد اختاره الله لخلته يسأل الله أن ينجيه من الشرك فهذا يدلنا على عظم شأن من سلم من الشرك، قال: \"باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله\" والدعاء هنا المقصود به الدعوة أي إرشاد الناس إلى ذلك وكل من اقنتع بقناعة فلا بد أن يدعو إليها لأن ذلك من مقتضياتها، وشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله يقتضيان ممن شهد بهما أن يدعو الناس إلى ذلك، وطريق الحق تبدأ أولا بالعلم أي بتعلم مقتضى الشهادتين، بتعلم ما يقتضيه هذا الإيمان، ثم بعد ذلك بالعمل به ثم بعد ذلك بالدعوة إليه ثم بعد ذلك بالصبر عليه بالصبر على طريق الحق حتى يلقى الله، وهذه الأربع تضمنتها سورة العصر التي قال فيها الشافعي لو لم ينزل من القرآن على رسول الله r إلا سورة العصر لكفت حجةً على الناس فإن الله تعالى يقول بسم الله الرحمن الرحيم ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بالتعلم لأن الإيمان هو تصحيح الاعتقاد بحيث لا يمكن أن يتم ذلك إلا عن طريق الوحي والوحي إنما يتعلم فلا بد من تعلم الإيمان، ثم قال: ﴿وعملوا الصالحات وهذا العمل، ثم قال: ﴿وتواصوا بالحق وهذه الدعوة ثم قال: ﴿وتواصوا بالصبر وهذا الصبر على هذا الطريق، وهي كذلك وصية لقمان لابنه كما قال الله تعالى: ﴿وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم وهذا تعليم ثم قال بعدها يا بني أقم الصلاة وهذا العمل ثم قال بعدها ﴿وامر بالمعروف وانه عن المنكر وهذه الدعوة، ثم قال بعدها ﴿واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور وهذا الصبر على هذا الطريق، \"الدعاء\" أي الدعوة \"إلى شهادة أن لا إله إلا الله\" والسعي لإرشاد الناس إلى ذلك فإن النبي r قال لعلي رضي الله عنه فلأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم، وهذه الشهادة شهد الله بها وأشهد بها ملائكته وأولي العلم من عباده فقال تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم والدعوة إلى طريق الحق وصف الله بها نفسه في قوله ﴿والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وفي قوله: ﴿والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ووصف بها رسوله r فقال: ﴿وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا وأمره بها في قوله: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن وفي قوله: ﴿وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين وأخبر أنها هي أرضى الأقوال في قوله ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، وأمر الرسول r أن يخبر عن نفسه وعن أتباعه بأنها سبيلهم فقال: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين لذلك قال: باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وقول الله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة هذا هو دليل الترجمة، فمن المناسب أن يقول: قال الله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله وعطفه يقتضي أن يكون من الترجمة، ﴿قل هذه سبيلي معناه قل يا محمد للناس في دعوتك ونذارتك ﴿هذه سبيلي أي هذا الحق الذي أدعو إليه هو سبيلي وما هو هو أني ﴿أدعو إلى الله أي إلى شهادة أن لا إله إلا الله وإلى سبيل الله وطريقه، ﴿على بصيرة هذا المنهج الذي يسلكه بالبيان وهو ما جاء في الوحي ﴿أنا ومن اتبعني فهم جميعا يدعون إلى هذا السبيل، ﴿وسبحان الله وذلك إرشاد للربانية في الدعوة، ولتنزيه الله سبحانه وتعالى عن حاجته إلى أحد من خلقه فإنه لا يحتاج إلى أنصار ولا إلى أعوان، ﴿وما أنا من المشركين هذا التميز عن الشرك بالكلية فهو من تمام الدعوة إلى سبيل الله، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله r « لما بعث معاذا إلى اليمن قال إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وفي رواية إلى أن يوحدوا الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» أخرجاه أي أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين فحديث ابن عباس فيه يقول النبي r «لمعاذ» أي معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن أي حين ولاه على اليمن بعثه أميرا وداعيا هنالك قال: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب» أي أنك تقدم على اليمن وفيه قوم من أهل الكتاب  منهم نصارى كأهل نجران ومنهم يهود كبعض أهل صنعاء ففي اليمن اليهود والنصارى معا من أهل الكتاب «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» وهذا بيان للتدرج في الدعوة وأن الإنسان عليه أن يبدأ بالأهم ثم الذي يليه، فلا يشتغل بالجزئيات على حساب الكليات، فقال فليكن أول ما تدعوهم إليه هذا تعليم للدعوة فيعلم معاذا الدعوة، ومن قواعدها المهمة البدء بالأهم وأيضا النظر إلى حال من يدعوه الإنسان والتعرف إليه فليس العالم كالجاهل وليس الكتابي كالوثني فلكل أسلوبه الدعوي المختص به، فلهذا قال له إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، ولفظ قوم يطلق على الذكور والإناث ويطلق على الذكور فقط، فمن إطلاقه على الجنسين قول الله تعالى: وكذب به قومك وهو الحق ومن إطلاقه على الذكور فقط قول زهير بن أبي سلمى:

أقوم آل حصن أم نساء

 

وما أدري وسوف إخال أدري

 ومنه قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن فأطلق لفظ قوم هنالك على الذكور دون الإناث، والمقصود في هذا الحديث سكان اليمن فيشمل ذلك الجنسين، «من أهل الكتاب» أل في الكتاب عهدية أي الكتاب المعهود الذي هو التوراة والإنجيل، أو جنسية ليشمل ذلك الكتب المنزلة السابقة، «فليكن أولَ ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» أي اجعل أول دعوتك لهم إلى هذا الأصل الذي هو شهادة أن لا إله إلا الله وهذا الذي أرشد الله إليه رسوله r عندما أتاه وفد نصارى نجران، فقد أنزل الله عليه في ذلك ﴿قل يا أهل الكتاب تعالو إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون فهذا أول ما يُدْعَى إليه أهل الكتاب التوحيد لأنهم إما مُثَنِيَّةً وإما مُثَلِّثة فاليهود مثنية يزعمون أن عزيرا ابن الله تعلى الله عما يقولون علوا كبيرا، والنصارى مثلثة يعبدون الله مع المسيح بن مريم وأمه فيقولون الله ثالث ثلاثة تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله» شهادة أن لا إله إلا الله اسم كان وقدم عليه الخبر وهو أول ما تدعوهم إليه للاستئناف به، «وفي رواية إلى أن يوحدوا الله» فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله وهنا الرواية التي أوردها بهذا اللفظ ليست متصلة بنفس الجملة السابقة، فكان اللازم أن يقول وفي رواية أخرى ليعلم أنها لا تتسق مع اللفظ المذكور هنا، فلا يمكن أن يقال فليكن أول ما تدعوهم إليه إلى أن يوحدوا الله «أن يوحدوا الله» هذا معنى شهادة أن لا إله إلا الله أن يعبدوه وحده وأن لا يشركوا به شيئا «فإن هم أطاعوك لذلك» أي أقروا بالتوحيد، «فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات» وهذا أهم شيء في التكاليف بعد التوحيد الصلاة «في كل يوم وليلة» خمسَ صلوات وهي الفرائض، وهذا الحديث صريح في أن الصلاة لا يجب منها إلا الخمس فما سوى ذلك كله نوافل، «فإن هم أطاعوك لذلك» أي إن استجابوا لدعائك لهم إلى الصلاة لدعوتك لهم إلى الصلاة «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» والزكاة هي أخت الصلاة وقرينتها في القرآن فلذلك ذكرت بعدها في ترتيب الدعوة هنا، «فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة» وهي الزكاة تؤخذ من أغنيائهم وهذا دليل على أن الزكاة ليست ملكا للإنسان لأنها تؤخذ من ماله ولو بغير رضاه فهي جزء اقتطعه الله من مال الغني لمصارفها المحددة في كتاب الله، «تؤخذ من أغنيائهم» وهم جمع غني وهو الذي يملك عرض الدنيا «فترد على فقرائهم» فهذه الصدقة لا تؤخذ منهم مطلقا إنما تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم فالخطاب فيها للصنفين معا للأغنياء أخذا وللفقراء عطاءً، والفقراء جمع فقير وهو الذي لا يملك بُلْغَةً تكفيه لعامه، وقد اختلف في الفقير والمسكين أيهما أفقر، فذهب بعض أهل العلم إلى أن المسكين أحوج من الفقير لأن المسكين مشتق من السكون فقد سكنت يده عن التصرف فلا هو يملك ولا هو يقدر على الكسب والعمل، وأما الفقير فمشتق من فقرات الظهر أي الذي هزل ولم يملك شيئا لكنه قادر على الكسب والعمل، وذهب آخرون إلى أن الفقير أحوج من المسكين وأن المسكين فوقه يملك شيئا لكنه لا يكفيه وأن الفقير هو الذي لا يملك شيئا أصلا، وهذا الخلاف اصطلاحي، هنا قوله فترد على فقرائهم بيان لجنس المصرف ولا يقصد بذلك انحصارها في مصرف الفقراء فقط بل إنها تصرف للفقراء ولمن سواهم من مصارفها الثمانية لكنه خشي عليهم الفتنة لئلا يروا أن ذلك ضريبة تقتطع من أموالهم ليأخذها من سواهم فقال: ترد على فقرائهم، «فإن هم أطاعوك لذلك» أي إذا أطاعوا واستجابوا لأخذ الزكاة من أموالهم «فإياك وكرائمَ أموالهم» معناه فخذ الزكاة من أموالهم لكن إياك وكرائم أموالهم لا تأخذ الزكاة من كرائم أموالهم والكرائم جمع كريمة وهي المحبوب من المال سواء كان ذلك في النَّعَمِ والبهائم أو في غيرها، فما يكون أفضل المال وأعلاه لا تؤخذ منه الزكاة وإنما تؤخذ من وسطه، فلا تؤخذ من أدناه أيضا لقول الله تعالى: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه ولا تؤخذ من أعلاه لقول النبي r فإياك وكرائم أموالهم والأموال جمع مال وهو المَُتَمَوَّلُ أي المنتفع به مما يحاز وينتفع به في أمور الدنيا، قال: «واتق دعوة المظلوم» هذا إرشاد من النبي r لمعاذ لأنه أصبح واليا، وكل ذي سلطان فهو عُرْضَةً لأن يكون ظالما طاغيا حتى بين له النبي r ذلك بقوله واتق دعوة المظلوم، فكل من تولى أمرا من أمور الناس فعليه أن يتقي دعوة المظلوم منهم فإنها ليس بينها وبين الله حجاب فلا تُرَدُّ تستجاب في وقتها، واتق دعوة المظلوم ارتباط ذلك أيضا بقوله: فإياك وكرائم أموالهم واضح، لأنه إذا أخذ من كرائم أموالهم فقد ظلمهم فهم مظلومون إذا دعوا عليه كانت دعوتهم دعوة مظلوم، واتق أصلهاإِوْتَقِ، أي اجعل بينك وقاية وبين دعوة المظلوم، «فإنه ليس بينها وبين الله حجاب» لا تحجب عن الله سبحانه وتعالى فلا ترد وهي من الدعوات التي لا ترد، \"ولهما\" أي قد أخرجا في الصحيحين وهما البخاري ومسلم «عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله r قال يوم خيبر لأعطين الراية غدا» أي قال ذلك في الليل ليلة وهو بخيبر، واليوم في عادة العرب يطلق على الحرب بكاملها فيقال يوم الفجار ويوم داحس والغبراء مع أن حرب داحس والغبراء دامت أربعين سنة، ولكن في غالب إطلاقها تطلق على اليوم الذي حسمت فيه المعركة، ويوم داحس والغبراء أي اليوم الذي قُتِلَ فيه حذيفة بنُ بدر وإخوانُه، ويوم خيبر أي يوم فتحها، وإنما قال النبي r ذلك في الليل، فقال: لأعطين الراية غدا «رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها فلما أصبحوا غدوا على رسول الله r كلُّهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي بن أبي طالب فقيل هو يشتكي عينيه فأرسلوا إليه فأتي به فبصق رسول الله r في عينيه ودعا له فبرئ كأن لم يكن به وجع فأعطاه الراية فقال انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم  ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» هنا قال رسول الله r «لأعطين الراية غدا» أي لأدفعن الراية وهي رمز القيادة في الجيش، أي لأولين على الجيش المقاتل، «غدا رجلا يحب الله ورسوله» وهذه شهادة له بتمام الإيمان لأن حلاوة الإيمان إنما تحصل بمحبة الله ورسوله والمحبةِ في الله والبغضِ في الله كما قال النبي r: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار» «رجلا يحب الله ورسوله» أيضا الثناء عليه بالرجولة دليل على شجاعته وقوته، لأن الرجل من الألفاظ التي لا تطلق في سبيل الذم وإنما تطلق في سبيل المدح كما جاء في كتاب الله ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه ومثل قوله تعالى: ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلواة وإيتاء الزكاة «يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله» وهذه شهادة أعظم من سابقتها لأن الله ورسوله لا يمكن أن تحصل محبتهما إلا لمن هو في أعلى درجات الإيمان، قال: «ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه» هذا علم من أعلام النبوة ودليل من أدلتها فإن النبي r أخبر أن الله سيفتح غدا على يد ذلك الرجل الذي يرسله ففتح الله على يديه، «فبات الناس يدوكون ليلتهم» بات الناس أي أصحاب رسول الله r، يدوكون ليلتهم «أيهم يعطاها» يدوكون أي يخوضون أيهم يعطاها فكل إنسان منهم يرشح نفسه لذلك لا حبا للرئاسة والقيادة و لكن حبا لمحبة الله ورسوله، فكل منهم يريد أن يحظى بشهادة النبي r له أنه يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، «ليلتهم» أي طيلة الليل وهم يخوضون وهذا يدل على حرص الصحابة على الأجر والخير، فباتوا يدوكون أي يخوضون ولم يناموا حرصا على هذه الصفة الحميدة «أيهم يعطاها» هذا محل الخوض والبحث أيهم يعطاها أي يعطى الراية، «فلما أصبحوا» في يوم الفتح يوم فتح خيبر «غدوا على رسول الله r » غدوا عليه أي بَكَروا عليه في وقت الغدو وهو أول النهار، غدوا على رسول الله r «كلهم يرجو أن يعطاها» أي كل رجل منهم يرجو أن يعطاها وهذا يدل على تنافسهم في الخير وحرصهم عليه جميعا، فقال: «أين علي بن أبي طالب» هنا سأل رسول الله r عن علي فهو الرجل الذي يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ولكنه كان مريضا فلم يكن من الذين غدوا على رسول الله r، «فقيل هو يشتكي عينيه» أي أنه أصيب برمد فلم يأت من أجل ذلك الرمد، «فأرسلوا إليه فأتي به» أتي به معناه أنه لا يبصر في وقت المجيء به لأنه لو كان يبصر لقال فأرسلوا إليه فجاء، قال فأتي به أي يقاد فهو لا يبصر من شدة الرمد، «فبصق رسول الله r في عينيه» وهذا دليل على التبرك برسول الله r، فكل جسده r وما يخرج منه مبارك وتلتمس البركة فيه والشفاءُ به، «ودعا له» كذلك هذا وسيلة من الوسائل الإجماعية وهي دعاء النبي r «فبرئ كأن لم يكن به وجع» أي في مجلسه ذلك برئ كأن لم يكن به وجع ولم يصبه رمد بعد، حتى لقي الله، وفي هذا الدعاء أنه قال: وقه الحر والبرد فكان يلبس في الشتاء لباس الصيف ويلبس في الصيف لباس الشتاء فلا يتأثر من حر ولا برد، «فأعطاه الراية» أعطاه رسول الله r الراية وولاه على الجيش، «فقال انفذ على رسلك » انفذ أي انطلق «على رسلك» معناه لا تعجل في السير ولكن انفذ في طريقك، وهذا اللفظ يقال على رسلك أي على مهلك فالرسل الترسل في المشي وهو عدم الإسراع فيه، ومنه المهل أيضا يقال على مهلك وعلى رسلك أي لا تسرع، «حتى تنزل بساحتهم» فهذا هو غاية السير ونهايته أن تنزل بساحتهم وساحتهم معناه مكان وجودهم وهو مكان معسكر اليهود «ثم ادعهم إلى الإسلام» فهذا أول ما كلفه به بعد النزول بساحتهم أن يدعوهم إلى الإسلام والإسلام هنا شهادة أن لا إله إلا الله بدلالة حديث معاذ السابق، «وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه» وهذا يدخل فيه الصلاة والزكاة المذكورتان في حديث معاذ السابق، «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم» حضه على الحرص على هدايتهم ولم يحضه على الحرص على إبادتهم واستباحة خضرائهم بل بين له أن هداية شخص واحد منهم خير له من حمر النعم أي من أن يملك ما على وجه الأرض من الإبل فالنَّعَم اسم جنس يطلق على الأنعام كلها إبلا وبقرا وضأنا ومعزا ولكنه اشتهر إطلاقه في لغة العرب على الإبل بخصوصها فهي النعم، والحمر منها كانت أحسنها عند العرب، وهي أحب المال إليهم، ولذلك قال: «فوالله لأن يهدي الله بك» أي لأن تكون سببا لهدايته، «رجلا واحدا، خير لك» أي في كفة حسناتك وعند الله سبحانه وتعالى «من حمر النعم» معناه من أن تملك حمر النعم، ويمكن أن يكون المعنى أن تتصدق بحمر النعم، فهداية شخص واحد خير من الصدقة بالمال الكثير، والهداية هنا المقصود بها هداية الإرشاد وهي تنقسم إلى قسمين هداية إرشاد وهداية توفيق فهداية الإرشاد إقامة الحجة وإظهار المحجة، وهداية التوفيق الأخذ بناصية الإنسان حتى يلتزم طريق الحق، وهداية الإرشاد يمكن أن تقع من المخلوق وهداية التوفيق لا يمكن أن تقع منه، ولهذا فإن الله تعالى أثبت هداية الإرشاد لنبينا محمد r في قوله: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ونفى عنه القدرة على هداية التوفيق، فقال ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهداية التوفيق هي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم وهداية الإرشاد هي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى قال: «يدوكون» أي يخوضون وهذا تفسير البخاري لهذا اللفظ، قال: \"فيه مسائل الأولى أن الدعوة إلى الله طريق من اتبعه r لتصريح الله بذلك في قوله: أنا ومن اتبعني\" فلا يمكن أن يكون أحد مقرا  برسالة محمد r زاعما اتباعه وهو لا يدعو إلى ما جاء به، بل لا بد أن يكون كل من سلك طريق النبي r وآمن به وصدق برسالته داعيا إلى منهجه وما جاء به، وكذلك فيه فائدة أخرى وهي أن الدعوة تحتاج إلى أن تكون جهدا جماعيا وعملا مشتركا لأنه قال: أنا ومن اتبعني، فلو كانت الدعوة يكفي فيها الجهد الفردي لقال قل هذه سبيلي أدعو إلى الله وحدي مثلا، قال: أنا ومن اتبعني، \"الثانية التنبيه على الإخلاص\" فالإخلاص ركن من ركني صلاح العمل ولا يستقيم العمل إلا به ولذلك فإن النبي r أرشد معاذا إلى اتقاء دعوة المظلوم ويكون ذلك بالإخلاص لله سبحانه وتعالى وأرشد عليا بالحرص على هداية الناس ويكون ذلك بالإخلاص لله تعالى، وأيضا قد نبه على الإخلاص في قوله في الآية وسبحان الله وما أنا من المشركين وسبحان الله هذه الربانية في الدعوة وهي دليل الإخلاص فيها، والإخلاص أي إخلاص العبادة من كل الشوائب بأن لا يشوبها أي نوع من أنواع الشرك فتكون خالصة لله عز وجل، لأن كثيرا من الناس لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه لأنه قال: ادع إلى سبيل ربك فلم يقل ادع إلى سبيلك بل قال ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وقال وادع إلى ربك، وقال: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله، فلا يدعو إلى نفسه، لأن كثيرا من الناس لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه، فهو رجل يقول اعرفوني اعرفوني كما قال علي رضي الله عنه للقاص الذي كان يقص في مسجده، \"الثالثة أن البصيرة من الفرائض\" أي أن الذي يدعو إلى طريق الحق لا بد أن يكون بصيرا به لا بد أن يعرف طريق الحق ولا بد أن يكون بصيرا بالمدعوين وبأساليب الدعوة ووسائلها فذلك من الفرائض الواجبة التي يجب تعلمها، \"الرابعة من دلائل حسن التوحيد كونه تنزيها لله تعالى عن المَسَبَّة\" فإنه من دلائل حسن التوحيد هنا أنه قال: وسبحان الله، سبحان الله أي تنزيها لله عما يشرك به وعن كل ما يسبه به أعداؤه، فقد قال: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين فذلك من دلائل حسن التوحيد تنزيهه سبحانه وتعالى عن كل ما لا يليق به، \"الخامسة أن من قبح الشرك كونه مسبة لله\" فمن قبح الشرك ومن ذمه أنه سبٌّ لله سبحانه وتعالى ونسبةٌ للنقص إليه، فلذلك قال: ﴿وما أنا من المشركين فهو مقابل لقوله وسبحان الله، فسبحان الله تنزيه لله عن الشرك، وما أنا من المشركين فدل هذا على أن الشرك مقابل للتنزيه فهو ذم، ومسبة لله تعالى الله عن ذلك، \"السادسة وهي من أهمها\" أي من أهم فوائد هذا الباب \"إبعاد المسلم عن المشركين لئلا يصير منهم ولو لم يشرك\" فهذا يشمل الابتعاد ببدنه بالهجرة، والابتعاد بقلبه بالكراهية، ويشمل كذلك التميز عن منهجهم بعدم محاكاتهم فيما هو من دينهم، فقد نهى النبي r عن محاكاة اليهود والنصارى، فقال: خالفوا اليهود والنصارى وقال: خالفوا المشركين فكل ذلك من التميز عنهم الذي يؤخذ من قول الله تعالى: وما أنا من المشركين ولذلك جاء في الحديث أن النبي r قال: أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين حتى لا تتراءى ناراهما، وقد كان ذلك في وقت وجوب الهجرة، واليوم هجرة المسلم الذي أسلم في دار الشرك أو التزم فيها إلى دار الإسلام لا يمكن أن توجب عليه لصعوبة ذلك ولعدم تيسر إقامته في البلدان الأخرى إذ لا تتسع البلدان لكل من أسلم من أهل الأمصار ومع ذلك أيضا لا يحرم على المسلمين الذي ولدوا على الإسلام وعاشوا في دار الإسلام أن يسكنوا في البلاد التي يرون فيها الكفار وأكثرُ أهلها منهم أكثر أهلها من الكفار لكن يجب عليهم التحفظ والتميز عنهم، ولا يحل للمسلم أن يسكن مدينة ليس فيها مسلم فينفرد بين الكفار لئلا يموت بينهم ولئلا يسري إليه شيء من عاداتهم ولأنه قد يضعف في بعض الأحيان فيكون عرضة للفتنة في وقت ضعفه، ولأنه سيكون مستذلا لأن كل غريب فهو ذليل والمسلم لا يركن إلى الذلة أبدا ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين \"السابعة كون التوحيد أول واجب\" فإن النبي r قال لمعاذ فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، فلذلك كان أول واجب، \"الثامنة أنه يبدأ به قبل كل شيء\" أي قبل الصلاة التي هي أول العمل فالعمل لا يكون إلا مبنيا على أساس القناعة التي هي التوحيد، أن يبدأ به قبل كل شيء \"حتى الصلاة\" الصلاة من العمل والعمل إنما يدعو إليه التوحيد، \"التاسعة أن معنى أن يوحدوا الله هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله\" لأن الروايتين تفسر إحداهما الأخرى، \"العاشرة أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرف ذلك، لا يعرفها، أو يعرفها ولا يعمل بها، وهنا لا يعرفها\" أي لا يعرف هذه الصفة في نفسه لا يعرف أنه من أهل الكتاب أو  لا يعرفها أي الكتب السماوية، \"أو يعرفها ولا يعمل بها\" فالذي لا يعرف الكتب كالنصارى فهم يجهلون الإنجيل ويجهلون ما جاء به عيسى، \"أو يعرفها ولا يعمل بها\" كرهبان اليهود وأحبارهم فهم يعرفون التوراة ولكنهم لا يعملون بها، فاليهود أتو من جهة عدم العمل بما علموا والنصارى أتوا من جهة عدم العلم أصلا، فاليهود هم المغضوب عليهم علموا ولم يعملوا والنصارى هم الضالون عملوا ولم يعلموا فأهل اليمن منهم من يعرف الكتاب كاليهود، ومنهم من لا يعرفه إلا أماني وقراءةً فقط بلسانه  ومع ذلك يسمون بأهل الكتاب كما أخبر النبي r معاذا بذلك وهنا كان الأولى أن يقول أن الإنسان قد يكون من أهل الكتاب وهو لا يعرفه لأن الكتاب مذكر، أو يعرفه ولا يعمل به فالكتاب مذكر فكان الأولى تذكير الضمير هنا \"الحادية عشرة التنبيه على التعليم بالتدريج\" أي تعليمُ الدعوة وأساليب التعليم وأنه لا بد فيها من التدريج والتقسيط فلا يمكن أن يؤخذ العلم جزافا ولا يمكن أن يبدأ بالجزئيات قبل الكليات ولا أن يبدأ بغير المهم بل لا بد أن يبدأ بالأهم وأن يكون ذلك بالتدريج، والتقسيط فلهذا قال «فليكن أولَ ما تدعوهم إليه شهادةُ أن لا إله إلا الله» \"الثانية عشرة البداءة بالأهم فالأهم\" كما هو واضح في الترتيب في حديث معاذ \"الثالثة عشرة مصرف الزكاة\" لأنه قال تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم والمقصود الفقراء ومن معهم في قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل \"الرابعة عشرة كشف العالم الشبهة عن المتعلم فإنه كشف الشبهة هنا\" فإن النبي r كشف الشبهة وبين ذلك لمعاذ فبين له أنه يقدم على أهل الكتاب وبين له ما ينبغي أن يخاطبهم به، وكذلك تعليمه لعلي رضي الله عنه هذا الأمر فكل ذلك من كشف الشبهة التي قد تعرض عليه ويعترض بها عليه، فبين له ذلك احتياطا قبل أن يعترض بها عليه، \"الخامسة عشرة النهي عن كرائم الأموال\" وقد صرح بذلك رسول الله r في قوله لمعاذ وإياك وكرائم أموال الناس، وذلك خشية الفتنة على الناس فعلى الداعية أن يكون حريصا على التعفف عما في أيدي الناس فكل الأنبياء قد قالوا في دعواتهم وما أسألكم عليه من أجر وكذلك لا بد أن يحرص على أن لا يكون فتانا للناس، فكل ما يؤدي إلى الفتنة لا بد من قطعه وإزالته، ولهذا قال النبي r «وإياك وكرائم أموال الناس» \"السادسة عشرة اتقاء دعوة المظلوم\" فالداعية مهما بلغ من الإيمان والتقوى والعبادة فلا يأمن على نفسه الفتنة والطغيان والظلم، وقد قال الله تعالى: ﴿إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى ومن هنا حذر النبي r صاحبه من دعوة المظلوم ليكون ذلك تحذيرا له من الظلم الذي هو سبب تلك الدعوة، وقد حذر رسول الله r من الظلم التحذير البليغ في قوله الظلم ظلمات يوم القيامة، \"السابعة عشرة الإخبار بأنها لا تحجب\" أي بأن دعوة المظلوم لا تحجب فيدل ذلك على أن من الدعوات ما يحجب عن الله، فمن الدعاء ما لا يرفع ولذلك كان يستعيذ من دعوة لا ترفع أو من دعوة لا يستجاب لها، فدعوة المظلوم ترفع ولا تحجب، \"الثامنة عشرة من أدلة التوحيد ما جرى على سيد المرسلين وسادات الأولياء من المشقة والجوع والوباء\" بين هنا أن من أدلة التوحيد وانفراد الله سبحانه وتعالى وحده بالملك ما جرى على سيد الأولين والآخرين وسيد المرسلين وكذلك على سادات الأولياء من الأنبياء وغيرهم من المشقة والجوع والمرض والقتل لبعضهم، فكل ذلك يدل على أنهم لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم حياة ولا موتا ولا نشورا وقد قال الله تعالى لرسوله r ﴿قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله، ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء فذلك دليل على انفراد الله سبحانه وتعالى وحده بالألوهية، فكل من سواه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وما جرى لسيد المرسلين r ولغيره من الأنبياء والأولياء من ذلك هو رفع لدرجاتهم وزيادة تقريب لهم فإذا أحب الله عبدا ابتلاه، واشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل الأمثل وهذا الابتلاء هو من الامتحان كما قال الله تعالى: ﴿أَلم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين وقال تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب وقال تعالى: ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ومثال ذلك هنا ما لقي من اليهود من الأذى وتَأَخُّرُ الفتح عليه حين حاصرهم بخيبر فكل ذلك من المشقة التي لقيها سيد المرسلين r.

 

 

 

يتبع


عدد مرات القراءة : 5009



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22673453
المتواجدون الأن       8
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو