» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
المغني المفيد الشريط السابع




\"الثانية تفسير التولة\" وهي ما كانوا يزعمون أنه يحبب الرجل إلى امرأته أو المرأة إلى زوجها، ومثلها كل ما كان كذلك كما يتخذ من الخرز الذي يحبب الإنسان إلى الناس كما يزعمون وهو أيضا فيه ضرب من السحر لأنه في كثير من الأحيان يتخذ لابتزاز الناس وأخذ أموالهم، \"الثالثة أن هذه الثلاث كلها من الشرك من غير استثناء\" قوله من غير استثناء قد سبق الاستثناء وصرح به هو في قوله: وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فالمقصود منها ما كان من الشرك فهو منهي عنه من غير استثناء، \"الرابعة أن الرقية بالكلام الحق من العين والحمة ليس من ذلك\" لأن النبي r استثنى ذلك والكلام الحق هو ما كان من الثناء على الله أو ذكره أو الثناء على رسوله r ونحو ذلك فهذا الكلام الحق وهذه رقى الجاهلية أقر منها النبي r ما كان من هذا النوع ليس فيه شرك، وقد ذكر بعض أهل العلم أن الكلام الجميل المؤثر في الإنسان قد يدخل في الرقية إذا كان الإنسان يحب سماع نوع من الكلام من غير أن يكون فيه مُحَرَّمٌ شرعا، وهذا في العلاج النفسي، قد يكون الإنسان يحب النشيد مثلا فينشد له فيتأثر بذلك ويجد به راحة، فما كان منه من هذا القبيل من قبيل العلاج النفسي بذكر الأسماء المحبوبة لدى الإنسان أو ذكر المواطن المحبوبة لديه فهذا ليس من الرقى المحرمة بل هو مثل رقى الجاهلية التي أقرها الشارع فما كان من الكلام الحق فهو داخل في هذا القبيل، ولهذا فإن النبي r رقى بكلام مثل هذا كقوله: لا بأس طهور، فقال للمريض لا بأس أي لا بأس عليك وهذا ليس ببأس وقال طهور أي أنها تكفر الذنوب وتطهره منها، هذا النوع هو من الكلام الحق الذي هو رقية، \"الخامسة أن التميمة إذا كانت من القرآن فقد اختلف العلماء هل هي من ذلك أم لا\" وقد سبق سوق ذلك، وبيان خلافهم فيه، \"السابعة الوعيد الشديد على من تعلق وَتَراً\" لأنه قال: فإن محمدا بريء منه، \"الثامنة فضل ثواب من قطع تميمة من إنسان\" هنا لا يحتاج إلى المضاف، فلو قلت ثواب من قطع تميمة أو قلت فضل من قطع تميمة كان ذلك كافيا، وذلك في أثر سعيد بن جبير من قطع تميمة من إنسان، \"التاسعة أن كلام إبراهيم لا يخالف ما تقدم من الاختلاف لأن مراده أصحاب عبد الله بن مسعود\" كانوا يكرهون أي كان أصحاب ابن مسعود وأصحاب علي من أهل العراق، فلا ينافي ذلك أن غيرهم من السلف لم يكونوا يكرهون ذلك.

\"باب من تبرك بشجرة أو حجر ونحوهما\" عقد هذا الباب لما يدخل من التبرك في الشرك، والتبرك التماس البركة، والبركة أمر معنوي جعل الله تعالى في بعض خلقه، فيقتضي نماء وزيادة، فالبركة في الأرض تقتضي نماء الزراعة فيها، والبركة في الماء ونحوه تقتضي كذلك نفع الجسم به، إما بشفاء الأمراض وإما بنماء البدن وهكذا، فمن الأرض ما هو مبارك ومن الماء كذلك ما هو مبارك فهذه هي البركة، فالتبرك منه ما يكون داخلا في إطار الشرك فيكون سده من باب سد ذرائع الشرك، وذلك أن البركة أمر خفي لا يذاق لها طعم ولا تشم لها رائحة ولا يرى لها لون، فلا يمكن أن نعرف أن شيئا فيه بركة تلتمس إلا بالوحي، والوحي أثبت البركة في بعض الأشياء، فالأنبياء مباركون ﴿مباركا أينما كنت في قصة عيسى عليه السلام، ونحوه كل الأنبياء، فكل ما باشر أجسادهم فهو مبارك وكل ما كان منها ففيه بركة، ولذلك فإن أصحاب رسول الله r كانوا يتبركون بشعره وقد قسمه بينهم في حجته، وبوضوئه وكذلك ببصاقه وبأظافره وبلباسه وبالماء الذي بصق فيه، فكل ما اتصل بجسده r فقد كانوا يتبركون به، وفي صحيح البخاري أن أم سلمة كان لها شعرات من شعر رسول الله r في جلجل من فضة فإذا مرض مريض أرسل إليها بقدح من ماء فخضت فيه الجلجل فيشربه فيبرأ، وكان لخالد بن الوليد كذلك شعرات من شعر رسول الله r يجعلهن في قلنسوته إذا قاتل العدو، وقد احتفظ معاوية رضي الله عنه بأظافر رسول الله r وأمر أن تجعل في عينيه عند موته، فهذا التبرك برسول الله r، كذلك البيت الحرام أخبر الله أنه مبارك، فقال: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين فالبيت الحرام فيه بركة بنص القرآن، وكذلك ماء المطر أخبر الله أنه مبارك في قوله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء مباركا وكذلك البركة في الأرض بنماء النبات والزرع كما في قول الله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله فهذه البركة حول بيت المقدس هي البركة بأرض الشام بنماء الزراعة وكثرة الثمار، أما الذي يدخل في الشرك من التبرك فهو التمسح بالأشجار والأحجار على عادة أهل الجاهلية بأصنامهم، فهذا مسدود لسد ذريعة الشرك لأنه هو أصل الشرك، فاللات كان رجلا من ثقيف يلت السويق لضيوفه، فلما مات جعلوا قبره مزارا يطوفون به ويتمسحون به وينحرون عليه فاتخذوه صنما بعد ذلك، وكذلك مناة والعزى فكثير من الأصنام أصل نشأتها التبرك بها، وقول الله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى هذا من الترجمة وبيان أن أصل عبادة هذه الأصنام التبرك بها فقد كان الأولون يتبركون بها فورَّثوا ذلك للآخِرين فعبدوها عندما غلوا فيها، «عن أبي واقد الليثي قال خرجنا مع رسول الله r إلى حنين ونحن حُدَثاء عهد بكفر وللمشركين سِدرة يعكُفون عندها وينوطون بها أسلحتهم يقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله r الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال: إنكم قوم تجهلون، لتركبن سنن من كان قبلكم رواه الترمذي وصححه» هذا حديث ذات أنواط المشهور، فأبو واقد الليثي رضي الله عنه قال: خرجنا مع رسول الله r إلى حنين أي بعد الفتح في غزوة هوازن ونحن حدثاء عهد بكفر أي إسلامنا جديد فعهدنا بالكفر حديث، وللمشركين سدرة أي واحدة السدر وهو الشجر المعروف، يعكفون عندها أي يقيمون عندها، طوافا وتمسحا، وينوطون بها أسلحتهم أي يعلقون بها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط لما ينوطون فيها من الأسلحة، فمررنا بسدرة فهم عرفوا التميز عن المشركين والانفصال عنهم لكن لم يعرفوا بعد ما يقره الشرع وما يرفضه من ذلك، فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فهم كانوا يظنون أن هذا مما يحتاج إليه الناس وأنه قد دخل في صميم حياتهم فيحتاجون إليه في نظرهم، قالوا اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله r الله أكبر، وذلك للاستعظام، فذكر اسم الله سبحانه وتكبيره عند كل مستعظَم مستكبَر يقتضي تصغير ذلك المستعظَم المستكبَر من خلقه، فهم استعظموا السدرة فقال رسول الله r الله أكبر إنها السنن إنها أي العادات والتقاليد و الأمور التي تجري بين الناس هي السنن أي سنن السابقين، والسنن جمع سنة وهي الطريقة خيرا كانت أم شرا، فمن إطلاقها على الخير قول الله تعالى:سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا﴿ ومن إطلاقها على الشر قوله تعالى: ﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين وتطلق على الصميم من كل شيء، فصميم الوجه يسمى سنة الوجه، ومنه قول غيلان:

ملساء ليس بها خال ولا ندب

 

تريك سنة وجه غير مقرفة

 فسنة الوجه صميمه ووسطه، فقال: إنها السنن أي عادات السابقين وآثارهم وطرقهم، قلتم والذي نفس محمد بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى، فبين لهم أنهم أعادوا سنة بني إسرائيل فقالوا مثل ما قال بنو إسرائيل لموسى عندما نجوا من البحر فمروا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة وهذا الذي قصه الله في كتابه فقال: ﴿وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فهم لم يدركوا بعدُ عبادة الله سبحانه وتعالى ولم يفقهوها وكان داخلا في تصورهم ما يتعلق بالعكوف على الأصنام وعبادتها فقد عاشوا على ذلك فصعب عليهم التخلص منه، فقالوا اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون وهذا صريح في أنه عذرهم بالجهل ولم يصفهم بالكفر بذلك والنبي r كذلك عذر أصحابه هنا وبالأخص حدثاء العهد بالشرك والكفر، عذرهم فلم يأمرهم بتجديد الإيمان ولم يأمرهم بتجديد الأنكحة ونحو ذلك مما يبطل من الأعمال بالردة، فلذلك قال: لتركبن سنن من قبلكم، لتركبن أي لتسلكن والركوب في الأصل العُلُوُّ ركب الشيء إذا علاه ويطلق على الحسيات والمعنويات فركب الدابة في الحسيات وركب الرأي وارتكبه في المعنويات، والسَّنن الجنس والسُّنن الجمع، وبهما روي هذا الحديث لتركبن سُنن من قبلكم جمع سنة أو سَنن من قبلكم أي طريقهم من كان قبلكم والمقصود بهم اليهود والنصارى، \"فيه مسائل\" أي في هذا الباب مسائل، \"الأولى تفسير آية النجم\" وهي ﴿أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى والمقصود بتفسيرها هنا أي ما يتعلق منها بالباب وهو أن هذه أصنام كانت لأهل الجاهلية يعبدونها من دون الله وأصل عبادتها كان تبركا بها، ثم غلوا فيها فعبدوها، \"الثانية معرفة صورة الأمر الذي طلبوا في حديث أبي واقد\" فإنهم طلبوا أن تجعل لهم ذات أنواط كما للمشركين ذات أنواط وقد بين أن المشركين كانت لهم سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم فكذلك طلب هؤلاء أن تجعل لهم سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم ، \"الثالثة كونهم لم يفعلوا\" لأن النبي r لم يجعل لهم سدرة وأعاذه الله من ذلك فمع ذلك وصفوا بأنهم سلكوا سنن من قبلهم، فدل هذا على أن الشرك والكفر يكونان بالفعل وبالقول وبالاعتقاد، فكل ذلك أنواع من أنواع الشرك، فلا يختص الشرك بالفعل ولا بالقول ولا بالاعتقاد بل كل الأنواع الثلاثة يدخلها الشرك والكفر، \"الرابعة كونهم قصدوا التقرب إلى الله بذلك لظنهم أنه يحبه\" وهذا لا يدل عليه هذا اللفظ لا يدل عليه الحديث أن قصدوا بذلك التقرب بل فقط قصدوا به الجري على عادتهم ومألوفهم، لكن عبدة الأصنام الذين كانوا يدعونها من دون الله كانوا فعلا يقصدون التقرب إلى الله بها كما قال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى والزلفى التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، \"الخامسة أنهم إذا جهلوا هذا فغيرهم أولى بالجهل\" أي أنهم مع رسول الله r ولحظة واحدةٌ من مجالسة النبي r يرتفع بها الإنسان ويسمو عما كان فيه، كما حصل للسحرة عندما آمنوا فخلال تلك اللحظة قذف الله في قلوبهم من العلم والإيمان الشيء الكثير جدا ولهذا خاطبوا فرعون مباشرة حين توعدهم وهددهم فقالوا ﴿لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا فعرفوا أن للدنيا نهاية وأن طغيان فرعون إنما هو في الدنيا لا في الآخرة، ﴿إنا آمنا بربنا فعرفوا ربهم سبحانه وتعالى ﴿ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر فميزوا بين ما هو مباح وما هو محظور، وعرفوا أن المحظور الذي هو الذنب قابل للمغفرة إذا تاب الإنسان منه إلى الله، ﴿ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى، إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى عرفوا أن الميت محشور إلى الله سبحانه وتعالى، وأنه إن كان مجرما استحق النار وإن كان محسنا استحق الجنة، ﴿إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى وعرفوا حال أهل النار أيضا وأنهم لا يموتون ولا يحيون فهم في عذاب دائم خالد نسأل الله السلامة والعافية، \"ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى\" عرفوا أن الإيمان يقتضي عملا وأنه تترتب عليه الأعمال الصالحة، قالوا: ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى، عرفوا الجنة وعرفوا أنها درجات، ﴿جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى وهذا خلاصة علم الأولين والآخرين، وهو هاتان الجملتان، إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى، ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى، فهذا هو خلاصة ما جاء به الرسل من عند الله سبحانه وتعالى الإيمان بالله وتوحيده وعبادته وبيان أن من لقيه لا يشرك به شيئا استحق الجنة ومن لقيه مجرما استحق النار، هذا خلاصة علم الأولين والآخرين، قذفه الله في قلب هؤلاء السحرة في هذه اللحظة، فلذلك من صحب رسول الله r ولو لحظة واحدة فهو أولى بالعلم والمعرفة، لكن مع هذا لا يقتضي ذلك أن كل من صحبه وآمن به يكون من العلماء، ويزول عنه كل ما كان لديه من الجهل في نفس اللحظة، بل إن كثيرا من الذين آمنوا به من الأعراب قد بقوا على كثير من جهالاتهم كما قال الله تعالى: ﴿الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر أن لا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم ومع ذلك فصل بينهم فبين أن منهم من انتفع بإسلامه وحسن إسلامه وصدق مع الله ومنهم من بقي على ما كان عليه من الشرك فهو يتربص الدوائر برسول الله r و أصحابه ويجامله ويصانعه في الظاهر ولكنه في الباطن يكفر به، ولهذا قال: ﴿ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق مغرما ويتربص بكم الدوائر عليهم دائرة السوء وفي المقابل قال: ﴿ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول قال: ﴿فغيرهم أولى بالجهل غيرهم أي غير الصحابة غير الذين آمنوا بالنبي r ورأوه أولى بالجهل فلذلك قد يعذرون فيما يقعون فيه من الجهل، \"السادسة أن لهم من الحسنات والوعد بالمغفرة ما ليس لغيرهم\" هذه ليست من فوائد هذا الحديث لكنها فائدة مستقلة تعرف من غيره، وهي أن الصحابة لهم من الحسنات والسبق في الإسلام والصحبة والجهاد والوعد بالمغفرة ما يقتضي تكفير سيئاتهم وذنوبهم، فهم أولى بشفاعة النبي r ممن سواهم، وسابقتهم في الإسلام وما قدموه يقتضي تكفيرا لسيئاتهم لكن ذلك فيما يكفر من السيئات وهو ما عدا الشرك، \"السابعة أن النبي r لم يعذرهم\" وهذه ليست فائدة ولا هي صحيحة، بل الحديث هنا صريح في أنه عذرهم لكن قصد المؤلف رحمه الله أن النبي r لم يسكت عنهم بمقتضى جهلهم بل بين لهم بطلان ما زعموه، فهذا قصده، ولا يقصد هنا أنه كفرهم وأنه لم يعذرهم بالجهل، معاذ الله بل الحديث صريح في أنه عذرهم بذلك، بل إنما يقصد أنه لم يسكت عنهم لجهلهم بل علمهم وبين لهم، ولهذا قال: \"بل رد عليهم بقوله: الله أكبر إنها السنن، لتتبعن سنن من قبلكم\" فغلظ الأمر بهذه الثلاث، أولا أنه كبر استعظاما للأمر، والثانية أنه بين أن هذا من السنن السابقة فقال: إنها السنن، والثالثة إخباره بانه قد أوحي إليه أن هذه الأمة ستتبع طرائق السابقين من اليهود والنصارى في الإفراط والتفريط، وقد صح عنه ذلك في قوله: لتتبعن سنن من قبلكم حتى لو دخلوا جحر ضب لتبعتموهم، قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فأولئك هم الذين سيتبعهم كثير من هذه الأمة فيسلكون طرقهم في الإفراط والتفريط، وهذا الكلام يبين مقصد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه لا يقصد هنا عدم العذر بالجهل بل يقصد أنه r لم يسكت على هذا الجهل بل علمهم وبين لهم وغلظ ما كانوا عليه، \"الثامنة الأمر الكبير هو المقصود أنه أخبر أن طلبتهم كطلبة بني إسرائيل لما قالوا لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة\" أن الأمر الكبير الذي جُلب من أجله هذه الحديث في هذا الباب، أن النبي r بين لهم أن ما طلبوه من اتخاذ شجرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم هو تماما ما طلبه بنو إسرائيل عندما قالوا اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، فجعل هذا من الشرك واتخاذ الآلهة من دون الله، والطِّلبة المطلوب أي الذي طلب، \"التاسعة أن نفي هذا من معنى لا إله إلا الله مع دقته وخفائه على أولئك\" فأولئك جميعا قد شهدوا أن لا إله إلا الله وما نفوه من الإلهية عن غير الله شامل لذلك الذي كانوا يعتقدونه في الشجرة، من عبادتها بالعكوف عندها والتمسح بها وتعليق الأسلحة بها، فذلك من خصائص الإلهية، لكن لم يكونوا يعرفون ذلك تفصيلا، فلهذا قال: مع دقته وخفائه على أولئك مع دقته لأنه من الجزئيات لا من الكليات هنا، وخفائه على أولئك حيث خفي عنهم فلم يقصدوا بذلك التصريح بعبادة هذه الشجرة، \"العاشرة أنه حلف على الفتيا\" لأنه أتى باللام التي تدل على القسم في قوله لتركبن سنن من قبلكم، وذلك للتأكيد والبيان، وكذلك في قوله\" «والذي نفسي بيده، قلتم والذي نفسي بيده ما قال أصحاب موسى» هذا ليس حلفا على الفتيا بل حلف على الخبر على ما وقع، \"وهو لا يحلف إلا لمصلحة\" فهو r يحلف للمصلحة لتأكيد القول، \"الحادية عشرة أن الشرك فيه أكبر وأصغر\" وهذا ليس صريحا في هذا  الحديث ولكنه من الأمور المعروفة شرعا فقد بين النبي r خوفه على هذه الأمةمن الشرك الأصغر فدل ذلك على أن الشرك ينقسم إلى شرك أكبر وشرك أصغر، فالشرك الأكبر مخرج من الملة والشرك الأصغر شرك دون شرك لا يخرج من الملة ولكنه داخل في جنس الشرك وعمومه، وهذه الفائدة ليست من فوائد هذا الحديث بل هي معروفة من غيره، ولهذا قال: \"لأنهم لم يرتدوا بهذا\" أي أنه لم يكفرهم وذلك لأنه عذرهم بجهلهم، وإلا فمن فعل ذلك أو اعتقده، من اعتقد أن مخلوقا يَسْتَحِقُّ أن يطاف حوله ويعكف حوله ويتقرب إليه بتعليق الأسلحة به من غير أن يكون ذلك قربة لله سبحانه وتعالى بل تقربا لذلك المخلوق فهذا من الشرك الأكبر عند اعتقاده، بخلاف الطواف بالكعبة وبين الصفا والمروة فليس ذلك تقربا إلى هذا المخلوق ولا  التماس نفع منه ولا ضرر بل هو تقرب إلى الله بطاعته وإقامة ذكره، ولذلك قال عمر رضي الله عنه للحجر الأسود والله إني لأعلم إنك لحجر لا تنفع ولا تضر ولولا أني رأيت رسول الله r يقبلك ما قبلتك، وقد بين النبي r الحكمة من الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة بقوله إنما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة ورمي الجمار لإقامة ذكر الله، فليس ذلك من المظاهر التي تدخل في الشرك لأنه ليس تقربا إلى تلك الحجارة وإنما هو تقرب إلى الله بطاعته بما شرع، لأن الله هو الذي شرع الطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وشرع رمي الجمار وشرع استلام الحجر، فما شرعه الله كان طاعة لله سبحانه وتعالى وتقربا إليه لا تقربا لتلك الحجارة ولا اعتقادا أنها تنفع أو تضر فليس لها نفع ولا ضرر، \"الثانية عشرة قوله: ونحن حدثاء عهد بكفر، فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك\" أي أن من تعلم أمور الإيمان ولم يكن حديث عهد بكفر بل قد دخل الإيمان قلبه وتعلم أموره فلا يحصل منه ذلك، وهو أيضا بيان لعذرهم بالجهل، ولهذا فإن النبي r قال: في حديث عائشة: لولا قومك حديثو عهد بكفر لبنيت الكعبة على قواعد إبراهيم، \"ونحن حدثاء عهد بكفر فيه أن غيرهم لا يجهل ذلك\" أن غيرهم ممن ليس حديث عهد بكفر من الصحابة لا يجهل ذلك، \"الثالثة عشرة التكبير عند التعجب\" فهو سنة إذا عجب الإنسان من مخلوق واستعظمه يكبر ليصغر ذلك المخلوق عنده، ولهذا فإن النبي r كان يوصي جنوده بالتكبير عند كل شرف والتسبيح إذا هبطوا الأودية التكبير عند التعجب \"خلافا لمن كرهه\" خلافا لمن كره التكبير في هذه المواطن، وأولئك إنما قصدوا بالكراهة التكبير من غير أن يقصد به ذكر الله، كمن يكبر فقط جريا على استعظام لذلك المخلوق دون أن يستشعر هو عظمة الله في حال ذكره، \"الرابعة عشرة سد الذرائع\" فهذا الحديث فيه سد للذرائع ومنها ذريعة الشرك، والذرائع جمع ذريعة وهي ما يتوصل به إلى غيره، فالدابة إذا نفرت أو شردت يتوصل إليها بدابة أخرى تساق إليها حتى تقترب منها فتؤخذ بها وهذا الذي يسمى بالذرائع، والذرائع ثلاثة أقسام ذرائع مسدودة سدها الشارع، وذلك مثل قول الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا فهذا سد لذريعة خطاب النبي r بهذا اللفظ السيء الذي كان يفعله المنافقون فكانوا يقولون راعنا ويقصدون بها راعنا أي أحمق، ويأتون بها في صورة راعنا على أنها فعل وفاعله أي انظر إلينا، وكذلك من الذرائع المسدودة سب آلهة المشركين بحضرتهم، لأنه ذريعة لسبهم لله، فقد قال الله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذي يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم والقسم الثاني الذرائع غير المسدودة التي لم يسدها الشارع وذلك مثل زراعة العنب سبب لصناعة الخمر ومع ذلك لم يسده الشارع ولم يحرمه ولم ينه عنه، وكذلك تجاور البيوت سبب للاختلاط ورؤية الأجانب بعضهم لبعض ولكن الشارع لم يسد ذلك بل أجاز تجاور البيوت، فهذه الذرائع غير المسدودة، القسم الثالث الذرائع المسكوت عنها وهي التي لم يرد فيها نص بسدها ولا نص بفتحها، وهذه أخذ بسدها مالك رحمه الله، وجعل ذلك أصلا من أصول التشريع، وخالفه بعض الفقهاء قديما لكن الفقهاء فيما بعد اتفقوا على إعمالها، فهي معملة في كل المذاهب، ولهذا أشار الشيخ هنا إلى ذلك بقوله: الرابعة عشرة سد الذرائع، \"الخامسة عشرة النهي عن التشبه بأهل الجاهلية: لأنه r قال: لتركبن سنن من كان قبلكم، فكان ذلك نهيا عن ركوبه مع إخباره أنه سيحصل، وأهل الجاهلية هنا أي كل من كان متصفا بصفاتهم فيشمل ذلك سلوك طريق اليهود والنصارى، وغيرهم من ذوي الديانات المحرفة، وسلوك طرق المشركين أيضا فنحن مأمورون بمخالفة المشركين وبمخالفة اليهود والنصارى، والجاهلية مشتقة من الجهل الذي هو خلاف الحلم، فالجهل جهلان خلاف العلم وخلاف الحلم وإنما سميت الجاهلية بخلاف الحلم لأن أهلها أهل نزق وطيش فعقولهم ناقصة فلذلك سموا بأهل الجاهلية، \"السادسة عشرة الغضب عند التعليم\" وذلك ليكون هذا أبلغ موعظة وأبلغ تأثرا فقد كان رسول الله r يظهر بمظاهر الغضب في حال التعليم وبالأخص في حال الخطبة كما في حديث جابر رضي الله عنه أن النبي r كان إذا خطب احمرت عيناه وعلا صوته واشتد غضبه كأنه منذر جيش يقول صبحكم مساكم، وفي حديث أنس فما رأيته من موعظة أشد منه غضبا من يومئذ، فقد كان في الموعظة يشتد غضبه ليكون ذلك أبلغ لتأثر الموعوظ والمذكَّر، وهذا الحديث ليس فيه دليل على الغضب لكن عرف ذلك من حال النبي r دائما في مثل هذه المواقف عند إنكار المنكر وعند التعليم والوعظ، \"السابعة عشرة القاعدة الكلية لقوله إنها السنن\" أي الفائدة السابعة عشرة أن جمع الجزئيات في كلية من المقاصد المهمة حيث رد النبي r هذا التصرف إلى قاعدة عامة وهي سَنن السابقين وبين أن بعض هذه الأمة سيركب سنن أولئك الذين انحرفوا بالإفراط والتفريط في الرسائل السابقة فمن المهم للمعلم أن يجعل للمتعلم قواعد يرجع إليها لتنتظم له الجزئيات والمسائل الدقيقة، \"الثامنة عشرة أن هذا علم من أعلام النبوة، لكونه وقع كما أخبر\"، فقد أخبر النبي r باتباع بعض أفراد هذه الأمة لسنن الأمم السابقة وقد حصل ذلك كما أخبر به رسول الله r، فكان ذلك علما من أعلام النبوة ودليلا من أدلتها، \"التاسعة عشرة، أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن أنه لنا\" في هذا ضعف في اللغة، فإنما يقصد أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى في القرآن فنحن محذرون منه، وإنما جاء في القرآن بيان ما وقعوا فيه من الخلل والخطإ لنحذره نحن ونجتنبه، وأيضا فكل ما وقعوا فيه من ذلك مما جاء في القرآن وفي السنة فسيأخذ به بعض أفراد هذه الأمة لأن النبي r أخبر بذلك، أن كل ما ذم الله به اليهود والنصارى أو ما نعاه عليهم وأنكره عليهم مما فعلوه في القرآن ومثله ما جاء في السنة أننا محذرون منه منهيون عنه، وأنه سيتبعه بعض أفراد هذه الأمة، \"الفائدة العشرون أنه متقرر عندهم أي عند الصحابة رضوان الله عليهم أن العبادات مبناها على الأمر\" فالعبادة تقرب إلى الله، والله سبحانه وتعالى لا يمكن أن ينفعه عباده ولا أن يضروه، يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، فلا يمكن أن يتقرب إليه إلا بما شرع وبين، فتقصر العبادة إذن على ما أمر به بالوحي فما جاء في الكتاب والسنة أنه عبادة هو الذي يتعبد به لله، وما لم يرد في الوحي أنه عبادة لا يمكن أن يتعبد به لله فالعبادة توقيفية لأنه لا يمكن أن يوصل إليه بنفع ولا بضر فلا يمكن أن يتقرب إليه إلا بما شرع وبين، وهذا متقرر عندهم أي عند أصحاب رسول الله r، فأبو واقد الليثي بين ذلك لأنه قال: ونحن حدثاء عهد بكفر أي لم يفهموا بعد أن العبادة توقيفية وأن مبناها على الأمر ولهذا بين حالهم إذ ذاك، فقد تقرر عنده فيما بعد ما تقرر عند غيره من الصحابة أن العبادة كلها توقيفية مبناها على الأمر، \"فصار فيه التنبيه على مسائل القبر\" هذه مسألة مستقلة وهي أنه يؤخذ من هذا الحديث بالإشارة التنبيه على امتحان القبر، فالقبر مسائله ثلاث هي ما ربك وما دينك وما كنت تقول في هذا الرجل، وهذه تؤخذ من هذا الحديث، \"أما من ربك فواضح\" ما ربك فواضح لأنه هنا بين لهم أن هذا من الشرك ونهاهم عنه، فبنو إسرائيل إنما قالوا ذلك لأنهم جهلوا ربهم سبحانه وتعالى فطلبوا إلها سواه، ولهذا رد عليهم موسى بقوله: ﴿إنكم قوم تجهلون إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين فلهذا قال أما من ربك يقصد ما ربك، فسؤال القبر هو بما وليس بمن ما ربك فواضح، \"وأما من نبيك\" يقصد ما كنت تقول في هذا الرجل \"فمن إخباره بالغيب\" لأن النبي r أخبر أنهم سيتبعون سنن من قبلهم فدل ذلك على أنه نبي أُطلع على ذلك من عند الله وأنبئ به، \"وأما ما دينك فمن قولهم اجعل لنا إلها كما لهم آلهة\" فالإنسان مفطور على العبودية ومفطور على الحاجة إلى الدين، فلذلك قالوا اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، وهم أيضا قالوا اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، وهذا هو الدين الذي ينتمون إليه فبين لهم بطلان ذلك وبين لهم أنه يكفي في الدين هذا الدين الذي هو فطرة الله وصبغته: ﴿صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة  ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها وهي هذا الدين الحقيقي عند الله سبحانه وتعالى، \"الحادية و العشرون أن سنة أهل الكتاب مذمومة كسنة المشركين\" لأنه قال: لتتبعن سنن من كان قبلكم، ومن كان قبلنا منهم أهل الجاهلية من المشركين عبدة الأوثان ومنهم اليهود والنصارى وأصحاب الديانات المنسوخة المحرفة، فكل ذلك اتباعه بعد بعثة النبي r ونسخه لكل ما سبق مذموم لأن الاتباع لا بد من توحيده وهو نوع من أنواع التوحيد وهو توحيد الاتباع الذي هو مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله وقد ذكرنا أن مقتضياتها ثلاث، وآخر مقتضى منها هو توحيد الاتباع، أن لا يتبع إلا هو r، لأنه وحده المبلغ عن الله الدينَ الذي جاء به، ولا شفوف لأهل الكتاب على المشركين، فقد كان أهل الكتاب يزعمون أن لهم شفوفا على المشركين فلما نزلت سورة البينة وجاء فيها قول الله تعالى: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية قال أبو بكر استوت أكتافهم ورب الكعبة، فلا فضل لليهود والنصارى على المشركين عبدة الأوثان فالجميع من المشركين، \"الثانية والعشرون أن المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يؤْمَن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة لقوله: ونحن حدثاء عهد بكفر\" والمقصود بذلك أن من كان مأسورا بتقليد وعادة صعب عليه التخلص من جزئياتها، فلا بد أن يلاحظ ذلك في نفسه وأن يحاول علاجه لأنه لا بد أن يبقى فيه بعض الرواسب لا تزول بهذه السرعة فلهذا يحتاج إلى مهلة حتى يتخلص منها، ومن أجل هذا فإن النبي r نهاهم أن يحلفوا باللات والعزى مع علمه أن ذلك جار على ألسنتهم فيصعب عليهم التخلص منه، فقال: لا تحلفوا باللات ولا بالعزى فمن قال ذلك فليقل آمنت بالله، وفي رواية فليقل لا إله إلا الله.

\"باب ما جاء في الذبح لغير الله\" هذا مظهر آخر من مظاهر الشرك في العبادة العملية الفعلية وهو الذبح لغير الله كما كان أهل الجاهلية يذبحون على أصنامهم وعلى قبور من يعظمونهم، ويعتقدون بذلك التقرب إليهم وقد استمرت هذه العادة لدى بعض أهل الإسلام وهي من عمل الجاهلية ومن شأنهم، وقد قال زياد الأعجم في مرثيته للمغيرة بن المهلب بن أبي صفرة:

قبرا بمرو على الطريق الواضح
وافتر نابك عن شَبَات القارح
وأعنت ذلك بالفعال الصالح
كوم الجياد وكل طرف سابح
فلقد يكون أخا دم وذبائح

 

إن السماحة والمروءة ضمنا
والآن لما كنت أكمل من مشى
وتكاملت فيك المروءة كلها
فإذا مررت بقبره فانحر به
وانضح جوانب قبره بدمائها

 فقد كان هذا من عمل الجاهلية وبقي لدى بعض الأعراب فلذلك قال به زياد الأعجم، في أيام التابعين في أيام المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، وقد حذر منه رسول الله r حذر من الذبح لغير الله وقد بين الله سبحانه وتعالى أن ما أهل به لغير الله غير مذكى ولا يحل الأكل منه، أنه من الذبائح المحرمة، ما جاء في التحذير من الذبح لغير الله، والمقصود بالذبح هنا التقرب مطلقا فيشمل ذلك الذبح والنحر وغيرهما، والذبح هنا مثال ولا يقصد به قصر ذلك على الذبح دون النحر مثلا، \"وقول الله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له الآية\" هذا داخل في الترجمة أيضا فقد عقد الباب لما جاء في الذبح ولهذه الآية وهذه الآية هي مما جاء في الذبح لكنها أعم منه إذ جاءت في العمل كله، لأن الله تعالى يقول فيها قل وهذا خطاب لكل مؤمن إن صلاتي والصلاة في اللغة تطلق على أربعة أمور، فتطلق على الدين مطلقا، ومنه قول الله تعالى: ﴿قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أي أدينك يأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وتطلق على العبادة فصلى بمعنى عبد، ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية أي ما كانت عبادتهم عند البيت إلا تصفيقا وتصفيرا، وتطلق على العبادة المخصوصة التي فيها إحرام وسلام وتطلق كذلك على الدعاء، ومن إطلاقها على الدعاء قول الله تعالى لنبيه r ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم وكذلك منه قوله r من دعي فليجب فإن كان مفطرا فليأكل وإن كان صائما فليصل أي فليدع، وهذه الأمور الأربعة كلها داخلة في قوله قل إن صلاتي، أي إن ديني وإن عبادتي وإن صلاتي المخصوصة، العبادة المخصوصة وإن دعائي لله رب العالمين لا شريك له، فلا يصرف شيء من العبادة ولا من الدين كله والتشريع ولا من الصلاة المخصوصة ولا من الدعاء إلا لله وحده، ونسكي النسك يطلق على أمرين يطلق على العبادة كلها، فيقال فلان ناسك أي عابد، ومنه المنسك أي مكان العبادة، كما قال الله تعالى: ﴿ولكل أمة جعلنا منسكا أي مكان عبادة، ومناسك الحج ما شرع فيه من العبادات المخصوصة، الإطلاق الثاني على الذبح بخصوصه، فالذبح يسمى نسكا ويطلق ذلك على الهدي والضحية، فتسمى أنساكا، وكلا المعنيين يشمله قوله ونسكي، أي عبادتي وذبحي، فكل عبادة لا يمكن أن يصرف شيء منها إلا لله، وكذلك الذبح لا يكون إلا على اسم الله، إلا أن يذكر اسم الله عليه وأن يقصد بذلك إباحته، وما كان منه للعبادة لا بد أن يكون مصروفا لله سبحانه وتعالى وحده، ومحياي أي حياتي كلها بحركاتها وسكناتها وحضرها وسفرها ونومها واستيقاظها لله رب العالمين لا شريك له، ومماتي أي موتي لله رب العالمين بمعنى في سبيله، وإنما يكون المؤمن صادقا إذا قال ذلك بتحقيقه للتوحيد لله سبحانه وتعالى في صلاته ونسكه، وفي محياه ومماته، وكثير من الناس يظن أن تحقيق ذلك بممات الإنسان لله رب العالمين هو أصعب هذه الأمور، لأن الشهادة مقام عال، لكن الواقع أن المحيا لله رب العالمين أعلى وأصعب من الممات لله رب العالمين لأن الممات لله رب العالمين يصبر الإنسان لحظة واحدة فيلقى الشهادة في سبيل الله، والمحيا لله رب العالمين لا بد أن يصبر فيه مدة عمره لله رب العالمين ونسبت هذه الأمور الأربعة لله وأثني عليه بربوبيته للعالمين التي تقتضي استحقاقه لذلك، فربوبيته تقتضي ألوهيته أي أنه هو المألوه بحق وحده أي المعبود بحق وحده، وكان ذلك في حق العالمين جميعا، والعالَم اسم ما سوى الله، وأكد تحقيق التوحيد فيها بالنفي حيث قال: لا شريك له، \"وقوله: ﴿فصل لربك وانحر\" فصل لربك هذا أمر بالصلاة لله سبحانه وتعالى، فلا يصرف شيء منها للمخلوق، وانحر عطف هذا الفعل على صل يفهم منه أن النحر أيضا لربك فقط، صل لربك وانحر معناه وانحر لربك، وهذا يقتضي أن النحر أيضا إذا كان قربة لا يتقرب به إلى الله، فما كان منه عبادة لا يمكن أن يتقرب به إلا إلى الله، وهنا ينبغي أن يعلم أن الذبح والنحر ينقسمان إلى قسمين ما كان عبادة وما كان لقصد الذكاة فقط، فما كان تقربا بالذبح أو بالنحر لا بد من التوحيد فيه وإفراده لله وذلك مثل الضحايا والعقائق والهدي والأنساك كلها كجزاء الصيد وهدي التمتع والقران وهدي التطوع وهدي الجبران فكل ذلك لا بد أن يخلص لله تعالى، النوع الثاني ما كان يقصد به الذكاة وليس عبادة كمن يذبح شاة ليأكل لحمها مثلا، فهذا الذبح ليس عبادة لكنه لا بد أن يكون على اسم الله لقول الله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه «وعن علي رضي الله عنه قال: حدثني رسول الله r بأربع كلمات لعن الله من ذبح لغير الله لعن الله من لعن والديه لعن الله من آوى محدثا لعن الله من غير منار الأرض رواه مسلم» هذه جمل بينها رسول الله r لعلي رضي الله عنه فكتبها عنه علي وعلقها في سيفه، وكان يخرجها للناس، فمنها لعن الله من ذبح لغير الله، واللعن الطرد عن رحمة الله، وإذا رتب على فعل دل ذلك على أن ذلك الفعل من الكبائر، فمن ضوابط معرفة الكبيرة إذا رتب عليها لعن أو وعيد بنار، أو رتب عليها حد من حدود الله، لعن الله من ذبح لغير الله، من ذبح لغير الله أي تقرب بالذبح لغير الله، وهذا كما ذكرنا يدخل فيه الذبح على القبور ونحوها، لكن هل يدخل فيه ما ذبح للعظماء والكبراء مما لا يقصد للضيافة ونحو ذلك وإنما يقصد للتكاثر، فقد ذكر الشاطبي رحمه الله في الموافقات أن تعاقر الأعراب من أجل التجاود هو من هذا القبيل مما أهل به لغير الله وأنه يدخل فيه ما ذبح بحضرة السلطان والكبراء مما لا يقصد ذبحه للأكل وإنما يقصد ذبحه للتباهي فقد يأتي سلطان وهو فرد لا يستطيع أكل كثير من الذبائح فيذبح له الناس كثيرا من الذبائح فتكون مما أهل به لغير الله وتكون حراما داخلة في هذا القبيل، لعن الله من لعن والديه، هذه الجملة الثانية من الجمل الأربع وهي لعن من لعن والديه، وقد بين رسول الله r ذالك بقوله: يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه، وقد جاء عن علي رضي الله عنه في هذا الحديث بدل لعن الوالدين الانتساب لغير أبيه بلعن من انتسب إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه، الجملة الثالثة لعن الله من آوى محدثا، من آوى محدثا أي من ستر على مبتدع أحدث أمرا جديدا في الحرم، لأنه بين ذلك في قوله والمدينة حرم ما بين عائر إلى كذا أو إلى ثور من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، والمحدث هو الآتي ببدعة جديدة لم تكن معروفة في المدينة وليس كل مذنب محدثا ولا كل مبتدع محدثا هنا في هذا الحديث، وإن كانت البدعة جميعا تسمى إحداثا، لكن المحدث مشتق من الإحداث الذي هو الإتيان بشيء جديد لم يكن معروفا من قبل، الجملة الرابعة لعن الله من غير منار الأرض، من غير منار الأرض أي أزال بعض ما يستدل به الناس على الطريق ويهتدون به، فمن قطع شجرة تعرف بها الطريق، أو أزال حجرا تعرف به الطريق فقد سعى للإفساد في الأرض، وأفسد في الأرض بعد إصلاحها وقد حرم الله ذلك ونهى عنه في كتابه، فتغيير منار الأرض يقتضي ضياع الناس عن الطريق وإفساد مصالحهم، فلذلك لعن رسول الله r من فعله، وهذا لفظ مسلم في الصحيح، وقد أخرجه البخاري ومسلم أيضا بألفاظ أخرى عن أبي جحيفة السوائي رضي الله عنه قال: قلنا لعلي رضي الله عنه هل عندكم شيء تقرؤونه غير كتاب الله، فقال: والذي فطر النسمة وبرأ الحبة ما عندنا شيء نقرؤه غير كتاب الله وما في هذه الصحيفة أو فهما آتاه الله رجلا في كتابه، فأخرج صحيفة من قراب سيفه فإذا فيها العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر والمدينة حرم ما بين عير إلى ثور من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، ومن انتسب إلى غير أبيه أو تولى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، وهذا الحديث كتبه علي عن النبي  r فدل ذلك على جواز كتابة الحديث، وقد كان النبي r نهى عن كتابته، فقال: لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، ثم بعد ذلك أذن لبعض الناس في الكتابة فأذن لعبد الله بن عمرو أن يكتب كل ما سمع منه وأذن لأبي هريرة كذلك في الكتابة وقال: اكتبوا لأبي شاه وهو رجل من أهل اليمن شكى إليه أنه لم يحفظ خطبته، وسأل أن تكتب له، فأمر أن تكتب له، وكذلك كتاب علي هذا صريح في الإذن بكتابة الحديث، وقد أجمع الناس على كتابة الحديث فيما بعد، في أيام التابعين وأمر بذلك أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أمر بجمع الحديث وكتابته وتدوينه، لأنه علم أن النهي إنما كان لحكمة وهي خشية أن يدرج شيء من الأحاديث في القرآن كما حصل على النصارى حين أدرجوا كلام عيسى وكلام الحواريين في الإنجيل، أما بعد أن تقرر القرآن وحفظ في المصاحف والصدور ولم يعد ممكنا أن يختلط به شيء ليس منه فحفظ السنة من حفظ القرآن وكتابتها هي وسيلة حفظها، وقوله r في هذا الحديث: لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا، أي لا يقبل منه تركا ولا فعلا، فالصرف الترك والتروك يثاب عليها الإنسان والعدل العمل فيثاب عليه الإنسان أيضا، فمن كان مشركا لا يقبل منه الصرف ولا العدل، أي الترك ولا الفعل، «وعن طارق بن شهاب أن رسول الله r قال: دخل الجنة رجل في ذباب ودخل النار رجل في ذباب، قالوا وكيف ذلك يا رسول الله قال: مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا فقالوا لأحدهما قرب قال: ليس عندي شيء أقرب قالوا له قرب ولو ذبابا فقرب ذبابا فخلوا سبيله فدخل النار، وقالوا للآخر قرب فقال ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل فضربوا عنقه فدخل الجنة، رواه أحمد» هذا الحديث ضعيف وطارق بن شهاب لم يلق رسول الله r، وإن كان أسلم في حياة النبي r لكنه لم يأت المدينة إلا بعد موت رسول الله r، وقد جاء قبل دفن النبي r بعد موته قبل دفنه فحضر الصلاة على النبي r ودفنه، وهذا الحديث فيه دخل الجنة رجل في ذباب، أي بسبب امتناعه عن تقريب الذباب للصنم ودخل النار رجل في ذباب أي بسبب تقريبه ذبابا للصنم، قالوا كيف ذلك؟ وهذا يدل على أن العمل اليسير من الشرك سبب لدخول النار وأن العمل اليسير من الإيمان سبب لدخول الجنة، وكيف ذلك يا رسول الله، قال مر رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أي لا يتجاوزه أحد حتى يقرب له شيئا أي يمنعون الناس من تجاوزه حتى يقربوا له شيئا أي حتى يذبحوا له أي شيء من الحيوانات، فقالوا لأحدهما أي لأحد الرجلين قرب، أي قرب شيئا للصنم، قال: ليس عندي شيء أقرب أي أنه ما منعه من أن يتقرب للصنم بالذبح إلا أنه لا يملك، ولهذا قال ليس عندي شيء أقرب أي أقربه حذف المعمول هنا وهو المفعول لأنه فضلة، قالوا له قرب ولو ذبابا فقرب ذبابا، فهذا الرجل أقر بالشرك وإنما امتنع في الأصل من التقريب لأنه لا يملك فلما دلوه على تقريب الذباب قلدهم في ذلك الشرك ففعل فخلوا سبيله، أي أطلقوا سراحه وتركوه يجوز فدخل النار نسأل الله السلامة لأنه أشرك حين قرب للصنم ذبابا، وقالوا للآخر قرب فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا دون الله عز وجل، لا يمكن أن يقرب نسيكة لأحد دون الله عز وجل فضربوا عنقه أي قتلوه فدخل الجنة، لأنه صبر على الإيمان حتى قتل عليه، قال: \"فيه مسائل الأولى تفسير قوله قل إن صلاتي ونسكي\" وقد بينا ذلك، \"الثانية تفسير قوله: فصل لربك وانحر\" وقد اختلف الناس في معناها فقيل صل لربك صلاة العيد وانحر بعدها، فالنحر يكون بعد صلاة العيد في الأضاحي، والنحر المقصود به هنا الضحية مطلقا سواء كانت مما ينحر أو مما يذبح، وقيل المقصود صل لربك أي الصلاة الصلوات الخمس، وانحر أي الهدي ونحو ذلك مما يتقرب به إلى الله، وقيل وانحر أي اجعل يديك على نحرك في الصلاة أي القبض، وهذا من التفسير الغريب، \"الثالثة البداءة بلعنة من ذبح لغير الله\" فالأمور الأربعة التي هي سبب للعن في حديث علي أولهما لعن من ذبح لغير الله، قال: البداءة بلعن من ذبح لغير الله، \"الرابعة\" أي المسألة الرابعة \"لعن من لعن والديه ومنه أن تلعن والدي الرجل فيلعن والديك\" هذا هو تفسيره، وقوله هو ومنه أي أن أبلغ اللعن أن يباشر الإنسان لعن والديه مباشرة، فكل سب لهما محرم وقد قال الله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واللعن مناف لذلك، فإذا كان التأفيف منهيا عنه فمن باب أولى اللعن والسب والشتم وغير ذلك، \"الخامسة لعن من آوى محدثا\" لأنه مساعد له في إحداثه، وهو الرجل يحدث شيئا يجب فيه حق الله فيلتجئ إلى من يجيره من ذلك ليعطل حدود الله، أو يستر عليه حتى لا يقام عليه حد من حدود الله، أو حتى لا يخرج من المدينة \"السادسة لعن من غير منار الأرض\" ومنار الأرض منه ما هو أصلي كما خلق الله فيها من الأشجار والجبال ونحو ذلك مما تعرف به الطرق، ومنه ما هو وضعي أي ما يضعه الناس على الطرق من العلامات كالحجارة التي يجعلها الناس على الطريق فيجعلون بعضها فوق بعض لتكون منارا عليها، والمنار في الأصل مكان إيقاد النار وكان العرب يبحثون لها عن مكان مرتفع فيوقدونها فيه لتدل على مكانهم في الليل، وكانوا يسمون ذلك بنار الضيافة، وقد كان حاتم بن عبد الله الطائي يقول لعبد له:

والريح يا واقد ريح صر
إن جلبت ضيفا فأنت حر

 

أوقد فإن الليل ليل قر
عل يرى نارك من يمر

 وسمي المكان المرتفع منارا ومنه منارة المسجد فلا يوقد فيها النار لكن كل مكان مرتفع سمي منارا من هذا القبيل، وما يجعل على الأرض مما يبين الطريق فيها يدخل في هذا المنار وهو من الأمور الوضعية ولهذا قال امرؤ القيس:

إذا سافه العود النباطي جرجرا

 

على لاحب لا يهتدى بمناره

على لاحب أي طريق داثر، لا يهتدى بمناره، أي ليس له منار أصل حتى يهتدى به، ولهذا قال \"وهي المراسيم التي تفرق بين حقك من الأرض وحق جارك\" هذا تفسير لها و هو أن المقصود بمنار الأرض الحدود التي تكون بين الناس فيها فتغييرها غصب للأرض وسرقة منها، وقد جاء التحذير من غصب الأرض فقد صح عن النبي r أنه قال: من اغتصب شبرا أرضا طوقه من سبع أرضين يوم القيامة، وفي حديث أميمة مولاة رسول الله r أنه قال: ولا تزدد في تخوم فإنك تأتي يوم القيامة وعليك مقدار سبع أرضين، ومعنى التطويق إما أن يكون أن تجعل له قلادة كالطوق، مما اغتصبه من الأرض فيثقب الذي اغتصبه وما يقابله من سبع أرضين ويجعل طوقا في عنقه لا يستطيع القيام به ولا الحركة به يوم القيامة، وهذا تعذيب شديد أو أن تكون من الطوق الذي هو القدرة، معناه يطوقها أي تحمل عليه وتشد عليه فتكون كالأثقال والأعباء التي يحملها على ظهره وكل ذلك تعذيب شديد، وهي المراسيم التي تفرق بين حقك من الأرض وحق جارك \"فتغييرها بتقديم أو تأخير\" أي بتقريبها إليك أو إدخالها في أرض جارك لتأخذ شيئا من أرضه، وهذا التفسير الذي سلكه هو، أما التفسير الآخر وهو تغيير منار الأرض فقد جاء فيه عدد من الأحاديث التي تبين تحريم قطع الأشجار التي يهتدي بها الناس على الطرق وتغيير ما يكون منارا عليها، السابعة الفرق بين لعن المعين و لعن أهل المعاصي على سبيل العموم، فهذه الأحاديث فيها اللعن المطلق على أساس فعل معصية، وأما لعن المعين بذاته فلا يحل لعن غير إبليس من المعينين إلا من مات على الكفر كأبي جهل وأبي لهب، لأنه من أهل النار جاز لعنه، كمن مات على الكفر بقطع، وأما من هو حي من الكفار فلا يلعن إلا بالعموم كلعن اليهود والنصارى ولعن أهل الدولة الفلانية والمقصود بهم كفرتهم فلا يجوز لعن واحد منهم بعينه ما دام حيا لأنه بالإمكان أن يسلم، وإذا لعنته معناه أنك تدعو عليه بعدم الإسلام، ومع ذلك فللنبي r خصوصية في هذا القبيل فقد صح في الصحيح من حديث أم حرام رضي الله عنها أن النبي rأتاهم ولهم يتيمة فوضعت يدها على كتف النبي r فقال لعنك الله، فبكت أم حرام فقالت يا رسول الله أتلعن يتيمتي، قال: أما علمت العهد الذي بيني وبين ربي أن من لعنته ممن لا يستحق اللعن أن يجعل ذلك له رحمة، فهذا من خصائصه r فلا يكون لغيره، \"الثامنة هذه القصة العظيمة\" وهي قصة الذباب على فرض صحتها، وقد بينا الانقطاع الذي في الحديث، وما يؤخذ منها من الفائدة أن العمل اليسير بالنية يكبر ويصغر، ويؤخذ ذلك من أحاديث كثيرة منها قوله r: إن الرجل ليتكلم بالكلمة الواحدة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها سبعين خريفا في قعر جهنم، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة الواحدة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها درجات في الجنة، والعبرة بما في القلوب من ذلك فهي محل نظر الباري سبحانه وتعالى، ولكن ينظر إلى قلوبكم، \"التاسعة كونه\" أي كون هذا الرجل في القصة قصة الذباب دخل النار بسبب ذلك الذباب الذي لم يقصده بل فعله تخلصا من شرهم، لا هذا غير صحيح بل هو قصده، ولو كان لم يقصده وإنما فعله مكرها فلا يكفر بذلك لقول الله تعالى: {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم} فلا بد أن يكون قاصدا للكفر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


عدد مرات القراءة : 4885



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              21893083
المتواجدون الأن       11
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو