» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح المغنى المفيد الشريط الثامن




الثانية عشرة جده r بحيث فعل ما نسب بسببه إلى الجنون، فإنه r لما أنزل عليه وأنذر عشيرتك الأقربين دعاهم أجمعين حتى اجتمعوا حوله عند الصفا، فلما أخبرهم أنه النذير العريان وأنه نذير لهم بين يدي عذاب شديد، قال له أبو لهب تبا لك ألمثل هذا تجمعنا، فأنزل الله تعالى: ﴿تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب وكانوا يسألونه أبك جنون لأنهم لم يفهموا دعوته وأعرضوا عنها وعميت عنها قلوبهم، قال: وكذلك لو يفعله مسلم الآن في وقت غربة الإسلام لو صاح في الناس يدعوهم إلى ما دعا إليه رسول الله r لظنوه مجنونا، الثالثة عشرة قوله للأبعد والأقرب لا أغني عنك من الله شيئا فقد قال ذلك لمعشر قريش جميعا وهم المقصود هنا بالأبعد، ولعباس وصفية وفاطمة وهم المقصودون بالأقرب حتى قال يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا، فإذا صرح وهو سيد المرسلين بأنه لا يغني شيئا عن سيدة نساء العالمين وآمن الإنسان أنه لا يقول إلا الحق ثم نظر فيما وقع في قلوب خواص الناس الآن تبين له التوحيد وغربة الدين، تبين له التوحيد أي ندرته وقلته في الناس ،فإن الناس في زمانه يظن عوامهم أن النبي r يمكن أن يتصرف في شيء من الكون وأن أولياء الله كذلك يتصرفون في الأكوان منحا وعطاء ودفعا وتكفيرا للسيئات وشفاعة بغير إذن وكل ذلك باطل فهذا سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم يصرح بهذا عن نفسه وهو الصادق المصدوق ويجب تصديقه في كل ما قال.

\"باب قول الله تعالى: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير\" عقد هذا الباب لتفسير هذه الآية ولما يتعلق بذلك من التوحيد، فإن هذه الآية بينت أن الله سبحانه وتعالى إذا تكلم بالأمر من أمره أدى ذلك إلى التغشية على قلوب الملائكة من هول الأمر، فإذا فزع عن قلوبهم وزال عنهم الفزع قالوا: ما ذا قال ربكم، فيشهدون جميعا فيقولون قالوا الحق وهو العلي الكبير، في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان ينفذهم ذلك حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير، فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، وصفه سفيان بكفه، فحرفها وبدد بين أصابعه، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة، فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء» هذا الحديث فيه بيان لتفسير الآية فإن النبي r قال: «إذا قضى الله الأمر في السماء» أي تكلم به ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لله فغشي على الملائكة من هول ذلك الكلام لقوله خضعانا لقوله وذلة لقوله سبحانه وتعالى، كأنه سلسلة على صفوان، أي كأنما يغشى الملائكة من ذلك صوت السلسلة على الحجر الصلد ينفذهم ذلك أي يغشاهم ذلك حتى يؤثر عليهم هذا التأثير البليغ حتى إذا فزع عن قلوبهم أي أذهب عنها الفزع قالوا ماذا قال ربكم يسأل بعضهم بعضا فيجيبهم المقربون قالوا الحق وهو العلي الكبير فيخبر بعضهم بعضا بما قال الحق سبحانه وتعالى، فيسمعها مسترق السمع أي أن الشياطين الذين يسترقون السمع يركب بعضهم بعضا إلى أن يصلوا إلى عنان السماء فيستمعون إلى ملائكة السماء وهم يحدث بعضهم بعضا بما قال الباري سبحانه وتعالى، فقد يصل مسترق السمع إلى سماع الكلمة من أحد الملائكة، فإذا سمع كلمة واحدة ربما أدركه الشهاب قبل أن يبلغها فلا يُسمعها أحدا، وربما امتحن الله الناس بأن ينجيه من الشهاب حتى يقول تلك الكلمة للذين تحته، والذي تحته للذي تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فيلقيها ذلك على الناس فيكون فتنة عليهم فهذا الذي يطلعون عليه من الغيوب وهو فتنة حكمة تنزيلها أنها فتنة على الناس ليصدقوهم في صدقهم وكذبهم، فيسمعها أي يسمع الكلام بين الملائكة، بين ملائكة السماء أو ملائكة الفضاء مسترق السمع أي من الشياطين، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض، أي يركب بعضهم بعضا، وصفه سفيان وهو من رواة هذا الحديث سفيان بن عيينة بكفه فحرفها أي حرف يده وأمالها وبدد بين أصابعه جعل بعضها فوق بعض وفرقها، فيسمع الكلمة مما قاله الملائكة، فيلقيها إلى من تحته من الشياطين فيلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن، حتى يلقيها أي آخر واحد منهم على لسان الساحر أو الكاهن فالذي يتلقى عن الشياطين هو الكاهن ويسمى بالساحر أيضا لأن من يستغل الشياطين ويعملهم في مثل هذا التلبيس على الناس ساحر أيضا، والكاهن هو كل من يخالط الجن من الإنس، فربما أدركه الشهاب أي الذي يرمى به الشياطين فإنهم يرمون بالشهب كما قال الله تعالى: ﴿والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لواحد رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب إلا من خطف الخطفة وهي الاستماع إلى الكلمة من كلام الملائكة، فأتبعه شهاب ثاقب، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه الشهاب، وذلك امتحان من الله سبحانه وتعالى لعباده وفتنة لهم، فيكذب معها مائة كذبة، فهذه المائة فيها كلمة واحدة من الصدق مما سمعه الشيطان من الملائكة وتسع وتسعون كذبة معها، فيكذب الشيطان الملقي بهذا العدد من الكذب ثم يكذب بعد ذلك الكاهن بالزيادة على كذب الشيطان، فإذا أخبر بشيء من ذلك يقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء، فتلك الكلمة التي سمعت من كلام الملائكة يصدق بها في كذبه الكثير وهي نسبة واحد في المائة فقط مما أخبر به، وهذا من فتنة الله سبحانه وتعالى لعباده وله الحكمة البالغة في ذلك ﴿لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، والمقصود بالسماء هنا العلو مطلقا لأن السماء التي هي البناء محفوظة من الشياطين لا يمكن أن يصلوا إليها ﴿يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون بسلطان فإنما يستمع الشياطين إلى كلام الملائكة في العلو، وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال قال رسول الله r «إذا أراد الله أن يوحي بالأمر تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة أو قال رعدة شديدة خوفا من الله عز وجل، فإذا سمع ذلك أهل السماء صعقوا وخروا لله سجدا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل، فيقول جبريل: ﴿قال الحق وهو العلي الكبير فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل» هذا الحديث أيضا في صحيح البخاري وهو تفسير للآية السابقة وبيان للحديث السابق، فإن النبي r قال: إذا أراد الله أن يوحي بالأمر أي أن يتكلم بالأمر تكلم بالوحي أي تكلم بكلامه، فأخذت السماوات منه رجفة أي ترتعش منه السماوات لهوله، أو قال رعدة شديدة، خوفا من الله عز وجل وخضعانا لأمره واستسلاما له، فإذا سمع ذلك أهل السماء أي سمعوا رعدة السماء ورجفتها صعقوا وخروا لله سجدا من هول ذلك الأمر أيضا، فيكون أول من يرفع رأسه جبريل  معناه فيكون جبريل أول من يرفع رأسه لأنه أمين الوحي فيكلمه الله من وحيه بما أراد ثم يمر جبريل على الملائكة أي ملائكة السماوات كلما مر بسماء سأله ملائكتها، ماذا قال ربنا يا جبريل فيقول جبريل قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، كلهم يقولون قال الحق وهو العلي الكبير، فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل، ينتهي بالوحي أي بما أمر به من الوحي بتبلغيه إلى حيث أمره الله من الملائكة أو من الناس، الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، وفيه مسائل الأولى تفسير الآية الثانية وهي قوله تعالى: حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم، فزع عنها أزيل عنها الفزع، وتفسير الآية هو بالحديثين السابقين، الثانية ما فيها من الحجة على إبطال الشرك، فهذه الآية ويفسرها الحديثان يبينان أن المخلوق لا شيء له من أمر الله سبحانه وتعالى ولا مشاركة له في شيء من الأمر، فالملائكة المقربون الذين هم في السماوات يشتد بهم الفزع حتى يصعقون ويخرون لله سجدا من هول كلامه سبحانه وتعالى إذا تكلم بما أراد من وحيه، وهم جميعا خاضعون لسلطانه والسماوات نفسها ترتجف وترتعد هذه الرجفة الشديدة إذا تكلم بما شاء من وحيه، وجبريل أمينه على الوحي هو أول من يرفع رأسه من الملائكة من السجود لقول الله سبحانه وتعالى، وإذا سألوه أجابهم بهذه الكلمة، قال: الحق وهو العلي الكبير فيقولونها جميعا كلهم يقول مثل ما قال جبريل فهذا يدل على أن المخلوق لا يملك أي شيئ من أمر الكون وتدبيره بل كل ذلك إلى الله سبحانه وتعالى وحده، فلا ملك مقرب ولا نبي مرسل يملك لنفسه ولا لغيره أي نفع ولا ضر ولا أي تصرف في هذا الكون، ولهذا قال الثانية ما فيها من الحجة على إبطال الشرك خصوصا من تعلق بالصالحين واعتقد أن لهم شركا في الأمر فإذا سمع هذه الآية وأدرك حال الملائكة المقربين عمار السماوات السبع زال عنه ذلك الشرك بالكلية، لذلك قال: وهي الآية التي قيل إنها تقطع عروق شجرة الشرك من القلب، فإنها تقتضي أن يدرك الإنسان البون بين ما يملكه المخلوق وما يملكه الخالق، والتفريق بين حق الخالق والمخلوق، الثالثة تفسير قوله تعالى: ﴿قالو الحق وهو العلي الكبير وكل ذلك شهادة من الملائكة للحق سبحانه وتعالى أنه قال الحق وهو سبحانه وتعالى الحق ومن أصدق من الله قيلا ومن أصدق من الله حديثا، فهم جميعا يشهدون بذلك ولو لم يعلموه فجبريل يقوله وكل ملك يقول ما قال جبريل من ذلك، الرابعة سبب سؤالهم عن ذلك لأن ملائكة السماوات يسألون جبريل ماذا قال ربنا، وسبب سؤالهم عن ذلك ليس تطلعا إلى الغيب بل ليعلموا ما كلفوا به من ذلك فيؤدوه، الخامسة أن جبريل يجيبهم بعد ذلك بقوله قال كذا وكذا، لأنه قال: فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل، ولأن الحديث الأول فيه استماع الشياطين فالشياطين إنما يستمعون إلى كلام الملائكة ما يحدث به بعضهم بعضا من ذلك، السادسة ذكر أن أول من يرفع رأسه جبريل وهذه منزلة عالية لجبريل ورفع لقدره، السابعة أنه يقول لأهل السماوات كلهم لأنهم يسألونه، فجميع أهل السماوات يسألونه، وهم بهذا العدد الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، فكل سماء ما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك لله فيه ساجد أو راكع، والسماوات بهذه المسافة الشاسعة، وما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض، وعرض كل سماء كذلك سمك كل سماء كذلك، الثامنة أن الغشي يعم أهل السماوات السبع فأهل السماوات جميعا يغشى عليهم من هول كلام الخالق سبحانه وتعالى، التاسعة ارتجاف السماوات السبع لكلام الله سبحانه وتعالى، العاشرة أن جبريل هو الذي ينتهي بالوحي إلى حيث أمره الله فهو أمين الله على الوحي، والمبلغ عنه له، الحادية عشرة ذكر استراق الشياطين للسمع وما يصل إليهم من العلم عن طريق ذلك وأنه فتنة وامتحان لمن يبلغه من الناس، الثانية عشرة صفة ركوب بعضهم بعضا وقد بينه سفيان حين حرف يده وبدد بين أصابعه، فيركب بعضهم بعضا حتى يصل  أعلاهم إلى سماع كلام الملائكة، الثالثة عشرة إرسال الشهب وأنهم يرجمون بها، فهي الرجوم التي يرجم بها الشياطين، ﴿وجعلناها رجوما للشياطين الرابعة عشرة أنه تارة يدركه الشهاب قبل أن يلقيها وتارة يلقيها في أذن وليه من الإنس أو على لسانه قبل أن يدركه الشهاب وذلك فتنة وامتحانا من الله سبحانه وتعالى فلا يفوته، ولا يدرك الشهاب إلا من أذن الله في إدراكه ولا يفوت إلا من أذن له بفوته، الخامسة عشرة كون الكاهن يصدق في بعض الأحيان فيخبر ببعض المغيبات عن طريق الشيطان الذي أخبره من مسترق السمع ويكون ذلك فتنة ليصدقه الناس في باطله حين رأوه صدق في بعض ما أخبر به، السادسة عشرة كونه يكذب معها مائة كذبة فنسبة الصدق ضئيلة يسيرة فيما يخبرون به، السابعة عشرة أنه لم يصدق كذبه إلا بتلك الكلمة التي سمعت من السماء فكانت فتنة فإذا سمعها الناس وعرفوا أنه صدق فيها صدقوه فيما عداها، الثامنةعشرة قبول النفوس للباطل فهم يتعلقون بالكلمة الواحدة ولا يعتبرون بمائة، فكونه يكذب عليهم مائة كذبة لا يقتضي منهم ذلك شكا في كلامه، لأنه صدق في مرة واحدة، التاسعة عشرة كونهم يتلقى بعضهم من بعض تلك الكذبة ويحفظونها ويستدلون بها، فتصبح رواية مسلمة وهذا سبب من أسباب الكذب وهو الغلو في الصالحين وفي أهل الخير، فما يروى عنهم من الحكايات والخوارق والأمور لا يناقش في صدقه ولا يتشكك فيه أحد ولا يسأل عن إسناده بل ينتشر بين الناس وكل من سأل عن إسناده يعتبر منكرا وتوجه إليه السهام، وأيضا فإن كل قصصهم وحكاياتهم تصبح أدلة يستدل بها على الأحكام، فيجعلها الناس بمثابة الأدلة كأنها وحي منزل، العشرون إثبات الصفات خلافا للأشعرية المعطلة، العشرون أي المسألة العشرون أوالفائدة العشرون، من فوائد هذا الباب إثبات الصفات لله سبحانه وتعالى، ومنها الكلام اللفظي، الذي تضمنته الآية والحديثان بعدها، فذلك من صفات الله سبحانه وتعالى الثابتة له التي أثبتها لنفسه وأثبتها له رسوله r خلافا للأشعرية في تأويلهم لها والمعطلة كان اللازم أن يقول للأشعرية والمعطلة وهم نفاة الصفاة وهم المعتزلة والجهمية، فالجهمية ينكرون النص أصلا، والمعتزلة ينكرون معناه، والأشعرية يثبتونه لكنهم يؤولونه فليسوا من المعطلة بهذا المعنى بل جمهورهم من المؤولة، الحادية والعشرون أن تلك الرجفة والغشي إنما كان خوفا من الله سبحانه وتعالى، فرجفت السماوات خوفا منه، وهكذا كل البهائم وكل ما لا يعقل، فإن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون فالخلائق العظيمة الكبيرة التي لا يساوي الإنسان أي شيء منها، تصل إلى هذا المستوى من خشية الله وخوفه فكيف لا يخافه الإنسان وكيف لا يخشاه وكيف لا يخشع لكلامه، الثانية والعشرون أنهم يخرون لله سجدا، فهم يسجدون له سبحانه وتعالى إذعانا لأمره وانقيادا لحكمه فيسجدون له تعظيما له.

\"باب الشفاعة\" عقد هذا الباب للشفاعة عند الله سبحانه وتعالى، وذلك لبيان ما يمكن أن يقع من المخلوق من الشفاعة وما لا يمكن أن يقع منه فإن الله سبحانه وتعالى لا يمكن أن يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ولا يشفع عنده إلا لمن أذن له، فالشفاعة يمكن أن تقع من المخلوق في من أذن الله في الشفاعة له، وإنما تقع ممن أذن الله له بالشفاعة، وأصل الشفاعة التثنية يقال: شفعه بعد أن كان وترا، فكأن الإنسان الذي خرج فردا يريد قضاء حاجته خرج معه الشافع له فكانا اثنين بدل أن كان في الأصل وترا مفردا صار شفعا، وذلك باعتبار الوجاهة، قال \"باب الشفاعة وقول الله عز وجل ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع\" وأنذر به أي أنذر بالقرآن الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم وهم المؤمنون فإنهم جميعا يخافون أن يحشروا إلى ربهم أي يخافون المحشر ويعلمون أنهم محشورون إليه سبحانه وتعالى فيخافون ذلك الموقف وهم الذين ينذرون، أما من سواهم فلا تنفعهم النذارة لقول الله تعالى: ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم وقال تعالى: ﴿فذكر إن نفعت الذكرى سيذكر من يخشى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى والناس في النذارة والدعوة والذكرى على أربعة أقسام، القسم الأول من لا يتحملها أصلا ويفر منها كما يفر من الأسد  وهم المشركون الذين قال الله فيهم، ﴿فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة وقال تعالى: ﴿ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى القسم الثاني الذين يتحملون سماعها بآذانهم ولكن آذانهم غير أمينة فلا توصلها إلى القلوب وهم المنافقون الذين قال الله فيهم: ﴿ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا، أولئك الذين طبع الله على قلوبهم القسم الثالث الذين يفصلون فيها فيقبلونها من بعض الناس دون بعض، فإذا ذكرهم من يعرفونه ويعجبون بشكله أو نسبه وحسبه قبلوا منه النذارة والتذكير وإذا ذكر آخر أعرضوا عنه ولم يستمعوا إليه وهؤلاء هم مرضى القلوب الذين اتصفوا بصفة أهل مكة وأهل الطائف عند بعثة النبي r حين قالوا: ﴿لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون والنوع الرابع الذين يستمعون الذكرى من كل أحد فينتفعون بما يستمعون فيقبلون الصحيح منه ويردون الفاسد، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿فإن الذكرى تنفع المؤمنين وقال فيهم: ﴿فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب وقال فيهم ﴿والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا لهذا قال: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع فهؤلاء ليس لهم من الله ولي يوالونه ويدعونه من دون الله، وليس لهم من دون الله شفيع يتكلون عليه في الاستشفاع والوساطة والتوسل، بل يدعون الله سبحانه وتعالى ويعلقون به آمالهم وحوائجهم ويرفعونها إليه وليس لهم من دونه ولي ولا شفيع، وقوله: ﴿قل لله الشفاعة جميعا فقد أثبت الله سبحانه وتعالى أن الشفاعة له وحده جميعا، فليس لأحد منها شيء إلا من أعطاه الله ذلك وأذن له به، وقوله: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه أي لا أحد يشفع عنده إلا بإذنه، إلا بإذنه له في الشفاعة وبإذنه بالشفاعة في المشفوع أيضا، وقوله: وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، وكم من ملك كم هنا خبرية ومعناها التكثير، معناه أن عددهم كثير جدا، كم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم أي لا تصدر أصلا فنفي الإغناء هنا نفي لأصل الشفاعة مثل قول امرئ القيس:

إذا سافه العود النباطي جرجر

 

على لاحب لا يهتدى بمناره

فهنا قال: لا يهتدى بمناره أي ليس له منار حتى يهتدى به فكذلك هنا لا تغني شفاعتهم شيئا أي لا تصدر أصلامنهم شفاعة، إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء في الشفاعة، ويرضى الشفاعة لمن يشفعون له، ولهذا قال في الآية الأخرى، ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون وقوله: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبيرلو قال: قل ادعوا الذين زعمتم من دونه من الملائكة والجن والصالحين وغير ذلك من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له سبحانه وتعالى منهم من ظهير أي معين، ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له، حتى إذا فزع عن قلوبهم عند إذنه وكلامه قالوا ماذا قال ربكم؟ قالوا الحق وهو العلي الكبير، \"قال أبو العباس\" يقصد به شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله\" نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره ملك أو قسط منه أو أن يكون عونا لله ولم يبق إلا الشفاعة فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب\" لأنه سبحانه و تعالى في هذه الآية قال: ﴿قل ادعوا الذي زعمتم من دونه لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض فنفى الملك، ثم نفى الشرك فيه، وما لهم فيهما من شرك، ثم نفى المعونة فقال: وما له منهم من ظهير، ثم ذكر ما هو من حقهم من الشفاعة وما ليس من حقهم فقال: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له فبين أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كما قال: ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى، وهم من خشيته مشفقون فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن لأن المشركين يظنون أن أولياءهم يشفعون لهم وينقذونهم حتى من مشاهد الساعة ومن عرصات جهنم، ويظنون أنه بمجرد حضور أولئك الصالحين أو الأنبياء أو الملائكة فإن ذلك يكون سببا لنجاتهم من عذاب الله وهذا الظن باطل، فإن الأنبياء يقولون في المحشر نفسي نفسي رب لا أسألك إلا نفسي والنبي r على الصراط واقف على مرقبة منه يقول: اللهم سلم سلم، ودعاء الأنبياء يومئذ اللهم سلم سلم، كما نفاها القرآن وأخبر الني r أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده لا يبدأ بالشفاعة أولا، بل لا يبدأ بها إلا بعد أن يؤذن له، فيقال يا محمد ارفع رأسك وقل يُسمع واسأل تعطه واشفع تشفع وقال له أبو هريرة من أسعد الناس بشفاعتك؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه، فهنا بين أن الشفاعة لا تنفع إلا المؤمنين إلا من كان من أهل الإيمان والإخلاص، فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله ولا تكون لمن أشرك بالله، فمن أشرك بالله لا يأذن الله له هو في أن يشفع له ولا يؤذن للشافع في أن يشفع له، فلا يمكن أن ينتفع بالشفاعة، وحقيقته أي حقيقة الأمر أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع لهم، وذلك أنه إذا أراد أن يغفر لمن شاء من عباده أذن للشافعين في الشفاعة رفعا لمنزلتهم وقدرهم وقد كان قدر المغفرة للمشفوع له، وهذا يفهم من قوله r اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء، قال: إني أؤخر الأمر وأنا أريد أن أفعله رجاء أن يشفع فيه، بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع، ليكرمه وينال المقام المحمود عنده سبحانه وتعالى، فلذلك رفع قدر النبي r بقبول شفاعته في الشفاعة الكبرى، والشفاعات اللاحقة، والشفاعات يوم القيامة متعددة، فكبراها ووسطاها وصغراها من خصائص النبي r، فالكبرى هي الشفاعة في أهل المحشر جميعا مؤمنهم وكافرهم برهم وفاجرهم في الخروج من المحشر إما إلى جنة وإما إلى نار وهي الشفاعة الكبرى والمقام المحمود الذي ادخر الله له، ويدخل في شفاعته آدم ومن دونه، الشفاعة الصغرى الشفاعة في الكافر الذي مات على الكفر في تخفيف العذاب عنه وهي مختصة بالنبي r شفاعة لعمه أبي طالب فقد سأله العباس إن عمك أبا طالب كان يدافع عنك فهل نفعته فأخبره أنه شفع فيه حتى خفف عنه العذاب فيقف في ضحضاح من نار وفي رواية أخمصاه على جمرتين من نار يغلي منهما دماغه وهذا الحال هو أخف أهل النار عذابا وهو يظن أنه لا أحد أشد منه عذابا. الشفاعة الوسطى هي شفاعته لأهل الجنة بدخول الجنة، فهو أول من يحرك الحلقة فيؤذن لأهل الجنة بشفاعته في دخولها أما الشفاعات الأخرى فمنها الشفاعة في إخراج أهل الإيمان من أهل المعاصي من النار، فإن أهل المعاصي من أهل الإيمان يدخل بعضهم النار فيخرجون منها بشفاعة الشافعين من الملائكة والأنبياء والصالحين، ومنها كذلك الشفاعة في رفع منزلة من كانت منزلته متدنية في الجنة فيرتفع بالشفاعة إلى مقام أعلى من المقام الذي يستحقه، ومنها كذلك الشفاعة لبعض أهل الجنة بجمع شمله بذريته من المؤمنين، وقد قال الله تعالى: ﴿والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء وذلك بشفاعتهم فالرجل يشفع في مثل ربيعة ومضر يوم القيامة.، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، أي ما كان للمخلوق فيها ملك وتصرف أما ما كان بإذن الله فهو مثل ما يأذن الله فيه من التصرفات للمخلوقين، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع من كتابه، وقد بين النبي r أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص لأنه عندما سأله أبو هريرة من أسعد الناس بشفاعتك قال: من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه هؤلاء هم الذين يسعدون بشفاعة النبي r، وفيه مسائل الأولى تفسير الآيات وقد سبق بيانه، الثانية صفة الشفاعة المنفية وهي ما كان للمخلوق فيه شرك وما كان بغير إذن الله، والثالثة صفة الشفاعة المثبتة وهي ما كان بإذن الله بعد رضاه، وكان لمن آمن وأخلص لله، الرابعة ذكر الشفاعة الكبرى وهي المقام المحمود هي شفاعة رسول الله r في الخلائق جميعا في المحشر إما إلى جنة وإما إلى نار، الخامسة صفة ما يفعله النبي r من أنه يخر ساجدا تحت العرش  وأن الله يلهمه ذكرا لا يحسنه الآن ولم يذكره به أحد وثناء لم يثن به أحد عليه فيثني به على الله عز وجل، فحينئذ يقال له ارفع رأسك وقل يسمع واسأل تعطه واشفع تشفع فلو كان يملك تلك الشفاعة لبدأ بها دون أن يخر ساجدا لله ودون أن يثني عليه بما هو أهله من الثناء، فإذا أذن له شفع حينئذ، السادسة بيان من أسعد الناس بشفاعته r، وهنا قال: من أسعد الناس بها، لا يقصد حينئذ بها أي بهذه الشفاعة لأن هذه هي الشفاعة الكبرى، يدخل فيها المؤمن والكافر والبر والفاجر وإنما يقصد بذلك شفاعته في الخروج من النار وشفاعته في دخول الجنة، فهذه الشفاعات التي أسعد الناس بها أهل الإيمان والإخلاص، السابعة أنها لا تكون لمن أشرك بالله، فمن أشرك بالله سبحانه وتعالى ومات على الشرك لا يمكن أن يشفع له ولا تنفعه الشفاعة ولا تقبل شفاعة أحد له، الثامنة بيان حقيقتها أي بيان حقيقة الشفاعة وقد سبق تعريفها وبيان أنها إنما تكون توسطا بدعاء من رضي الله سبحانه وتعالى وأذن له في الشفاعة لمن أذن أن يشفع له.

\"باب قول الله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت عقد هذا الباب للهداية ولقول الله تعالى إنك لا تهدي من أحببت، وهذا نفي لقدرة النبي r على هداية التوفيق، فقد أثبت الله له القدرة على هداية الإرشاد في قوله: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ونفى عنه القدرة على هداية التوفيق فقال: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء في الصحيح عن ابن المسيب عن أبيه قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله r وعنده عبد الله بن أبي أمية وهو ابن أخته، وأبو جهل عمرو بن هشام، فقال له: «يا عم قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي r فأعادا، فكان آخر ما قال: هو  على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، فقال النبي r لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فأنزل الله عز وجل: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين وأنزل الله في أبي طالب ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء فهذا الحديث فيه بيان حرص النبي r على هداية عمه وسعيه لذلك ووعده له بأن يستغفر له، وفيه حرص المشركين كذلك على إغواء الناس وبقائهم على شركهم، فإن النبي r أتى أبا طالب عندما حضره الموت وعنده ابن أخته عبد الله بن أبي أمية أخو أم سلمة أم المؤمنين رضي الله عنها لأبيها، وعنده أبو جهل عمرو بن هشام فقال له: يا عم، خاطبه بهذا الكلام المؤدب ليكون ذلك أدعى للقبول: «قل لا إله إلا الله» وبين له أهمية هذه الكلمة فقال: كلمة أحاج لك بها عند الله، فقالا له: أي قال له عبد الله وأبو جهل أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي r ويظهر من هذا الحديث أنه إذا كلمه النبي r قبل منه ومال إليه فإذا كلماه قبل منهما ومال إليهما، لأنه قال: فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، كان ذلك آخر ما قاله في تلك المحاورة، وعنده العباس بن عبد المطلب وكان أقرب إلى النبي r منه فلما غرغر قال كلمة سمعها العباس ولم يسمعها النبي r، فقال: يا رسول الله والله لقد قالها، فقال النبي r ما سمعتها، النبي r هو الشهيد وإنما يشهد على ما علم وسمع، وما كان بعد حصول الغرغرة لا ينفع صاحبه، ومحاجة النبي r بها أي أن يكون ذلك سببا لشفاعته يوم القيامة فقالا له أي قال له عبد الله وأبو جهل أترغب عن ملة أي دين عبد المطلب وهو أبوه، وهذا يدل على ترسخ وتجذر التقليد في الناس، فالناس يتعصبون لما كان عليه آباؤهم مطلقا، ولهذا أرشد الله سبحانه وتعالى لاتباع ملة إبراهيم فقال: ﴿ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل فالتصريح بأبوته مخاطبة للعاطفة، وكذلك في قوله تعالى في قصة يوسف: ﴿واتبعت ملة آبائي فهذا من الكلام العاطفي الذي يقتضي تمام التمسك بالدين الذي ورثه الإنسان عن آبائه وأسلافه، وأبى أن يقول لا إله إلا الله أي في آخر كلامه لأنه قال: هو على ملة عبد المطلب قال عن نفسه هو على ملة عبد المطلب، فقال النبي r لأسألن لك المغفرة ما لم أنه عنك معناه ما لم أنه عن الاستغفار لك فنهي، إذ أنزل الله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وذلك بالموت على الكفر، ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه، فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه وكذلك فإن الله سبحانه وتعالى بين أن الاقتداء بإبراهيم هو في كل شيء إلا في استغفاره لأبيه إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك، وأنزل الله في أبي طالب أي أن ذلك كان أنزل فيه إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، فقد أحبه رسول الله r لقربه منه ولدفاعه عنه، فأنزل الله فيه إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء، قال: فيه مسائل، الأولى تفسير إنك لا تهدي من أحببت، أي هداية توفيق، والهداية كما ذكرنا قسمان هداية إرشاد وهداية توفيق، فهداية الإرشاد النصيحة بإبداء الطريق وتقع ببعثة الرسل وبتبليغهم لرسالات ربهم، وهداية التوفيق هي أن يأخذ الله بناصية عبده ليلزمه طريق الحق والاستقامة، ولا يمكن أن تتصور إلا من الله سبحانه وتعالى، وهداية التوفيق هي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين وهداية الإرشاد هي المذكورة في قول الله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى وهداية الإرشاد أثبتت القدرة عليها للنبي r في قول الله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم وهداية التوفيق نفيت عنه القدرة عليها في قول الله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء الثانية تفسير قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى وهذا يقتضي البراءة المطلقة من المشركين أحياء وأمواتا ولو كانوا أولي قربى، الثالثة وهي المسألة الكبرى أي التي جلب من أجلها هذا في هذا الباب قوله أي قول النبي r لأبي طالب قل لا إله إلا الله، فإنه r يرشد أبا طالب إلى القناعة بلا إله إلا الله وبنفي الشريك وبالكفر بكل ما كان يعبده من دون الله في تلك اللحظة بخلاف ما عليه من يدعي العلم يقصد في زمانه هو من الذين كانوا يدعون العلم ومع ذلك يمارسون كثيرا من الشركيات وينقضون ما يقولونه إذا قالوا لا إله إلا الله نقضوا ذلك بما يفعلونه، الرابعة أن أبا جهل ومن معه يعرفون مراد النبي r أنه إن قال لا إله إلا الله فمعنى ذلك الكفر بكل الطواغيت وإنكارها، وذلك يقتضي الخروج من ملة عبد المطلب، يعرفون مراد النبي r إذا قال للرجل قل لا إله إلا الله، قال الشيخ \"فقبح الله من أبو جهل أعلم منه بأصل الإسلام\" هذا رد على المنكرين عليه من معاصريه في دعوته إلى التوحيد، فإنهم كانوا يرون أن الناس يقولون لا إله إلا الله، ولو عملوا بما يخالفها ويضادها فإنها تقبل منهم، فأبو جهل هنا أعلم منهم بمقتضى لا إله إلا الله لأنه يعلم أن من قال لا إله إلا الله اقتضى ذلك منه الكفر بكل الطواغيت، الخامسة جِدُّهُ r ومبالغته في الحرص على إسلام عمه، في إسلام عمه أي في الحرص على إسلام عمه، فقد كان حريصا على هداية الناس أجمعين، وقد وصفه الله بذلك في قوله: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم وقال تعالى: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا وقال: ﴿فلعلك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين وبالأخص حرصه على إسلام أبي طالب فهو عمه، وقد كان يحبه حبا شديدا وهو الذي تولى تربيته والعناية به بعد موت عبد المطلب ثم قام بنصرته بعد ذلك وحمايته بعد أن جاءته الرسالة من عند الله، السادسة الرد على من زعم إسلام عبد المطلب وأسلافه، فإن بعض الناس يزعم أنهم جميعا من المسلمين ويستدلون بقول الله تعالى: ﴿وتقلبك في الساجدين وهذه الآية ليست صريحة في الاستدلال وهذا الحديث صريح في ملة عبد المطلب هي الشرك وأن أبا طالب مات على ذلك وليس ذلك نقصا في النبي r ولا أذى له كما يزعم بعض الناس، فإن الأنساب كلها منقطعة كما قال الله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون وقد أخبر الله سبحانه وتعالى ببراءة إبراهيم من أبيه وأنه تبين له أنه عدو لله، والنبي r أيضا قال ذلك في حق أبيه، ففي صحيح مسلم أن أعرابيا سأله أين أبي فقال: «في النار» فلما أدبر دعاه فقال: «إن أبي وأباك في النار» وكذلك في حق أمه فإنه r سأل الله أن يأذن له في الاستغفار لها فلم يأذن له، وسأله أن يأذن له في زيارة قبرها فأذن له فيه فرجع من عند قبرها يبكي، السابعة كونه r استغفر له فلم يغفر له، بل نهي عن ذلك، اختلف هل استغفر له بالفعل أو لم يستغفر له، لأنه وعده بأن يستغفر له إن لم ينه عنه، وقد نهي عنه فهل استغفر قبل النهي أم لا، من المعلوم أنه لن يستغفر بعد النهي لكن هل استغفر قبل النهي محل خلاف، وقد استغفر لابن أبي حتى أنزل عليه ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره، الثامنة مضرة أصحاب السوء على الإنسان فقرناء السوء هم الذين يصرفون الإنسان عن الإيمان في أحرج لحظات حياته فيمنعونه من الإيمان، التاسعة مضرة تعظيم الأسلاف والأكابر بتقليدهم على الباطل، والعاشرة الشبهة للمبطلين في ذلك لاستدلال أبي جهل به فكذلك المبطلون دائما يستدلون بما كان عليه الأسلاف، الحادية عشرة الشاهد لكون الأعمال بخواتيمها لأنه لو قالها لنفعته، والثانية عشرة التأمل في كبر هذه الشبهة في قلوب الضالين المضلين لأن في القضية أنهم لم يجادلوه إلا بها مع مبالغته r وتكريره فلِأَجْل عظمتها عندهم ووضوحها اقتصروا عليها ولم يجادلوه بغيرها، بل قالوا: أترغب عن ملة عبد المطلب وهم يعرفون أن الخطاب عاطفي.

\"باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين\" عقد هذا الباب لبيان أن سبب كفر بني آدم أي في كثير من الأحيان وتركهم دينهم أي تبديلهم دينهم وتغييرهم لما جاء به الرسل هو الغلو في الصالحين فهو أحد الطرفين الرذيلين المحيطين بالفضيلة وهما الإفراط والتفريط، فالغلو هو الإفراط، وضده التفريط والتقصير، فهذان الطرفان محيطان بفضيلة التمسك بالدين، والتوسط فيه، والغلو تجاوز الحد، والصالحون جمع صالح وهو من صلحت المعاملة بينه وبين الله وبين الناس، فيدخل فيهم الأنبياء وغيرهم، وقول الله عز وجل ﴿يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم فهذا خطاب من الله سبحانه وتعالى لأهل الكتاب ينهاهم فيه عن الغلو في الدين وتجاوز الحد المشروع فيه، وذلك الخطاب خطاب لنا نحن لأنه أقر في كتابنا وتعدد الخطاب به لأهل الكتاب، فكان ذلك خطابا لنا نحن أيضا، في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله تعالى: وقالوا ﴿لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا قال هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ففعلوا، ولم تعبد حتى إذا هلك أولئك ونسي العلم عبدت، هذا الأثر عن ابن عباس رضي الله عنهما، في تفسير قول الله تعالى في قصة نوح عليه السلام ونذارته وقالوا: لا تذرن آلهتكم، أي قال أصحاب نوح عندما دعاهم نوح إلى التوحيد وترك الشرك، قالوا لا تذرن آلهتكم أي لا تتركوا أصنامكم، ولا تذرن ودا ولا سواعا وهذه المذكورات هي من آلهتهم ولكن ذكرها هو من ذكر الخاص بعد ذكر العام الذي يفيد مزية في الخاص في زعمهم، ولا تذرن ودا قرئ بالفتح والضم وهما قراءتان سبعيتان وَدا ووُدا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق بصيغة الفعل المضارع ونسرا وقد أضلوا كثيرا، أي هؤلاء الأصنام، قال ابن عباس: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، أي كانوا من قبل في قوم نوح، فلما هلكوا وقد كان هلاكهم قبل نوح لأنهم عبدوا قبل بعثته فجاء داعيا إلى ترك عبادة هؤلاء وإخلاص العبادة لله، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أي أمرهم بذلك أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا، وهي تماثيل هؤلاء القوم، فجعلوها من الحجارة وسموها بأسمائهم فكل واحد منهم جعل له تمثال وأقيم في مجلسه، فكانوا يتبركون به وجعلوه ذكرى لذلك الرجل الصالح، ففعلوا ولم تعبد أي لم تعبد تلك الأنصاب والتماثيل حتى إذا هلك أولئك أي الذين أقاموها وهم يعرفون تاريخها ويعرفون أنهم الذين نحتوها، ونسي العلم، أي نسي أمر الدين وبدأ الاختلال فيه مع طول الوقت عبدت أي تلك التماثيل من دون الله، قال ابن القيم قال غير واحد من السلف، لما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم، نقل ذلك ابن القيم عن غير واحد من السلف في التفسير أن هولاء لما ماتوا لما مات هؤلاء الرجال الصالحون عكفوا على قبورهم أي عكف أصحابهم على قبورهم تبركا بها وتقربا إليها واعترافا بصلاحهم ثم صوروا تماثيلهم تخليدا لهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم عندما ماتت الأجيال التي تعرف ذلك وبقيت أجيال نشأت على احترام هذه التماثيل وتقديسها فهي التي عبدتها وعن عمر أن رسول الله r قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» هذه الأصنام التي كانت عند قوم نوح ذهبت في الطوفان واختفت في الأرض ثم استخرجها إبليس فأتى بها عمرو بن لحي الخزاعي جد خزاعة فأمره بإحيائها والدعوة إليها فوزعها في أحياء العرب فكانوا يعبدونها بعد ذلك وهو أول من أحيى الشرك في جزيرة العرب بعد اندثار ملة إبراهيم وإسماعيل، وعن عمر رضي الله عنه أن رسول الله r قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله» أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، وهنا يقول الرسول r لا تطروني أي لا تبالغوا في مدحي حتى تتجاوزوا الحد الذي هو الصدق، فالرسول r متصف بالكمال الممكن في حق البشر، فقد جعله الله أكمل البشر وأتمهم حالا وأحبهم إليه وأرفعهم قدرا عنده، ولكن ذلك مقصور على الممكن في حق البشر، فليس متصفا بشيء من شأن الإلهية، وإطراؤه تجاوز الحد به بوصفه بما ليس فيه، وهذا ما كثر في هذه الأمة في عصورها المتأخرة، فقد أصبح كثير من المداح الذين يظنون أنهم يتقربون إلى الله بالثناء على رسوله r يتجاوزون الحد في الإطراء والمدح بما لم يرد عن رسول الله r ولم يرد به نص، والرسول r يكفيه من الفضل ما فيه، ولا يمكن أن يزاد عليه إلا بما هو من حدود الإلهية وحقوقها، وحدود الإلهية وحقوقها لا يمكن أن يوصف بها البشر، ولذلك لاحظوا الغلو في قول المادح: «ما أرسل الرحمن أو يرسل** من رحمة تصعد أو تنزل** في ملكوت الله أو ملكه** من كل ما يختص أو يشمل** إلا وطه المصطفى عبده** نبيه مختاره المرسل** واسطة فيها وأصل لها** يعلم هذا كل من يعقل» فهذا الإطراء و الغلو لم يرد به نص ولا هو ممكن عقلا ولم يقله رسول الله r عن نفسه ولا أحد من أصحابه وهم أدرى به، ولا أحد من التابعين لهم بإحسان، وإنما أوحى به الشيطان إلى المتأخرين فأصبحوا يتنافسون في المبالغات فيه بما لم يأذن به الله ولم يرد عن رسوله r ولا عن أحد من الذين يعرفونه، فالرسول r أعرف الناس به أصحابه الذين صحبوه، وهم أشد الناس احتراما له ومعرفة لحقه، فقد كانوا يتبادرون لأمره وإذا تكلم كأنما على رءوسهم الطير وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه وكانوا يحترمونه بحيث لا يستطيع عدد منهم النظر إلى وجهه ولو سئلوا أن يصفوه لما استطاعوا كما قال عمرو بن العاص رضي الله عنه، فما عدا ذلك مما وقع فيه المتأخرون هو من الغلو الذي ليس عليه دليل ولا تقوم عليه حجة، ولم يأذن به الله وقد نهى عنه رسول الله r حين قال: لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فالنصارى أطروا المسيح لأنهم أصبحوا يتفننون فيما لا يمكن أن تبلغه العقول ويصفونه به حتى أوصلوه إلى أنه ابن الله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، ويكفي أن يؤمنوا أنه عبد  الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الله خلقه من غير أب وأنه تكلم في المهد وأنه كان يحيي الموتى بإذن الله ويبرئ الأكمه والأبرص ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ويحدث بني إسرائيل بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم، وأن الله اجتباه برسالاته وخصه بالإنجيل فهذا كاف من رفع قدره والثناء عليه بما هو أهله، أما تجاوز ذلك فهو من الغلو المذموم الذي يوصله إلى حد الإلهية نسأل الله السلامة والعافية، وهو جاء بالدعوة إلى ترك الشرك والخروج منه فكيف يتخذ هو شركا لله عز وجل وكذلك رسولنا r فقد جاء لتحطيم الأصنام وإزالة كل ما يعبد من دون الله في هذه الأرض فكيف يتخذ هو ندا لله وينسب إليه ما هو من حقوق الله المحضة، فلهذا قال r: إنما أنا عبد أي عبد لله عز وجل فقولوا عبد الله ورسوله، وهذا أبلغ ثناء على المخلوق أن يثنى عليه بأنه عبد الله، ولذلك فإن الله أثنى بذلك على محمد r في مقام الثناء والمدح عندما قال: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى فأثنى عليه بالعبودية الخالصة لله وحده، ورسوله، وهذا الثناء الأعظم فأعظم وصف في حق البشر مقام الرسالة فهو أسمى المقامات وأعلاها، والرسول r إمام الرسل وخاتمهم، وقال: قال رسول الله r إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو، هذا نهي منه r عن الغلو وبيان أن الذين كانوا من قبلنا أهلكهم الغلو في الدين والتنطع فيه، فكل تجاوز للحد المشروع في الاعتقاد أو في العبادة أو في الأقوال أو الأعمال فهو من الغلو في الدين الذي يقتضي الخروج عن التوحيد إلى الشرك نسأل الله السلامة والعافية، ولمسلم عن ابن مسعود أن رسول الله r قال: هلك المتنطعون، قالها ثلاثا، فالرسول r هنا إما أن يكون مخبرا بهلاك المتنطعين وهم الذين تجاوزوا الحد وبالغوا في أمر الدين، وإما أن يكون قد دعا عليهم ودعاؤه مستجاب وخبره صدق، فهذه الجملة إما أن تكون خبرا فخبره الصدق وإما أن تكون دعاء فدعاؤه مستجاب، ومعنى هلك المتنطعون إن كانت خبرا أنهم قد وقعوا في الشرك الذي هو سبب الهلاك في الدنيا والآخرة، وإن كانت دعاء أي يدعو الله أن يهلكهم لما أتوا به من الفساد في الدين حين تنطعوا فغلوا في الدين، قال: \"فيه مسائل\": الأولى أن من فهم هذا الباب وبابين بعده يتعلقان بقبور الصالحين والعبادة عندها تبين له غربة الإسلام أي في زمانه هو عندما كان الناس يعكفون على القبور ويطوفون حولها، ويلتمسون منها قضاء الحوائج ويقصون عليها الأخبار كأن أصحاب القبور يسمعون والله سبحانه وتعالى يقول لرسوله r: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون ويقول: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين ويقول: ﴿وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير وقد أصبح كثير من الناس يتمسكون بحديث القليب فإن النبي r لما وضع قتلى بدر في القليب خاطبهم فقال: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقا فقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا» فقال له عمر: يا رسول الله ما تكلم من هؤلاء النتنى، أي كيف تكلمهم وقد ماتوا وانتفخوا، فقال رسول الله r «ما أنتم بأسمع منهم لما أقول» فإن ذلك إنما هو من عذاب القبر فقد عذبهم الله بتوبيخ النبي r لهم وبإقامته الحجة عليهم، كما أنه امتحن الموتى بسؤال الملائكة فالموتى يسمعون كلام الملكين ملكي السؤال، فكذلك سمع هؤلاء الموتى كلام رسول الله r، أسمعهم الله إياه ولم يسمعهم إياه رسول الله r، أسمعهم الله ذلك تعذيبا لهم وإهانة، فلا يمكن أن يقاس على هذا سماع الموتى لكلامنا نحن، فإن من بيننا وبينهم برزخا كما قال الله تعالى: ﴿ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون والبرزخ الحائل فقد حيل دونهم والسماع في الأبدان إنما يكون بالآذان وقد أكلتها التراب، وتغيرت أحوالهم بالكلية فلا يمكن أن يسمعوا إلا ما أسمعهم الله وما أسمعهم الله يبلغهم إياه حيث كانوا، في أي مكان ولا يختص بقبورهم ولا بوجودنا عندها، فلهذا قال: «أن من فهم هذا الباب وبابين بعده تبين له غربة الإسلام، ورأى من قدرة الله وتقليبه للقلوب العجب» فإن الأصل أن القلوب على الفطرة وعلى الدين المستقيم ولكنها مع طول الأمد تتقلب وتأخذ في الغلو والإفراط أو في التفريط والتحلل حتى تترك الدين بالكلية نسأل الله السلامة والعافية، فلهذا شرع لنا الحرص على الثبات على الدين والتمسك به وسؤال الله سبحانه وتعالى واللجاء إليه في التمسك بالدين والثبات عليه، الثانية معرفة أول شرك حدث في الأرض وهو الغلو في الصالحين أنه بشبهة الصالحين أي بشبهة الغلو في الصالحين وتقديرهم الذي انقلب إلى تقديس مع الأجيال الثالثة أول شيء غير به دين الأنبياء هو الشرك بعبادة هؤلاء حين أوحى الشيطان إلى أوليائهم بأن يتخذوا لهم تماثيل ثم بالغلو في تلك التماثيل حتى عبدت من دون الله مع معرفة أن الله أرسلهم، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام أرسلهم الله واصطفاهم واجتباهم لكن الناس يغلون فيهم بعد موتهم، فمن الغريب أن بني إسرائيل يغلون في رسلهم بعد أن كانوا يكذبونهم في حياتهم ويقتلون بعضهم، وقد قتلوا زكريا ويحيى وأهدوا رأس يحيى إلى بغي منهم وحاولوا قتل المسيح بن مريم وصلبه فرفعه الله إليه وشبه لهم، ومع ذلك يغلون فيهم هذا الغلو بعد موتهم: «لا ألفينك بعد الموت تندبني** وفي حياتي ما زودتني زادا» الرابعة قبول البدع مع كون الشرائع والفطر تردها، أي ذيوع قبول البدع فإن عليها شياطين يدعون إليها ويزينونها للناس، فكل بدعة نشأت عليها شيطان يدعو إليها كما بين النبي r في المثال الذي ضربه لهذا الصراط المستقيم الذي تركنا عليه، بأنه طريق بين سورين وفي السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور وفي كل باب شيطان يدعو إليه وفوق السورين داع الله يقول يا عبد الله لا تلج الباب فإنك إن تلجه لم تخرج منه، فهذه البدع هي بنيات الطريق يمينا وشمالا وهي الأبواب المفتحة التي عليها الستور وكل من دخل بابا منها صعب خروجه منه.

 

 


عدد مرات القراءة : 4245



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              21108808
المتواجدون الأن       12
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو