» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح المغنى المفيد الشريط التاسع




وهذه البدع هي بنيات الطريق يمينا وشمالا، وهي الأبواب المفتحة التي عليها الستور، وكل من دخل بابا منها صعب خروجه منه بعد ذلك، وفي كل باب منها شيطان يدعو إليه ويزينه للناس فإذا تمسك به الناس وأخذ به عدد منهم أصبح سنة لديهم وأصبح منكره منكرا للسنة، فحينئذ يظنون المنكر معروفا والمعروف منكرا ويتمسكون بذلك المنكر، مع كون الشرائع والفطر تردها، مع كون الشرائع أي المنزلة من عند الله جمع شريعة والفطر جمع فطرة وهي ما فطر الله الناس عليه من سلامة المعتقد وصدق التوجه في العبادة إلى الله تردها أي ترد تلك البدع، الخامسة أن سبب ذلك كله مزج الحق بالباطل، فالأول محبة الصالحين والثاني فعل أناس من أهل العلم شيئا أرادوا به خيرا فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره، فالبدعة في الاعتقاد والبدعة في العمل كلتاهما سببها هذا الترك لبعض الدين بمزج الحق بالباطل، فالأولى وهي ترك التوحيد والغلو في الصالحين بنيت على أمر حق وهو محبة الصالحين ومحبة كل من أحب الله وعبده، وهذا حق ثم تجووز فيه الحق وتعدي إلى أن يصل إلى تقديسهم، بوصفهم بما ليس فيهم والغلو فيهم حتى يوصل ذلك إلى عبادتهم من دون الله نسأل الله السلامة، وأما الثاني وهو البدع في الدين فأصلها قصد التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، فيفعل ذلك بعض الناس دون أن يدعو إليه ودون أن يظهره للناس، فيتمسك به آخرون ويظنون أنه تكميل للدين وأن الدين كان ناقصا قبله فيدعون إليه وينشرونه بين الناس، فالأول محبة الصالحين والثاني فعل أناس من أهل العلم شيئا أي عبادة أرادوا به خيرا فظن من بعدهم أنهم أرادوا به غيره أنهم أرادوا به تكميلا للدين وأنه ناقص قبله فيدعون إليه، السادسة تفسير الآية التي في سورة نوح، وذكر هذه الأسماء التي فيها، ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا السابعة جِبِلة الآدمي في كون الحق ينقص في قلبه والباطل يزيد، أي أن ابن آدم عرضة لأن ينقص الحق في قلبه وأن يزيد الباطل لأن القلوب كلها تعرض على الفتن كأعواد الحصير عودا عودا، ولا يسلم من الفتن إلا من سلمه الله منها وأمنه نسأل الله السلامة منها، نسأل الله السلامة من جميع الفتن ما ظهر منها وما بطن، وابن آدم ليس في مأمن من تلك الفتن وقد حفت النار بها فقد صح عن النبيr أنه قال: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» وفي رواية حجبت الجنة بالمكاره وحجبت النار بالشهوات، والفتن في طريق الحق هي التي تصرف الذين لا يرتضي الله خدمتهم للدين عن طريق الحق، وقد قال تعالى: ﴿سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا وقال تعالى: ﴿يؤفك عنه من أفك أي يصرف عن طريق الحق من علم الله صرفه، وقال تعالى: ﴿ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة، ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين، لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين، يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير فلهذا يتقبل القلب المفتون الفتنة فينقص الحق فيه ويزداد الباطل، الثامنة، فيه شهادة لما نقل عن السلف أن البدعة سبب الكفر، وقد جعل الله سبحانه وتعالى الدين مدرجا، فالآداب والمندوبات سياج دون السنن، فمن تركها هان عليه ترك السنن، والسنن سياج دون الفرائض فمن تركها هان عليه ترك الفرائض، والفرائض سياج دون أصل الإيمان فمن ترك شيئا من الفرائض سهل عليه ترك أصل الإيمان، ومثل ذلك في جانب النهي أيضا، فما كان من خلاف الأولى والمكروهات فهو سياج دون الصغائر والصغائر سياج دون الكبائر والفواحش، وتلك سياج دون الكفر، فمن تجاسر على المكروه وخلاف الأولى تجاسر على الصغائر، ومن تجاسر على الصغائر تجاسر على الكبائر والفواحش، ومن تجاسر على الكبائر والفواحش تجاسر على الكفر نسأل الله السلامة والعافية، وفي هذا يقول العلامة محمد مولود بن أحمد فال رحمه الله في ذكر المندوبات: «فالمتهاون بها يبلى بأن** يؤول أمره إلى ترك السنن** والمستخف بأداء السنن** عمدا بإهمال الفرائض مُنِيَ**» مُنِيَ أي بلي، التاسعة معرفة الشيطان بما تؤول إليه البدعة، ولو حسن قصد الفاعل، فالشيطان يسر بالبدعة حتى لو كان صاحبها محسنا في الاعتقاد محبا لله محبا للتقرب إليه، فلذلك يُسَر الشيطان بالبدعة لعلمه بمآلها وأن الناس سيحرفون بها الدين ويغيرونه، ولهذا قال الشاطبي رحمه الله في تعريف البدعة: عبارة عن طريقة في الدين مخترعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله، فَصاحبها الأول الذي اخترعها يقصد المبالغة في التعبد لله، العاشرة معرفة القاعدة الكلية وهي النهي عن الغلو ومعرفة ما يؤول إليه فإن النبي r نهانا عن الغلو مطلقا، وبين أنه هو الذي أهلك من قبلنا، فقال: إياكم والغلو فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو، وكذلك فإن الله سبحانه وتعالى نهى أهل الكتاب عن الغلو في دينهم، وذلك لما يؤول إليه من ترك الدين، فصاحب الغلو عرضة لأمرين، إما أن يتجاوز الحد فيصل إلى الشرك، وإما أن ينقطع ويَنْبَتَّ دون الوصول إلى الحق، ولذلك قال r: اكلفوا من الأعمال ما تطيقون، وقال أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة، وقال: فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى، وقال فأوغلوا فيه برفق، وقال: إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، كل هذا يقتضي ترك الغلو ونبذه، ومن هنا فالناس في العلم والعمل عرضة لهذا الغلو وعرضة أيضا للتفريط، والتوسط بين الجانبين هو الطريق المستقيم، الذي يفرط في جانب العلم ربما أدى به ذلك إلى تكفير الناس وتبديعهم، والإيغال في الجزئيات، وترك كليات أخرى تحتاج إليها الأمة ويُحتاج إليها في بقاء الدين، وهكذا في مقابله الذي يُفَرِّط يتراجع عن أمور أساسية يُحتاج إليها ويتنازل عن كثير من أمور الدين التي لا غنى به عنها، والمطلوب هو التوسط في الدين وعدم الإفراط فيه ولا التفريط، الحادية عشرة مضرة العكوف على القبر لأجل عمل صالح، فإن ذلك ذريعة إلى الشرك، فإنما أذن رسول الله r في زيارة القبور لحكمة واضحة وهي أنها تذكر الآخرة، فإذا رأى الإنسان القبور وتذكر بها الآخرة وعلم أن أصحابها قد انقطعوا عن هذه الدنيا وانقطعوا عن الأعمال الصالحة وخُتِمَ على صحائفهم، وهم محبوسون هنالك ينتظرون الخروج إلى المحشر، وقد ختم على صحائف أعمالهم وانقطعت أخبارهم ولا يُدرَى هل هم في نعيم أو في عذاب، فالقبر إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار، وما من أحد جاء بعد انقطاع الوحي إلا يرجى له ويخاف عليه، فلا نستطيع أن نجزم بأن أحدا بعد انقطاع الوحي مُنَعَّم في قبره ولا معذب إلا من مات على الكفر نسأل الله السلامة والعافية، فأهل الإيمان جميعا عرضة للرجاء والخوف، فنحن نرجو لهم بإيمانهم وما عملوه من الأعمال الصالحة، ونخاف عليهم سيئاتهم، ولا يمكن أن نطلع على شيء من أخبارهم، فإنما ذلك إلى الله سبحانه وتعالى فهو الذي يبلو سرائرهم وتعرض عليه أعمالهم ﴿يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ونحن يخفى علينا كثير من الخفايا، ومن هنا فلا نقدس الناس بل نقدر من ظهر لنا منه الصلاح ولا نتجاوز فيه حد التقدير فلا نقدسه بل نعلم أنه عرضة للقبول وللرفض، فحتى لو رأينا منه أعمالا صالحة كأمثال الجبال نعلم أنه مع ذلك عرضة لئلا يتقبل الله منه وعرضة لسوء الخاتمة نسأل الله السلامة والعافية، وعرضة أيضا للقبول ولحسن الخاتمة ونظن به ظن الخير ونرجو له ولكن مع ذلك لا نجزم بشيء لأن الأمر كله عرضة للقبول والرفض، وهذا ما بينه الرسول r عندما سمع الثناء على صاحبه عثمان بن مظعون رضي الله عنه عند موته فبين أنه هو r ما يدري ما يفعل به قال: ﴿ما أدري ما يفعل بي ولا بكم وبين أنه يرجو لعثمان أن يكون قد غفر الله له وأن يكون إلى خير ولكن مع ذلك لا يستطيع الجزم إلا بما أوحي إليه من ربه، فلذلك العكوفُ على القبور والتردد عليها والتخطف بين الأجداث والتمسح بها كُلُّهَا ذو ضرر عظيم على الإيمان، فزيارة القبور المشروعة هي بمجرد رؤيتها حتى يتذكر الإنسان الآخرة، كما سيأتي إن شاء الله، فلا تُعمَل عندها الأعمال الصالحة لا صلاة ولا ذكر ولا قراءة قرآن ولا غير ذلك إنما يُسلِّم عليها الإنسان بما ورد عن النبي r ويدعو لأهلها ثم ينصرف، الثالثة عشرة معرفة النهي عن التماثيل، والحكمةِ في إزالتها، فإن هذه التماثيل كانت مؤثرة في القلوب والناس يقدسونها ويقدرونها، ويتركها الأجيال للأجيال لاستمرارها، فلذلك نُهِيَ عن نحتها وبين النبي r الخطر في ذلك فبين أن من صَوَّرَ ذا روح عُذِّب يوم القيامة حتى ينفخ فيه الروح وما هو بنافخ، وأن الله سبحانه وتعالى: يقول لهم يوم القيامة «أين المضاهون لخلقي فليخلقوا ذرة فليخلقوا شعيرة» وهم أشد الناس عذابا يوم القيامة، وكذلك أمر بطمسها وإزالتها فكل الأصنام التي كانت بجزيرة العرب أرسل إليها من يكسرها ويُحْرِقها ويغير هيأتها، الثالثة عشرة معرفة شأن هذه القصة وشدة الحاجة إليها مع الغفلة عنها، وهي قصة أصحاب نوح فالناس محتاجون إليها وإلى معرفتها ليعرفوا بداية طريق الضلالة فبدايات الطريق إذا عرفت اقتضى ذلك الهرب منه من بُعْدٍ قبل سلوك هذا الطريق الذي يؤدي إلى الشرك نسأل الله السلامة والعافية، \"الرابعة عشرة وهي أعجب وأعجب قراءتهم إياها في كتب التفسير والحديث ومعرفتهم بمعنى الكلام، وكون الله حال بينهم وبين قلوبهم فاعتقدوا أن فعل قوم نوح أفضل العبادات واعتقدوا أن ما نهى الله ورسوله عنه فهو الكفر المبيح للدم والمال\" يقصد أن معاصريه الذين ينكرون الدعوة إلى التوحيد ويرون الحفاظ على المشاهد والقبور والمزارات وقد سلكوا طريقة قوم نوح في عبادة هذه القبور، مع ذلك يقرءون كتب التفسير فيقرءون فيها هذه القصة ولكن حيل بينهم وبين فهمها فلا هم ينتفعون بها فقد حيل بينهم وبين قلوبهم، والله سبحانه وتعالى يحول بين المرء وقلبه، كما أخبر عن نفسه، وهؤلاء حيل بينهم وبين قلوبهم حتى اعتقدوا أن فعل قوم نوح هو أفضل العبادات فتقربوا بذلك إلى الله، واعتقدوا أن ما نهى الله عنه ورسوله يقصد أن ما أمر الله به ورسوله هو الكفر المبيح للدم والمال، ما أمر الله به ورسوله من إزالة تلك المظاهر ومن إخلاص التوحيد لله ظنوا أنه هو الكفر المبيح للدم والمال فظنوا أن كل من غير شيئا من تلك المشاهد وكسر شيئا من تلك القباب والتماثيل فإنه قد كفر فيستبيحون دمه وماله بسبب ذلك وما هذا إلا فتنة فتنوا بها نسأل الله السلامة والعافية، \"الخامسة عشرة التصريح بأنهم لم يريدوا إلا الشفاعة\" فإن الذين يدعون أولئك الصالحين من دون الله يصرحون بأنهم إنما يريدون شفاعتهم عند الله، وقد أخبر الله بذلك في كتابه في قوله: «والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» \"السادسة عشرة ظنهم أن العلماء الذين صوروا الصور أرادوا ذلك\" أي أرادوا التقرب بها إلى الله، وبداية الأمر لم يكن كذلك فالذين صوروا الصور إنما قصدوا مجرد الذكرى والعبرة بحال أولئك الصالحين السابقين، ولكن ذلك كان سببا للغلو فيهم وتجاوز الحد بعبادتهم، \"السابعة عشرة البيان العظيم في قوله r لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنه r هو الناصح لأمته المبين للحق المبين\" فهنا نهى عن إطرائه وحتى عند موته حذر من اتخاذ قبور الأنبياء مساجد، وذكر أن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وحذر من ذلك، فصلوات الله وسلامه عليه فقد بلغ البلاغ المبين، \"الثامنة عشرة نصيحته إيانا بهلاك المتنطعين\" أي أنه أخبرنا بهلاك المتنطعين إن كان ذلك اللفظ خبرا، أو بين لنا بدعائه عليهم إن كان دعاء حتى لا نكون منهم، \"التاسعة عشرة التصريح بأنها لم تعبد حتى نسي العلم\" فبداية الأمر لا يكون فيه عبادتها بل يكون فيه مجرد تقديرها واحترامها، ثم بعد ذلك يموت ذلك الجيل الذي شهد إنشاءها وحضرها فتصبح تراثا لدى الآخرين وتدخل في كيانهم وحينئذ تصل إلى حد التقديس ثم إلى حد العبادة، فعندما ينسى العلم إما علمها هي أو علم الدين، العلم بشأنها هي وتاريخها، أو العلم بالدين فحينئذ يصلون إلى درجة عبادتها نسأل الله السلامة والعافية، ففي هذه الفائدة بيان معرفة قدر وجوده ومضرة فقده، أي معرفة قدر وجود العلم، أي أن العلم به يهتدى إلى التوحيد وإلى طريق الحق، وأن فقده ذو ضرر عظيم لأنه الذي يؤدي إلى الشرك، \"العشرون أن سبب فقد العلم موت العلماء\" وذلك هو قبض العلم، فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي r قال: «إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، ولكن يقبضه بموت أهله حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا فاستفتوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.»

\"باب ما جاء في التغليظ فيمن عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده\" أي عبد ذلك القبر، «في الصحيح عن عائشة رضي الله عنها أن أم سلمة رضي الله عنها ذكرت لرسول الله r كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله» هذا الحديث جاء من طرق كثيرة وفيه أن أم سلمة وأم حبيبة وكانتا من المهاجرين إلى الحبشة هاجرتا الهجرتين إلى الحبشة ثم هاجرتا إلى المدينة، فحدثتا رسول الله r عن كنيسة رأتاها بالحبشة تسمى مارية، وما فيها من التماثيل والصور، ولما حدثتا رسول الله r بذلك قال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا، فيجعلون قبره وثنا فبداية الأمر أن يتخذ مسجدا فقط لعبادة الله تخليدا له وتقديرا له، ثم بعد ذلك يصورون فيه تلك الصور ثم بعد هذا إذا مات الذين صوروها والجيل الذين أدركوا ذلك جاءت الأجيال الأخرى فغلت فيه وعبدته، قال: بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله، هم أشد الناس عداوة لله، فهم شرار الخلق عند الله لأنهم الذين أشركوا بالله، قال: \"فهؤلاء جمعوا بين فتنتين فتنة القبور وفتنة التماثيل\" فالقبور نفسها يفتن بها كثير من الناس والتماثيل التي توضع عليها يفتن بها كثير من الناس أيضا، وكلتاهما يقصد بها تخليد المقبور والتبرك به، \"ولهما\" أي للبخاري ومسلم \"عنها\" أي عن عائشة رضي الله عنها قالت: «لما نزل برسول الله r طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها فقال: وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يُحَذِّرَ ما صنعوا ولولا ذلك أبْرِزَ قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا أخرجاه» في الصحيحين، فهنا تحدث عائشة رضي الله عنها عن حال شهدته من حال النبي r، فقالت: لما نُزل برسول الله r أي نَزل به الموت، طفق يطرح خميصة له على وجهه، أي جعل يستر وجهه بخميصة له، أي ثوب فإذا اغتم بها أي سدت النفس كشفها، أي رفعها عن وجهه، فقال وهو كذلك أي في ذلك الحال في حال الاحتضار لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فبين أن لعنة الله حلت على اليهود والنصارى وبين سبب ذلك أن من أسبابه أنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا أي يحذرنا نحن أن نصنع بقبره هو ما صنعه اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم، ولولا ذلك أبرز قبره، أي لولا ذلك التحذير الذي قاله أبرز قبره، أي لأَبْرَزَ الصحابة قبرَه، وقد دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها ولم يبرز قبره ودفن معه الصديق وعمر ولم يبرز قبر واحد منهم، فلم يكن عند رأس أي أحد منهم حجر ولا شيء يدل عليه، وعندما جدد الوليد بن عبد الملك بناء المسجد وحفر لأساسه انهار بعض أطراف حجرة عائشة، فخرجت ركبة وساق أحدهم، فاجتمع الناس يظنونها ركبة رسول الله r حتى عرفها بعض القوم أنها ركبة عمر بن الخطاب وهو آخرهم دفنا وكان آخِرَهم إلى جهة الشمال، وقد انهارت الغرفة من جهة الشرق والشمال، فلم يميز قبره r بأي تمييز خشية أن يتخذ مسجدا، لأنها قالت: ولوا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجدا، أنه خُشِيَ أي خَشِيَ أصحابه أن يتخذ مسجدا مع طول الزمان، ومع غربة الدين وجهالة الناس به، أن يتخذ مسجدا أي أن يقدر فيعبد الله عنده، ثم بعد ذلك يؤدي ذلك إلى عبادته هو، أولمسلم عن جندب بن عبد الله قال: سمعت النبي r «يقول قبل أن يموت بخمس، إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك» فهذا الحديث صرح فيه النبي r بأمرين عظيمين، الأول قوله: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فليس للنبي r وصي ولا ولي خاص من المؤمنين فكلهم أولياؤه، فالنبي r مبعوث إلى الأمة كلها وهو ولي المؤمنين كلهم وهم أولياؤه، وقد قال قبل موته بخمس هذا الكلام البليغ إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فرد على كل صاحب خُلَّتَهُ، فإن الله قد اتخذني خليلا، فبين أن الله عز وجل قد اتخذه خليلا فهذا أعلى مقام للمخلوقين كما اتخذ إبراهيم خليلا، وقد جاء ذلك في القرآن: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا، بين إعذارا أنه لو كان سيتخذ خليلا من هذه الأمة لاتخذ أبا بكر خليلا فهو الصديق الذي صدقه حين كذبه الناس، وهذا تنويه لشأن أبي بكر ورفع لقدره ومكانته لكنه ليس وصية له بالخلافة ولا وصية له بشيء من الأمر بعده، وإنما هو بيان لفضل أبي بكر ومنزلته في المؤمنين فهو أفضل أصحاب النبي r وأحقهم بالخلافة بعده، لفضله لا لوصيةٍ عَهِد بها النبي r إليه، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، هذه المسألة الثانية وهي أن من كان قبلنا من اليهود والنصارى كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فحذر من اتخاذ القبور مساجد، وأهم تلك القبور قبره r فإني أنهاكم عن ذلك، فختم ذلك بنهيه r عن ذلك وقد بين الله سبحانه وتعالى أن نهيه r مُلْزِمٌ فقال: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا فحذر مما نهى عنه رسول الله r \"فقد نهى عنه في آخر حياته ثم إنه لعن وهو في السياق من فعله\" نهى عنه أي عن اتخاذ القبور مساجد في آخر حياته في آخر عهده بهذه الدنيا، \"ثم إنه لعن وهو في السياق\" عند الاحتضار والموت مَن فعله، \"والصلاة عندها من ذلك\" فالصلاة عند القبور من اتخاذها مساجد لأن المسجد معناه مكان الصلاة، \"وإن لم يبن مسجد\" فمجرد أن يصلى عندها أو عليها، هو من اتخاذها مساجد \"وهو معنى قولها\" أي قول عائشة رضي الله عنها خشي أن يتخذ قبره r مسجدا المقصود أن يصلي الناس عنده، \"فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجدا\" وهذا وإن كان لا يختص بالصحابة فالخشية مستمرة في الأمة، المقصود بذلك فقد خشي الصحابة أن يتخذ من يأتي بعدهم قبره مسجدا، ومن المعلوم أنهم لو كانوا أبرزوه بأنواع من الإبراز لاتخذه من جاء بعدهم مسجدا ولازداد الغلو فيه، \"وكل موضع قصدت الصلاة فيه، فقد اتخذ مسجدا\" كل موضع قصد للصلاة وكان يصلى فيه فقد اتخذ مسجدا، \"بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا\" فالمسجد الحرام هو ما حول الكعبة وإن كان غير مبني، فالنبي r لم يبن فيه شيئا ولا بني في أيام الخلفاء الراشدين إنما كانوا يصلون في المطاف الذي يحيط بالكعبة، وقد قال الله فيه: ﴿واتخِذوا من مقام إبراهيم مصلى فقد اتخذ مسجدا ومصلى ولم يبن فيه شيء، فدل ذلك على أن كل مكان اتخذ للصلاة فهو مسجد، \"بل كل موضع يصلى فيه يسمى مسجدا كما قال r جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا\" لكن ذلك العُمُوم لا يَرِدُ هنا فالأرض كلها مسجد بمعنى جواز الصلاة فيها، إلا ما ورد النهي عنه بخصوصه منها، ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعا، «إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد» فهذا الحديث بين فيه النبي r شرار الناس، فمن شرارهم الذين تدركهم الساعة أحياء فلا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق، لأن أهل الإيمان تقبض الريح الطيبة أرواحهم في آباطهم، في آخر الزمان، فلا يبقى إلا شرار الناس يتهارجون كما تتهارج الحمر فأولئك الذين تقوم عليهم الساعة وهم شرار الناس، والذين يتخذون القبور مساجد فهم أيضا من شرار الناس عند الله عز وجل، وقد ثبت في هذا حديثان آخران أحدهما شاهد للشق الأول والثاني شاهد للشق الآخر، فالأول يبقى بعد ذلك حفالة أو حثالة كحفالة الشعير لا يباليهم الله باله وهم شرار الناس وعليهم تقوم الساعة كما ثبت ذلك في حديث المسيح بن مريم، كذلك آخر هذا الحديث وهو الذين يتخذون القبور مساجد يشهد له الحديث السابق، من حديث عائشة في قصة أم سلمة وأم حبيبة عندما وصفتا الكنيسة التي رأتا بأرض الحبشة، فإن النبي r قال في الحديث أولئك شرار الخلق عند الله، قال \"فيه مسائل الأولى ما ذكر الرسول r في من بنى مسجدا يُعْبَدَ الله فيه عند قبر رجل صالح ولو صحت نية الفاعل\" فإنه يعتبر من شرار الخلق لأنه قد فتح ذريعة الشرك وسعى للغلو في الناس وسعى لهدم التوحيد، \"المسألة الثانية النهي عن التماثيل وغلظ الأمر في ذلك\" لما فيها من الغلو في الناس وتقديسهم ولأنها ذريعة للشرك وإذا طال الأمد فقد تعبد من دون الله، \"الثالثة العبرة في مبالغته r في ذلك كيف بين لهم هذا أولا ثم قبل موته بخمس قال ما قال ثم لما كان في السياق\" أي في النزع عند الموت \"لم يكتف بما تقدم\" بل حذر أيضا منه فكل ذلك يدل على بيانه r لخطر هذا الأمر وعظم الضرر المترتب عليه، فلم يكتف بشيوعه وذيوعه في أصحابه، بل قاله قبل موته بخمسة أيام أعلنه للناس ثم عند السياق والنزع أعلنه أيضا، \"الرابعة نهيه عن فعله عند قبره قبل أن يوجد القبر\" فإنه نهاهم أن يتخذ قبره مسجدا، ودعا الله أن لا يفعل ذلك، فقال: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، فكل ذلك قبل أن يموت هو وقبل أن يدفن قبل أن يكون له قبر احتياطا أن يفعل ذلك، \"الخامسة أنه من سنن اليهود والنصارى في قبور أنبيائهم\" لأن النبي r بين ذلك وبين أنهم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح اتخذوا قبره مسجدا وسُنَنُهم حذرنا منها رسول الله r وبين أن في هذه الأمة من يركبها ويتبعها، \"السابعة أن مراده r تحذيرُه إيانا من اتخاذ قبره مسجدا\" وفي هذا التركيب الذي ذكره هنا ضعف في اللغة حيث قال: تحذيره إيانا عن قبره المقصود من اتخاذ قبره مسجدا، فإنه r حذرنا من ذلك وهذا مراده من قوله لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فالمقصود تحذيرنا نحن من أن نتخذ قبر نبينا مسجدا، \"الثامنة العلة في عدم إبراز قبره\" وهي ما بينته عائشة رضي الله عنها من أنهم لم يبرزوا قبره لأنهم خَشُوا أن يتخذ مسجدا فهذه هي العلة، \"التاسعة في معنى اتخاذه مسجدا\" وهو أن يصلى عنده فهذا معنى اتخاذه مسجدا وليس معنى ذلك البناء عليه.

\"العاشرة أنه قرن بين من اتخذها مسجدا وبين من تقوم عليهم الساعة\" فجعلهم جميعا من شرار الخلق، \"فذكر الذريعة إلى الشرك قبل وقوعه مع خاتمته\" أي خاتمة الشرك، وبين أن بداية الشرك هي الغلو في الصالحين، ونهايته أولئك الذين تقوم عليهم الساعة فهم شرار الناس لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، \"الحادية عشرة ذكره في خطبته قبل موته بخمس الردَّ على الطائفتين اللتين هما شر أهل البدع\" فإنه r بين في خطبته الرد على المتشيعين والروافض في اتخاذه خليلا ووصيا، وبين كذلك الرد على الذين يتخذون قبره مسجدا من الغلاة، فكل ذلك رده r وبينه فالحديث في خطبته هذا جامع للرد على هاتين الطائفتين المنحرفتين، فلذلك قال: \"ذكره في خطبته قبل موته بخمس الرد على الطائفتين اللتين هما شر أهل البدع بل أخرجهم بعض أهل العلم من الثنتين والسبعين فرقة وهما الرافضة والجهمية، وبسبب الرافضة حدث الشرك وعبادة القبور، وهم أول من بنى عليها المساجد\" \"والثانية عشرة ما بلي به r من شدة النزع\" فإنه r كان يتألم ما لا يتألم غيره، وذلك لقوة بدنه ولزيادة أجره، فيوعك كما يوعك الرجلان، أي حُمَّاه كحُمَّى الرجلين، وقد بين أن الله سبحانه وتعالى إذا أحب عبدا ابتلاه، وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل الأمثل، \"الثالثة عشرة ما أكرم به من الخلة\" فإن الله أكرمه بالخلة وأطلعه على ذلك قبل موته، فأعلنه هو للناس قبل موته بخمس وهذا أعلى مقام للمخلوقين أن يتخذهم الله للخلة، \"الرابعة عشرة التصريح بأنها أعلى من المحبة\" فالخلة أعلى درجات المحبة، \"الخامسة عشرة التصريح بأن الصديق أفضل الصحابة\" لأنه لو كان متخذا خليلا لاتخذه خليلا، \"السادسة عشرة الإشارة إلى خلافته\" ولو لم يوص له بل أشار أنه هو أفضل الصحابة وذلك يقتضي استحقاقه للخلافة.

بسم الله الرحمن الرحيم \"باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يُصَيِّرُها أوثانا تعبد من دون الله\" عقد هذا الباب لبيان أثر ما سبق في الباب الذي قبله، فالباب الذي قبله في التغليظ في الغلو في القبور والعبادة عندها، وهذا الباب عقده لما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثانا تعبد من دون الله وذلك مع الوقت، فهو ذريعة لاتخاذها أوثانا كما حصل لقوم نوح في قصتهم التي سبقت، والأوثان جمع وثن وهو كل طاغوت يعبد من دون الله ويطلق على الأصنام كلها، روى مالك في الموطإ أن رسول الله r قال: «اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» هذا الحديث بين فيه النبي r ما يدل على أن كثيرا من الناس يغالون في القبور، وبالأخص في قبور الأنبياء والصالحين فيعظومنها فيرث ذلك التعظيمَ من يأتي بعدهم من الأجيال فيجعله تقديسا ثم يجعلونها وثنا يعبد من دون الله، فلذالك استعاذ النبي r من هذا، فقال: اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، وهذا تحذير من ذلك وبيان أن هذا سبب للغضب الشديد من عند الله سبحانه وتعالى، فإن غضب الله الشديد لا يكون إلا بالشرك والفواحش الكبرى، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لأن ذلك سببٌ لعبادتها من دون الله، ولابن جرير بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد في قول الله تعالى: ﴿أفرأيتم اللات والعزى قال كان يلت لهم السويق فمات فعكفوا على قبره، وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس كان يلت السويق للحاج، فاللاتُّ رجل من ثقيف وهو بالتشديد فاعل لَتَّ يلُت إذا جعل على السويق عسلا يلته به، فَيَلْبُكُه به، وكان يقدمه للحجاج، فيطعمهم به، وكان رجلا كريما، فكان محبوبا لدى الناس فلما مات عظموا قبره فعكفوا عليه ثم اتخذوه وثنا وعبدوه من دون الله، ولكثرة الاستعمال خفف فقيل اللات بالتخفيف وأصله اللاتُّ بالتشديد، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لعن رسول الله r زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج» رواه أهل السنن، هذا الحديث بين فيه ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي r لعن زائرات القبور، وفي رواية زَوَّارَات القبور، أي من النساء اللواتي يعكفن على القبور، وذلك لأن قوة عاطفة النساء أبلغ من عواطف الرجال، فيسهل عليهن الغلو والمبالغة، فإذا ترددن على قبر وعكفن عليه كان ذلك سببا لتعظيمه عندهن، ثم دعا ذلك إلى اتخاذه مسجدا ثم إلى اتخاذه وثنا، وكذلك لعن رسول الله r المتخذين عليها المساجد، أي الذين يتخذون القبور مساجد فيصلون عليها أو إليها، وكذلك لعن الذين يتخذون عليهاالسرج وهي الأضواء، فالذين يتخذون عليها الأضواء يجعلونها مشاهد فيكون ذلك سببا لاتخاذها أوثانا من دون الله، فيه مسائل الأولى تفسير الأوثان وهي كل ما يعبد من دون الله سواء كان قبرا أو تمثالا أو صنما بأي نوع من أنواع الأصنام، \"الثانية تفسير العبادة\" فإن النبي r قال: لا تجعل قبري وثنا يعبد، فالعبادة أصلها التعظيم، فالطواف حول القبر والتمسح به عبادة له، \"الثالثة أنه r لم يستعذ إلا مما يَخاف وقوعَه\" فالأمر الذي علم الأمان منه وأنه لا يمكن أن يقع لا يحتاج إلى أن يستعيذ منه، \"الرابعة قرنه بهذا اتخاذ قبور الأنبياء مساجد\" فإنه في هذا الحديث قال: اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فقرن ذلك باستعاذته هو أن يُتَّخَذَ قبره وثنا يعبد، فكونه وثنا يعبد ذريعتها وسببها اتخاذه مسجدا، لأنه قرن ذلك بأن غضب الله اشتد على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، \"الخامسة ذكر شدة الغضب من الله سبحانه وتعالى\" فلا يكون ذلك إلا على أساس الذنب العظيم جدا، \"السادسة وهي من أهمها معرفةُ صفةِ عبادة اللات\" وهي عكوفهم على قبره، ففي أثر مجاهد فمات فعكفوا على قبره، وفي أثر ابن عباس كذلك كان يلت السويق للحاج فلما مات عكفوا على قبره، معرفة صفة عبادة اللات التي هي أكبر الأوثان، فسبب اتخاذها وثنا تعظيمهم لهذا الرجل الذي كان يحسن إليهم، \"السابعة معرفة أنه قبر رجل صالح\" كان يحسن إلى الحجاج ويطعمهم، \"الثامنة أنه اسم صاحب القبر\" أصبح اسما للوثن، وكذلك فيه ذكر معنى التسمية، فأصله اللاتُّ فخفف فقيل اللاتُ لكثرة الاستعمال، \"التاسعة لعنة زوارات القبور\" وقد اختلف أهل العلم في حكم زيارة القبور للنساء، فذهب بعضهم إلى استمرار تحريمها لأن النبي r لعن زوارات القبور، واللعن لا يكون إلا على الكبيرة، وقالت طائفة أخرى بنسخ ذلك كما نسخ النهي عن زيارة الرجال لها فإنه كان قد نهى عن زيارتها، ثم بعد ذلك قال: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا، والهجر الكلام القبيح كالشرك وغيره، وفي رواية فزوروها فإنها تذكركم الآخرة، وفي بعض الأحاديث ما يدل على الإذن في جواز زيارة النساء للقبور، لأن عائشة سألته ما نقول في زيارة القبور فعلمها الذكر الوارد في ذلك، وذهب آخرون إلى بقاء الحكم وأنه غير منسوخ، \"العاشرة لعنهُ r من سَرَّجَهَا أي أوقد عليها السرج وهي جمع سراج فمثل ذلك كل من جعلها مَعْلَماً كمن بنى عليها القباب ووضع عليها الزخارف والزهور ونحو ذلك فهو مثل تسريجها.

\"باب ما جاء في حماية المصطفى r جَناب التوحيد، وسدِّه كل طريق يوصل إلى الشرك\" عقد هذا الباب لوظيفة من وظائف النبي r وهي حمايته لجناب التوحيد وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، وحمايته r جناب التوحيد أي دفاعه عنه وسده كل طريق يوصل إلى الشرك، بمعنى الرد على من يقع منه ذلك والإنكار عليه، والمصطفى صفة النبي r واسمه فقد اصطفاه الله، من الخلائق فجعله أشرفهم وأفضلهم، وقد صح عنه r أنه قال: إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل كنانة واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش بني هاشم وجعلني من بني هاشم في المحل الأسنى فأنا خيار من خيار من خيار ولا فخر، والجناب الجانب، المقصود به حمايته من كل جانب وحماية منزلته وقدره، وسد الطريق أي منع سلوكه من أي وجه سواء كان ذلك في الحسيات أو في المعنويات، وسد الطريق في الحسيات معروف ومثله سد الطريق في المعنويات، كما قال الشاعر: «أبى الله إلا أن سرحة مالك** على كل أفنان العضاه تروق** فهل أنا إن عللت نفسي بسرحة** من السرح مسدود علي طريق) مسدود علي طريق معناه ممنوع من ذلك، كل طريق يوصل إلى الشرك، وقول الله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم فإن الله أثنى على رسوله r في هذه الآية بخمس صفات، فقال: لقد جاءكم وهذا خطاب للبشر عموما، رسول من أنفسكم، فليس من الملائكة ولا من الجن بل هو من البشر، وذلك تشريف للبشر حين جعل الرسول المرسل إليهم منهم، وفي قراءة: ﴿لقد جاءكم رسول من أَنْفَسِكُم أي من أسماكم قدرا وأعلاكم منزلة، ﴿عزيز عليه ما عنتم وهذه الصفة الأولى من الخمس عزيز عليه أي شاق عليه ما عنتم أي عنَتُكُم وهو مشقتكم، يشق عليه كل ما يشق بكم، الصفة الثانية، حريص عليكم، أي حريص على هدايتكم وإيمانكم، وهاتان الصفتان شاملتان للناس جميعا مؤمنهم وكافرهم، فإنه لا يحب المشقة على الناس ويكره لهم عذاب الله، وهو حريص على هدايتهم، ولهذا قال: فيما صح عنه: «إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا، حتى إذا أضاءت ما حوله جعل الفراش يتساقط فيها وهذه الدواب، فجعل ينفيهن بيده وهن يقتحمن فيقعن فيها، ألا وإني ممسك بحجزكم عن النار» أما الصفات المختصة بالمؤمنين فهي قوله: ﴿بالمؤمنين رءوف رحيم فالصفات الثلاث الأولى من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم، وهذه لكل البشر مؤمنهم وكافرهم، والصفة الرابعة قوله: بالمؤمنين رءوف والرأفة اللين واللطف، فهو r رءوف لين بالمؤمنين جميعا، رحيم هذه الصفة الخامسة، وهي مختصة بالمؤمنين فإن رحمته إنما كانت للمؤمنين فقط، ولهذا قال الله تعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، وقد أرشده الله إلى هذه الرحمة بقوله: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله أما الكفار فلا يستحقون هذه الرحمة بل يستحقون المقابلة بالغلظة كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم وكما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة وذلك إذا امتنعوا من أجابة الدعوة والهداية، أما قبل ذلك فلا بد أن يلان الحديث لهم لعل الله يهديهم بذلك كما قال الله لموسى وهارون في خطابهما حين أرسلهما إلى فرعون ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ولهذا فقد أخرج مالك في الموطإ وأحمد في الزهد من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري أنه بغله أن عيسى بن مريم كان يقول لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسو قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب، وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، وإنما الناس مبتلى ومعافى فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية، فالناس عموما مسلمهم وكافرهم ما بين مبتلى ومعافى، وشر البلية البلاء في الدين، فالمبتلى يُرْحَم ورحمته بالخوف عليه من عذاب الله والحرص على هدايته، عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله r «لا تجعلوا بيوتكم قبورا ولا تجعلوا قبري عيدا وصلوا عَلَيَّ فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم» رواه أبو داود بإسناد حسن ورواته ثقات، هنا قال r لا تجعلوا بيوتكم قبورا ، فنهى أن تجنب البيوت العبادة، فمن كان لا يصلي إلا في المسجد فإذا أتى بيته لم يصل فيه شيئا من صلاته فقد جعله قبرا لأنه لا يأتيه إلا للنوم فيه والراحة، فهذا ما نهى عنه رسول الله r فأمر أن يجعل من الصلاة في البيوت، فذلك تنويرُهَا، ولا تجعلوا قبري عيدا، فنهى أن يجعل قبره عيدا أي أن توضع عليه الزخارف والأزاهير والأنوار ونحو ذلك فهذا هو مظهر العيد، وصلوا عليَّ، فهذا تعظيمه وتوقيره واحترامه هو بالصلاة عليه واتباعه ومحبته r، فعندما نهى عن جعل قبره عيدا بين لهم التعظيم اللائق به والذي هو التعزير والتوقيرالذي أمر الله به فقد أمر الله بتعزيره وتوقيره فقال: ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه فتعزيره وتوقيره باتباعه ومحبته والصلاة عليه r، لذلك قال:وصلوا علي، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم، في أي مكان كنتم ولو لم تكونوا عند قبري فإن صلاتكم تبلغني وذالك أنها تعرض عليه والصلاة دعاء له، فيصل إليه ذلك الدعاء ويشهد به على صاحبه فهو شهيد على هذه الأمة، والشهادة كما سبق من شرطها العلم، فَيُطْلَعُ على أعمال أمته ليشهد عليها يوم القيامة، وعن علي بن الحسين رضي الله عنهما أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي r فيدخل فيها فيدعو فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله r قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتَكم قبورا فإن تسليمكم ليبلغني أينما كنتم» وهذا الحديث رواه الضياء المقدسي في المختارة، وعلي بن الحسين من سادة التابعين رضي الله عنه، وهو يحدث هنا عن أبيه الحسين بن علي رضي الله عنهما، عن النبي r وسبب تحديث بذلك أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي r في وقت بناء المسجد، عندما انهدمت الحجرة النبوية، وكان ذلك في وقت توسعة المسجد النبوي في أيام الوليد بن عبد الملك وفي وقت البناء فكان بعض الناس يدخلون من تلك الفرجة إلى داخل الحجرة النبوية فيدعون في ذلك المكان فنهى هو عن ذلك، وليس ذلك من توقير النبي r، فرأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي r فيدخل فيها فيدعو، فنهاه وقال: ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي وأبوه هو الحسين بن علي رضي الله عنهما، عن جدي وهو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن رسول الله r: قال: لا تتخذوا قبري عيدا، وهذا هو نهيه r عن أن يتخذ قبره عيدا كما سبق في حديث أبي هريرة، ولا بيوتكم قبورا أي لا تتخذوا بيوتكم قبورا، بمعنى أن تُخْلُوهَا من الصلاة والعبادة، فإن تسليمكم أي صلاتكم وتسليمكم ليبلغني أينما كنتم في أي مكان كنتم فإذا صليتم عليَّ وسلمتم وَصَلَت إلي صلاتكم وتسليمكم، وهذا الحديث شاهد لحديث أبي هريرة الماضي وهو في معناه تماما، \"فيه مسائل الأولى تفسير آية براءة\" وهي قول الله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم وقد سبق تفسيرها، \"الثانية إبعاده أمته عن هذا الحِمَى غاية البعد\" فإنه نهاهم عن ذلك، وشدد فيه بنهيهم أن يتخذوا قبره عيدا، \"الثالثة ذكر حرصه علينا ورأفته ورحمته\" بنا كما جاء ذلك في آية براءة وقد سبق التنبيه عليه، \"الرابعة نهيه عن زيارة قبره على وجه مخصوص\" وهو اتخاذه عيدا، \"مع أن زيارته من أفضل الأعمال\" فزيارة قبر ه من أفضل الأعمال لما فيها من التذكر بالآخرة ومن زيادة محبته r، لكن لا بد أن تكون على الوجه الشرعي الذي أرشد إليه r وعلمه أصحابه، \"الخامسة نهيه عن الإكثار من الزيارة\" ويفهم ذلك من العيد لأن العيد مشتق من العود وهو التكرار، \"السادسة حثه على النافلة في البيت\" لأنه نهى أن تجعل البيوت قبورا، \"السابعة أنه متقرر عندهم\" أي عند الصحابة \"أنه لا يصلى في المقبرة\" لأن علي بن الحسين نهى الرجل عن ذلك، ولأن اتخاذ القبر مسجدا قد سبق النهي عنه في الأحاديث السابقة، \"الثامنة تعليل ذلك بأن صلاة الرجل وسلامه عليه يبلغه وإن بعد\" أي أنه r نهاهم أن يتخذوا قبره عيدا وقرن ذلك بأمرهم بالصلاة عليه والسلام وبين لهم أن صلاتهم وسلامهم تبلغه حيثما كانوا في أي مكان من أرض الله كانوا، فإن صلاتهم تبلغه، فلا حاجة إلى ما يتوهمه من أراد القرب بالوقوف على قبره r، فالبرزخ حائل والمقصود بالقرب وصول الصلاة والسلام إليه r، وهذا يصله حيثما كان الإنسان \"التاسعة كونه r في البرزخ تُعْرَضُ عليه أعمال أمته\" فهو حي حياة برزخية تختلف عن الحياة الدنيا، ليس فيها تكليف ولا ما يحصل في حياة الدنيا، فقد مات من هذه الحياة الدنيا ومع ذلك هو حي في قبره حياة برزخية كحياة الأنبياء في قبورهم والشهداء فهم أحياء عند ربهم يرزقون لكن قد ارتفع عنهم التكليف بالموت، وتلك الحياة ليست من جنس حياتنا هذه الدنيوية بل هي من جنس الحياة الأخروية، وهو r تعرض عليه أعمال أمته فَيُسَرُّ بحسنها ويساء بسيئها حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وذلك أنه شهيد على أعمال أمته، والشهادة من شرطها العلم، لقول الله تعالى: إلا من شهد بالحق وهم يعلمون، وبقوله: وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين.

\"باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان\" وإنما عقد الشيخ رحمه الله هذا الباب تحذيرا من أن يكون الإنسان من أولئك الذين جاء فيهم الوعيد أنهم قوم من هذه الأمة يعبدون الأوثان في آخر الزمان فرجوع الناس إلى الشرك حاصل في هذه الأمة لا محالة فلا بد أن يخافه الناس وأن يحذروه، وتنبيههم عليه من النصيحة لهم، حتى يحذره الإنسان أن يقع فيه والدين النصيحة كما قال رسول الله r، وقول الله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت فالله سبحانه وتعالى نعى على أهل الكتاب الذين أرشدهم الله سبحانه وتعالى إلى التوحيد بما أنزل عليهم من الكتب وبما بين لهم من العلم وهم مع كل ذلك يؤمنون بالجبت والطاغوت والجبت ما يعبد من الأوثان والطاغوت كذلك كل ما يعبد من دون الله ويطلق الجبت كذلك على الخبث فكل خبيث يوصف بذلك ويطلق كذلك على التماثيل التي تُنْحَتُ، وقد اشتهرت التماثيل في الحضارة القبطية، وأطلق على القبط هذا الاسم، فكانوا يسمون بالجبت، وهذا الاسم هو الذي يطلق على القبط باللغات اللاتينية، والطاغوت كما سبق مشتق من الطغيان وهو الظلم وتجاوز الحد، وقوله تعالى ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت فهذه الآية بين الله فيها أن شر الناس مثوبة عند الله أي مقاما عنده من لعنه الله وغضب عليه، وجعل منهم القردة والخنازير وهذا من مظاهر الغضب بالمسخ كما حصل لبني إسرائيل، وجعل منهم عبد الطاغوت، فالذين يعبدون الأوثان قد خذلهم الله سبحانه وتعالى حين أضلهم بهذا الضلال البعيد فهم بمثابة الممسوخين كالذين جعلوا قردة وخنازير، فالإنسان إذا كان يعبد طاغوتا و وثنا من دون الله، فهو مثل الممسوخ الذي جعل قردا أو خنزيرا نسأل الله السلامة والعافية، وهذا رد على أهل الكتاب الذين يسخرون من صلاة المؤمنين إذا سمعوا المؤذن أوسمعوا القراءة في الصلاة، وقد قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون فرد عليهم الله سبحانه وتعالى بهذه الآية فقال: ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل وقوله: ﴿قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا في قصة أصحاب الكهف فإنهم عند مبعثهم اختلف الناس في أمرهم عندما اطلع عليهم الناس ماتوا، أصبح الناس فريقين بشأنهم، فالذين غلبوا على أمرهم رأوا أن يتخذوا عليهم مسجدا فكان ذلك سببا للغلو، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله r قال: ﴿لتتبعن سنن من كان قبلكم، حَذْو القُذَّةِ بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال: فمن أخرجاه أي أخرجه البخاري ومسلم، هنا يقول رسول الله r لتتبعن سنن من قبلكم، أي لتتبعن طريقة من كان قبلكم من الأمم في تشعبها وخلافها وضلالها، وتركها لما أنزل إليها من الوحي، وعدولها عن سنن أنبيائها، حذو القذة بالقذة، أي مثلما تحذى القذة بالقذة، والقذة الريشة التي تجعل على السهم، فالسهم إذا أريد إسراعه في الرمي غشي بالريش فتجعل القذة وهي الريشة الصغيرة بجانب القذة الأخرى حتى يراش بها السهم ثم تربط وهكذا، فكذلك كل محاذاة على الوفق فهي حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب هذه مبالغة معناه لو وصلوا إلى ما لا يمكن أن يعقل ولا أن يدرك لا بد أن يكون من هذه الأمة من يتبعهم على ذلك، وفي الحديث الآخر، لوكان منهم من يأتي أمه في قارعة الطريق، أي لو حصل من شواذهم من يفعل هذا الفعل المستقبح المستنكر الذي لا يمكن أن يستسيغه عاقل ولا صاحب فطرة لكان من هذه الأمة من يفعل ذلك، قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى هذا استفهام معناه الذين سنتبع سَنَنَهم من هم، هل هم اليهود والنصارى قال: فمن، وهذا دليل على أن الذين سيقتفون ويتبعون هم اليهود والنصارى على ما كان فيهم من الخلاف والفرقة والانحراف عن طريق الحق، ولمسلم عن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله r قال: «إن الله زَوَى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيحَ بيضتهم وإن ربي قال يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يُرَد، وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا» فهذا الحديث في صحيح مسلم وبين فيه النبي r أن الله زوى له الأرض أي قاربها وصغرها، حتى رأى أطرافها، فرأى مشارقها ومغاربها، وهذا وجه امتداد الدعوة فامتدت إلى المشرق والمغرب ولم تتوسع كثيرا في الجنوب والشمال فهذا القرن الإفريقي القريب جدا من جزيرة العرب لم تتجه إليه الفتوحات الإسلامية، وإنما اتجه الغزو إلى الصين وإلى الغرب حتى وصل جنوب باريس، فهذا من عجائب أعلام النبوة، وصل الفتح إلى المحيط الأطلسي وإلى المحيط الهندي والقرنُ الإفريقي القريب لم يغز، مع أن أول هجرة كانت إلى الحبشة، ومع ذلك لم يغز الحبشة قط، فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوي لي منها، أي ما زوي له من الأرض سيبلغه ملك هذه الأمة وأعطيت الكنزين الأحمر والأبيض والأحمر الذهب والأبيض الفضة، والمعنى أن ذلك فتح لهذه الأمة فأرض الكنوز والمعادن دخل أكثرها تحت سلطان هذه الأمة، وكانت تُجْبَى إلى خلافة هذه الأمة، وإني سألت ربي لأمتي فهو r سأل الله لأمته ثلاثا فأجابه في اثنتين استجاب دعاءه في اثنتين ولم يستجب له في الثالثة، فسأله أن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيحَ بيضتهم، وسأله أن لا يهلكهم بسنة عامة أي بقحط عام لكل الأمة، وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم، فاستجاب له في الأُولَيَين ومنعه الثانية، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، والمقصود هنا بالسنة القحطُ، فلا يشملها قحط شامل عام، يأتي على مشارقها ومغاربها، بل إذا أصاب القحط أرضا أصاب الخصب أرضا أخرى من بلاد الأمة الإسلامية، وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، أي يسيطر على الأمة كلها جميعا، وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، وقد قضى في شأن هذه الأمة هذا القضاء الذي بينه وإني أعطيتك لأمتك أن لا..


عدد مرات القراءة : 4643



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              21905307
المتواجدون الأن       4
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو