» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح ورقات إمام الحرمين في أصول الفقه الشريط الرابع




 

 

النسخ

عقد هذا الباب لبيان النسخ و ذكر أقسامه، و النسخ معناه في اللغة الإزالة، فيقال نسخت الرياح الأثر إذا أزالته و غيرته و يقال نسخت الشمس الظل إذا أزالته، و يطلق أيضا على النقل فيقال نسخ الكتاب إذا نقله، فهذا معناه في اللغة.

و أما معناه في الإصطلاح فهو تغيير الحكم الشرعي بخطاب متراج عنه، و المقصود بالحكم الشرعي ما كان خطابا أيضا، فلا تنسخ البراءة الأصلية و لا ينسخ بها لأن الأحكام كلها إنما نزلت على براءة أصلية سابقة لها، فلو اعتبر ذالك نسخا لكانت الأحكام كلها ناسخة لأمر قد سبق و هو البراءة الأصلية و عدم التكليف و لا ينسخ أيضا إلا بالخطاب فلا نسخ بالقياس و لا بالإجتهاد و لا بالإجماع، و إنما يحصل النسخ بالوحي المنزل.

،قال وأما النسخ فمعناه لغة الإزالة يقال نسخت الشمس الظل إذا أزالته ، وقيل معناه النقل ، من قولهم نسخت ما في هذا الكتاب أي نقلته ، وحكايته للخلاف في هذا ، لا وجه لها بل هو في اللغة يطلق على هذين المعنيين ، وعلى التغيير ، وحده أي تعريفه هو الخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه ، وهذا تعريف للناسخ لا للنسخ ، فالخطاب الدال على رفع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم هو الناسخ ، فلو قال هو رفع الخطاب رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخي الرفع أو تراخي الخطاب عنه ، لكان ذلك تعريفا للنسخ ، والمقصود بالرفع هنا برفع الحكم إزالته ، وتغييره ، والحكم هنا المقصود به الحكم الشرعي فقط ، الثابت بالخطاب ، أي الذي أنزل به وحي ، المتقدم ، فالمتقدم لا ينسخ المتأخر ، على وجه لولاه لكان ثابتا ، لولاه ، أي لولا ذلك الوجه لكان الحكم ثابتا ، مع تراخيه عنه أي تأخره عنه فلو جاء متصلا به لاعتبر ذلك تخصيصا ولم يعتبر نسخا ، وهذا التراخي ليس له مدة محددة ، بل يحصل بالقرب ، كما حصل في قصة الصدقة بين يدي النجوى ، فإن الله تعالى يقول: (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك خير لكم وأطهر ، فإن لم تجدوا فإن الله غفور رحيم أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فنسخ ذلك الحكم ، على القرب وذلك بفضل الله ورحمته ، وقد نسخ قبل التمكن من الفعل ، فدل ذلك على جواز النسخ قبل التمكن من الفعل ويجوز نسخ الرسم وبقاء الحكم يقصد أن أقسام النسخ منها نسخ اللفظ وبقاء حكمه كآية الرجم التي كانت في سورة الأحزاب ، وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله ، وكانت هذه الآية ثابتة في سورة الأحزاب ، فنسخ لفظها وبقي حكمها ، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجم خمسة أشخاص ، وهم يهوديان وماعز ، والغامدية وصاحبة العسيف ، وكذلك عمل به خلفاؤه الراشدون فقد رجم عمر رضي الله عنه امرأتين ، ورجم عثمان كذلك امرأة ، ورجم علي ابن أبي طالب رضي الله عنه شراحة ، فكل هؤلاء رجموا بهذه الآية التي نسخ لفظها وبقي حكمها ، لهذا قال ويجوز نسخ الرسم أي المكتوب والمقصود به المكتوب والمقروء أي اللفظ ، وبقاء الحكم أي بقاء حكم ذلك اللفظ الذي نسخ ، ونسخ الحكم وبقاء الرسم ، أي يجوز أيضا أن ينسخ الحكم ويبقى اللفظ متلوا في ما يتلى من القرآن ، كقول الله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج) فهذه الآية بقي لفظها ونسخ حكمها ، بالآية التي قبلها في رسم المصحف ، وهي متأخرة عنها في النزول ، وهي (والذين يتوفون ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) وكذلك قول الله تعالى: (كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف) فقد نسخ هذا الحكم ، وبقي اللفظ مما يتلى ، ومثل ذلك قول الله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون) فقد نسخت هذه الآية بالآية التي بعدها وهي قول الله تعالى: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا ، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين) فهذه الآية ناسخة لسابقتها ، وقد أثبتت سابقتها في الرسم وبقيت مما يتعبد بتلاوته ، لكن لا يعمل بحكمه ، فالحكم قد نسخ ، والنسخ إلى بدل وإلى غير بدل أي يجوز النسخ إلى بدل كأن تنزل آية أخرى بدل تلك أو حكم آخر بدل الحكم الذي نسخ ، ويجوز النسخ إلى غير بدل ، أي بالإحالة إلى ما كان من البراءة الأصلية وهذا محل خلاف بين الأصوليين ، فقد ذهب جمهورهم إلى أن النسخ ، لا يكون إلا إلى بدل ، لأن الله تعالى يقول: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) فلا بد من البدل الذي هو خير أو مثل للمنسوخ ، والآخرون يقولون البراءة بدل هو خير أو مثل ، لأن الله كان تعبدنا بذلك الحكم ثم لما نسخه تعبدنا بالإباحة فيه ، فكان ذلك إلى غير بدل ، وحمل عليه نسخ الصدقة بين يدي نجوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقيل هي من النسخ إلى غير بدل وقيل ، بل ذكر البدل وهو إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، لأنه قال: (أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) فذلك من النسخ إلى بدل ، وإلى ما هو أغلط وإلى ما هو أخف أي يجوز النسخ إلى ما هو أغلط في الزيادة في الحكم أو إلى ما هو أخف بالأسهل ، وهذا أيضا محل خلاف بين الأصوليين ، فذهب بعضهم إلى أن النسخ لا يكون إلا بالأسهل ، لأن الله تعالى يقول: (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) فالأسهل هو الخير أو المماثل ، وأما الأشد فلا يكون كذلك ، والذين يرون صحة النسخ بالأغلظ والأشد ، يقولون الأشد خير من المنسوخ ، لأنه أكثر منه أجرا ، وقد عرف النسخ بالأخف مثل قوله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون) فنسخ بقوله:: (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين) فكان ذلك تخفيفا ، وأما النسخ بالأغلظ ، فله كذلك بعض ما ورد من التحريم بعد الإباحة كتحريم لحوم حمر الأهلية بعد إباحتها ، وذلك مما تكرر فيه النسخ ، فقد تكرر النسخ في أربع مسائل وهي القبلة ، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة يصلي إلى البيت الحرام ، ثم لما هاجر صلى إلى الشام سبعة عشر شهرا ، ثم نسخت القبلة فأعيدت إلى البيت الحرام  وكذلك منها متعة النكاح ، فقد حرمت بإعلان رسول الله صلى الله بالنهي عنها ثم أذن بها في بعض الغزوات ، ثم حرمها ، وبقيت على التحريم ومثل ذلك الحمر الأهلية فقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أكلها ثم في إحدى الغزوات أذن بأكلها لجوع الناس ، ثم بعد ذلك حرمها فاستمرت على التحريم ، ومثل ذلك الوضوء مما مست النار ، فإنه صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ مما مست النار ، ثم ترك الوضوء من ذلك وكان آخر الأمرين منه ، ترك الوضوء مما مست النار ، وهذه الأربع هي التي نظمها الحافظ ابن حجر رحمه الله في قوله:

النسخ ذو تكرر في أربع      جاءت بها الكتب والأخبار
في قبلة ومتعة وحمر     كذا الوضوء مما تمس النار
ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالكتاب وبالسنة ، هذا ذكر أنواع النسخ باعتبار الناسخ ، فالناسخ إما كتاب وإما سنة ، والمنسوخ في كل واحد منهما إما كتاب وإما سنة ، ومذهب الشافعي أن الكتاب لا ينسخ بالسنة وأن السنة لا تنسخ بالكتاب ، ومذهب الجمهور حصول النسخ بينهما فيجوز نسخ الكتاب بالكتاب بالاتفاق ، مثلما ذكر في آيتي العدة وآيتي العدد في الغزو فآيتي العدة ، جاء فيهما قول الله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج) ونسخ ذلك بقوله: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) وآيتا العدد جاء فيهما قول الله تعالى: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) (إن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين  وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين )ويجوز كذلك نسخ الكتاب بالسنة على الراجح مثل قول الله تعالى : ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف ) فقد نسخ ذلك بقول النبي صلى الله علية وسلم: \"إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث\" وكذلك نسخ السنة بالكتاب ، ومثاله: نسخ استقبال الشام بالصلاة لقول الله تعالى: (فلنوينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره) فهذا الكتاب ناسخ للسنة ، ونسخ السنة بالسنة كثير ، لقوله صلى الله عليه وسلم: \"كنتم نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة\" ، وكقوله في لحوم الأضاحي في النهي عن ادخارها ثلاثا \"إنما كنت نهيتكم من أجل الدافة\" ونحو ذلك ، قال ويجوز نسخ الكتاب بالكتاب ونسخ السنة بالكتاب وبالسنة ، ويجوز نسخ المتواتر بالمتواتر ، أي يجوز نسخ الكتاب بالمتواتر من السنة ، والواقع أن المتواتر وصف طارئ ، لأنه يتعلق بالنقل لا بالنزول ، فالمقصود أن ما لم ينقل متواترا بالسنة لا يمكن أن ينقل به الكتاب عند طائفة من المتكلمين ، ولكن العبرة هنا بالصحة ، فإذا صح النقل ، ولو يصل إلى حد التواتر ، فذلك كاف في النسخ ، لأن التواتر وصف طارئ بعد نزول الوحي ، وهو متعلق بروايته لا بنزوله ، ونسخ الآحاد بالآحاد أو بالمتواتر  ، أي أن الآحاد كذلك يمكن اعتبار النسخ فيها بالمتواتر قطعا ، كأحاديث الآحاد تنسخ بمتواتر كالقرآن ، ومتواتر السنة ، وتنسخ بالآحاد كذلك لأنها في منزلتها ، والناسخ لا يكون أضعف من المنسوخ ، لكن هذا كما ذكرنا ، مستغنى عنه لأن التواتر والآحاد راجعان إلى النقل ، والنقل متأخر عن النزول ، ولا يجوز نسخ الكتاب بالسنة ، وهذا هو مذهب الشافعي ، ومذهب جمهور الأصوليين جواز ذلك ، وقد بينا مثاله في قوله تعالى: (كتب إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين) ولا المتواتر بالآحاد ، كذلك لا يجوز نسخ المتواتر من السنة بالآحاد ، وهذا قول لبعض أهل العلم ، وقد بينا أنه إذا ثبت النقل فذلك كاف ، لأن الشيء ينسخ بمثله وبما هو أقوى منه ، أي لا ينسخ بما هو أضعف منه وحكمة النسخ التدرج في التشريع ، فإن الشارع الحكيم يراعي مصالح عباده ، فلو أنزل الأحكام باتة على الوجه الذي تستقر عليه ، دون تدرج ومرور بتلك المراحل ، لكان ذلك أدعى لعدم الاستجابة ، فكان من لطفه وحكمته ، أن ينزل الأحكام متدرجة ، وأن يحصل فيها النسخ ، وهذا النوع من النسخ من خصائص هذه الشريعة المحمدية ، فالشرائع قبلها كانت تنزل دفعة واحدة ، وتنسخ دفعة واحدة ، فقد آتى الله موسى التوراة مكتوبة في الألواح ، وأنزل الصحف على إبراهيم وأنزل الإنجيل على عيسى مكتوبا في الصحف ، وأنزل الزبور على داود مكتوبا في الصحف أيضا ، ولهذا استنكر المشركون تدرج نزول القرآن ، فرد الله عليهم بقوله: (وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا) وقال تعالى: (وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا) قال التعارض بين الأدلة ، هذا الباب معقود للتعارض بين الأدلة والتعارض نوع من التخالف يقتضى توارد الدليلين المتخالفين على معنى واحد ، بأن يرد أحدهما بالإثبات ، والآخر بالسلب أي النفي وعقد هذا الباب له أي لبيان ما يمكن منه وما لا يمكن ، وللعمل عند حصوله أو توهمه ، فينبغي أن يبين أولا أن التعارض لا يمكن أن يحصل في الأخبار ، كما أن النسخ لا يقع  فيها ، فالنسخ مختص بالإنشاء لا بالخبر ، فالخبر لا يدخله النسخ لأن نسخه تكذيب له ، والوحي لا كذب فيه وكذلك التعارض لا يقع في الأخبار ، فلا يمكن التعارض بينها لأن ذلك تكذيب ، وإنما يمكن التعارض في الإنشاءات ، ولا تعارض بين قطعيين قعطا لأن ذلك يقتضي أن أحدهما ناسخ للآخر ، ولا بين قطعي وظني لأن القطعي مقدم على الظني فيبقى التعارض بين الظنيين فقط فنطاقه إذن ضيق ، وهو من الـأمور المحتملة أي المتشابه ، فلذلك للأصوليين فيه طريقتان إحداهما البداءة بالترجيح بين النصين ، وهذا مذهب الحنفية ، والثانية البداءة بالجمع بينهما ، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة ، وقد قال مالك رحمه الله اعمال الدليلين أحب إلي من إلغائهما أو إلغاء أحدهما ، قال إذا تعارض نطقان ، والمقصود بهما ما كان من النص من الوحي ، كالآيتين مثلا ، أو الحديثين أو الآية والحديث ، إذا تعارض نطقان أي نصان لفظيان ، فلا يخلو إما أن يكونا عامين ، أو خاصين ، أو أحدهما عاما والآخر خاصا ، أو كل واحد منهما عاما من وجه ، وخاصا من وجه ، فهذا التقسيم يرجع إلى الدلالة، فإذا تعارض نطقان أي لفظان من الوحي فلا يخلو الأمر من أن يكونا عامين ، فكل واحد منهما عام في مكانه ، وذلك مثل نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، وبعد الفجر حتى تطلع الشمس ، وقوله إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين ، فكل واحد منهما عام في بابه ، فالنهي عن الصلاة بعد صلاة الفجر وصلاة العصر عام في هذا الباب في النوافل ، والنهي عن الجلوس في المسجد حتى يصلي الإنسان ركعتين عام أيضا أو أحدهما عاما والآخر خاصا أي أن يأتي أحدهما عاما والآخر خاصا ، أي أخص منه فيكون مخصصا له ، كالنهي عن بيع ما ليس لدى الإنسان والإذن في السلم ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبيع الإنسان ما ليس عنده ، وأجاز السلم ، فالأول عام في كل ما ليس لدى الإنسان ، والثاني خاص بالسلم ، فيحمل ذلك على التخصيص ، أو كل واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه ، وعليه يحمل ما سبق في النهي عن الصلاة بعد العصر ، والنهي عن الجلوس في المسجد حتى يصلي الإنسان ركعتين فيقال هذا عام من وجه والآخر خاص من وجه ، ويبحث عن الوجه الذي يعمم منه أحدهما أو يخصص منه الآخر ، فإن كانا عامين وأمكن الجمع بينهما جمعا ، إن كانا عامين وأمكن الجمع بينهما ، جمع بينهما ، فالجمع مقدم على الترجيح ، وإن لم يمكن الجمع بينهما يتوقف فيهما إن لم يعلم التاريخ ، فإن علم التاريخ فالمتأخر منهما ناسخ للأول ، وإن لم يعلم التاريخ توقف فيهما ، أي لعلمنا أن أحدهما منسوخ بالآخر ، وجهالتنا بالناسخ فإن علم التاريخ فينسخ المتقدم بالمتأخر وكذلك إن كانا خاصين أيضا فهو مثل العامين إن أمكن الجمع بينهما جمعا ، وإلا فإن عرف التاريخ حمل ذلك على النسخ ، وإن لم يعرف التاريخ توقف بينهما لأن ذلك من النسخ الذي لم يعرف فيه الناسخ من المنسوخ ، وإن كان أحدهما عاما والآخر خاصا ، فيخصص العام بالخاص كما بينا ، وإن كان كل واحد منهما عاما من وجه وخاصا من وجه فيخصص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر ، فالحالة الأولى وهي كونهما عامين فللخروج من التعارض طرق ، أولا أن يمكن الجمع بين الدليلين المتعارضين فيجمع بينهما حينئذ ، ومثال ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: \"أيما إهاب دبغ فقد طهر\" وما روي عنه صلى الله عليه وسلم من حديث عبد الله بن عكيم أنه كتب إليهم قبل موته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب ، فجمع بينهما لأن الإهاب اسم لما لم يدبغ ، فيحمل حديث ابن عكيم على ما لم يدبغ ، وحديث ابن عباس على ما دبغ ، فيكون ما دبغ قد طهر وما لم يدبغ باق على النهي ، ومحل هذا عند صحة حديث ابن عكيم والراجح فيه عدم الصحة ، والثاني أن يجعل أحدهما ناسخا للآخر إذا علم التاريخ ، ومثال ذلك قوله تعالى: (فمن تطوع خيرا فهو خير له ، وأن تصوموا خير لكم) ، فقوله فمن تطوع خيرا فهو خير له، فهذا يدل على التخيير بين الصوم والفطر في السفر ، فإنه قال (فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين فمن تطوع خيرا فهو خير له) وأن تصوموا خير لكم ، وهذا يقتضي ترجيح الصيام على الإفطار  فحينئذ يجعل الثاني ناسخا للأول /، أي أن الصيام أفضل لمن لا يشق به ، وإن لم يعلم التاريخ يتوقف بينهما ، وقد حمل على ذلك حديث بسْرة  بنت صفوان ، من مس ذكره فليتوضأ ، وحديث طرق ابن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يمس ذكره وعليه الوضوء ، قال لا إنما هو بضعة منك ، فهذان الحديثان تعارضا ، ولم يعرف التاريخ بينهما ، لم يعرف أيهما السابق، فيتوقف بينهما ، وعند الحنفية يرجح حديث طرق ابن علي عن حديث بسرة بنت صفوان ، لأن هذا من أحكام الرجال ، ولم يروه أحد من الرجال فلا يؤخذ برواية المرأة له ، وعند الجمهور يرجح باعتبار قوة الإسناد ، وحديث بسرة لا شك أقوى إسنادا من حديث طرق ابن علي ، وأيضا فإن العمل بالاحتياط للخروج من الخلاف وبأمان الدليل ، مرجح لحديث بسرة على حديث طرق ، ومثل ذلك ، في الحالة الثانية وهي أن يكون الدليلان خاصين فللخروج من التعارض طرق ، الطريق الـأولى: الجمع بينهما ، كما في حديث جابر ، في وصف حجة النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم الظهر يوم النحر بمكة ، وفي حديث ابن عمر أنه صلى الظهر بمنى ، فهذان الحديثان تعارضا وهما خاصان ، فجمع بينهما النووي بقوله: ووجه الجمع بينهما أنه صلى الله عليه وسلم طاف للإفاضة قبل الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك ، ولكن قد يحمل هذا على أن أحدهما نسي والآخر ذكر ، وأن الأمر جائز إذ لو كان الأمر مما يطلب فيه الحسم لجاء فيه نص حاسم ، والوجه الثاني إن لم يمكن الجمع بينهما فالثاني ناسخ إن علم التاريخ مثل قول الله تعالى: (يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك ، وبنات عملك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) فظاهر هذا إباحة الزواج للنبي صلى الله عليه وسلم مطلقا دون انحصار في عدد محدد ، ثم أنزل قول الله تعالى: (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن) وقد علم أن هذه الآية نزل بها جبر يل بعد أن دخل النبي صلى الله عليه وسلم بميمونة بنت الحارث ، وهي آخر امرأة تزوجها ، فعلم أن هذه الآية ناسخة لسابقتها ، ومع ذلك ففي حديث عائشة أنه ما توفي حتى أحل الله له كل شيء كان حرمه عليه في النكاح ، فيدل ذلك ايضا على أن هذه الآية نسخت ، والطريق الثالث إذا لم يمكن النسخ فالترجيح مثل حديث ميمونة بنت الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو حلال ، وفي حديث ابن أختها عبد الله ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها وهو محرم ، فميمونة صاحبة القصة مقدمة في الرواية على ابن عباس ، وأيضا يشهد لحديث ميمونة حديث أبي رافع فإنه أخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو حلال ، قال وكنت السفير بينهما ، فهو صاحب القصة أيضا لأنه السفير بينهما فهو مقدم في الرواية على ابن عباس ، ويرجح أيضا بكثرة العدد في الرواية ، فكونه تزوجها وهو حلال روته ميمونة وأبو رافع ، وكونه تزوجها وهو محرم انفرد به ابن عباس ، أما الحالة الثالثة من أوجه التعارض فهي أن يكون  بين دليلين أحدهما عام والآخر خاص ، فيخصص العام بالخاص ، وذلك مثل قول الله تعالى: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) فعمم كل سارق وكل سارقة ، وخصص ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: \"لا تقطع يد سارق إلا في ربع دينار فصاعدا\" وبقوله (لا قطع في ثمر ولا في كثر) ، وكذلك قوله حتى يؤويه الجنين ، وكذلك قوله ولا  في حريسة الجبل ، وكل هذا يدل على تخصيص السرقة بالنصاب وأن يكون مما لا شبهة للسارق فيه ، وأن يكون محرزا بحرز جنسه ، فتعتبر هذه الأحاديث مخصصة لعموم الآية ، أما الحالة الرابعة وهي أن يكون التعارض بين دليلين أحدهما أعم من الآخر من وجه والآخر أخص من الآخر من وجه فيجمع بينهما في اختلاف المحل ، بأن يخصص عموم كل واحد منهما بخصوص الآخر ، إن دل على ذلك دليل ، ومثاله قول الله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهم أربعة أشهر وعشرا) فهذه الآية عامة في المتوفى عنها ، فيشمل ذلك الحامل وغير الحامل وهي كذلك خاصة بالمتوفى عنها فتخرج المطلقة ، والآية الثانية (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) فهذه الآية خاصة بالحوامل وعامة في كل ذات فرقة سواء كانت متوفى عنها أو مطلقة ، فالعمومان يخصصان بالخصوصين ، فيخصص قوله: (والذين يتوفون منكم ، ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهم أربعة أشهر وعشرا) بأن ذلك في غير الحوامل ، أو يخصص قوله (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) بأن ذلك في الطلاق دون الوفاة ، وهذه المسألة فيها خلاف على ثلاثة أقوال ، فقيل تعتد بأربعة أشهر وعشرا أي بعدة المتوفى عنها مطلقا ، وقيل تعتد بوضع الحمل ، وقيل بأقصى الأجلين.

الإجماع:

عقد هذا الباب للنوع الثالث من الأدلة الإجمالية وهو الإجماع ، فيسبقه الكتاب والسنة ، والإجماع مصدر أجمع ، على الأمر ، وأجمع الأمر ، إذا عزم عليه فمعناه العزم ، ويطلق على الاتفاق: (فأجمعوا أمركم وشركائكم) ، أي اعزموه واتفقوا عليه ، وهو في الاصطلاح اتفاق علماء أو مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم في عصر من العصور بعد موته على حكم شرعي ، لذلك قال: وأما الإجماع فهو اتفاق علماء العصر ، أي اتفاق مجتهدي أمة محمد صلى الله عليه وسلم في أي عصر من العصور على حكم الحادثة أي على حكم شرعي اجتهادي ، فإجماعهم حجة ، لقول الله تعالى: (ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) فهذه الآية كانت من المتشابه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم و زال عنها التشابه بموته ففي حياته لم يكن للمؤمنين سبيل إلا ما جاء به ، لأن الإجماع في حياته لاعتبار له فإما أن يوافقهم وإما أن يخالفهم ، فإن وافقهم فالعبرة بقوله ، لا بقولهم لأنه المشرع المبلغ ، وإن خالفهم فإجماعهم فاسد الاعتبار لمخالفته للنص ، فلا اعتبار للإجماع في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، لكن بموت النبي صلى الله عليه وسلم أصبح الإجماع حجة ، وقد ورد في عصمة الإجماع عدد من الأدلة فلذلك كان الإجماع أصلا قطعيا ، من خالفه فهو متوعد بالنار ، (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين) أي من يتبع غير سبيل المؤمنين ، (نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) ، وشرطه حصول الاتفاق بين كل المجتهدين ، فإن خالف واحد لم ينعقد الإجماع في عصر من العصور ، والعبرة فيه بالعصر ، فإن انقرض العصر وهم متفقون على أمر فلا يحل إحداث قول جديد ، وإن لم ينقرض العصر بل بقي بعضهم أحياء فيمكن إحداث قول جديد ، لأن الإجماع لم يتم انعقاده بعد ، فلا يعرف الإجماع في حياة أصحابه إنما يعرف بعد موتهم ، ولا يكون هذا الإجماع إلا على حكم شرعي ، فلا إجماع على العقليات ولا على العاديات لأنها لا يحتاج فيها إلى النقل ، واختلف هل من شرط الإجماع أن ينعقد على دليل أو لا يحتاج إلى ذلك ، فذهب بعضهم إلى أن الإجماع لا بد له من مستند ، لأن الأمة لا تجمع على ضلالة ، وما لم يرد فيه نص هو من تشريع ما لم يأذن به الله وهو ضلالة ، فلا بد أن يكون الإجماع مستندا إلى دليل ، قال آخرون بل الإجماع نفسه دليل ، فلا يحتاج إلى مستند ، ولعل القول الأول هو الراجح لكن لا يشترط لمستند الإجماع أن يصل إلينا ، فيمكن أن يستند الإجماع إلى حديث لم يبلغنا ، أو إلى قياس أو اجتهاد ، ونحوه من الأدلة فلا يصل إلينا ، ففي كل عصر من العصور ، يمكن أن ينعقد الإجماع ، لكن نقل الإجماع أصعب من انعقاده ، فالذي ينقل الإجماع لا بد أن يكون بحد الاطلاع بحيث يعرف كل المجتهدين في العصر الذي ينقل الإجماع فيه ، وقد اطلع على أقوالهم جميعا ، فمثلا لو أن شخصا في زماننا هذا من أهل العلم ، فاطلع على علماء هذا العصر جميعا في مشارق الأرض ومغاربها ، وعرف من بلغ رتبة الاجتهاد منهم والفتيا وعرف أقوالهم في نازلة محددة كالصلاة في الطائرة مثلا ، فحكى إجماع أهل هذا العصر ، الماضي على جواز الصلاة في الطائرة ، ففعلا يكون هذا إجماعا لهذا العصر فإن انقرض لم يحل نقضه ، أما الإنسان غير مطلع على أوضاع العالم ، فيمكن أن يكون في مشارق الأرض أو في مغاربها من وصل إلى رتبة الاجتهاد ولم يعلم هو به أو علم به ولم يصل إليه قوله في تلك المسألة ، فلا يصح حينئذ له أن يحكي الإجماع ولهذا فالذين يحكون الإجماع في هذه الأمة قلائل ، من أمثال ابن المنذر وابن حزم وابن تيمية وابن عبد البر ، فهم العمالقة الكبار المطلعون على أوضاع العالم الناقلون لعلوم المشارقة والمغاربة ولأهل الأطراف ، قال وأما الإجماع فهو اتفاق علماء العصر على حكم الحادثة ، والمقصود بالاتفاق هنا هو تواطؤ فتواهم عليها ولو لم يجتمعوا ولو لم يتعارفوا فيما بينهم ، ولم تصل فتوى بعضهم إلى بعض ، فالمقصود أن تتواطأ فتواهم على الأمر ، ونعني بالعلماء الفقهاء والمقصود بهم هنا المجتهدون ، فلا عبرة بمخالفة العامي ولا بمخالفة النحويين في مسائل الاجتهاد ، ولا بمخالفة المتكلمين كذلك فيها ، بل ولا بمخالفة بعض المحدثين فيها ممن ليس فقيها بالغا لرتبة الاجتهاد ، فالعبرة إذن لأهل الاجتهاد والفتيا ، ونعني بالحادثة الحادثة الشرعية أي في الحكم الشرعي فيخرج من ذلك الأمور العقلية ، فلا فائدة من حكاية الإجماع على أن السماء فوق الأرض ، أو الواحد نصف الإثنين مثلا ، وكذلك مخرج للأحكام العادية فلا فائدة من حكاية الإجماع على أن النار محرقة أو أن الماء مرو أو نحو ذلك ، وإجماع هذه الأمة حجة دون غيرها ، فمن خصائص هذه الأمة أنها لا تجتمع على ضلالة فلا يمكن أن يجتمع مجتهدوها جميعا على ضلالة ، لأن أهل الاجتهاد فيها هم أمناء الله على الوحي ، وليس بعد النبي صلى الله عليه وسلم نبي يصحح ما أخطئوا فيه بخلاف الأمم السابقة ، فإن علمائها وإن كانوا مؤتمنين على الوحي في منزلتهم إلا أنهم إذا أخطئوا فسيأتي بعدهم نبي يصحح الخطأ وهذه الأمة لا يأتي بعد علمائها نبي ، وعلماؤها مثل أنبياء بني إسرائيل مؤتمنون على الوحي فلا يمكن أن يجتمعوا على ضلالة ، ولهذا أخرج أبو عمر بن عبد البر في مقدمة التمهيد والخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين\" فالوحي من عند الله ولم يكن ليجعله بدار هوان ، فيختار له الموقعين عن رب العالمين الذين هم محل ثقة ورضا وخيارهم إنما هو من عند الله تعالى ، الله أعلم حيث يجعل رسالته ، يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة ، ولهذا قال: ( ما أشهدتم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا) لقوله صلى الله عليه وسلم: \"لا تجتمع أمتي على ضلالة\"  وهذا الحديث وإن كان ضعيفا بكل طريق من طرقه ، إلا أن طرقه كثيرة ، وله شواهد كثيرة تؤيد ، والشرع ورث بعصمة هذه الأمة ، أي قد ورد في الشرع كثير من النصوص التي تدل على عصمة هذه الأمة ، والمقصود بعصمتها في إجماعها ، والإجماع حجة على العصر الثاني ، أي أن إجماع كل عصر حجة على ما بعده ، فليس حجة على أفراد ذلك العصر ولا على من قبله ، وفي أي عصر كان أي لا يشترط أن يكون الإجماع في عصر الصحابة كما شرط ذلك بعض الأصوليين بل في كل عصر يمكن أن يقع الإجماع ولا يشترط انقراض العصر على الصحيح ، إذا حصل الإجماع فإن الشافعية لا يرون شرط انقراض العصر ، وقد ذكرنا أن الراجح شرط انقراضه ، لأن أهل العصر حجة على من بعدهم ، ولأن عليا رضي الله عنه رجع عن بعض أقواله التي وافق فيها الصحابة في أيام عمر كرجوعه عن فتواه ، في بيع أمهات الأولاد ، وقد كان وافق عمر والصحابة على حرمة بيع أمهات الأولاد ، ثم بعد ذلك في خلافته رجع عن ذلك القول ، فقيل له ألم تكن تقول بما تقول به الجماعة فقال: كان ذلك أيام أمير المؤمنين عمر ، ولم تسعني مخالفته ، وأما اليوم فأرى غير ذلك فقال: عبيدة السلماني رأيك في الجماعة أحب إلينا من رأيك في الفرقة فضحك علي إقرارا بذلك ، ولذلك الراجح اشتراط انقراض العصر ، فإن قلنا انقراض العصر شرط يعتبر قول من ولد في حياتهم وتفقه وصار من أهل الاجتهاد فيعتبر خلاف التابعي الكبير في أيام الصحابة لأنه ولد في أيامهم وتفقه وأصبح يفتي ، كسعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن وعروة ابن الزبير والقاسم بن محمد هؤلاء خلافهم معتبر في أيام الصحابة ، لأنهم ولدوا في حياتهم وتفقهوا فأصبحوا من مجتهدي ذلك العصر ، بخلاف من ولد ولم يتفقه إلا بعد انقراض العصر فخالف فليس له أن يخالف حينئذ لأنه مسبوق بالإجماع ، ولهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم ، أي إذا قلنا باشتراط انقراض العصر فلأهل كل عصر أن يرجعوا عن ذلك الحكم بعد أن اتفقوا عليه ، فلأفرادهم أن يرجعوا عنه إذا رأوا ما هو أقوى منه ، والرجوع ليس عيبا بل قد كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كتابه في القضاء إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ، ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه بالأمس فراجعت فيه نفسك فهديت فيه إلى رشدك أن ترجع إلى الحق ، فإن الحق قديم لا ينقضه شيء وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ، ويقول أحد العلماء رحمه الله:

ليس من أخطأ الصواب بمخط       إن يبلى ولا عليه ملامه
إنما المخطئ المسيء من إذا ما       ظهر الحق لج يحمي كلامه
حسنات الرجوع تذهب عنه        سيئات الخطى وتنفي الملامه
وهذا للعلامة الشيخ محنض باب رحمه الله.

ولهم أن يرجعوا عن ذلك الحكم ، والإجماع يصح بقولهم وبفعلهم ، أي أن الإجماع يحصل بالقول والفعل ، فإن فعلوا أمرا ولم ينكر أحد منهم على أحد وأظهروه  واتفقوا عليه وتواطؤوا عليه ، اعتبر ذلك إجماعا ، وليس هذا مثل الإجماع السكوتي ، لأن الإجماع السكوتي لا يقتضي أن يكونوا فعلوه جميعا ، بل فعلت بعضهم أو قوله وسكوت الآخرين عنه وبقول البعض وفعل البعض ، أي إذا قال بعضهم بإباحة أمر وفعله الآخرون ، فذلك يعتبر إجماعا لأن الفاعلين له كأنما قالوه لأنهم استباحوه بالفعل ، قال: وانتشار ذلك وسكوت الباقين عنه أي إذا أفتى أحد المجتهدين في عصر في أمر جديد ، واشتهرت فتواه وسكت الآخرون فلم يخالفوه ، فيعتبر ذلك إجماعا ، وهذا الذي يسمى بالإجماع السكوتي ، وقد اختلف هل هو حجة أم لا ، فقيل هو حجة قطعية كالإجماع القولي ، وقيل هو حجة غير قطعية ، وقيل غير حجة أصلا ، وقد كثر استدلال الحنابلة بالإجماع السكوتي ومحله قبل تدوين المذاهب ، أما بعد التدوين ففتوى مجتهد على وفق مذهبه لو سكت عنها الآخرون وهم يخالفونه في مذاهبهم فليس إقرارا له على تلك الفتوى ، لأنه علم من مذاهبهم مخالفتها ، قول الصحابي ، هذا نوع آخر من أنواع الأدلة ، وهو من الأدلة المختلف فيها ، وهو قول الصحابي أي مذهبه ، والصحابي هو من صحب النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به على الوجه المتعارف في الدنيا ومات على ذلك ولو تخلل ذلك ردة على الصحيح ، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم هم أفضل هذه الأمة وأعلاها قدرا ومنزلة وإن كانوا غير معصومين إلا أنهم أولى بالمغفرة ممن بعدهم لسابقتهم في الإسلام ، وصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أجدر الناس بشفاعته لمعرفته لهم ، ولذلك ، فهم جميعا عدول بتعديل الله تعالى لهم كما سبق ، ففي باب النقل والرواية لا شك ، أن قول الصحابي حجة مطلقا سواء عرف اسمه أو لم يعرف ، فكل من ثبتت صحبته إذا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقد ثبت ذلك القول عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يبحث في ترجمة ذلك الصحابي ولا في مستوى عدالته ، وضبطه ، فهم جميعا عدول أهل ضبط ، وأما فيما يتعلق بالاجتهاد فالذين بلغوا رتبة الاجتهاد من الصحابة عدهم النسائي واحدا وعشرون ، وعدهم الغزالي تسعة ، وعدهم ابن حزم ثمانية عشر ، هؤلاء هم الذين بلغوا رتبة الاجتهاد ، الذين تروى عنهم الفتيا والقضاء ، وقول بعضهم ليس حجة على بعض ، فليس قول أحد الصحابة حجة على غيره من الصحابة إذ هم جميعا مشتركون في هذه المزية التي سبقت بلقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم والرواية عنه والسماع منه ، وقد يسمع بعضهم ما لم يسمعه غيره ، فليس قول بعضهم حجة على بعض ، لكن اختلف هل قول الصحابي حجة على من بعده من غير الصحابة ، وهذا ما بينه بقوله وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره على القول الجديد ، وفي القول القديم حجة ، أي أن مذهب الشافعي اختلف في قول الصحابي هل هو حجة على غير الصحابي ممن يأتي بعده ، فقد قال الشافعي في مذهبه الجديد إن قول الصحابي ليس بحجة ، وقد كان يقول في مذهبه القديم إن قول الصحابي حجة ، وذهب جمهور أهل العلم إلى التفريق بين قول الصحابي فيما محمله التوقيف ، وبين قوله فيما محمله القياس ، وقوله فيما يؤول إلى القياس ليس بحجة ، وقوله فيما مرجعه ليس إلى القياس بل بالتوقيف ، ولا يقال بالرأي فهو حجة ، ومثل قول الصحابي الخلاف في فعله فأفعال الصحابة ليست في الأصل بحجة ، لأنهم غير معصومين وفعل غير المعصوم ليس بحجة ، لكن إذا فعلوا أمرا ولم ينكر فيه بعضهم على بعض فروي عن بعضهم فعله ولم يرو عن الآخرين مخالفته فيعتبر ذلك الفعل استباحة ، ولهذا استدل البخاري رحمه الله في الصحيح بأن ابن عباس أم متيمما ، وذلك بفعله ، فكان إماما وهو متيمم ، وهذا من الفعل لا من القول ، وهو استدلال بعمل هذا الصحابي ومثل ذلك الاستدلال بأخذ ابن عمر ما زاد على القبضة من لحيته في الحج والعمرة ، ثم قال باب الأخبار ، والأخبار جمع خبر ، وهو ما يحتمل الصدق والكذب من الكلام ، والمقصود به هنا ، تعريف الخبر وبيان أنواعه ، من ناحية الاحتجاج ، قال وأما الأخبار فالخبر ما يدخله الصدق والكذب أي ما يقبل التصديق والتكذيب ، والخبر ينقسم إلى قسمين: أي من ناحية الورود والرواية ، آحاد ومتواتر ، فالآحاد أكثر والمتواتر أقل ، عرفهما بقوله: فالمتواتر ما يوجب العلم والمتواتر مشتق من التواتر وهو أن يطأ بعض الإبل أثر بعض ، فيقال تواترت الإبل ، أي وطئ بعضا أثر بعض ويقال تواتر السيل أي تواطأ في اتجاه محدد ، فبدل أن كان شفعا أصبح وترا ، فإذا كانت الناقة تطأ على أثر الأخرى فقد كانت معها ثانية لها فكانت شفعا ، فلما وطئت أثرها أصبح أثرهما كأثر واحدة فكانتا وترا لذلك ، ولهذا يسمى بالتواتر ، وعرفه بأنه ما يوجب العلم أي أنه يوجب العلم اليقيني الضروري ، وقد سبق ذكر ذلك في شرح العلم الضروري ، وهو أن يروي جماعة لا يقع التواطؤ على الكذب من مثلهم إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه ، أي أنه خبر جماعة تحيل العادة اتفاقهم على الكذب بأن لم يكونوا من سن واحدة ولا من مكان واحد فإذا كانت الجماعة سرية من جيش مثلا ، لها قائد ، واحد ، فيمكن أن تتواطأ على الكذب بأمر ذلك القائد ، لكن إذا كانت الجماعة من مختلف الأعمار ، والألسنة ، ولم تخرج من مكان واحد ولم تجمعها قيادة أمير واحد فإن العادة تحيل تواطئها على الكذب ، ولا تحديد لعدد الجماعة ، بل ذلك مما يتفاوت الناس فيه ، فقد يحصل العلم اليقيني بخبر بعضهم ولا يحصل بخبر أضعف ذلك العدد لحصول الثقة ، ولهذا قال و هو أن يروي جماعة أي أن يحدثوا لا يقع التواطؤ على الكذب من مثلهم ، أي لا تجيز العادة أن يتواطؤوا على الكذب ، إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه ، بأن يكون ذلك في كل طبقة أي استواء طرفيه ، ووسطه في العادة ، والعدد ، استواء طرفيه أي طرف الإسناد الأعلى وطرفه الأسفل ووسطه أي ما بينهما من الطبقات في العادة ، أي أن تحيل العادة تواطئهم على الكذب ، وفي العدد أي في حصول العدد أي أن يكونوا جماعة ، فإن انفرد عدد يسير محصور في طبقة من الطبقات ، لم يعتبر ذلك متواترا ، بل يعتبر آحادا ، وذلك مثل حديث \"إنما الأعمال بالنيات\" فقد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم بقيد اللفظ والصحة عمر بن الخطاب وانفرد به ورواه عن عمر بالقيدين السابقين علقمة بن وقاص وانفرد به ، ورواه عن علقمة بالقيدين السابقين محمد بن إبراهيم التيمي وانفرد به ورواه عن محمد بن إبراهيم بالقيدين السابقين يحي بن سعيد الأنصاري وانفرد به ، ثم رواه عن يحيى بن سعيد أكثر من 700 نفس فتواتر بعد ذلك ، فهذا لا يكون متواترا لأنه في بعض طبقاته انفرد به بعض الناس دون بعض ، إلى أن ينتهي إلى المخبر عنه ، أي إلى نهاية الإسناد ، ويكون في الأصل عن مشاهد ، أي أن التواتر لا يكون إلا عن الحسيات ، فلا تواتر في العقليات ولا في التجريبيات أي العاديات ، فلا يمكن أن يقال تواتر لدي أن السماء فوق الأرض أو أن الواحد نصف الإثنين ، فذلك من الأمور العقلية لا فائدة فيه ، فلا عبرة بكثرة القائل بالأمور العقلية ، إنما العبرة بصحة ذلك عقلا وقبوله وتسليمه ، ومثل ذلك في الأمور العادية ، فلا عبرة بكثرة الناقلين فيها ، إنما العبرة في التكرار حتى يحصل القطع ، العادي به ، عن مشاهدة أو سماع ، فلا بد أن يكون ذلك عن محسوس بإحدى الحواس الخمس لا عن اجتهاد ، فلا عبرة بذلك لأنه من الأمور التي مرجعها إلى العقل ، فاجتهادات الأشخاص ثبت عنهم لأنهم قالوا ذلك فقط ، لكن ذلك لا يقتضي ثبوت ما اجتهدوا فيه ، ولا يقتضي صحة اجتهادهم ، فالعبرة إذن بأن يكون المنقول من مما أصله ومرجعه إلى الحس بإحدى الحواس الخمس.

 


عدد مرات القراءة : 6784



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              21634850
المتواجدون الأن       7
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو