» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر الشريط السابع




 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين اللهم افتح لنا بحكمتك وانشر علينا من رحمتك وأنزل علينا من بركاتك.

أما بعد فيقول الحافظ رحمه الله: \" فإن قل عدده فإما أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو إلى إمام ذي صفة علية كشعبة فالأول العلو المطلق والثاني النسبي\" هذا التقسيم الذي بدأه الحافظ هنا يسمى تقسيم الحديث باعتبار عدد الناقلين وباعتبار عدد الطبقات، وهو قسم من أقسام الحديث باعتبار عدد الناقلين، باعتبار عدد الناقلين أي عدد الطبقات، قال: فإن قل عدده أي إن قل عدد الإسناد وذلك مثل ثلاثيات البخاري التي يرويها البخاري عن المكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع، وأولها في صحيح البخاري قول البخاري رحمه الله حدثنا المكي بن إبراهيم قال حدثنا يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، وهذه الأحاديث أربعة وعشرون حديثا هي أعلى صحيح البخاري هي ثلاثيات البخاري وليس في مسلم ثلاثيات، وللترمذي ثلاثيات قليلة جدا، وللدارمي ثلاثيات قليلة، ولأحمد ثلاثيات كثيرة أكثر من ثلاثمائة هي ثلاثيات الإمام أحمد في المسند، وقد جمعها أحد الأئمة في كتاب مستقل، ومثل ذلك في العلو ثنائيات مالك التي بين مالك وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيها رجلان فقط وهي كثيرة جدا، كرواية مالك عن نافع عن ابن عمر، ونحو ذلك فهذه الثنائيات، ومن دون ذلك يختلف العلو في حقهم باعتبار طبقاتهم، فالحافظ بن حجر رحمه الله خرج العشاريات، التي بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيها عشرة أشخاص، هذه تسمى العشاريات، لأن الإسناد العادي مثلا للحافظ بن حجر في ثلاثيات البخاري مثلا أنه يروي صحيح البخاري مثلا من طريق إبراهيم التنوخي، عن أحمد بن أبي طالب الحجار، عن أبي الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي، عن البرهان الحسين بن المبارك، عن عبد الرحمن بن محمد الداودي، عن عبد الله بن أحمد السرخسي، عن محمد بن يوسف بن مطر الفربري، عن محمد بن إسماعيل البخاري عن المكي بن إبراهيم عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة بن الأكوع فهذه بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيها أحد عشر رجلا من هذا الطريق، ولكن له أسانيد أرفع من هذا، واليوم أسانيدنا المرتفعة من أقلها مثلا ما بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه تسعة عشر رجلا وأعلاها ما كان بيني وبين النبي صلى الله عليه وسلم فيه سبعة عشر رجلا، وهذه أسانيد نادرة جدا، فمثلا الآن بعض الأثبات يكون إسنادها عاليا كأسانيد الشوكاني رحمه الله فثبت الشوكاني بيني وبين الشوكاني فيه رجلان فقط، فهذا عال جدا، وهكذا إسناد أهل الشام العالي، وأنا أرويه عن عبد اللطيف بن محمد صالح الغول، ومثل ذلك أسانيد أخرى عالية، فقد أدركت الشيخ محمد ياسين الفاداني أبو الفيض وقد عاش مائة وأربعين سنة وهو من جاوا في الأصل وكان محدث الحرم المكي، وهو تلميذ الشيخ محمد حبيب الله بن مايابى الشنقيطي، وتلميذ لعدد كبير من الأئمة مثل الشيخ حسن المشاط الذي هو تلميذ للشيخ محمد حبيب الله، وأدرك كثيرا من المشايخ المعمرين وروى عن عدد كبير منهم،  فهذا هو الإسناد العالي، وقد سبق أن مزية الإسناد العالي أمران هما سهولة الحفظ، وسهولة التصحيح، سهولة الحفظ أولا لأن الإسناد إذا طال كان حفظه ذا مشقة وسهولة التصحيح لأن البحث في الرجال واتصال الإسناد مؤونة مكفية، ولهذا قال حافظ الشام ابن عساكر لما سئل عن أحب الدنيا إليه قال إسناد عال، وبيت خال، فإن قل عدد أي عدد رجال الإسناد، أي عدد طبقات الإسناد، فإما أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم والمقصود بذلك أن يكون علوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهذا النوع هو العلو الحقيقي، أن يكون الإسناد قصيرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والنوع الثاني أن ينتهي الإسناد إلى إمام من الأئمة المشاهير من الحفاظ كمالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وشعبة بن الحجاج وعبد الله بن المبارك ويزيد بن هارون وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، و نحو ذالك فهذا الإسناد إذا ارتفع إلى هؤلاء فهو الذي يسمى بالعلو النسبي، ليس علوا حقيقيا ولكنه علو نسبي، فمثلا إذا كان إسنادك إلى مالك مثلا عاليا ولكن أسانيد مالك منها العالي ومنها النازل، فالإسناد كله يعتبر عاليا بالعلو النسبي، وبعضه عال بالعلو الحقيقي وهو ما قصر إسناد مالك فيه، وبعضه اجتمع فيه العلو والنزول فالعلو باعتبار قربه من مالك، والنزول باعتبار بعد السند بين مالك والنبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك فقد يوصف الإسناد الواحد بوصفين معا فهو عال من وجه ونازل من وجه، عال من وجه لقربه من أحد الأئمة، ونازل من وجه لنزول الإسناد فيما فوق ذالك الإمام، كسداسيات البخاري إذا رويناها نحن الآن بالإسناد العالي إلى البخاري، فالإسناد يوصف بالأمرين، فهو منا إلى البخاري عال، ومن البخاري إلى النبي صلى الله عليه وسلم نازل، وهكذا سباعيات البخاري، وهكذا عشاريات الدارقطني فهي نازلة،\" أو إلى إمام ذي صفة علية\"، أي متصف بصفة علية من الحفظ والعلم والمكانة، كالأئمة الأربعة و كأصحاب الكتب الستة، وكأئمة الحديث المشاهير، كيزيد بن هارون وسعيد بن منصور ومعاذ بن معاذ وعبد الله بن إدريس وأضرابهم وهشيم الواسطي ووكيع بن الجراح، وشعبة بن الحجاج، فعلو الإسناد إلى أحد هؤلاء الأئمة علو نسبي، فلذلك قال: \"فالأول العلو المطلق\"، الأول أي العلو إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو العلو المطلق وهو العلو الحقيقي أيضا، والثاني هو العلو النسبي أي بالنسبة إلى غير هذا الإسناد، أي إذا قورن هذا الإسناد بغيره من أسانيدك إلى البخاري مثلا أو من أسانيدك إلى غيره فإنه أعلى من غيره، ولذلك فإن حافظ الشام الإمام بن عساكر في كتاب تاريخ دمشق وهو أكبر كتبه تاريخ دمشق الكبير وهو مائة جزء، يروي فيه الأحاديث مثلا من طريق أبي داود في السنن وله عشرة أسانيد إلى أبي داود يخرج بها الأحاديث، هذه الأسانيد العشرة متفاوتة، وأسانيد أبي داود متفاوتة كذلك في الارتفاع والنزول، فيوصف الإسناد بالعلو والنزول بالإعتبارين فما كان منه ما بين صاحب الكتاب والنبي صلى الله عليه وسلم عاليا فهذا علو مطلق وهو العلو الحقيقي، و ما كان بين المؤلف وبين صاحب الكتاب وهو أبو داود مثلا عاليا في إسناده فهذا علو نسبي أي بالنسبة إلى غيره من الأسانيد، \"وفيه الموافقة\"، أي أن الإسناد العالي إنما يكون باعتبار المتابعة فالإسناد العالي لا يعرف إلا بالمتابعة، لأن العلو النسبي إنما يكون بمقارنة الإسناد بإسناد آخر، فالمتابعة إذا حصل بها العلو في الإسناد تنقسم إلى أقسام \"فالقسم الأول الموافقة وهي الوصول إلى شيخ أحد المصنفين من غير طريقه\"، كما إذا كان البخاري أخرج الحديث في الصحيح من طريق قتيبة بن سعيد مثلا عن مالك، أو من طريق عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك، أو من طريق عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك، أو من طريق يحيى بن يحيى التميمي عن مالك، فوجدت أنت إسنادا كإسنادك إلى البخاري يصل بك إلى نهاية الإسناد إلى شيخ البخاري وهو قتيبة بن سعيد أو عبد الله بن يوسف التنيسي أو عبد الله بن مسلمة القعنبي أو يحيى بن يحيى التميمي مثلا فانتهى إسنادك إلى شيخ البخاري بنفس الدرجة التي يصل بها الإسناد لو جاء عن طريق البخاري، فهذا النوع ؟ يسمى بالموافقة لأنك وافقت البخاري في الرواية عن شيخه بإسناد مساو للإسناد الذي تروي به من طريق البخاري، \"والنوع الثاني البدل\"، وهو الوصول إلى شيخ شيخه كذلك\"، البدل أن تصل إلى شيخ شيخه كذلك\" فإذا كان البخاري يروي الحديث من طريق عبد الله بن يوسف التنيسي عن مالك بن أنس، فرويته أنت من رواية راو آخر من أصحاب مالك رويته من طريق القعنبي مثلا عن مالك بإسناد مساو لإسنادك لو رويت عن طريق البخاري، فهذا يسمى بالبدل لأنك أبدلت شيخ البخاري فيه بشيخ آخر مساو له في طبقته، فالتقيت مع البخاري في شيخ شيخه وهو مالك بن أنس في هذا المثال، فهذا النوع يسمى بالبدل، \"والنوع الثالث وهو المساواة، وهي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره\"، المساواة هي أن يكون الإسناد منك أنت إلى نهايته مساويا لإسناد الشيخ الآخر، وذلك يحصل في المستخرجات، والمستخرجات هي الكتب المؤلفة على الصحيح أو على غيره من الكتب لإخراج أحاديثه من وجه آخر غير الذي خَرَّجَ منه صاحب الصحيح فمثلا أبو عوانة والإسماعيلي وغيرهما استخرجوا على الصحيحين، والمقصود بالاستخراج أنهم أخذوا أحاديث الصحيحين فخرجوها من وجه غير الوجه الذي أخرج منه البخاري ومسلم هذه الأحاديث، فيخرجونها بأسانيد أخرى، وهذا النوع وهو المستخرجات لها فوائد، منها أولا: المتابعة، فهي متابعة مقوية دائما جابرة لأي نقص، كما إذا كان الحديث بالعنعنة عن مدلس مثلا في صحيح البخاري أو في صحيح مسلم، فمثلا قتادة بن دعامة السدوسي فيما يرويه عن أنس بن مالك وغيره إذا عنعن فهو مدلس في الأصل، وكذلك أبو إسحاق السبيعي، فهو مدلس في الأصل، فإذا روى بالعنعنة فالأصل أن لا يحمل ذلك على السماع، وكذلك في صحيح مسلم أبو الزبير عن جابر فهو مدلس وأصل العنعنة أن لا تحمل على السماع، لكنه بالمستخرجات يتبين التصريح بالسماع، فإذا ذهبت إلى المستخرجات تجد فيها التصريح بالسماع ولم يَعُدْ الحديث معنعنا فتذهب العلة التي كانت فيه، فإذن هذا من فوائد الاستخراج على الصحيح، وكذلك من فوائده الزيادات التي تأتي وهي الأطراف بزيادة الثقة فتكون فيها زيادة معان على ما في الصحيح بإسناد الصحيح، فهذه الأحاديث على شرط الصحيح، لأنها موجودة في الصحيح، وأطراف منها لم تذكر في الصحيح وقد وجدت في غير الصحيح بذلك الإسناد، وذلك مثل حديث الجمع في السفر فقد أخرجه البخاري في الصحيح من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم في سفره إلى تبوك كان إذا أراد أن يرتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر فصلاها مع العصر جمعا، وإذا أراد أن يرتحل بعد أن تزيغ الشمس صلى الظهر وركب، وهذا الحديث فيه زيادة وهي لدى أبي داود والنسائي، وهي صلى الظهر والعصر وركب، وهي تقتضي ثبوت جمع التقديم أيضا في السفر، فزيادة والعصر زيادة مفيدة لأنها تثبت لنا جمع التقديم في السفر، وهذه الزيادة ليست في صحيح البخاري ولكنها على شرط البخاري لأنها مخرجة من نفس الإسناد لدى أبي داود والنسائي، وهكذا عدد من الزيادات التي تكون في قوة الصحيح وليست واردة في الصحيح وإنما تعرف من قبيل الاستخراج، والاستخراج إذا كان الإسناد فيه مساويا للآخر فهو الذي يسمى بالمساواة، وأهل الحديث يذكرون أن سنن الترمذي جامع الترمذي كله من باب المستخرجات، لأن الترمذي يذكر فيه الحديث ثم يذكر الأوجه التي خرج منها بالاختصار، بعد أن يأتي بالحديث يقول: وفي الباب عن فلان وفلان، وفي الباب أي في نفس المعنى عن فلان وفلان وفلان عن عدد من الصحابة، وقد ألف الحافظ ابن حجر رحمه الله كتابا في وصل ذلك، في قول الترمذي وفي الباب، سماه اللباب في قول الترمذي وفي الباب، وقد ذكر بعض أهل العلم أن الشيخين في الصحيحين كذلك استخرجا على الموطإ فكل حديث أخرجه مالك بإسناد على شرطهما لا يعدلان عنه، فيأتيان به أولا ثم بعد ذالك يذكران ما سواه، فأحاديث الموطإ التي هي مسندة متصلة الإسناد لا علة فيها لا بد أن يخرجها البخاري ومسلم في الصحيحين في أول الباب ثم بعد ذلك يذكران ما زاد عليها.

ولهذا قال السيوطي إن الموطأ أصل الصحاح، أصل الصحاح معناه أن ما سواه كالصحيحين مخرج عليه، قال: \" وهي استواء عدد الإسناد من الراوي إلى آخره مع إسناد أحد المصنفين أي مع إسناد من تستخرج عليه من المصنفين، والقسم الرابع المصافحة وهي الاستواء مع تلميذ المصنف\" المصافحة لا تعتبر من العلو بل تعتبر من النزول تقريبا، لأن ما سبق إنما هو استواء مع المصنف بالالتقاء معه في شيخه أو في شيخ شيخه أو أن يكون الإسناد متساوي العدد مع إسناده، أما المصافحة فهي الاستواء مع تلميذه، ولكن مع ذلك يحصل فيها العلو بالنسبة لما دون المصنف من الأسانيد، فأنت مثلا لم ترو عن شيخ من الشيوخ الذين كانوا في زماننا هذا، لم ترو عن يحظيه بن عبد الودود مثلا قطعا لأنك لم تدركه، ولكن إذا وجدت إسنادا يجعلك بمثابة تلميذه من ناحية العدد فهذا يكون عاليا بهذا المستوى، إذا رويت عن شيخ كبير السن من المعمرين مثلا قد ألحق الأصاغر بالأكابر في الرواية، فيجعلك ذالك بمثابة تلميذ ذالك الشيخ مثلا إذا لقيت شيخا كبيرا قد روى عن الحسن بين زين مثلا، وهو شيخ ليحظيه، فتكون أنت كأنك تلميذ ليحظيه وأنت لم تلقه، ومن هذا النوع رواية أحمد بن حنبل عن سفيان بن عيينة، فأحمد بن حنبل لم يدرك مالكا، وقال عوضنا الله إذ لم ندرك مالكا سفيان بن عيينة، لم يدرك مالكا و لكنه أدرك سفيان بن عيينة وسفيان بن عيينة يشترك مع مالك في كثير من شيوخه، فكأن أحمد من تلامذة مالك، وإن كان لم يلق مالكا، وقد روى موطأه عن أصحابه، فالموطأ مثلا يرويه أحمد من طريق الشافعي عن مالك، ومن طريق القعنبي عن مالك، ومن طريق أبي مصعب الزهري عن مالك، ومن طرق أخرى عن مالك، لكن إذا روى أحمد عن سفيان بن عيينة عن نافع فسيكون أحمد كأنه تلميذ لمالك مباشرة، فهذا النوع يسمى بالمصافحة، \" ويقابل العلو بأقسامه النزول\"، فالعلو يقابله النزول وهو ضده، والمقابل هو الضد، والمقصود بالنزول كثرة طبقات الإسناد فإذا كان الإسناد كثير الطبقات فهو نازل، وذلك باعتبار عصر المؤلف ووقته، فمثلا ثلاثيات مالك نازلة بالنسبة لثنائياته، فما يرويه مالك عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أوما يرويه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، أو ما يرويه مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، فهذا النوع نازل بالنسبة لعصر مالك لأنه لديه ثنائيات، ومثل ذلك سداسيات البخاري وسباعياته فهي من هذا القبيل، \" فإن تشارك الراوي ومن روى عنه في السن واللقي فهو الأقران \" إذا اشترك الراوي مع شيخه في السن واللقي فهذا يسمى برواية الأقران أي رواية الأقران بعضهم عن بعض، فما يرويه مالك عن محمد بن عجلان، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة هذا من رواية الأقران لأن محمد بن عجلان يشترك مع مالك في شيوخه، فرواية مالك عنه هي من رواية الأقران بعضهم عن بعض، وهو كثير، فكثير من الأئمة يروي بعضهم عن بعض يكون ذلك في المذاكرة، وقد سبق لنا مثل هذا في حديث مذاكرة أبي بكر بن عمرو بن حزم وعروة بن الزبير ما يجب منه الوضوء قال فذكر عروة وذكر حتى ذكر مس الذكر، فقال أبي ما أعرفه، فهذا من باب المذاكرة، والمذاكرة في العلم هي أن يحدث كل واحد منهما الآخر بما لديه في مسألة من المسائل، فهذا النوع هو من رواية الأقران بعضهم عن بعض، ومنه رواية بعض الصحابة عن بعض، فعلي رضي الله عنه قال كنت إذا سمعت من النبي r حديثا نفعني الله بما سمعت منه، وإذا حدثني غيره استحلفته وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر، فهذا الحديث يحدث به علي عن أبي بكر وهو قرينه في الرواية، فهذا النوع من رواية الأقران، \" وإن روى كل واحد منهما عن الآخر فهو المدبج \"، إذا كان كل واحد من الأقران يروي عن الآخر فكل واحد منهما شيخ للآخر وتلميذ له فهذا يسمى التدبيج، واشتقاقه من التدبيج في السير وهو ضرب من ضروب السير تختلط فيه الأرجل تكون الرجل الخلفية تدخل بين الرجلين الأماميتين في السير، ثم تدخل الأمامية كذلك بين الأخريين في السير، فهذا النوع يسمى بالتدبيج اختلاط الأرجل في السير، بالنسبة للدواب، فحملت عليه الرواية إذا كان السابق يتأخر تارة في الرواية واللاحق يتقدم تارة فيكون هذا كالتدبيج كاختلاط الأرجل في السير، وهذا الحديث يسمى بالمدبج حينئذ، \" وإن روى عمن دونه فالأكابر عن الأصاغر \"، إذا روى الإنسان عمن دونه في السن والدرجة فهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، كرواية مالك عن تلميذه عبد الله وهب، فإن مالكا سئل عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء فقال لا أعرف فيه شيئا فلما انتهى المجلس قال له تلميذه عبد الله بن وهب حدثني محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي r كان يخلل أصابع رجليه، فسكت مالك فلما كان من الغد واجتمع الناس سأل هل بقي من الذين كانوا في المجلس أمس أحد، فقيل قد اجتمعوا، فقال حدثتكم بالأمس أنني لا أعرف شيئا في تخليل أصابع الرجلين، وقد حدثني عبد الله بن وهب هذا قال حدثنا محمد بن عجلان عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة وساق الحديث، وهذا من تمام تواضعه وهو من هدي أهل العلم وآداب المحدثين، وقد حصل نظير هذا كثيرا، فمن أئمة المالكية مثلا الإمام ابن عرفة الورغمي وكان من الأذكياء، وكان يدرس في القيروان فحدث الناس في المسجد في الأنكحة فذكر أن النبي r آلى من نسائه وأنه طلق بعضهن وأنه ظاهر من بعضهن، فلما انفض المجلس بقي شاب حدث في المجلس، فقال ألك حاجة فقال نعم أيها الشيخ، حدثتنا أن النبي r طلق بعض نسائه وقد صدقت، وحدثتنا أنه آلى من نسائه وقد صدقت، وحدثنا أنه ظاهر منهن وكيف وقد قال الله تعالى: {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} فقال: إذن أنت الفتى ابن مرزوق قال نعم، فعرفه بذكائه، فلما كان من الغد واجتمع المجلس سأل أيضا هل بقي أحد ممن حضر معنا بالأمس لم يحضر فقالوا قد حضر الناس، فقال حدثتكم بالأمس أن النبي r طلق وقد صدقتُ، وحدثتكم أنه آلى من نسائه وقد صدقتُ، وحدثتكم أنه ظاهر من نسائه وقد كذبتُ، وكيف وقد قال الله تعالى: {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} نبهني إلى ذلك هذا الفتى ابن مرزوق، فهذا النوع هو من هدي أهل العلم و من الرجوع إلى الحق والرجوع إلى الحق دائما محمود، ولذلك فإن في كتاب عمر إلى أبي موسى الأشعري في القضاء: ولا يمنعنك قضاء قضيت فيه بالأمس فراجعت فيه نفسك فهديت فيه إلى رشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم لا ينقضه شيء وإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وقد قال العلامة محنض باب رحمه الله:

ليس من أخطأ الصواب بمخط
إنما المخطئ المسي من إذا ما
حسنات الرجوع تذهب عنه

 

إن يؤب لا ولا عليه ملامه
ظهر الحق لج يحمي كلامه
سيئات
الخطى و تنفي الملامه

فالأكابر عن الأصاغر، هذا النوع يسمى رواية الأكابر عن الأصاغر، لكن قد يكون الوصف متعديا بأن يكون الصغير في السن كبيرا في العلم، فيكون أكبر من الكبير في السن، لأن الكبر نسبي، ولذلك فإن العباس سئل عن سنه فقال رسول الله r أكبر مني وأنا أسن منه، فهذا هو الأدب، ولذلك فإن صالح بن كيسان كان أسن من الزهري لكن الزهري أكبر منه في العلم، فالإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري إمام من أجبال العلم وأئمته، وتلميذه صالح بن كيسان من تلامذته وهو أسن منه كثيرا، لكن المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فالعبرة بالسن إنما هي بما يحويه الإنسان من العلم، وقد نبه إلى ذلك كثير من الحكماء:

تعلم فليس المرء يولد عالما
وإن كبير القوم لا علم عنده

 

وليس أخو علم كمن هو جاهل
صغير إذا التفت عليه المحافل

\" ومنه الآباء عن الأبناء \"، رواية الآباء عن الأبناء هي من هذا القبيل، فالآباء طبعا أكبر من الأبناء دائما، فروايتهم عن أبنائهم هي من هذا القبيل، وقد يحصل لغز في هذا القبيل، فعبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي رضي الله عنه، أسلم قبل أبيه بإحدى عشرة سنة، أحد العبادلة، وأحد المكثرين من الحديث عن النبي r، أسلم قبل إسلام عمرو بن العاص بإحدى عشرة سنة، عمرو بن العاص أسلم بعد صلح الحديبية في العام السابع من الهجرة، وهو من أفلاذ مكة الذين رمت بهم، كما قال النبي r رمتكم مكة بأفلاذ كبدها، لما جاءه عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وعثمان بن أبي طلحة، قال: رمتكم مكة بأفلاذ كبدها، وعبد الله أسلم قبل الهجرة وهاجر مع النبي r فهو أكبر في الإسلام من أبيه عمرو بن العاص، وعمرو أكبر من عبد الله في السن بإحدى عشرة سنة، فقد ولد عبد الله لعمرو وسنه إحدى عشرة سنة، وأسلم عبد الله قبله بإحدى عشرة سنة، وكذلك رواية الصحابة عن التابعين فهي من هذا القبيل، \" وفي عكسه كثرة \"، وهو رواية الأصاغر عن الأكابر هي الأصل، الأصل رواية الأصاغر عن الأكابر، ففيها كثرة فلا يحتاج فيها إلى التمثيل، \" ومنه من روى عن أبيه عن جده \"، من رواية الأصاغر عن الأكابر ما اشتهر برواية الأبناء عن الآباء والأجداد، ومن أشهر ذلك رواية جعفر بن محمد عن أبيه محمد الباقر بن علي عن جده علي زين العابدين بن الحسين عن جد أبيه الحسين بن علي عن علي بن أبي طالب عن النبي r، فهذا الإسناد من رواية الأبناء عن الآباء، وهم كلهم من الأئمة الأعلام، وهذا الذي يسمى بالاضطراد عند أهل البلاغة ولذلك قال السيوطي رحمه الله في ألفية البلاغة:

والاضطراد ذكرك اسم من علا
بلا تكلف على وجه جلي

 

فأبه فجده على الولا
مثل علي بن الحسين بن علي

نعم... لا لا المدبج رواية الأقران بعضهم عن بعض، أن يكون القرينان كل واحد منهما روى عن الآخر، ومن أشهر الأسانيد في ذلك رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفيها علة مشهورة لدى أهل الحديث، فعمرو بن شعيب أبوه شعيب، وجده محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، فله أبوان من التابعين وأبوان من الصحابة، فوالده شعيب من التابعين وجده محمد من التابعين، أما جد أبيه عبد الله بن عمرو بن العاص، وجد أبي أبيه عمرو بن العاص فكلاهما من الصحابة، فإذا روى هو عن أبيه عن جده فالضمير في جده يمكن أن يكون لأبيه أو لعبد الله، فإن كان المعنى عن أبيه عن جده هو عن جد عمرو بن شعيب يكون هذا من المراسيل، لأن جده محمد ليس من الصحابة، وإذا كان هذا عن أبيه شعيب عن جده أي عن جد شعيب وهو عبد الله بن عمرو بن العاص فيكون هذا متصلا مسندا، والقضية كلها في مرجع الضمير في جده، فالضمير إما أن يكون لشعيب وإما أن يكون لعمرو، وقد رجح كثير من أهل الحديث اتصال أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفيها كثير من أدلة الأحكام في سنن أبي داود و غيره وقد كان لعمرو بن شعيب صحيفة، وهو الذي ورث علم عبد الله بن عمرو بن العاص، ورث الصادقة، والصادقة كتاب كان عبد الله يكتب فيه الحديث من في رسول الله r وقد أذن له النبي r في الك  كما في الصحيح أنه استأذنه في الكتابة عنه فأذن له في ذلك، فكلمه قريش فقال يا رسول الله إن قريشا كلموني في الكتابة عنك، فذكروا أنك تتكلم في الرضا والغضب، فقال اكتب فوالذي نفسي بيده لا يخرج منه إلا الحق، فكتب عبد الله عن النبي r  تلك الصحيفة التي تسمى بالصادقة، وقد قال عبد الله في آخر عمره ، لم يبق مما يردني إلى الدنيا إلا الصادقة والوهيط، الوهيط بالطاء مزرعة في جنوب الطائف هي وقف عمرو بن العاص، وكان عهد بها إلى ابنه عبد الله بن عمرو وهي من الحلال، وكان عبد الله يقوم عليها ويفرق ريعها في المساكين، فلم يبق شيء يحبه من الدنيا إلا الصادقة وهي الكتاب الذي كتبه عن النبي r وإلا الوهيط هذه المزرعة، فأحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في الأحكام كثير منها من الصادقة، \" وإن اشترك اثنان عن شيخ وتقدم موت أحدهما فهو السابق واللاحق \"، إن اشترك اثنان في شيخ فرويا عنه معا فتقدم موت أحدهما وتأخر موت الآخر فهذا يسمى السابق واللاحق، وشيخهما هو الذي ألحق الأصاغر بالأكابر، كمالك بن أنس فإنه روى عنه الأوزاعي ومات قبل موت مالك، وروى عنه مثلا عبد الرحمن بن القاسم ومات بعد موت مالك، فبين موت الأوزاعي و عبد الرحمن بن القاسم مدة من الزمن، حوالي ثلاثين سنة، فهذه المدة الفاصلة بين موت تلميذين من تلاميذ مالك الراوين عنه جعلت الأول وهو الأوزاعي سابقا، وجعلت الثاني وهو عبد الرحمن بن القاسم لاحقا، ومثل هذا المتأخرون موتا من أصحاب مالك، كيحيى بن يحيى الليثي المصمودي فهو من صغار أصحاب مالك، فإذا قارنته بأولئك الذين ماتوا قبل مالك من تلامذته كالأوزاعي مثلا فستجد البون شاسعا بين الرجلين في العمر، في سن الوفاة، فيكون هذا من باب السابق واللاحق، \"وإن روى عن اثنين متفقي الاسم ولم يتميزا فباختصاصه بأحدهما يتبين المهمل\"، تبيين المهمل هو أن يكون الرجل غير منسوب ويلتبس بغيره من طبقته، فالبخاري مثلا إذا قال حدثنا محمد في الصحيح، فقد روى عن عدد من المحمدين في صحيحه، عن ثمانية عشر محمدا في الصحيح، شيوخه فيهم ثمانية عشر كل واحد منهم اسمه محمد، وكذلك شيخه الحميدي إذا قال حدثنا سفيان ففي تلك الطبقة سفيان بن عيينة وسفيان الثوري، وكذلك في تلك الطبقة أيضا حماد بن سلمة وحماد بن زيد، وحماد بن أبي سليمان، هؤلاء الثلاثة في ذلك العصر، حماد بن أبي سليمان أكبر من الحمادين من حماد بن سلمة وحماد بن زيد، وحماد بن أبي حنيفة معاصر لهما، فحماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، وحماد بن أبي حنيفة ابن أبي حنيفة و تلميذه، وحماد بن زيد الإمام من أئمة الحديث ومن أئمة السنة، وحماد بن سلمة معاصر له كذلك وهو من العلماء الكبار ولكنه دون حماد بن زيد في درجته، وقد سبق بيان ذلك، فهذا الذي يسمى بتبيين المهمل، أن يعرف من هو هذا الشيخ المذكور حين التبس بغيره، إما لعدم نسبته كما إذا قال حدثنا حماد وسكت، أو حدثنا سفيان وسكت، فيتيبن المهمل بنسبته بمعرفة اختصاصه به، فالحميدي مثلا إذا قال حدثنا سفيان فلا يقصد إلا سفيان بن عيينة، وسلمة بن كهيل مثلا إذا قال حدثنا سفيان فلا يقصد إلا سفيان الثوري، وهكذا، كذلك وكيع بن الجراح إذا قال حدثنا سفيان فلا يقصد إلا سفيان الثوري، وهذا النوع قد يحصل بعدم النسبة، وقد يحصل بالنسبة أيضا كما إذا اشترك الشيخان في الاسم واسم الأب، فاشتركا معا في الاسم واسم الأبي، فالذهلي الذي سألتم عنه البارحة وهو محمد بن يحيى، الذهلي، في طبقته ثمانية أشخاص كلهم اسمه محمد بن يحيى، وهم متفاوتون في الدرجة، لكنهم جميعا من رواة الحديث، وهم في نفس الطبقة، فيشتركون في الاسم واسم الأب أيضا فهذا النوع يسمى بتبيين المهمل، \" وإن جحد الشيخ مرويه جزما رد \"، إذا حدث الشيخ بحديث عن شيخ آخر، فسئل شيخه عن ذلك الحديث فأنكره فقطعا أحدهما كاذب، إما الشيخ الذي يلينا وإما شيخه، لأن حديثهما تعارض، وإذا كان في الحديث كاذب فإسناده مردود قطعا، فلذلك إذا كَذب الشيخ من روى عنه فهذا مبطل لذلك الحديث لأن أحدهما كاذب قطعا، إلا إذا كان هذا من قبيل النسيان، وهذا النوع فيه من حدث فنسي وهم ذوو عدد، وقد سبق في حديث أنس أنه سئل هل تحفظ شيئا في البسملة قال: لا، ومن المعلوم أن حديثه في البسملة مشهور، صليت وراء رسول الله r وأبي بكر وعمر فكانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين.فهذا النوع من قبيل النسيان فلا يعد طعنا في الحديث، ولذلك فإن سهيل بن أبي صالح السمان يحدث عن تلميذه عن نفسه، لأنه حدثه بحديث عن أبيه فنسيه هو فكان يحدث عنه عن نفسه عن أبيه، لأنه هو نسي فحدثه تلميذه فقال حدثتنا عن أبيك بكذا فتأكد هو أن ذلك صحيح فكان يقول: حدثني فلان عن نفسي عن أبي بكذا، وهذا من تمام الورع، لأنه هو لم يتذكر أن أباه حدثه بذلك وهو يثق بتلميذه تمام الثقة، وكذلك ما جاء أيضا في حديث قضاء النبي r بالشاهد واليمين وهو في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وله شواهد عن عدد من الصحابة، وهذا الحديث هو من رواية سيف بن عمر عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس، والذين حدثهم سيف بن عمر عن ابن جريج لقوا ابن جريج فسألوه فأنكر هذا الحديث وأثنى على سيف بن عمر، فأثنى على سيف بن عمر وزكاه ومع ﺫالك نسي هو الحديث، فلم يذكره، فليس هذا علة في الحديث لأنه من قبيل النسيان فلﺫالك قال، وإن جحد الراوي أي أنكر مرويه جزما أي جزم بإنكاره رد، أي لم يقبل لأن أحدهما كاذب، \" أو احتمالا قُبِلَ في الأصح \"، إذا لم يرده جزما وإنما رده احتمالا فقال لا أذكر هذا أو لا أحفظه فهذا النوع لا يرد بل يقبل في الأصح، \" وفيه من حدث فنسي \"، أي هذا القسم من أقسام الحديث يسمى من حدث فنسي، وقد ألف فيه عدد من المؤلفين كالخطيب البغدادي وغيره، \"وإن اتفق الرواة في صيغ الأداء أو غيرها من الحالات فهو المسلسل \"، هذا قسم من أقسام الحديث يسمى المسلسل، وهو من أقسام الحديث باعتبار صفة الناقلين لكنه لا يقابله لقب من الألقاب، فلذلك لم نذكره في التقسيم السابق، فالمسلسل أن يتفق الراوون في الطبقات على هيئة أو صفة أو صيغة أداء أو نحو ذلك مما يقترن بالتحديث فيدل على الضبط، والمسلسلات من فوائدها سهولة الضبط ومنها شهرتها ولكن كثيرا من المسلسلات من الضعاف، ومن أشهر المسلسلات حديث الرحمة وهو المسلسل بالأولية، وقد دأب أهل الحديث على التحديث به في أول مجالس التحديث فيقول الشيخ حدثنا فلان وهو أول قال حدثنا فلان وهو أول قال حدثنا فلان وهو أول، وهو أول أي وهو أول حديث سمعته منه، وينتهي التسلسل فيه إلى سفيان بن عيينة وهو يرويه عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي r قال: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمْكم من في السماء» وفي رواية: «ارحموا من في الأرض يرحمُكم من في السماء» بالرفع، وفي رواية الراحمون يرحمهم الرحمن عز وجل بصيغة الثناء على الله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، وهذا الحديث أخرجه الترمذي في السنن، والبزار في مسنده وغيرهما، وهو مشهور بالحديث المسلسل بالأولية، ومثله المسلسل بالمصافحة، فالنبي r قد يحدث بعض أصحابه بحديث في حال المصافحة، كتعليمه لابن مسعود التشهد وكفي بين كفيه، وهذا يدل على جواز المصافحة باليدين معا، وقد ذكر بعض أهل الفقه أن هذا من مصافحة الأعاجم ولكن هذا الحديث يرد ذلك، فابن مسعود أخبر أن النبي r علمهم التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن قال: وكفي بين كفيه، فهذا ضبط للهيئة، ومثل ذلك الحديث المسلسل بالضيافة بالأسودين التمر والماء، ومثله الحديث المسلسل بوضع اليد على الذقن وقد كانت ست العرب تحدث به فتضع يدها على ذقنها، الشيوخ يحدثون به فيضعون أيديهم على لحاهم، وست العرب امرأة فقد وصل إليها هذا الحديث فكانت تحدث به مسلسلا فتضع يدها على ذقنها ، فليس لها لحية هي امرأة ولكن تضع يدها على ذقنها ليستمر الإسناد، بالتسلسل، ومثل ذلك الحديث المسلسل بالابتسامة هو حديث الركوب حديث علي بن أبي طالب وقد كان صلاح الدين الأيوبي رحمه الله من المهتمين بالحديث والأسانيد وكان يحدث بالأحاديث فيجتمع عليه طلاب العلم فيحدثهم، وحدثهم ذات يوم بهذا الحديث فلم يبتسم فرغبوا إليه أن يبتسم حتى يستمر لهم الإسناد مسلسلا بالابتسامة، فقال إني أستحيي من الله عز وجل أن أبتسم وبيت المقدس في يد الصليبيين، فكان هذا عجبا منه رحمه الله وعلو همة، فلذلك يسر الله له فتح بيت المقدس وإنقاذه من الصليبيين بعد أن مكث تحت أيديهم ستا وتسعين سنة، ويومكم هذا ما زال بيت المقدس تحت أيدي الصهاينة من فترة و مدة، فمن من الساسة أو القادة يقول مثل ما قال صلاح الدين الآن؟ إني لأستحيي من الله أن أبتسم وبيت المقدس بيد الصليبيين، فهذا النوع يسمى بالمسلسلات، وذلك أنه بمثابة السلسلة، لأن كل إنسان يحاكي سابقه في الوصف أو في الهيئة أو في طريقة التحديث أو غير ذلك من الأوصاف.

\"وصيغ الأداء سمعت وحدثني ثم أخبرني وقرأت عليه ثم قرئ عليه وأنا أسمع ثم أنبأني ثم ناولني ثم شافهني ثم كتب إلي ثم عن ونحوها\" صيغ الأداء أي أداء المحدث لما سمع تختلف باختلاف هيئة تحمله، وسيأتينا ذكر هيئات التحمل قريبا وهي ثمانية، هي السماع من لفظ الشيخ، ثم القراءة عليه، ثم إجازة الشيخ ثم مناولته ثم كتابته، ثم إعلامه، ثم وصيته بالكتاب، ثم الوجادة بخطه، فهذه ثمان صيغ هي صيغ التحمل، ويقابلها صيغ الأداء، وصيغ الأداء منوعة فأعلاها سمعت لأنها صريحة في السماع من الشيخ، و سمعت وحدثني بمنزلة واحدة، وقد قال بعض أهل العلم سمعت أصرح من حدثني، ولكن الراجح استواؤهما، ثم أخبرني والبخاري ومالك لا يفرقان بين أخبرني وحدثني، ولذلك عقد البخاري في الصحيح في كتاب العلم بابا باب قول المحدث حدثنا وأخبرنا وأنبأنا واحد، واستدل البخاري على ذلك بحديث ابن عمر أن النبي r جيء بجمار من نخل، فقال إن من الشجر شجرة مثلها مثل المؤمن لا يتحات ورقها فأخبروني ما هي وفي الرواية الأخرى فحدثوني ما هي، فضرب الناس في شجر البوادي، قال ابن عمر فوقع في وهلي أنها النخلة، فهذا الحديث أورده البخاري برواية واحدة ولم يذكر وجه الاستدلال منه لكن من عرف الحديث عرف أن مقصده أنه جاء فيه روايتان إحداهما فحدثوني ما هي والأخرى فأخبروني ما هي، وهذا يدل على أن حدثوني وأخبروني معناهما واحد، ومن الغريب أن البخاري أتى به في بابين أحدهما باب سؤال المحدث طلابه ليعرف ما معهم من العلم، فالنبي r هنا سألهم فقال فحدثوني ما هي وفي رواية فأخبروني ما هي، والبخاري امتحن بهذا طلاب العلم أيضا، لأن وجه الاستدلال خفي فهو في الرواية الأخرى فلم يذكر تلك الرواية هنا امتحانا أيضا امتثالا لأن النبي r امتحن الطلاب فسألهم، وهذا النوع من الامتحان هو من الامتحان المشروع فالامتحان قسمان امتحان مشروع وهو أن يعرف الشيخ ما مع الطلاب من العلم، والامتحان الثاني هو التعجيز، وهو منهي عنه، فقد أخرج أبو داود في السنن أن النبي r نهى عن الأغاليط، والأغاليط هي الأحاجي أي الأسئلة المحيرة، فهذا النوع من الامتحان غير مشروع، إنما المشروع هو الامتحان السهل الذي يعرف به مستوى الإنسان في العلم، لكن جمهور المتأخرين من المحدثين ومنهم مسلم بن الحجاج يرى أن أخبرني إنما تكون لما تلقاه الإنسان عن طريق الإجازة أو نحوها، لا ما تلقاه عن طريق السماع، فما تلقاه عن طريق السماع يقول فيه سمعت وحدثنا، وما تلقاه عن طريق الإجازة ونحوها يقول فيه أخبرني أو أخبرنا، وقرأت عليه وهي مثل حدثني وأخبرني، ثم قرئ عليه وأنا أسمع وهذا يقتضي أنك تقابل كتابك بالمقروء على الشيخ، فالشيخ يقرؤ عليه وأنت تسمع فتقابل ذلك بكتابك، فالقارئ لن يكون إلا واحدا، والبقية يستمعون، والجميع في الرواية سواء، القارئ والسامع في الرواية سواء، ولذلك استدل مالك بالكتاب يقرؤ على القوم فيقولون أشهدنا فلان بكذا، أي قرئ عليهم كتابه فشهدوا به، وأخرج هذا البخاري في الصحيح تعليقا عن مالك استدلالا على هذه المسألة، و قد أخبرتكم أن النسائي أبا عبد الرحمن أحمد بن شعيب رحمه الله حصل بينه وبين شيخه الحارث بن مسكين بمصر خلاف فكان الحارث يستثنيه من التحديث فيقول: أحدثكم إلا النسائي، فكان النسائي يختفي خلف الطلاب فإذا حدث عنه يقول حدث الحارث بن مسكين وأنا أسمع، ثم أنبأني، وهي مثل أخبرني، لكن غالب إطلاقها على ما كان بالإجازة، أنبأنا وأنبأني، ثم ناولني وهي لما تلقي عن طريق المناولة، ثم شافهني وهي كذلك لما تلقي عن طريق الإجازة بالمشافهة، ثم كتب إلي وهي لما تلقي عن طريق الكتابة، ثم عن، عن فلان، ونحوها وهو أن فلانا قال كذا، أو قال فلان كذا، فالأولان وهما سمعت وحدثني لمن سمع وحده، إذا كان ذلك بصيغة الإفراد سمعت، حدثني، هذا بصيغة الإفراد، إذا سمع ذلك من لفظ الشيخ، فإن جمع فقال سمعنا فلانا أو حدثنا فلان فمع غيره، أي أن السماع لم يكن فيه وحده بل كان بحضرة غيره، \" وأولها أصرحها وأرفعها في الإملاء \"، أولها أي أول الصيغ وهو سمعت وحدثنا، أصرحها أي أصرح صيغ الأداء وأرفعها فهو صريح في الإملاء أن الشيخ أملى عليه وكذلك القراءة على الشيخ فهي مثل السماع منه، وهي العرض، فالعرض مثل السماع، ولذلك عقد لها البخاري بابا باب القراءة والعرض على الشيخ، وقد كان مالك رحمه الله يقرأ الموطأ بين يديه فإذا انقطع صوت القارئ وقف المستملي حيث ينقطع فيسمع فيقف المستملي الآخر خلفه عند منقطع صوته، ولما أتاه هارون الرشيد يريد أن يسمع منه الموطأ قال اقرأ علي الموطأ فقال منذ كذا وكذا من السنين لم أقرأه على أحد ولكن اقرأه أنت فقرأه الرشيد بين يدي مالك، وقد كتب إليه الرشيد يأمره أن يقدم عليه بالعراق حتى يحدثه بالموطإ فقلب مالك الكتاب فكتب أما بعد يا أمير المؤمنين فإن هذا العلم فيكم نزل وعنكم أخذ فإن رفعتموه ارتفع وإن وضعتموه اتضع، فلما وصل الكتاب إلى الرشيد رحل ببنيه إلى مالك حتى سمع منه الموطأ وهذا من عزة أهل العلم ولا بد منها، فالذي ائتمنه الله على الوحي لا بد أن يعرف أنه ائتمن على أمانة عظيمة وأنه اختير وعاء لأشرف شيء في الأرض، فلذلك لا بد أن يكون عزيزا بما آتاه الله، كما قال سليمان عليه السلام: {فما آتاني الله خير مما آتاكم}، فلا بد أن يستشعر طلاب العلم أن ما أوتوا هو خير مما أوتيه أهل الدنيا مما يتنافسون فيه، وقد قال الله تعالى لرسوله r ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى، ولهذا يقول الشريف الجرجاني رحمه الله:

ولو أن أهل العلم صانوه صانهم
ولكن أذلوه جهارا وجهموا

 

ولو عظموهُ في النفوس لعظما
محياه بالأطماع حتى تجهما

وهذا عكس ما كان عليه مالك رحمه الله، فقد كان صاحب عزة بما آتاه الله من العلم والإيمان والتقوى، ولذلك قال فيه عبد الملك بن معذل:

يأبى الجواب فما يكلم هيبة
شرف الوقار وعز سلطان التقى

 

والسائلون نواكس الأذقان
فهو المهيب وليس ذا سلطان

\" والثالث \" وهو أخبرني \" والرابع\" وهو قرأت \" لمن قرأ بنفسه \" إذا كان قرأ بنفسه على الشيخ ، \" فإن جمع \" فقال أخبرنا أو قرأنا \" فهو كالخامس \" أي فهو مع غيره، إذا قال أخبرنا أو قرأنا على فلان فمعناه أن معه غيره في حال السماع، \" والإنباء بمعنى الإخبار \"، أي هو مساو له في الاصطلاح \" إلا في عرف المتأخرين فهو للإجازة \"، فأنبأنا إنما هي للإجازة ولذلك تكثر في كلام المتأخرين، فالبيهقي رحمه الله تجدون في سننه أبنا، أبنا معناه أنبأنا، فهي لما تلقي بالإجازة، و أبنا اختصار لأنبأنا، إلا في عرف المتأخرين فهو للإجازة ، كذلك عن فلان فهي لدى المتأخرين للإجازة في الغالب، \"وعنعنعة المعاصر محمولة على السماع إلا من مدلس\"، إذا كان التلميذ لقي شيخه فحدث عنه بعن، فهذا يحمل على السماع في حق غير المدلس، أما المدلس فإذا قال عن فلا تحمل على السماع لأن هذا من صيغ التدليس وقد سبق التنبيه على ذلك عند ذكر التدليس، 

 


عدد مرات القراءة : 6014



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22883867
المتواجدون الأن       15
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو