» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح ورقات إمام الحرمين في أصول الفقه الشريط الثالت




 

قال \"وترد صيغة الأمر والمراد به الإباحة أو التهديد أو التسوية أو التكوين\" يقصد أن صيغة الأمر قد ترد لغير المعنى الأصلي لقرينة تدل على ذلك ، فقد ترد للإباحة كقول الله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) فاصطادوا هنا لا تدل على الوجوب وإن كانت صيغة أمر ولا تدل أيضا على الندب بل تدل على الإباحة ، وكذلك قد ترد صيغة الأمر للدلالة على التهديد فلا يقصد بها حينئذ الأمر ، كقول الله تعالى: (قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار) فليس هذا أمرا بالتمتع على حقيقته بل المقصود به التهديد ومثله (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا) ، فهذا للتهديد ، وكذلك التسوية وهي التسوية بين الفعل والترك وذلك مثل قول الله تعالى: (فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم) فاصبروا هنا ليس الأمر فيها للوجوب بل هو للتسوية بدلالة ما بعدها ، فالقرينة المقالية اقتضت صرف الأمر عن معناه الأصلي ، أو للتكوين وهو الإيجاد لقول الله تعالى: (كونوا قردة خائسين) فكونوا هنا ليست الأمر فيها للوجوب وإنما هو للتكوين والقرائين أكثر مما ذكر بل  هذه أمثلة للقرائن ومثلها في العكس أيضا للنهي فقد يرد النهي على غير ما هو له ، قد يرد للكراهة وقد يرد للتهديد ونحو ذلك ، \"العام\" ، عقد هذا الباب للعام وهو في اللغة وصف عم الشيء يعم فهو عام إذا شمل ، والعام الشامل ، واصطلاحا لفظ يتناول الصالح له من غير حصر دفعة واصطلاحا لفظ فالعموم من عوارض الألفاظ أي أنه يوصف به الألفاظ لا المعاني ولا الأجسام اصطلاحا وإن كان في الأصل يرد في المعاني ويرد في الأجسام ، يتناول الصالح له أي ما يدخل تحته أي كل معانيه ، ما صدقاته من غير حصر أي كل ما يصدق به من غير حصر في عدد محدد دفعة أي في نفس الوقت يتناولهم جميعا لا على سبيل البدلية كالرجال فهذا لفظ يتناول كل ذكر من بني آدم يتناولهم دفعة واحدة من غير حصر لهم بعدد محدد ، وذلك بخلاف المطلق فإنه يتناول الصالح له من غير حصر على سبيل البدلية كرجل فهو وإن كان يصدق على كل ذكر آدمي إلا أنه لا يتناولهم جميعا في وقت واحد دفعة واحدة ، بل يتناولهم على سبيل البدلية كل واحد منهم وحده وذلك هو المطلق ، قال وأما العام فهو ما عم شيئين فصاعدا أي هو في اللغة ما عم شيئيين أي شمل شيئيين فصاعدا سواء كان هو في الحسيات كعموم الظرف لمظروفه وكعموم المطر في الأرض أو في المعنويات كذلك أو في الألفاظ كذلك فكل هذا يسمى عموما في اللغة من عممت زيدا وعمرا بالعطاء أو بالإحسان فهذا من المعنويات وعممت جميع الناس بالعطاء فهذا من المعنويات أيضا قال وألفاظه أربعة ولم يعرفه اصطلاحا وقد عرفناه اصطلاحا بأنه لفظ يتناول الصالح له من غير حصر دفعة وألفاظه أي صيغ العموم أربعة وليس محصورا فيما ذكر بل له صيغ أخري لاسم الواحد المعرف باللام الإسم الواحد أي لاسم المفرد فير المثنى ولا المجموع المعرف باللام أي الجنسية أي المحلى بأل الجنسية واسم الجمع المعرف بأل أي الجمع المعرف بأل أيضا كذالك الجنسية كالرجل والرجال والأسماء المبهمة أي الموصولات وأسماء الشرط وأسماء الاستفهام فهي الأسماء المبهمة كمن للعاقل فيمن يعقل وما فيما لا يعقل وأََيُُّ في الجميع وأين في المكان ومتى في الزمان فكلها من ألفاظ العموم ، قال وما في الاستفهام والجزاء ، أي ما ومن في الاستفهام ، من قام (وما تلك بيمينك) والجزاء أي الشرط ، (وما تفعلوا من خير يعمله الله) ، فهذا يشمل الكثير والقليل وهو عام ، ولا في النكرات أي النكرة في صياغ النفي فهي من ألفاظ العموم سواء كان النفي بلا كما ذكر المؤلف أو بغير لا كقولك لا رجل في الدار ، فهذا من ألفاظ العموم فهو نفي لوجود أي رجل في الدار ، قال والعموم من صفات النطق أي أن العموم من عوارض الألفاظ لا من عوارض المعاني ولا من عوارض الأجسام في الاصطلاح وإلا فهو في الأصل من عوارض الأجسام كعم الظرف مظروفه وعم الحبل الحطب ومن عوارض المعاني كعممت الناس بالعطاء أو بالإحسان ، عممت زيدا وعمرا بالإحسان ، ولكن المقصود به في الاصطلاح الأصولي أنه من عوارض الألفاظ ، فالألفاظ منها ما هو عام كما ذكر ، وكغيره مثل عامة وكافة وجميع فكلها من ألفاظ العموم وكالمضاف إلى الضمير ، النكرة إذا أضيفت للضمير تكون من ألفاظ العموم ، قال ولا تجوز دعوى العموم في غيره من الفعل وما يجري مجراه ، ولا تجوز دعوى العموم في غيره أي في غير صيغ العموم من الفعل وما يجري مجراه فالفعل سواء كان فعل أمر مثل: كلْ ، إشرب ، فهذا لا يدل على العموم ، بل يمتثل بأكل أي شيء وشرب أي شيء ، ولا يمكن أن يقصد به أكل كل شيء وشرب كل شيء ، وما جرى مجراه مما يشبه الفعل من الأوصاف ونحوها ومن المطلق كله ، فليس شيء من ذلك من قبيل العموم ، فالمفرد المحلى بأل ، مثل قول الله تعالى: (إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا) إن الإنسان أي كل إنسان فالإنسان هنا لفظ عام والدليل على ذلك الاستثناء الذي بعده لقوله (إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات) فالاستثناء معيار العموم لا يكون إلا من عموم ، والجمع المحلى بأل ، كقول الله تعالى: (قد أفلح المؤمنون) ، فهذا شامل لكل مؤمن عام في المؤمنين (وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا)  الأطفال هنا جمع محلى بأل ، فالمؤمنون جمع مذكر سالم والأطفال جمع تكسير كذلك قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء) فالرجال جمع تكسير محلى بأل والنساء اسم جمع محلى بأل ، كذلك اسم الجنس (إن البقر تشابه علينا) (غلبت الروم في أدنى الأرض) فالبقر والروم كلاهما اسم جنس ، البقر مفرده بقرة ، والروم مفرده رومي ، ولذلك فالمحلى بأل العهدية إذا كان المعهود عاما كان أيضا من ألفاظ العموم ، مثل (إذ قال ربك للملائكة) ، الملائكة معهودون هنا ، لكن أل وإن كانت عهدية هنا لكنها دخلت على الجنس دخلت على الجمع المعهود فيه الجنس فكان ذلك من ألفاظ العموم ، أما إذا كان المعهود مفردا ، كما قال تعالى: (كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول) فهو واحد ، لا يقصد به العموم هنا ، فأل التي فيه عهدية ، والأسماء المبهمة مثالها (من يعمل سوء يجز به) فمن هنا شرطية وكذلك في أين (فأين تذهبون) في أي اتجاه تذهبون ، فأي من ألفاظ العموم ، وكذلك في (متى نصر الله) مثلا كل ذلك من ألفاظ العموم ، والنكرة في صياغ النفي مثل (فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج) فكل ذلك عام في كل ما يدخل تحته ، وكذلك النهي فهو مثل النفي ، فالنكرة في سياق النهي عامة أيضا (فلا تدعو مع الله أحدا) ومثل ذلك الشرط (وإن أحد من المشركين استجارك فأجره) فكل ذلك من ألفاظ العموم ، ترك هو لفظ  كل ولفظ جميع ولفظ عامة والمضاف لمعرفة ونحو ذلك ، كذلك النكرة في سياق الامتنان وفي سياق الإثبات في صور قليلة مثل (علمت نفس ما أحضرت) (عملت نفس ما قدمت وأخرت) فالأصل أن النكرة في سياق الإثبات للإطلاق لا للعموم ولكنها قد ترد للعموم نادرا كما ذكرنا ، ثم عقد هذا الباب للخاص ، فقال الخاص ، والخاص هو ضد العام وهو في اللغة وصف خص الشيء يخص وخص الشيء بكذا يخصه به أيضا فالشيء خاص بمن خص به ، وهو في الاصطلاح لفظ يتناول ما دل عليه على وجه محصور أو اللفظ الدال على محصور هذا الذي يسمى بالخاص ، ولم يذكر أنواع العام لأن العام منه ما هو عام مراد به العموم باق على عمومه كما ذكرنا من الأمثلة ، ومنه عام مراد به الخصوص مثل قول الله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم) الذين قال لهم الناس المقصود بذلك بعض الناس دون بعض ، ولا يقصد أن كل الناس قالوا لهم ذلك ، (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم) نفس الشيء إن الناس قد جمعوا لكم ، وكذلك قوله تعالى: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) فالمقصود بعض الناس دون بعض أو ابراهيم عليه السلام ، الثالث ، العام المخصوص ، وهو العام الذي أريد به العموم  في الأصل ، ولكنه خصص بعد ذلك فجيء بما يخصصه ببعض أفراده دون بعض ، فذلك هو العام المخصوص ، قال: والخاص يقابل العام ، يقابل العام أي يضاده ، والتخصيص تمييز بعض الجملة ، أي بحكم مستقل بها، والجملة هنا ما يتناوله العام ، وهو ينقسم إلى متصل ومنفصل أي المخصص ينقسم إلى متصل ومنفصل ، فالتخصيص في المتصل كالاستثناء والشرط والتقييد بالصفة ، فكل ذلك من المتصلات ، فالتقييد بالاستثناء مثل قول الله تعالى: (ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب) فهذا الاستثناء اتصل بالعموم السابق ، ومن يفعل ذلك من ألفاظ العموم واستثني منه من تاب ، فالاستثناء هنا تخصيص لمتصل ومثل ذلك الشرط ، فهو يخصص أيضا ما قبله ويكون متصلا به ، تقتل المرأة إن قاتلت ، المرأة هنا جنس محلى بأل ، فهي من ألفاظ العموم ، إن قاتلت خصص هذا العام بالشرط الذي بعده ، معنى ذلك انها إن لم تقاتل لا تقتل ، وكذلك التقييد بصفة ، (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ولله على الناس ، الناس هنا من ألفاظ العموم لأنه جنس محلى بأل من استطاع إليه سبيلا بالخصوص ، خص هذا العموم بالصفة ، وهي صفة الاستطاعة ، والمخصص المتصل بأنواعه الثلاثة التي ذكرها هنا يحتاج إلى تفصيل ، فلذلك قال فيه الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل في الكلام ، أي أن الاستثناء الذي أحد المخصصات المتصلة تعريفه هو إخراج ما لولاه ، معناه لولا الاستثناء لدخل في الكلام ، جاء القوم إلا زيدا ، فلو سكت لعلم أن زيدا قد أتى ، لو قلت جاء القوم وسكت لدل ذلك على مجيء زيد لكن إذا قلت جاء القوم إلا زيدا فالاستثناء أخرج زيدا من القوم ، وإنما يصح بشرط أن يبقى من المستثنى منه شيء أي لا يصح الاستثناء بحيث لا يبقى من المستثنى منه شيء ، فلو قلت له علي عشرة إلا عشرة فهذا باطل لا يمكن أن يصح ، لكن إذ قلت له علي عشرة إلا ثلاثة أو إلا أربعة ، فذلك جائز بالاتفاق إذا كان دون النصف ، فإن كان النصف فصاعدا فهو محل خلاف ، وهذا الخلاف فقهي أصولي ، والذي سار عليه المؤلف أنه يصح الاستثناء حتى يبقى أقل شيء من العموم ، إذ قلت له علي عشرة إلا تسعة ، فهذا الاستثناء صحيح ، لأن معناه الإقرار بواحد فقط ، ومن شرطه أن يكون متصلا بالكلام ، أي من شرط الإستثناء أن يكون متصلا بالكلام ، فإن انفصل عنه فقال إنسان له علي عشرة ثم بعد سكوت قال إلا تسعة ، فهذا ندم لا يقبل منه ، فإنما يقبل الاستثناء إذا كان متصلا وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما القول بأن الاستثناء يصح ولو حصل الفصل ، وقد جرى في هذا خلاف بين الأصوليين ، قد كان القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي رحمه الله من أهل بغداد وأراد الخروج منها غضبا من سوء معاملة أهلها له فخرج فلقي بعض عوام الناس خرجوا ليجمعوا الحطب ليبيعوه ، ببغداد ، فإذا اثنان منهم يتكلمان في قضية الاستثناء ، فقال احدهما للآخر لو لقيت ابن عباس رضي الله عنهما لقلت له لو كان الانفصال في الاستثناء مقبولا لقال الله تعالى لأيوب عليه السلام: استثن ، ولم يقل له (وخذ بيدك ضغثا فاضرب به) فإن أيوب عليه السلام حلف أن يضرب عددا من الأسواط لا يتحمله المضروب فبعد الندم على ذلك أمره الله أن يأخذ بيده ضغثا من النخل ، يجمع عددا من العثاكين فيضرب به ، ولا تحنث ، فجعل ذلك مانعا من الحنث ، فلو كان الاستثناء كافيا هنا لقال استثن ، قل إن شاء الله ، فيخرج من عهدة اليمين ، فرجع القاضي إلى بغداد وترك سفره ، وقال بلد حطابه ـ أي الذين يجمعون الحطب ـ يناقشون ابن عباس بالقرآن ، لا يخرج منه ، ويجوز تقديم الاستثناء على المستثنى منه ، يجوز تقديم المستثنى على المستثنى منه ، فتقول: له علي إلا ثلاثة عشرة مثلا وحمله علي عشرة إلا ثلاثة ، ويجوز الاستثناء من الجنس ومن غيره ، يجوز الاستثناء من الجنس وهذا الذي يسمى في اصطلاح النحويين بالاستثناء المتصل ، قام القوم إلا زيدا ، ومن غير الجنس وهو الذي يسمى بالاستثناء المنقطع ، قول الله تعالى: (فسجدوا إلا إبليس) أي سجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ، فإبليس ليس من جنس الملائكة ، فكان الاستثناء هنا منقطعا ، والشرط يجوز أن يتأخر عن المشروط ويجوز أن يتقدم على المشروط ، بين أن الشرط الذي من المخصصات المتصلة أيضا يجوز أن يتأخر عن المشروط ويجوز أن يتقدم على المشروط ، فإن تأخر عنه فذلك الـأصل لأن من شأنه التأخر مثل قول الله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد) إن لم يكن لهن ولد شرط ، وهو متأخر عن المشروط وهو لكم نصف ما ترك أزواجكم ، فمحل ميراث الزوج لنصف مال زوجته إن لم يكن لها ولد ، ويجوز أن يتقدم عليه ، مثل قول الله تعالى: (وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) إن كن أولات حمل هذا شرط ، وهو متقدم على المشروط وهو فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن ، جاء الشرط متقدما على المشروط ، ثم عقد هذا الباب للمطلق والمقيد ، فقال والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق ، المطلق في اللغة ، وصف للمفعول من أطلقه يطلقه فهو مطلق أي أرسله ، وهو في الاصطلاح اللفظ الذي يتناول ما صلح له على سبيل البدلية لا دفعة واحدة ، فرجل مثلا نكرة في سياق الإثبات يتناول كل ذكر آدمي ، لكنه لا يمكن أن يتناولهم دفعة واحدة ، فلا يصدق بالرجال جميعا في وقت واحد ، بل يصدق بواحد و واحد حتى يأتي على كلهم ، والمقيد أيضا وصف للمفعول من قيده يقيده فهو مقيد ، أي جعل فيه القيد ، والقيد ما يحد الحركة والمقصود به هنا ما يحد من الإطلاق ، فيعطل اللفظ عن بعض ما يصدق عليه كالتقييد بالوصف في قول الله تعالى: (تحرير رقبة مؤمنة) فالرقبة مطلقة وقيدت بعد ذلك ـ لأنها نكرة في سياق الإثبات ـ وقيدت بعد ذلك بالصفة ،حين قال ـ مؤمنة ـ فخرج ما سواها من الرقاب ، فلا يمتثل به الأمر ، قال والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق قد يرد الأمر بلفظ مطلق في مكان ويرد بلفظ مقيد في مكان آخر ، أو قد يرد النهي بلفظ مطلق في مكان ويرد بلفظ مقيد في مكان آخر ، فقد اختلف فقيل يحمل المطلق على المقيد ، وقيل يبقى المطلق على إطلاقه والمقيد على قيده ، فمثال ذلك في الأمر ، فتحرير رقبة ، قد جاء هذا اللفظ دون قيد بالإيمان في كفارة القتل ، وجاء بالقيد بالإيمان في كفارة الظهار ، فقيل يحمل المطلق على المقيد ، فلا تجزئ رقبة في الكفارة إلا إذا كانت مؤمنة ، ومثاله في النهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"من جر ثوبه خيلاء لم يرح رائحة الجنة\" وقوله: \"ما أسفل من الكعبين في النار\" فهذا نهي عن الإسبال ، فاللفظ الأول قيد فيه النهي بأن يكون ذلك على وجه الخيلاء ، واللفظ الثاني أطلق فيه ذلك دون قيد ، فهل يحمل المطلق على المقيد ، هذا محل خلاف ، قال والمقيد بالصفة يحمل عليه المطلق كالرقبة قيدت بالإيمان في بعض المواضع وأطلقت في بعض المواضع فيحمل المطلق على المقيد ، فيشترط في كل الرقاب أن تكون مؤمنة ، ثم قال: ويجوز تخصيص الكتاب بالكتاب ، وتخصيص الكتاب بالسنة ، رجع هنا لتخصيص المنفصل ، فقد ذكرنا التخصيص المتصل ، أما التخصيص المنفصل أي بالمخصص المنفصل ، فقد يكون التخصيص بالحس وذلك مثل قول الله تعالى: (تدمر كل شيء بأمر ربها) فالمحسوس أن السماوات ما دمرت وأن الأرضين ما دمرت وأن الجبال ما دمرت ، فالمقصود تدمر كل شيء أذن لها في تدميره ، من أبنية عاد وأشجارهم ومنافعهم وكذلك من المخصصات المنفصلة العقل ، فإنه يخصص العموم ، كقول الله تعالى: (الله خالق كل شيء) فالعقل يقتضي أن الله سبحانه وتعالى لم يخلق نفسه فهو غير مخلوق ، فهذا تخصيص بالعقل ، ثم بعده التخصيص بالنص وهو الذي فصل فيه المؤلف ، فقال يجوز تخصيص الكتاب بالكتاب ، أي أن يأتي العموم في الكتاب ثم يأتي بعده نص آخر من الكتاب يقتضي تخصيصه ، وذلك مخصص منفصل ، فقول الله تعالى: (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) فهذا اللفظ جاء عاما في كل مطلقة ، سواء كانت مدخولا بها أو غير مدخول بها ، ولكنه خصص بنص آخر وهو قول الله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا) فهذا اللفظ تخصيص للفظ الآخر ، وكذلك يجوز تخصيص الكتاب بالسنة ، فالله تعالى يقول في كتابه بعد ذكر المحرمات بالنساء ، هن15 امرأة ، قال: (ولا تنكحوا ما نكح آباءكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا * حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة ، وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما * والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم) والمحصنات هن المتزوجات ، من النساء إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي كما إذا كن متزوجات في الكفر فسبين في الغزو فإن السباء يهدم النكاح ، (والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم  وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم) أحل لكم ما وراء ذلكم فما هنا من ألفاظ العموم وهي مقتضية لأن كلما عدا الخمسة عشرة امرأة حلال ، ولكن خصص ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في السنة لقوله: \"لا تنكح المرأة على عمتها أو على خالتها\" وبقوله صلى الله عليه وسلم: \"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب\" فهذا تخصيص لعموم قوله تعالى: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) كذلك يخصص الكتاب أيضا بالإجماع ولم يذكر ذلك هنا في النص ، فلـأن الإجماع في الراجح لا بد أن يكون معتمدا على مستند ، وذلك المستند من النص هو المخصص الحقيقي وإنما يدل الإجماع على التخصيص به فقط ، وذلك مثل قوله الله: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) فهذه الآية عامة في الحر والعبد ، ولكنها خصصت بالإجماع لأن العبد القاذف يجلد على النصف من الحر ، ولم يرد ذلك في النص لكنه إنما جاء في الإيماء في حد الزنى في قوله تعالى: (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) فحمل المسلمون العبد الذكر على الأمة الـأنثى ، في تجزأ الحد مطلقا ، وكان ذلك بالإجماع فانعقد الإجماع على هذا ، وكذلك قد يخصص الكتاب بالقياس ، وذلك مثل قول الله تعالى: (والزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) فيقاس العبد الزاني على الأمة في تنصيف الحد لأن الأمة ذكر فيها التنصيف (فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب) فيقاس العبد الذكر على الأنثى ، كذلك قال: وتخصص السنة بالكتاب ، تخصص عموم السنة بالكتاب أيضا ، وذلك مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله\" فإن ذلك خصص بقول الله تعالى: (حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) فالحديث أطلق القتال حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، والآية خصصت من ذلك من قبل دفع الجزية فإنه تقبل منه الجزية ولا يقاتل ، قال ، \"وتخصيص السنة بالسنة\" ، كذلك تخصص السنة بالسنة ، ومثاله قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء العشر ، فهذا عام في القليل والكثير وقد خصصته السنة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: \"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\" فالحديث الأول عام في القليل والكثير والحديث الثاني خصصه في خمسة أوسق فما فوقها ،\" وتخصيص النطق بالقياس\" ، ونعني بالنطق قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم أي أن الكتاب والسنة كلاهما يخصص بالقياس فتخصيص الكتاب بالقياس كما سبق في قياس العبد على الأمة في تنصف حد الزنا وأما قياس في السنة ، فتخصيص القياس في السنة مثاله قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام\" فخص من الحديث العبد قياسا ، فيتنصف الحد في حقه قياسا على الأمة ، وهذا معنى قوله ونعني بالنطق أي المنطوق وهو الكتاب والسنة قول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم ، \"المجمل والمبين\" عقد هذا الباب للمجمل والمبين ، فالمجمل هو اللفظ الخفي الدلالة خفاء راجعا ، أي لا عموم فيه أو إطلاق ، والمبين هو اللفظ الواضح الدلالة لتخصيص فيه أو تقييد ، وعرف المجمل ، فالمجمل في الاصطلاح مفعل بصيغة اسم المفعول بالوصف من أجمله أي أذابه ، والإجمال الإذابة أجمل الشحم إذا أذابه ، والكلام الذي لا تتضح دلالته كالشحم المذاب ، وهو في الاصطلاح ما افتقر إلى البيان كما قال هو المجمل ما افتقر إلى البيان ، والمقصود بافتقاره أي افتقارنا نحن في فهمه إلى البيان ، أي ما افتقرنا نحن في فهمه إلى البيان ، وذلك لاسباب كثيرة هي أسباب الإجمال منها: عدم معرفة المراد بسبب الاشتراك في الدلالة (إلا يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح) الذي بيده عقدة النكاح يمكن أن يقصد به الزوج أو الولي ، كذلك (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاث قروء) هل المقصود الحيض أو الطهر ، فالقرء يطلق على الحيض ، كقول الراجز:

يا رب ذي ضغر على قارضي له       قروء كقروء الحائض
ويطلق على الطهر ، ومنه قول الأعشى:

أفي كل عام أنت عازم غزوة       تشد لأقصاها عزيم عزائكا
مورثة مالا وفي الحي رفعة     لما ضاع فيها من قروء نسائكا
فالقروء هنا بمعنى الأطهار ، وقد يكون ذلك راجعا إلى كون المفرد نفسه خفي الدلالة ، مثل والليل إذا عسعس ، فيمكن أن يكون معناه الإقبال ويمكن أن يكون معناه الإدبار ، وقد يكون ذلك للاشتراك في دلالة الحرف مثل قوله تعالى: (فامسحوا برؤوسكم) الباء هنا يمكن أن تكون للإلصاق ويمكن أن تكون للتبعيض ، ومن أسباب الإجمال كذلك عدم معرفة الصفة كالعام إذا لم يرد له بيان مثل: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فهذا نحتاج في امتثال معرفته إلى البيان ، فبينه النبي صلى الله عليه وسلم وبين الصلوات الخمسة وبين الزكاة ، والبيان إخراج الشيء من حيز الإشكال إلى حيز التجلي ، عرف البيان بأنه ـ البيان في الأصل هو الإظهار ـ اسم مصدر ، بين الشيء بيانا إذا أظهره ، فهو اسم المصدر الذي هو التبيان ، بين الشيء تبيانا إذا أظهره ، والبيان هو اسم المصدر ، وهو إخراج الشيء من حيز الإشكال ، إخراج الشيء أي الدليل ، من حيز الإشكال إلى حيز التجلي أي إلى حيز الظهور ، والتجلي من جلاه إذا أظهره ، \"والنص ما لا يحتمل إلا نعنا واحدا \"، هذا ليس من المجمل ولا من المبين بل هو من الألفاظ الأخرى المقاربة للمعنى ، قال والنص ما لا يحتمل إلا معنا واحدا ، من مصطلحات الأصوليين كذلك النص والنص في اللغة يطلق على الإسراع في السير ، ومنه حديث \"إذ وجد فرجة نص\" أي أسرع ، ويطلق على الرفع ، ومنه المنصة ، أي المكان المرتفع الذي يرتفع عليه المتكلم ، ومنه قول امرئ القيس:

وجيد كجيد الريم ليس بفاحش     إذا هي نصته ولا بمعطل
أي رفعته ، ومنه قول قولهم:

ونص الحديث إلى أهله      فإن السلامة في نصه
أي برفعه إلى قائله ونسبته إليه ، والنص في الاصطلاح ما أفاد معنى لا يحتمل غيره ، وهذا اصطلاح المتكلمين ، والمتكلمون يقسمون الكلام إلى واضح الدلالة وخفي الدلالة ، فواضح الدلالة ينقسم إلى قسمين هما: النص والظاهر وخفي الدلالة ينقسم إلى قسمين هما المجمل والمتشابه والحنفية يقسمون واضح الدلالة إلى أربعة أقسام هي المفسر والمبين والنص والظاهر ويقسمون خفي الدلالة إلى أربعة أقسام هي: الخفي والمجمل والمشكل والمتشابه ، وكل هذا اصطلاح ، والنص ما لا يحتمل إلا معنى واحدا ، وقيل ما تأويله تنزيله ، أي على ما جاء عليه ، فالتأويل بمعنى بروزه إلى العيان بعد أن كان خفيا ، وقد كان ابن رواحة رضي الله عنه:

خلو بني الكفار عن سبيله      نحن ضربناكم على تنزيله
واليوم نضربكم على تأويله.

نحن ضربناكم على تنزيله وذلك عند أنزل قول الله تعالى: (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون) نحن ضربناكم على تنزيله ، واليوم نضربكم على تأويله وذلك عند تحققه بعمرة القضاء ، ما تأويله تنزيله أي أول ما نزل نزل واضحا لاخفاء فيه ، فهذا الذي يسمى بالمبيت ، وأما ما كان تأويله بعد تنزيله فهو المجمل ، قال \"وهو مشتقة من منصة العروس\" ، وهو ليس كذلك ، بل كلاهما مشتق من النص الذي هو الرفع ، من منصة العروس أي المكان الذي تجلى عليه اظهر وهو الكرسي ، المكان الذي تجلى عليه العروس أي تظهر عليه ، الظاهر والمؤول ، قال: والظاهر ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر ، الظاهر هو مقابل النص ، وهو فاعل وصف من ظهر إذا اتضح ، فالظاهر واضح الدلالة وهو في الاصطلاح ما احتمل أمرين أحدهما أظهر من الآخر فهو دون النص في الظهور ، ما احتمل أمرين أي معنيين أحدهما أظهر من الآخر ، ويؤول الظاهر بالدليل ، يؤول أي يرجع إلى أصله ، والتأويل إرجاع الشيء إلى غيره ، من آل إليه يؤول أي رجع ، وإذا أول سمي بالمؤول يؤل الظاهر بالدليل فلا تأويل إلا بدليل ، ويسمى الظاهر حينئذ بالدليل ، فدليل التأويل هو الذي يصرف به اللفظ عن ظاهره إلى غيره ، فالظاهر إذن قسمان: ظاهر من جهة اللفظ بلفظه ظاهر وظاهر من جهة الدليل أي دل الدليل على تأويله فأصبح ظاهرا في المعنى الآخر الذي كان خفيا فيه ، وللتأويل شروط فمن شروط التأويل أن يكون بدليل فلا يمكن أن يؤول بغير دليل ومنها أن يكون اللفظ قابلا للتأويل ، فإن كان اللفظ صريحا لا يقبل التأويل فلا يمكن تأويله ، ومنها كذلك موجب للتأويل أن يقع فيه موجب للتأويل ومنها كذلك أن يكون اللفظ الذي أول إليه محتملا أي مقبولا في العربية فلا يمكن أن يحمل اللفظ على ما لا تقتضيه اللغة بوجه من الوجوه فذلك تأويل فاسد ، والظهور له أسباب ، فيمكن أن يكون الظهور بسبب الحقيقة ، فالحقيقة مقدمة على المجاز ، وكذلك الإثبات مقدم على الحذف ، مما لا يقتضي حذفا أو لا مما فيه حذف ، والعموم كذلك مقدم على الخصوص ، فكون اللفظ متناول لكل ما يصلح له أولى من تخصيصه في الأصل فهذا معنى الظهور ، هذه هي أوجه الظهور ، أو أسباب الظهور.

باب الأفعال:

الأفعال جمع فعل ، والمقصود بها هنا نوع من أنواع الأدلة وهي أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن من الأدلة الإجمالية السنة وهي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته مما يصلح دليلا لحكم شرعي ، ولما كانت أفعال النبي صلى الله عليه وسلم أنواعا بدأ بتصنيفها ، فقال: فعل صاحب الشريعة لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة والطاعة أو غير ذلك، يقول: فعل النبي صلى الله عليه وسلم هو صاحب الشريعة ومبلغها عن الله تعالى لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة والطاعة أو غير ذلك أي أن يكون تشريعا وبيانا لما أرسله الله به أو غير ذلك معناه أو أن يكون غير ذلك بأن يكون جبلة ، كالعطاس، والنوم والأكل والشرب ، وغير ذلك ، أو أن يكون مترددا بين الأمرين ، بين الجبلة والتشريع ، كالضجعة بعد ركعتي الفجر ، وكجلوس الاستراحة أو أن يكون فعلا بوظيفة من وظائفه كالإمامة العظمى والقضاء والإفتاء وقيادة الجيش وغير ذلك ، أو أن يدل الدليل  على خصوصه به صلى الله عليه وسلم وذلك ثلاثة أنواع ، النوع الأول منه ما دل الدليل على وجوبه عليه ، فيسن لأمته كالسواك و قيام الليل وصلاة الضحى والأضحى وقضاء دين الميت المعسر ، أو أن يدل الدليل على حرمته عليه صلى الله عليه وسلم فيكره لأمته ، كأكل كل ذي رائحة كريهة ، ولبس ما فيه وسخ ونحو ذلك ، فما حرم على النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك يكره لأمته ، والقسم الثالث ما دل الدليل على جوازه له صلى الله عليه وسلم دون غيره ، فيحرم على أمته كالتزوج بأكثر من أربع ، وكالزواج بلا ولي ولا صداق ، وكالخلوة بالأجنبية والحكم للأقارب والحكم مع غيبة الخصم فكل ذلك دل الدليل على جوازه له هو ، وهو محرم على غيره من الأمة ، ولهذا قال: فعل صاحب الشريعة لا يخلو إما أن يكون على وجه القربة أو الطاعة أو غير ذلك ، فإن دل الدليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص ، معناه أن الأصل عدم الاختصاص ، ولذلك احتيج فيه إلى الدليل ، فإن دل الدليل على الاختصاص به يحمل على الاختصاص وإن لم يدل لم يختص به  ـ، لأن الأصل أنه مبلغ عن الله تعالى ، وفيه إسوة حسنة لكل المؤمنون (لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة) لأن الله تعالى يقول: (لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة) فيحمل على الوجوب عند بعض أصحابنا ، ذهب بعض الشافعية إلى أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في معرض البيان يدل على الوجوب ، ومن أصحابنا من قال يحمل على الندب وهذا مذهب جمهور الأصوليين ، فإنهم يقسمون السنة إلى الأقسام الثلاثة فيقولون ، القول تؤخذ منه الأحكام الخمسة ، والفعل يؤخذ منه حكمان فقط وهما الندب والإباحة والتقرير يؤخذ منه حكم واحد وهو الإباحة فقط ، ومنهم من قال يتوقف فيه ، فإن كان على غير وجه القربة والطاعة فيحمل على الإباحة في حقه وحقنا ، كان فعله على غير وجه القربة والطاعة يقصد على غير وجه البيان ، فيحمل على أنه من الجبلة فيكون جائزا في حقه وفي حقنا كالعطاس والاستفهام والنوم الإستيقاظ ونحو ذلك ، فهذا من أفعال البشر المعتادة فيجوز في حقه وفي حقنا ، ولا يشرع الاقتداء به فيه ، ومثل هذا هيئات اللباس كالعمامة والرداء والإزار وتقلد السيف ونحو ذلك ، فهذا يدل على أحسن الهيئات وأقربها للفطرة لكنه لا يطلب من أحد أن يتأسى به فيه فلا يثاب فاعل ذلك ، ولا يشرع الاقتداء به في ذالك ، ولهذا قال فإن كان على غير وجه القربة والطاعة فيحمل على الإباحة في حقه وفي حقنا ، وإقرار صاحب الشريعة على القول هو قول صاحب الشريعة ، أي إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للقائل في قوله إذا كان ذلك تحت حكمه وبمجلسه ، بعمله ، فإنه يحمل على رضاه به ، والإقرار ينقسم إلى قسمين إلى تقرير بالاستحسان وتقرير بالسكوت ، فالتقرير بالاستحسان كتقريره لقول مجزز المدلجي حين رأى أقدام زيد ابن حارثة وابنه أسامة قد خرجت من كساء قد لبساه فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض قالت عائشة فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرق أسارير جبهته مسرورا ، فقال أما علمت أن مجززا المدلجي رأى أقدام زيد وأسامة قد خرجت من كساء يلبسانه ، فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض ، فأقر القيافة وفي ذلك ردا على المنافقين ، فإن زيدا شديد البياض وابنه أسامة شديد السواد ، وكان المنافقون يطعنون في نسب أسامة ، فجاء هذا الأعرابي الذي يعرف الأثر والتشبيه ، فشبه أقدام أسامة بأقدام زيد ففرح رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فدل هذا على تقريره للقيافة ، ومثل ذلك إقراره بالسكوت كإقراره لبعض ما جرى بحضرته كقوله للأنصاري حين رآه يصلي بعد الفجر ، ألم تشهد معنا الصلاة فماذا كنت تصلي قال ركعتا الفجر استعجلت عنها بالصلاة فسكت فهذا السكوت دليل على الإباحة ، ومثله إقرار الفعل ، وإقراره على الفعل كفعله ، فقد ثبت أنه أكل الضب على مائدته ، وأنه أهدي إليه ضب مشوي فقال لم يكن في بلاد قومي فأجدني أعافه ، فاجتره خالد ابن الوليد فأكله ، وكل ذلك في بيت النبي صلى الله عليه وسلم وبإقراره فدل هذا على جواز أكل الضب ، وما فعل في وقته في غير مجلسه وعلم ولم ينكره ، فحكمه حكم ما فعل في مجلسه ، ما فعل في وقته ، والمقصود بذلك أيضا إذا كان تحت إمرته بخلاف ما لم يكن تحت إمرته كما كان في العهد المكي من أفعال أهل الجاهلية ولو لم يصرح بإنكاره فإن سكوته عنه ليس إقرارا له ، أما ما كان بالمدينة تحت إمرته فحصل وعلم به ولم ينكره فيعتبر ذلك إقرارا منه له ، فحكمه حكم ما فعل في مجلسه ، ويضاف على هذا ما فعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من بعض المؤمنون ولو لم يعلم به النبي صلى الله عليه وسلم لكن لم ينزل الوحي بإنكاره ، وقد كان ظاهرة منتشرة بينهم ، فيعتبر ذلك إقرارا من الله سبحانه وتعالى لهم ، إذ لو كان منكرا لنزل الوحي بإنكاره ، ودليل هذا قول جابر رضي الله عنه كنا نعزل والقرآن ينزل ، وقد بين أن هذه الظاهرة كانت منتشرة في وقت نزول الوحي فلم ينزل القرآن بإنكارها وتحريمها فدل ذلك على جوازها وهذا من إقرار الله سبحانه وتعالى وهو أبلغ من إقرار النبي صلى الله عليه وسلم.

باب النسخ:

عقد هذا الباب لشرط مصطلح النسخ وبيان أنواعه ، والنسخ في اللغة الإزالة يقال: نسخت الرياح الأثر إذا أزالته ، ونسخته الشمس الظل إذا أزالته ، ويطلق على كذلك على النقل ، فتقول نسخت الكتاب إذا نقلت ما فيه ، وهو في الاصطلاح ، تغيير الحكم الشرعي بخطاب متراخ عنه ، ولا يكون إلا بخطاب ، فلا نسخ بقياس ولا بإجماع ، فلا يكون النسخ إلا بوحي والخطاب المنسوخ لا بد أن يكون وحيا من كتاب أو سنة ، فالبراءة الأصلية لا تنسخ ، فإذا نزل الحكم على غير وفقها لم يعتبر ذلك نسخا ، لأن كل الأحكام هكذا ، فوجوب الصلاة سبقته البراءة الأصلية ، ووجوب الزكاة سبقته البراءة الأصلية ، وحرمة الخمر سبقتها الإباحة الأصلية ،

 

 


عدد مرات القراءة : 5879



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              21898188
المتواجدون الأن       17
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو