» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر الشريط الثاسع الخاتمة




بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، قال المؤلف رحمه الله: «خاتمة» قد انتهى المؤلف رحمه الله من مصطلح الحديث بالمعنى الأخص، وبدأ في ذكر بعض علوم الحديث المستقلة وهي علوم أخرى يستحق كل واحد منها أن يدرس في دورة مستقلة، وقد ألفت فيها كتب كاملة، وهذه العلوم الأخرى منها علم الرجال والجرح والتعديل، ومنها علم التخريج، ومنها علم العلل، ومنها علم دراسة الأسانيد، وغير ذلك من العلوم المستقلة، وقد ألف فيها عدد من الكتب الخاصة بها، وسنقيم في بعضها إن شاء الله بعض الدورات، كعلم الرجال والجرح والتعديل، وكعلم التخريج ودراسة الأسانيد وكعلم العلل، فهذه العلوم الثلاثة من أهم علوم الحديث ولا يمكن أن يكون الإنسان طالبا للحديث متمرسا إلا إذا كانت له مبادئ من علم الرجال والجرح والتعديل ومن علم التخريج ودراسة الأسانيد ومن علم العلل، فقال هنا: «ومن المهم معرفة طبقات الرواة ومواليدهم ووفياتهم وبلدانهم وأحوالهم تعديلا وتجريحا وجهالة» هذا العلم ما اسمه؟ علم الرجال وعلم الجرح والتعديل، يسمى علم الرجال وعلم الجرح والتعديل، وهو العلم الذي يبحث فيه في معرفة طبقات الرواة، والطبقات هي المتعاصرون الذين اشتركوا في الشيوخ وفي التلقي، والحافظ ابن حجر بخصوصه له اصطلاح خاص فهو يرى أن الطبقة غالبا يجمعها ثلاث عشرة سنة، ثلاث عشرة سنة من بداية مواليدهم فهؤلاء تجمعهم طبقة في الغالب، فطبقات الرواة مهمة لأنه يعرف بها أولا الاتصال والانقطاع في الإسناد، وهذا أهم شيء لأنه من شرط القبول، وأنتم تعرفون أننا قسمنا الحديث إلى مقبول ومردود، وأن المقبول يشمل الصحيح والحسن، وأن المردود هو الضعيف بأنواعه كلها، وأن من شرط الصحة والحسن أن يكون الحديث متصل الإسناد، وإذا كان الإنسان لا يعرف الطبقات أن يقبل مثلا روايتنا نحن الآن عن المحب الطبري، أو عن شيخ من القدماء، لأنه لا يعرف طبقات الناقلين، وبهذا لا يعرف الفرق بين المتصل والمنقطع، فلذلك يعرف بالطبقات الاتصال والانقطاع والإعضال ونحو ذلك، وهذا مهم جدا في تصحيح الحديث، إذ لا يمكن تصحيحه ولا الحكم عليه بالضعف من جهة الانقطاع إلا بمعرفة طبقات الرواة، ولذلك فإن الشافعي رحمه الله سمع رجلا يستدل بحديث في زمانه هو، فقال عمن هذا الحديث، فقال عن شعبة، قال ثم من، قال عن عبيدة السلماني، إن بين شعبة وعبيدة لمهامه تضل فيها البُلق، مهامه أي فيافي خلوات، تضل فيها البلق أي تضل فيها الخيل البلق، لا تدري أين تذهب، فلا بد من معرفة الطبقات إذن، \"ومواليدهم\" والمواليد جمع ميلاد وهو تاريخ ولادة الراوي، وذلك مهم جدا لمعرفة الطبقات، لأنك إذا لم تعرف مولده فيمكن أن يدعي أنه ابن مائة سنة، وأنه لقي كثيرا من الأكابر، والواقع أن شكل الإنسان قد لا يدل على عمره، فعدد من الذين سبقونا كانت تظهر عليهم أمارات الكبر وهم شباب صغار، والعكس صحيح كذلك، ولهذا فإن الضحاك المشهور لدى المفسرين لقب الضحاك لأنه ولد وله أسنان كاملة، وكذلك فإن محمد بن عجلان وإخوته كانوا يولدون وفي أجسامهم ضخامة، أي كبر، وقد قال مالك رحمه الله لما قيل له: إن عائشة رضي الله عنها قالت إن الجنين لا يمكث في بطن أمه أكثر من سنتين بفلكة مغزل، فلكة المغزل ما يسكن الغزل في رأس العود الذي يغزل به، قال مالك سبحان الله هذه امرأة عجلان جارتنا امرأة صدق وزوجها رجل صدق، أتت بأولادها يمكث كل واحد منهم في بطنها أربع سنين، وهذا من الأمور العادية التي المرجع فيها إلى عادات النساء، وقد قال الله تعالى: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار ومذهب أبي حنيفة رحمه الله أن أقصى أمد الحمل لا يتجاوز سنتين، والجمهور يرون أنه يتجاوز ذلك وقد اختلفوا فيه فقيل أربع سنوات وقيل خمس سنوات، وقال الزهري رحمه الله  بل سبع سنوات، وقال بعض أهل العلم بل عشر سنوات، فلذلك يحتاج إلى معرفة الطبقة، معرفة ميلاد الإنسان، ليعرف من أدرك من الشيوخ ممن لم يدركه، \"ووفياتهم\" أي يحتاج كذلك، من المهم أن تعرف وفياتهم أي تواريخ وفاة كل واحد منهم، فمواليدهم لئلا يدعوا، ووفياتهم لئلا يدعى عليهم، فالإنسان إذا لم يعرف مولده بالإمكان أن يدعي السبق، وإذا لم تعرف وفاته بالإمكان أن يدعي غيره أنه أدركه، لكن إذا لم يعرف مولده لا طعن فيه هو من ذلك القبيل، إذ لا علاقة للتجريح والتعديل بطول العمر والبقاء، نعم قد يترتب على ذلك أمر آخر وهو سن الانقطاع عن التحديث، وقد سبق الكلام فيها، وذكرنا أن ابن خلاد جزم بثمانين سنة، وأن بعض المحدثين حدثوا بعد المائة كالهجيني والطبري وغيرهما، \"وبلدانهم\" فهذا من نسبتهم فالبلدان التي سكنوها من المهم معرفتها ليعرف اتصال الإسناد كذلك لأن كثيرا من الناس يعرف أنه لم يسافر، فروايته عن إنسان لم يخرج أيضا من بلد من البلدان وهو لم يكن أيضا من أهل ذلك البلد منقطعة، فلهذا لا بد من معرفة بلدانهم أي البلدان التي استقروا فيها، وقد يكون للراوي بلدان متعددة فينسب إلى بلد ثم ينتقل منه فيسكن بلدا آخر فينسب إليه، وكانت البلدان قديما مؤثرة فيما يتعلق بالثقة لدى الناس، فكان الناس يثقون بعلماء بعض الأمصار، ويطعنون في رواة بعض الأمصار بسبب شيوع بعض الفتن أو الملاحم أو غير ذلك في تلك الأمصار، فمثلا المصران المشهوران في العراق البصرة والكوفة شاعت فيهما الفتن من أواخر عهد الخلافة الراشدة، وأهلهما كان فيهما عدد كبير من الصحابة والتابعين فكان مع علي رضي الله عنه ثمانمائة ممن بايع تحت الشجرة، لكن بعد الصحابة كثر أهل الأهواء في المصرين، فاشتهروا بالفتن، فمنهم الخوارج الذين قتلوا عثمان وعليا رضي الله عنهما، وهم من أهل هذين المصرين، ومنهم كذلك الجهمية الذين عطلوا صفات الباري سبحانه وتعالى وأنكروا معاني أسمائه، ومنهم كذلك الروافض الذين رفضوا إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وادعوا أنهم ينتصرون لعلي رضي الله عنه، ومنهم الذين شاركوا في قتل الحسين رضي الله عنه ومن معه من آل بيت النبي r، وكل هؤلاء من أهل الأهواء، فلذلك اشتهر وضع الحديث في المصرين في البصرة والكوفة، وقد ذكرت لكم أن مالكا رحمه الله كان يسمي البصرة دار الضرب فيقول يخرج إليهم الحديث من عندنا شبرا فيعود إلينا ذراعا، ويخرج إليهم ذراعا فيعود إلينا باعا،  يضرب فيها الحديث كما تضرب فيها الدراهم، وبعض الأمصار تشتهر بالاستقرار السياسي والعلمي، فأهلها أهل ثقة في غالبهم وجمهورهم، ولذلك فإن أهل التعديل إذا قالوا فلان مدني ثقة، فهذا منتهى ما لديهم، فأهل المدينة في الصدر الأول لم يكن فيهم أهل الأهواء، وإنما دخلت الأهواء المدينة في نهاية القرن الخامس الهجري، وقد غلب الروافض على المدينة في القرن السادس الهجري ومكثوا مائة وعشرين سنة يؤمون الحرم النبوي ويقضون في المدينة، وقد غيروا أوقافها وغيروا أوقاف النبي r وأصحابه، وأول قاض من أهل السنة عدل ذلك وغيره هو والد إبراهيم بن فرحون المالكي صاحب التبصرة، وكذلك مصر فإنها كانت بلد أهل العلم قديما، ولم يدخلها أهل الأهواء إلا بمجيء العبيديين إليها، فإن المعز الفاطمي لما أتاها قتل كثيرا من أئمة أهل السنة، واستولى على مصر وبنى القاهرة، وأتى بالبدع معه، لكن قبل ذلك كانت مصر دار سنة وحديث وكان أهلها أهل ثقة، وكان يشتهر فيها الورع والزهد، وكذلك أهل الشام فقد بشروا بعدد من البشارات النبوية، كقول النبي r فيما أخرج عنه الترمذي في السنن: «إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم» وهذا مؤذن بأن صلاح هذه الأمة سيبقى موجودا بالشام، ومن ذلك قول النبي r: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» فقيل أين هم يا رسول الله؟ قال: «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» وقد جمع الحافظ ابن عساكر رحمه الله فضائل الشام في كتاب مستقل فأورد فيه كثيرا من الأحاديث الواردة في فضل الشام، ويكفي أن الله تعالى سمى تلك الأرض الأرض المباركة، قال: ﴿الذي باركنا حوله ﴿إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله وكذلك اليمن فقد كانت قديما دار سنة وسكن بها عدد من الصحابة والتابعين، واشتهر فيها حفظ الحديث وإتقانه، وقد زكاه النبي r في عدد من الأحاديث الصحيحة كقوله r: «يقدم عليكم أهل اليمن وهم أرق قلوبا وأصفى أفئدة الإيمان يماني والحكمة يمانية» وفي حديث آخر والفقه يمان، وكذلك في حديث آخر أنه قال: «إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن» وكذلك فإنه ذكر القراء من أهل اليمن وهم الأشعريون الذين منهم أبو موسى وأبو عامر الأشعريان رضي الله عنهما، فلذلك من المهم معرفة بلدان الرواة \"وأحوالهم\" وأحوال الرواة، وأحوال الرواة هي صفاتهم وهي تقسم ثلاثة أقسام إما أن تكون تعديلا وهو مؤذن بالقبول، أو تجريحا وهو مؤذن بالرد، أو جهالة وهي بينهما، فلذلك \"قال وأحوالهم تعديلا وتجريحا وجهالة\" هذه أحوال الرواة بالتعديل بمراتبه المختلفة، والتجريح بمراتبه المختلفة، والجهالة بدرجتيها، وهما جهالة العين وجهالة الحال، فهذا من المهم معرفته، فالرواة المشاهير الذين عرفت أحوالهم تعديلا وتجريحا، يسهل على طالب العلم بسماعه للحديث أن يعرف الحكم عليه، فمن المهم أن يكون له رصيد من معرفة أحوال الرواة تعديلا وتجريحا وجهالة ولو كان ذلك لا يحاط به، والخلاف فيه كثير جدا ويصعب ضبطه، لكن مع ذلك إذا كان للطالب مبادئ وعرف بعض الأسانيد وحفظها، وعرف الحكم عليها وعرف أوصاف رجالها فهذا يكون لديه ملكة تعينه على البحث في ذلك في المستقبل، وكذلك من المهم معرفة مراتب الجرح، أي مراتب المجروحين في الجرح، وهذه المراتب منوعة، فأسوؤها الوصف بأفعل كأكذب الناس، فهذا أسوأ ما يجرح به أن يقال فلان أكذب الناس، وكذلك دونها دجال، إذا قيل دجال أو قيل كذاب أو قيل وضاع مرتبة دون ذلك، وأسهلها أي أقربها من التعديل أن يقال لين أو سيئ الحفظ أو صدوق يهم، أو فيه مقال أو مقارب الحديث، وهذا اللفظ وهو مقارب الحديث يطلق عند أهل الحديث بصيغة اسم المفعول وبصيغة اسم الفاعل،فيقال مقارِبَ الحديث ويقال مقارَبُ الحديث وهو يرد لدى بعض أهل الحديث في التجريح ويرد لدى بعضهم في التعديل، فبعض أهل الحديث إذا قال فلان مقارَب الحديث أو مقارِب الحديث يجعلون ذلك من أدنى مراتب التعديل، وبعضهم يجعله من أسهل مراتب التجريح، وذلك لأن التعديل والتجريح من الضدين، والضدان طرفاهما متقاربان، فأقل شيء في التعديل قريب من أدنى شيء وأضعفه في التجريح أيضا، لأنك إذا أخذت خطين متقاطعين فأصول الخطين ستجتمع، وسيختلف طرفاهما ويبتعدان، فلذلك قال وأسهلها لين أو سيئ الحفظ أو فيه مقال، ومثل ذلك مقارب الحديث أو فيه نظر أو نحو ذلك، ومن مراتب الجرح بين ذلك ساقط، لا يساوي شيئا، لا يزن درهما، ارم به، لا يكتب حديثه، وهكذا فهذه مراتب بين هذا وهذا، وإذا بولغ في وصف من المراتب المتوسطة فإن ذلك يرقى به إلى ما فوقه، مثلا إذا قيل: ساقط بالمرة، فهذا يجعله بمثابة الوضاع والكذاب، أو على الأقل يجعله بمثابة المتروك، والمتروك هو الذي اتفق على تركه تقريبا، تركه أكثر أهل الحديث، بالمرة معناه مطلقا، وبعض الأسانيد قد يشتهر بذلك فيكون الكذاب يروي عن كذاب فيشتهر الإسناد بذلك فيوصف بهذه الأوصاف فيقال هذا إسناد الكذب، كما يقول أهل الحديث في إسناد محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في التفسير يقولون هذا إسناد الكذب، محمد بن السائب الكلبي كذاب، وأبو صالح الذي يروي عنه عن ابن عباس كذاب أيضا، أبو صالح الذي يروي عنه الكلبي عن ابن عباس كذاب وهو معاصر للإمام الثبت أبي صالح السمان، الذي يروي عن أبي هريرة رضي الله عنه، وأبو صالح السمان ثبت ثقة مدني من التابعين، وأبو صالح الذي يروي عن ابن عباس كذاب، ومراتب التعديل، كذلك من المهم معرفة مراتب التعديل، أي من المهم أن يعرف الإنسان ما يحصل به التعديل أولا وما يحصل به التجريح ثم أن يعرف مراتب الناس في الجرح والتعديل، ومراتب التعديل أرفعها الوصف بأفعل كأن يقال فلان أوثق الناس، وقد قال أحمد مالك أثبت الناس في كل شيء، لما سئل عن ابن عيينة ومالك أيهما أثبت في الزهري قال مالك أثبت الناس في كل شيء، فهذا النوع هو أعلى درجات التعديل، أن يقال أثبت الناس أو أوثق الناس أو أصدق الناس، وهذا النوع قد تقع فيه المبالغة أيضا كسليمان بن بلال اشتهر لدى المحدثين بالمصحف، يسمى المصحف لصدقه، سليمان بن بلال كان يسمى بالمصحف لصدقه، فلذلك قال \"وأرفعها الوصف بأفعل كأوثق الناس، ثم ما تأكد بصفة أو صفتين\" ثم بعده ما تأكد بصفتين ثم ما تأكد بصفة واحدة، فالمتأكد بصفتين: ثقة ثبت حافظ، مثلا، فيكون ذلك ثلاث صفات، الصفة الأولى هي التعديل والصفتان بعدها تأكيد لها، سواء كان ذلك بنفس اللفظ كأن يقال ثقة ثقة ثقة مثلا، فهذا تأكد بصفتين، أو بغير اللفظ كأن يقال ثقة ثبت حافظ، أو ثقة ثبت إمام فهذا النوع هو مما تأكد بصفتين، والذي تأكد بصفة واحدة، حافظ ثبت، أو ثقة ثقة، أو ثقة ثبت، أو نحو ذلك فيتأكد بصفة واحدة، فلذلك قال \"وأدناها ما أشعر بالقرب من أسهل التجريح،\" أدناها أي أدنى مراتب التعديل ما أشعر بالقرب من أسهل مراتب التجريح، وذلك كقولهم شيخ، ومثل ذلك لو صغر فقيل شييخ، ومثل ذلك ما لو قيل يكتب حديثه، ونحوها مقارب الحديث مقارب الحديث فهذا النوع يقرب مما لو قيل لين فهو قريب من مراتب التجريح، ولذلك قال: \"وأدناها ما أشعر\" أي دل على القرب من أسهل التجريح أي من أسهل مراتب التجريح، كشيخ، قال: \"وتقبل التزكية من عارف بأسبابها\" وتقبل سقطت الواو هنا من النسخة التي بين أيديكم، وتقبل التزكية من عارف بأسبابها، بالنسبة للجرح والتعديل أمر خفي لأنه يرجع إلى اعتقاد إنسان في آخر بسبب مخالطته له، والإنسان يخفى كثير من أوصافه على من لم يخالطه، لأنه بالإمكان أن يتخلق بخلق لدى أقوام فيغرهم به ولديه خلق سواه، ولكن المخالطة قاضية بكشف ذلك كما قال زهير بن أبي سلمى:

ومهما تكن عند امرئ من خليقة

 

ولو خالها تخفى على الناس تعلم

فبالمخالطة يعرف التصنع، واتصاف الإنسان بما ليس فيه، وأول نظرة ينظر بها إلى الإنسان قد لا تأتي بحقيقته:

وكائن ترى من صامت لك معجب
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده

 

زيادته أو نقصه في التكلم
فلم يبق إلا صورة اللحم والدم

فلذلك يحتاج إلى المخالطة في الجرح والتعديل، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا سمع من يعدل أحدا، سأله هل سافرت معه، هل خالطته في الدينار والدرهم، فهذه هي الأمور التي يعرف بها الناس، فالسفر يكشف به الرجال لما فيه من خوض الغمرات والمهالك، ولما فيه من الحاجة إلى الصبر، وهو كما وصفه النبي r من العذاب، كما قال النبي r في حديث عائشة وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنهما: «السفر قطعة من العذاب»، فلذلك يكتشف به الرجال، فالإنسان قد لا يعرف إلا في وقت المحنة، لأنها هي المحك، فإذا سافرت معه أو دخل معك في محنة أو كان في وقت الشدة والضيق فستكتشف حينئذ الرجال ممن سواهم، وسيتبين لك أهل الصدق وأهل الصبر وأهل القوة والجلد، فلهذا كان لا بد من معرفة أحوال الرجال، ولا يكون ذلك إلا ممن إذا صدر عنه تعديل أو تجريح وثق به، فلهذا قال: «وتقبل التزكية» أي يقبل التعديل، التزكية هي تفعلة من زكى فلانا يزكيه إذا نسبه إلى الزكاء، والزكاء الطهارة، والمقصود بها طهارة العرض أي السلامة من العيوب، وقد يكون الإنسان عالما لكنه غير مزكى، غير زاك فهو غير طاهر من العيوب، ولهذا قال ابن تيمية رحمه الله في أئمة الفلاسفة الأقوياء، قال أوتوا ذكاء ولم يعطوا زكاء، أوتوا ذكاء وهو القوة العقلية، ولم يعطوا زكاء أي لم يطهرهم الله تعالى من أمراض الإيمان، والتزكية هي التعديل وهي اصطلاح فقهي، فالشاهد لا تقبل شهادته حتى يزكى، والتزكية في الشهادة إنما تقبل من المبرز في الشهادة، واختلف هل يكفي فيها واحد أو لا بد من اثنين، كما اختلف أيضا في التعديل هل لا بد فيه من التعدد أو يكفي فيه واحد، والراجح قبول الواحد في التزكية دائما، وإنما اشترط أهل العلم التبريز فيما يتعلق بالتعديل خشية التسلسل، لأنه لو كان كل من هب ودب يزكي لاحتاج هو أيضا إلى مزك، فيحتاج ذلك المزكي إلى مزك آخر، لكن إذا كان محل ثقة لدى الجميع وكان مبرزا فلا يحتاج إلى تزكيته، فينقطع التسلسل عنده، فلذلك قال: «وتقبل التزكية من عارف بأسبابهما» أو بأسبابها من عارف بأسبابهما أي أسباب الجرح والتعديل، أو بأسبابها أي بأسباب التزكية وهي التعديل وحده، فإذا قلت من عارف بأسبابهما أي أسباب الجرح والتعديل، فلا بد أن يكون عالما بأسبابهما، فأسباب التعديل منها الصلاح والصدق والاستقامة والسلامة من البدع والفسق، والجرح من أسبابه أيضا الفسق والطعن كما سبق في أنواع الطعن، \"ولو من واحد على الأصح\" أي تقبل التزكية حتى لو لم تصدر إلا من شخص واحد، إذا كان إنسان معروفا بالرواية وقد روى عنه عدد من الناس، لكن زكاه من أهل الجرح والتعديل واحد فإن تزكيته كافية، ومحل هذا إن لم يكن المزكي من أهل التساهل، فأهل الجرح والتعديل أيضا ثلاث درجات متشددون ومتساهلون ومتوسطون، فالمتشددون في التعديل والتجريح من أمثال النسائي، والنسائي هو أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، المتوفى سنة ثلاثمائة وثلاث، في الهجرة، وهو أحد أصحاب الكتب الستة، مؤلف السنن، وهو من المتشددين في التعديل، ولذلك جرح بعض الأئمة الكبار كأحمد بن صالح المصري، وهو ثقة لدى أهل الحديث، ولكن النسائي كان سيئ الظن به فجرحه، وللنسائي كتاب الضعفاء وهو كتاب صغير مطبوع وفيه بعض التشدد في الجرح، أما المتساهلون فمن أمثال أبي حاتم محمد بن حبان ، وهو شيخ الحاكم وشيخ الدارقطني أيضا، وهو من المتساهلين ليس باعتبار عامة الناس، بل بمقتضى شرطه هو، لأنه سبق أنه يشترط أن يكون الإنسان من نقلة العلم ولا يعرف فيه طعن فيبقى مستورا فيكفي ذلك لتعديله، إذا كان الإنسان من نقلة العلم ولم يتكلم فيه أحد بجرح فذلك كاف لتعديله عند ابن حبان، ومن المتساهلين تلميذه الحاكم كذلك، لكن تساهل الحاكم ليس مثل تساهل ابن حبان، فتساهل ابن حبان يتعلق بالشرط، ولذلك فابن حبان سمى كتابه الصحيح التقاسيم والأنواع، صحيح ابن حبان اسمه التقاسيم والأنواع، فجعل فيه أهل الحديث أنواعا وروايتهم أقساما، وعلى أساسها رتب كتابه، وأما الحاكم فكثيرا ما يتساهل ويصف الحديث بأنه على شرط البخاري ومسلم أو على شرط البخاري أو على شرط مسلم فيرمز له بالخاء والميم أو بالخاء فقط أو بالميم فقط، فإذا رمز له بالخاء والميم معناه على شرطهما، وإذا رمز له بالخاء فقط معناه على شرط البخاري، وإذا رمز له بالميم فقط فعلى شرط مسلم، ويكون الواقع خلاف ذلك تماما، فالحاكم متساهل تساهلا أشد من تساهل ابن حبان، وكذلك من المتساهلين أيضا في التصحيح الإمام محمد بن عيسى بن سورة الترمذي صاحب السنن، فهو وإن كان إماما في الحديث غير مدفوع، إلا أنه يتساهل في بعض الأحيان في تصحيح بعض الأحاديث، ومن الغريب في الأمر أنه يصف الحديث الواحد بأنه حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ويقول وسألت محمدا عن هذا الحديث، محمد شيخه البخاري، يقصد به محمد بن إسماعيل بن إبراهيم البخاري، هذا الترمذي الإمام صاحب السنن، مؤلف كتاب السنن ومؤلف كتاب العلل، قال: \"ولو من واحد على الأصح\" ومن المعتدلين في الجرح والتعديل والأئمة المشاهير في هذا أئمة الإسلام في الجرح والتعديل عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي مؤلف كتاب الجرح والتعديل، بدأ أولا كتابه بتراجم أهل الجرح والتعديل أي الذين يعدلون ويجرحون، وأول ترجمة فيه ترجمة مالك بن أنس، فهو إمام أهل الجرح والتعديل الأول، ثم بعده شعبة بن الحجاج، ثم سفيان الثوري وهكذا فهؤلاء أئمة الإسلام في الجرح والتعديل، ومنهم من المتوسطين في الجرح والتعديل الإمام البخاري رحمه الله، فهو متوسط وكذلك شيخاه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، وكذلك إسحاق بن راهويه وعلي بن المديني، وكذلك الإمام القطان يحيى بن سعيد، فكل هؤلاء من المتوسطين في الجرح والتعديل، ومحل قبول الواحد إن لم يخالفه غيره، فإن اختلف اثنان فسيأتينا هذا فجرح أحدهما وعدل الآخر فبأيهما يؤخذ، قيل يقدم الجرح على التعديل، وقيل يقدم المفسر منهما، وقيل ينظر إلى من صدر عنه ذلك فإن كان المجرح أقوى وأوثق من المعدل أخذ بقوله، وإن كان المعدل أقوى وأوثق أخذ بقوله، ويمكن حينئذ الترجيح بكثرة العدد، فكثيرا ما تجدون في رجال الكتب الستة إذا رجعتم إلى كتاب تهذيب الكمال أو إلى مختصراته كتهذيب التهذيب وتقريب التهذيب للحافظ ابن حجر وتذهيب التهذيب للذهبي، وخلاصة التهذيب للخزرجي، ستجدون كثيرا خلافا فيما يتعلق بالجرح والتعديل، اختلافا بين الأئمة فيما يتعلق بالجرح والتعديل، فيمكن الترجيح حينئذ بكثرة العدد فإذا كان الذين جرحوا أكثر من الذين عدلوا فيؤخذ بقولهم، وإذا كان الذين عدلوا أكثر من الذين جرحوا فيؤخذ بقولهم، قال: \"والجرح مقدم على التعديل\" أي إذا تعارض الجرح والتعديل تعارض رأي إمامين فأكثر فجرح أحدهما وعدل الآخر، فالجرح مقدم على التعديل لأن مع الجارح مزيد علم، فالجارح ناقل عن أصل، لأن الأصل في الإنسان السلامة من الجرح والذي يجرح ناقل عن الأصل، والناقل عن الأصل معه مزيد علم، وقيل بل يقدم التعديل لأن مع المعدل أصلا فهو بمثابة المدعى عليه، والمدعى عليه لا يكلف عبء الإثبات بل يكلف بذلك المدعي لقول النبي r: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» فالمعدل منكر لما يحصل من التجريح، وهذا يرجع إلى خلاف لدى أهل التربية، هل الأصل السلامة من أمراض القلوب أو الأصل وجودها، فجمهور المربين يرون أن الأصل السلامة من أمراض القلوب، وأنها عارضة في الإنسان ويستدلون بقول الله تعالى: ﴿فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم، وبقول النبي r: «كل مولود يولد على الفطرة، حتى يكون أبواه هما اللذان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» ولقول النبي r: «ما من مولود إلا وينتج كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، فهل ترى فيها من جدعاء» وفي رواية «فهل ترى فيها من جدع» فالجدع القطع، أي فهل ترى في البهيمة وحدها من جدع أي من قطع، وفي رواية أخرى: فهل ترى فيها من جدعاء أي هل ترى في البهائم من جدعاء أي مقطوعة الأذن، وذهب الغزالي وهو أبو حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة خمسمائة وخمس ذهب إلى أن الأصل في الإنسان وجود أمراض القلوب، واستدل لذلك بأن النبي r شق صدره فغسل قلبه وانتزعت منه المضغة السوداء التي هي مكان الشيطان من قلب الإنسان، فلو كان أحد ينجو من ذلك لنجا منه رسول الله r خلقة ولما احتيج إلى شق صدره، وأنا أرى أن الأدلة يمكن الجمع بينها، فيقال الأصل في الإنسان السلامة من مرض القلب وقابليتُه له، فالذي انتزع من النبي r ليس مرض القلب فلم يسبق عليه، لكن انتزعت منه قابليته، فلم يعد يقبله، فما كان قابلا له بإنسانيته لم يعد يقبله بعد شق صدره، فإذن القابلية هي التي نزعت من النبي r ولم ينزع منه مرض القلب لأنه لم يسبق عليه.

قال \"والجرح مقدم على التعديل إن صدر مبينا من عارف بأسبابه\" إن صدر مبينا أي إن صدر الجرح مشروحا مفسرا، فإن صدر الجرح جرحا عاما فيمكن أن يكون بسبب خلاف بينهما، ويمكن أن يكون ما يجرح لدى بعض الناس لا يجرح لدى بعضهم، ولذلك قال الفقهاء يشترط في الشهادة بالردة أن تكون مشروحة، فلا بد أن يكون ما شهد بالردة فيه مشروحا، ولذلك قال خليل رحمه الله في باب الردة: وفصلت الشهادة فيه، وفصلت الشهادة فيه أي في الكفر لا بد من تفصيل الشهادة فيه لأن ما يكفر لدى بعض الناس قد لا يكفر لدى بعض، وسبب ذلك أن قوما شهدوا عند معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما على علي بن حجر رضي الله عنه بأنه كفر كفرة شنعاء فقتله، وبعد قتله سئل أولئك الشاهدون عن الكفرة الشنعاء التي كفرها علي فقالوا انتزع نجاد سيفه من رقبته قال خلعت معاوية كما أخلع نجاد سيفي من عنقي، فهم ظنوا أن هذا من الكفر، وأنها كفرة شنعاء، فلذلك يحتاج في مثل هذا النوع إلى التفصيل، وتشدد بعض الناس في الجرح يقتضي أن يبين ما لديهم فيه، وكذلك تساهل بعضهم في التعديل، فاجتيج إلى تفسيرهما، ولذلك قال إن صدر مبينا أي مفسرا، من عارف بأسبابه أي من عارف بأسباب التعديل،\" فإن خلا من تعديل قبل مجملا على المختار\" إن خلا الجرح من تعديل فلم يعارضه تعديل ولكن جاء دون تفسير فقيل فلان مجروح أو غير مقبول أو فلان متروك أو نحو ذلك أو لا يكتب حديثه، ولم يذكر لنا سبب إعراضه عنه إذا لم يعارضه آخر بالتعديل فإن الجرح يقبل ولو كان غير مفسر إذا لم يعارضه تعديل، قال: فإن خلا من تعديل أي لم يعارضه تعديل قبل مجملا أي غير مفسر، على المختار هذا هو القول الذي اختاره عدد من أهل الحديث كابن الصلاح وغيره.

قال: «فصل ومن المهم معرفة كنى المسمين» هذا علم آخر من علوم الرجال يسمى علم الكنى والألقاب، وقد ألف فيه عدد من الأئمة كالدولابي، وأبي عمر بن عبد البر وغيرهما، الدولابي له كتاب الكنى الكبير، وهو مطبوع، وأبو عمر له كتاب الاستغناء في الأسماء والألقاب والكنى وهو مطبوع أيضا في ثلاث مجلدات، فمعرفة الكنى، أي ما يكنى به المسمون من المشهورين بأسمائهم هذا مهم، والكنى جمع كنية، والكنية من كنَاه يكْنيه ويكنوه فهي واوية يائية، أصل الفعل كنو أو كني فهي واوية يائية، فيقال كناه يكنوه ومنه قول الشاعر:

وإني لأكنو عن قذور بغيرها
وصافحت من لاقيت بالبيت دونها

 

وأعرب عنها مرة فأصارح
وكل الهوى مني لمن لا أصافح

ويطلق هذا الفعل أيضا في اللغة يائيا فيقال كناه يكنيه، والكنية هي مركب إضافي صدره أب أو أم، كأن يقال أبو فلان أبو بكر وأم كلثوم، فأبو بكر خليفة رسول الله r وأم كلثوم بنت رسول الله r فهذا في الأصل يسمى كنية، لكن من الناس من كنيته اسمه كأم كلثوم فليس لها اسم سوى هذا الاسم، فأم كلثوم بنت رسول الله r ما اسمها؟ ليس لها ولد اسمه كلثوم، واسمها كنيتها، ومن الناس من له اسم غير الكنية لكن تشتهر كنيته بين الناس كأبي هريرة، فكنيته أشهر من اسمه، ولذلك اختلف في اسمه على أقوال كثيرة، أشهرها عبد الرحمن بن صخر، وقد قيل فيه غير ذلك، وأبو بكر الصديق اسمه عبد الله ويلقب بعتيق وبالعتيق وبالصديق، وبخليفة رسول الله r، هذه ألقاب، فمعرفة كنى المسمين أي المشهورين بأسمائهم وأسماء المكنين أي أسماء الذين اشتهروا بكناهم، ومن اسمه كنيته كذلك كأم كلثوم هذا من مهمات هذا العلم، ولذلك فإنك قد تجد حديثا مرويا عن شخص معروف باسمه ولكن لم يذكر اسمه في الإسناد بل ذكرت كنيته، كأبي رجاء فإذا وجدت في حديث عن أبي رجاء الطائفي وهذا قد يوجد هكذا في عدد من كتب الحديث فاعلم أنه قتيبة بن سعيد الإمام، فالإمام قتيبة بن سعيد كنيته أبو رجاء لكن هذه الكنية غير مشهورة لدى كثير من المحدثين، فإذا وجدت حديثا مرويا عن أبي رجاء عن مالك بن أنس مثلا، فاعلم أن أبا رجاء هذا هو قتيبة بن سعيد الإمام، وكذلك قد يكون الإنسان مشهورا بكنيته، فإذا ذكر باسمه لم يعرف دون تلك الكنية، فيحتاج إذن إلى معرفة ذلك، كأبي بكر مثلا لو قيل عن عبد الله بن عثمان لما عرفته، فعبد الله بن عثمان بن عمرو بن عامر بن سعد بن كعب بن تيم بن مرة هو أبو بكر الصديق، فأبو بكر اسمه عبد الله واشتهر بكنيته، وأبوه عثمان اشتهر بكنيته أيضا كنيته أبو قحافة، وهو عثمان بن عمرو بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن قيدار بن حمل بن نبت بن إسماعيل بن إبراهيم أو ابن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم بن آزر بن ناحور بن فالغ بن عامر بن أرفخشد بن متوسلخ بن سام بن نوح بن لامك بن مهلائيل بن اليارد بن أخنوخ بن أنوش بن قينان بن شئث بن آدم عليه السلام.

\"ومن اسمه كنيته، ومن اختلف في كنيته\"، كذلك بعض الرواة يختلف في كناهم، فقد يكون للإنسان ولد فيكنى به، ثم يموت ذلك الولد فيكنى بولد له آخر، وقد يكتني الإنسان قبل أن يولد له ولد بكنية ثم يولد له ولد فيسميه اسما غير ما تكنى به، فلذلك يكنى بولده من جديد، وقد يكون الإنسان ذا كنيتين كقيس بن عاصم فله كنية في السلم وهي أبو سعيد وله كنية في الحرب وهي أبو علي، فكنيته في الحرب أبو علي، وكنيته في السلم أبو سعيد، ومن الغريب أن كنية أبي علي نادرة في الصحابة رضوان الله عليهم، تختص برجلين فقط هما اللذان اشتهرا من الصحابة بهذه الكنية، أبو علي قال الشيخ محمد عالي رحمه الله عليه:

أبو علي في الصحابة ندر
وخال الأحنف إليه زيدا

 

بابن يسار خصه أولو السير
وبعد هذين فلا مزيدا

خال الأحنف بن قيس هو قيس بن عاصم، قال تعلمت الحلم من خالي يقصد به قيس بن عاصم المقرن وليس أخا أمه ولكنه من أخواله، أي من بني المقرن، \"ومن اسمه كنيته ومن اختلف في كنيته\" وهذا كثير، فعثمان بن عفان رضي الله عنه أكبر أولاده هو عبد الله الذي أمه رقية بنت رسول الله r وكان يكنى به فيقال له أبو عبد الله، ثم ولد له عمرو وكان سيدا من سادات قريش فكني به عثمان فكان يكنى بأبي عمرو، وقد اشتهرت كنيته بأبي عمرو، وأبو عمرو في الصحابة كثيرة، فسعد بن معاذ الذي اهتز له عرش الرحمن كنيته أبو عمرو:

فما اهتز عرش الله من أجل هالك

 

سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو

وعثمان بن عفان كنيته أبو عمرو كذلك كنيته المشهورة، أبو عمرو، وله كنية أخرى وهي أبو عبد الله كما سبق، وعمرو من سادة قريش ولذلك كني به عثمان لشهرته، وسيادته ويقول فيه أحد الشعراء:

سأشكر عمروا ما تراخت منيتي
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه
رأى خلتي من حيث يخفى مكانها

 

أيادي لم تمنن وإن هي جلت
ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت
فكانت قذى عينيه حتى تجلت

وعلي بن أبي طالب كناه النبي r أبا تراب حين خرج إلى المسجد مغاضبا لفاطمة فنام في المسجد فلصقت الحصباء بجنبه جاء النبي r يسأل عنه فاطمة فقال أين ابن عمك؟ فقالت هو مغاضب وذهب إلى المسجد، فأتاه فوجده نائما قد لصقت الحصباء بجنبه، فوكزه برجله وقال قم أبا تراب، فكانت أحب كناه إليه، كانت أحب أسمائه إليه، أن ينادى أبا تراب، وكنيته المشهورة أبو الحسن، كما قال عمر رضي الله عنه: اللهم إني أعوذ بك من معضلة لا أبو حسن لها، ويكنى أيضا بأبي السبطين والحسن والحسين هما سبطا رسول الله r، وكذلك من الكنى ما يكون الإنسان فيه مكنى بغير ولده، كأبي بكر ليس له ولد اسمه بكر، وعمر كنيته أبو حفص وليس له ولد اسمه حفص، فأبو بكر له من الولد عبد الرحمن وهو أكبر أولاده وعبد الله ومحمد، هؤلاء هم أولاد أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب له تسعة أولاد عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن وعبد الرحمن وعبد الرحمن ثلاثة، وزيد وزيد وعاصم وعياض، فهؤلاء أولاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فليس فيهم من اسمه حفص، فقط كني بهذه الكنية قبل أن يولد له، فكثير من الناس يختار اسما يكنى به قبل أن يولد له، وقد يكون الإنسان لم يتزوج أصلا وله كنية مشهورة، فعدد من المتكنين بالكنى لم يتزوجوا أصلا، فابن تيمية كنيته أبو العباس، وهو لم يتزوج، وهكذا عدد من الذين تكنوا قصدوا بذلك تسننا من غير أن يكون له أبناء، والنبي r كنى عائشة بأم عبد الله وليس لها ولد أصلا، فدل هذا على جواز التكني لمن لم يكن له ولد أصلا، وقد تكون الكنية راجعة إلى شيء في خلقة الإنسان أو متاعه، ففي خلقة الإنسان كأبي حنيفة مثلا هذه كنيته أبو حنيفة واسمه النعمان بن ثابت بن زوطا، فالنعمان بن ثابت بن زوطاء هو اسمه، وكنيته أبو حنيفة لأنه في رجله حنف، رجله كانت حنفاء فكني بها فقيل له أبو حنيفة، حَنْفَاءَ معناه في أصلها اعوجاج فإذا وطئ الأرض يطأ على طرف رجله، النعمان بن ثابت بن زوطا، جده فارسي اسمه زوطا، وكذلك قد يكون المكنى به بعض متاع الإنسان كهريرة أبي هريرة، فيذكر أنه أتى النبي r فسأله عن متاعه فقال سيفي وهرتي يا رسول الله، فسماه أبا هريرة، وكان يناديه يا أبا هر، فاشتهر بذلك فكني ببعض متاعه، وكأبي بكرة وهو نفيع بن الحارث، فإنه نزل من الطائف من حصن الطائف على بكرة له فكني بها فقيل أبو بكرة، \"ومن اختلف في كنيته ومن كثرت كناه أو نعوته\" كذلك من كثرت كناه وتعددت، أو نعوته أي أوصافه، سواء كان ذلك بنسبته إلى البلدان أو بنسبته إلى القبائل أو نحو ذلك، فهذا النوع يحتاج إلى معرفته، فمثلا يحيى بن يحيى الليثي هو يحيى بن يحيى المصمودي، فقبيلته التي ينتسب إليها التي هو منها هي المصامدة وهي من قبائل البربر في المغرب، في منطقة الأطلس، وينسب إلى بني ليث لأنه مولى لهم بولاء الإسلام، فيقال فيه يحيى بن يحيى الليثي ويحيى بن يحيى المصمودي، المصمودي، نسبة إلى قبيلة مصمودة وهي من قبائل البربر وهم المصامدة.

«ومن وافقت كنيته اسم أبيه» كذلك من المهمات معرفة من وافقت كنيته اسم أبيه لئلا يقع السقط والحذف، فمثلا سعيد بن أبي سعيد المقبري والحسن بن أبي الحسن البصري، كلاهما وافقت كنيته اسم أبيه، الحسن بن أبي الحسن البصري أبو سعيد الإمام سيد التابعين في البصرة، هو الحسن بن أبي الحسن البصري، ومثل ذلك أبو إسحاق السبيعي فهو أبو إسحاق بن إسحاق، هو عكس هذا، فهذا عكس ما سبق، من وافقت كنيته اسم أبيه، ومن وافق اسمه كنية أبيه، الحسن بن أبي الحسن البصري مولى فأبوه كان مولى للأنصار، وأمه كانت مولاة لأم سلمة رضي الله عنها.

«أو كنيته كنية زوجته» أي من وافقت كنيته كنية زوجته، كأبي أيوب وأم أيوب وهما صحابيان، وكأبي الدرداء وأم الدرداء لكن أم الدرداء كنية لامرأتي أبي الدرداء، أبو الدرداء رضي الله عنه كانت له زوجة من الصحابة وكانت تكنى بأم الدرداء فتوفيت قديما فتزوج امرأة أخرى وهي أم الدرداء الصغرى، وأم الدرداء الصغرى ليست من الصحابة، ولذلك لا بد من التفريق بينهما، فرواية أم الدرداء إذا نسبتها إلى النبي r فهي مرسلة، أم الدرداء الصغرى لأنها من التابعين، اشتهرت بكنيتها ، لكن اشتهرت الصغرى هي التي كثرت روايتها، الكبرى روايتها نادرة، وهكذا أم الفضل كنية لزوجة العباس بن عبد المطلب أم عبد الله بن العباس، وهي صحابية ختمت الهجرة بأسرة العباس كما تعلمون كما ذكرت سابقا، واسمها لبابة وأختها أيضا اسمها لبابة، أختها أم خالد بن الوليد وإخوانه، نعم... العباس كنيته أبو الفضل وهي أيضا أم الفضل، الكبرى هي زوجة الوليد بن المغيرة، والصغرى هي زوجة العباس بن عبد المطلب. بالنسبة للعباس أل التي فيه من الزوائد يمكن إثباتها وحذفها، فهذا النوع من الأسماء المنقولة يجوز فيه إثبات أل وحذفها كعلي بن حسين وعلي بن الحسين، عبد الله بن عباس وعبد الله بن العباس، فهذا النوع مما أل فيه زائدة فذكرها وحذفها سيان، نعم.. أم ستة من أولاد العباس، كما قال الشاعر:

ما أنجبت نجيبة من فحل

 

كستة من بطن أم الفضل

أولاد العباس عشرة، قال فيهم:

تموا بتمام فصاروا عشره
واجعل لهم ذكرا وأنم الثمره

 

يا رب فاجعلهم كراما برره

وستة منهم وهم الكبار أمهم أم الفضل بنت الحارث، نعم.. أخت ميمونة بنت الحارث شقيقتها.

«ومن نسب إلى غير أبيه» كذلك فمن مهمات هذا العلم  من نسب إلى غير أبيه لأنه قد ينسب إلى أبيه فيقع اللبس وحينئذ يقع ما سبق بيان اصطلاحه هل فيكم أحد يتذكر هذا النوع، هذا النوع من الأوهام أن يجعل الشخص الواحد شخصين أو يجعل الشخصان شخصا واحدا ما ذا يسمى هذا لدى أهل الحديث، أوهام الجمع والتفريق، هذا يسمى لدى أهل الحديث أوهام الجمع والتفريق، الجمع أن يجعل شخصان شخصا واحدا، والتفريق أن يجعل الشخص الواحد شخصين، وذلك بالنسبته، فالمقداد بن الأسود هو المقداد بن عمرو فالأسود بن وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي خال رسول الله r الأسود قد تبنى المقداد الكندي، والمقداد أبوه عمرو وهو رجل من كندة، وقد سبي صغيرا فبيع بمكة فاشتراه الأسود خال رسول الله r الأسود بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، فتبناه أي اتخذه ابنا له، فكان يسمى في الجاهلية وصدر الإسلام المقداد بن الأسود، وكان الناس يظنونه ابن خال رسول الله r، فلما نزلت آية الأحزاب وأبطلت التبني نسب إلى أبيه، وقد قال الله تعالى: ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم ومن نسب إلى غير أبيه \"أو إلى غير ما يسبق إلى الفهم\" كذلك من نسب نسبة لا تسبق إلى الفهم، كأبي مسعود البدري فأول ما يسبق إلى الذهن أنه شهد بدرا، ولكن الواقع أنه لم يشهد بدرا، وإنما سكن ببدر فنسب إليها، أبو مسعود هو عقبة بن عامر الأنصاري رضي الله عنه وهو من أصحاب رسول الله r ويشتهر بهذه النسبة بالبدري، وليس هو من أهل بدر ولكنه سكن بدرا فنسب إليها، من نسب إلى غير أبيه أو إلى غير ما يسبق إلى الفهم، وكذلك من نسب إلى أمه كأيمن بن أم أيمن مولاة رسول الله r فإن أمه كانت أفضل من أبيه فهي من أفضل هذه الأمة فنسب هو إلى أمه فقيل أيمن بن أم أيمن، وهذا النوع كان يتمدح به في الجاهلية فكان كثير من الناس ينتسبون إلى أمهاتهم لشرفهن، وليس ذلك طعنا في الآباء، ولذلك كان قريش ينتسبون إلى خندف هي امرأة إلياس بن نزار بن معد بن عدنان، وقد قال العباس بن عبد المطلب:

إني لدى الحرب رخي اللبب
أمهتي خندف والياس أبي

 

حين تناديهم بها لوهب

أمهتي خندف والياس أبي، وكذلك فقد قال ابن دارة:

أنا ابن دارة مشهورا بها نسبي

 

وهل بدارة يا للناس من عار

ومثل ذلك لدى أهل الحديث إسماعيل بن علية وإبراهيم بن علية، فإسماعيل بن إبراهيم بن علية نسبة إلى أم أبيه، كذلك إبراهيم بن علية نسب إلى أمه، وقد كان يكره هذه النسبة، ومع ذلك اشتهر بها لدى أهل الحديث، وهذا النوع مشكل، فإذا كان الإنسان يكره نسبا معينا ولكنه يكثر إطلاقه عليه فلا يعرف بدونه، فبعض أهل الحديث يتحرج من تلك النسبة لكراهة صاحبها لها، ومع ذلك يعلم أنه لا يعرف بدونها، لا يعرف بدونها كما كان مطر الوراق يقول حدثنا مسلم ويشير بيديه، يقصد مسلما البطين، مسلم البطين كان ذا بطن فكان يكره أن يقال له البطين، ولكن اشتهر بهذا اللقب فهو معروف به لدى الناس فكان هو يقول حدثنا مسلم ويشير بيديه، لا يقول البطين لكن يشير بيديه، ومثل ذلك محمد بن الفضل السدوسي وهو المشهور بعارم وهو شيخ البخاري روى عنه في الصحيح كثيرا، محمد بن الفضل اشتهر بعارم هذا لقب ومعناه المفسد فعارم معناه المفسد، كان في أيام صباه وصغره من ذوي النشاط العجيب فسمته أمه عارما، لكثرة ما يفسده من شؤون البيت فبقي هذا اللقب معه إلى آخر أيامه، ومثل ذلك غندر، وهو محمد بن بشار، كان يلقب بغندر، ومن نسب إلى غير أبيه أو إلى غير ما يسبق إلى الفهم، ومثل ذلك نسبة الإنسان إلى موطن ليس من أهله ولكن لأنه يجالس أهله أو أتى من قبله، فمثلا الباقلاني، تعرفون الباقلاني الباقلاني إمام من أئمة الأصول وهو أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني، هذا ينسب إلى الباقلا وهي من أنواع البقول المعروفة، وليس هو ممن يبيعها ولا ممن يزرعها ولكنه كان يجلس إلى البقالين فنسب هذه النسبة، ومثل ذلك أحمد بن إدريس أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي اشتهر بالقرافي نسبة إلى القرافة وهي مقبرة من مقابر مصر ولم يكن من أهل القرافة ولم يكن يسكن فيها لكنه كان يأتي مجلس الدرس من جهة القرافة أي من سكة القرافة، وهي الطريق التي تذهب إلى القرافة فنسب إليها وقيل القرافي، \"ومن اتفق اسمه واسم أبيه وجده\" كذلك من اتفق اسمه واسم أبيه وجده كيحيى بن يحيى فمن رواة الموطإ يحيى بن يحيى بن يحيى المصمودي، فهو يروي عن عمه عبيد الله بن يحيى عن جده يحيى بن يحيى، ومثل ذلك ما سبق في الغزالي فاسمه محمد بن محمد بن محمد، وابن مالك أيضا هذا المشهور أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الله بن عبد الله بن مالك، وكذلك قد يكون اسم الإنسان موافقا لاسم جده فقط واسم أبيه يختلف عن ذلك كمالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث وهو ذو أصبح، مالك بن أنس بن مالك جده اسمه مالك، واسمه هو مالك، الإمام مالك إمام دار الهجرة هو الأصبحي، من حمير، فلذلك قال: ومن اتفق اسمه واسم أبيه وجده، \"أو اسمه واسم شيخه وشيخ شيخه\" كذلك قد يكون الإسناد مسلسلا بأسماء من جنس واحد، \"أو بالكنى كذلك\" فمؤلف هذا الكتاب أحمد بن علي بن حجر العسقلاني كنيته أبو الفضل، وشيخه عبد الرحيم بن الحسين العراقي كنيته أبو الفضل أيضا، وكذلك شيخ شيخه يكنى بأبي الفضل أيضا وهو ابن العطار، فهذا النوع هو من الاتفاق في الكنى فيكون الإسناد حدثنا أبو الفضل عن أبي الفضل عن أبي الفضل، مثلا، وكذلك الأسماء فمحمد بن إسماعيل البخاري يروي عن عدد من المحمدين، كمحمد بن عرعرة مثلا، فهذا النوع هو من اتفاق اسم الإنسان واسم شيخه واسم شيخه شيخه محمد بن عيسى بن سورة الترمذي عن محمد بن إسماعيل البخاري عن محمد بن عرعرة، فالإسناد حدثنا محمد عن محمد عن محمد، مثلا، فهذا النوع هو من الاتفاق اتفاق الشيوخ في الأسماء، ومثل ذلك من اتفق اسم شيخه والراوي عنه، من اتفق اسم شيخه والراوي عنه وخالفهم هو في الاسم، كعبد الرحمن بن القاسم العتقي عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر الصديق عن أبيه عن عائشة، فهذا الإسناد من الأسانيد المشهورة، وهو حدثنا عبد الرحمن بن القاسم عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، فعبد الرحمن بن القاسم هو العتقي وهو من قريش بالولاء وهو من أشهر تلامذة مالك وهو الذي روى المدونة عنه، وروى عنه الموطأ ومالك من شيوخه المشاهير كذلك عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر وأبوه القاسم بن أبي بكر أحد فقهاء المدينة السبعة، وجده أبو بكر الصديق.

ومن اتفق اسمه واسم أبيه وجده أو اسمه واسم شيخه وشيخ شيخه، ومن اتفق اسم شيخه والراوي عنه، عبد الرحمن بن القاسم العتقي يروي عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم بن أبي بكر الصديق، \"ومعرفة الأسماء المجردة والمفردة\" كذلك معرفة الأسماء المجردة ومعرفة الأسماء المفردة، فالأسماء المجردة هي التي لا تركيب فيها، وذلك يقابل الأسماء المركبة كالكنى والألقاب ونحو ذلك، وأغلب الأسماء القديمة مجردة، وما سواها من الأسماء المركبة نادر في القدماء، إنما يوجد لدى المتأخرين، وإذا حصل كأن سمي رجل باسمين فإنه يركب له منهما اسم واحد كهارون الرشيد مثلا، وكذلك الأسماء المفردة أي التي لم يسم بها إلا شخص واحد فعرف بذلك، وهذا مزية لأن الله أثنى على يحيى به، فبين أنه لم يجعل له من قبل سميا، فقد يكون الإنسان مسمى باسم يميزه لا يسمى به من سواه، \"وكذلك الكنى المجردة\" التي هي مثل الأسماء، فيكون الإنسان مختصا بكنية لا تطلق على من سواه، أو بلقب كذلك لا يطلق على من سواه، \"وكذلك الألقاب\" والألقاب نوع من الأسماء وهو وصف في العادة يشعر بمدح أو ذم، ولذلك يعرف أهل النحو اللقب بأنه ما أشعر بمدح كزين العابدين أو بذم كأنف الناقة، ما أشعر بمدح كزين العابدين علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فهذا اللقب قطعا مشعر بمدح زين العابدين، وأنف الناقة وهذا اسم لجعفر بن قريع وهو لقب له، وقد كان فتى من بني عامر بن صعصعة ونحر أبوه قريع ناقة، فجاء أولاده فكل واحد منهم أخذ جزءا من أجزائها، فجاء هو فلم يدرك إلا رأسها ورقبتها فأخذ بأنفها فلقب بأنف الناقة، وكان هذا اللقب ذما فكانوا يذمون به في الجاهلية حتى مدحهم الحطيئة بقصائده المشهورة فانقلب هذا اللقب مدحا، فإن الحطيئة يقول في مدحه لهم:

قوم هم الأنف والأذناب غيرهمُ
قوم إذا عقدوا عقدا لجارهمُ

 

ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا
شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا

ومدح الحطيئة لهم أخرجهم عن مستواهم وعما كانوا فيه، فقد كانوا قديما إذا انتسب أحدهم قال من بني قريع، فلما مدحهم الحطيئة بقصائده كانوا يقولون من بني أنف الناقة ويرفعون أنوفهم، فالحطيئة يقول فيهم:

أقلوا عليهم لا أبا لأبيكمُ
أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا
وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها
وإن قال مولاهم على جل حادث
وتعذلني أبناء سعد عليهمُ
مطاعين في الهيجا مكاشيف للدجى

 

من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا
وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا
وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا
من الدهر ردوا بعض أحلامكم ردوا
وما قلت إلا بالذي علمت سعد
بنى لهمُ آباؤهم وبنى الجد

بنو أنف الناقة بطن من بني عامر بن صعصعة، \"والكنى والألقاب\" وهذه الألقاب أنواع منوعة فمنها ما يكون لقب تشريف كما يطلق على بعض العلماء فعلماء المشرق كثيرا ما يتلقبون بالألقاب التي هي بمنزلة الوظائف قديما فيقال شمس الدين وشيخ الإسلام وتقي الدين ونحو ذلك، وبعض هذه الألقاب يكون ممنوع شرعا كقاضي القضاة وملك الأملاك ونحو ذلك فهذه أخنع الأسماء عند الله تعالى، وقد قال ابن الجوزي رحمه الله إن إبليس لبس على علماء المشرق بحسن الألقاب ولبس على علماء المغرب بسوء الألقاب، فعلماء المغرب الدباغ والفخار ونحو ذلك من الأسماء، الصواغ والحطاب وعلماء المشرق على عكس ذلك، \"والأنساب\" كذلك من المهمات معرفة الأنساب وهي ما ينتسب إليه الناس فيكون لقبا لهم، سواء كان ذلك نسبة إلى قبيلة كالتميمي والتيمي، وكثيرا ما تختلطان، أو كان نسبة إلى بلد كالمصري والبصري وكثيرا ما يقع بينهما الالتباس كذلك، أو كان من النسبة إلى حرفة أو عمل كالحذاء، خالد الحذاء إمام من الأئمة ولم يكن يمسح الأحذية ولكن كان يجلس إلى الذين يمسحونها، فلقب بالحذاء، ومثل ذلك لوين فلوين من أئمة المحدثين بالبصرة وكان سمسارا لبيع الخيل، فكان يقول انظر إلى لوين هذا فسمي لوينا لقب لوينا فصار لقبا له اشتهر به، لوين، تصغير لون، والأنساب وتقع إلى القبائل، في النسخة التي لديكم أو تقع وهذا خطأ صححوها، أي تقع الأنساب إلى القبائل \"وإلى الأوطان\" فمثلا البخاري نسبه القبلي هو الجعفي نسبة إلى بني جعف وهو مولاهم بولاء الإسلام، فقد أسلم جده على يد جد محمد بن سلام بن الكندي، محمد بن سلام الجعفي، ونسبه إلى البلاد البخاري نسبة إلى بخاري، وكذلك مسلم بن الحجاج النيسابوري نسبة إلى بلده، والقشيري نسبة إلى قبيلته بني قشير، وابن الجوزي هو مشهور بنسبته إلى أبيه وأبوه هو المشهور بالنسبة، فهذا ابن الجوزي ومثله ابن الخطيب، قال وتقع، أي تقع الأنساب إلى القبائل وإلى الأوطان سواء كانت الأوطان بلدا كالنيسابوري نسبة إلى نيسابور وهي بلد كبير فيه كثير من القرى والأمصار، بلدا أو ضياعا كذلك قد تكون النسبة إلى الأوطان إلى الضياع وهي جمع ضيعة وهي المزرعة، أن ينسب فلان إلى ضيعة أي مزرعة، مثل الدومي نسبة إلى دومى وهي مزرعة حول دمشق فليست بلدا إنما هي مزرعة في البلد، ومثل ذلك ابن قدامة الصالحي، الصالحي نسبة إلى الصالحية بدمشق وهي مدرسة، \"أو سككا\" والسكك جمع سكة وهي الطريق، فكل طريق يسمى سكة، فقد تكون السكة مشهورة باسم فينسب إليها الإنسان، كما ذكرنا في نسبة القرافي، \"أو مجاورة\" كذلك قد ينسب الإنسان إلى المجاورة، فالطحاوي أحمد بن جعفر بن سلامة، منسوب إلى طحا وليس من أهلها لكنه كان من المجاورين لها قريته قريبة منها، ولكن كانت قرية طحا أشهر من قريته هو وهي طحطوح فنسب إلى طحا، لأنها أشهر من طحطوح، طحطوح قرية من قرى صعيد مصر وطحا قرية من صعيد مصر، أيضا لكن طحا أشهر من طحطوح فنسب إلى طحا فقيل الطحاوي، أحمد بن جعفر بن سلاَّمة أو ابن سلاَمة، وكذلك قد تكون النسبة إلى حرفة جَد الإنسان، فتكون الحرفة ليست له هو بل لجده، كالذهبي فالذهبي محمد بن عثمان بن قايماز فكان جده قايماز من صاغة الذهب فنسب هو إلى الذهب فقيل الذهبي له هو، ولذلك يقول فيه أحد الشعراء:

وليس من عجب أن مِلْتُ نحوكمُ

 

فالناس بالطبع قد مالوا إلى الذهب

وهكذا قد يكون جد الإنسان ذا شهرة معينة فينسب إليه كالحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ينسب إلى جده حجر، وكذلك في عصره العيني نسبة إلى العين، أي عين الماء، وقد كان بينهما تنافس في زمانهما، ولذلك تجدون العيني في عمدة القاري يرد على الحافظ ابن حجر في فتح الباري كثيرا  فيقول وقد قال بعض الناس ويرد عليه ولا يسميه، وابن حجر رد عليه بكتاب مستقل، وقد حصل بينهما تنافس عجيب في إمامة مسجد السلطان في القاهرة، فلما عين الحافظ ابن حجر إماما لهذا الجامع وعُزل عنه العيني جاءت رياح أو سحاب فسقطت منارة الجامع، فقال الحافظ إن ذلك من العين، يقصد أن الناس عانوها وهو يشير إلى العيني يغمز في العيني، فقال العيني بل من ركة الحجر، وقالوا ذلك في أبيات: ولكن ركة الحجر الآخر قال: ولكن من العين، \"وإلى الصنائع\" قد ينسب الإنسان إلى صناعته أي حِرفته أو حرفة أحد أجداده أو آبائه، \"والحِرفِ\" والفرق بين الصنائع والحرف أن الصنائع تتعلق عادة بالصياغة كالحدادة ونحوها، كالحَدَّادِ والصوَّاغ ونحو ذلك، وأما الحِرَف فهي كالولاية والقيادة والسفارة والإمارة ونحو ذلك، الحرف جمع حرفة والصنائع جمع صَنعة، فالصنعة من عمل اليد والمجاهدة والحرفة هي الولاية أي الوظيفة التي يتولاها الإنسان، وقد يجمعهما الإنسان لسبب من الأسباب كالمعتمد بن عباد فقد كان أميرا فكان ذلك حرفة ثم بعد انتقل صواغا في سجنه في أغماتَ ولهذا يقول فيه الداني وهو أحد شعرائه:

للنفخ في الصور هول ما حكاه سوى
أدخلت في آلة الصواغ أنملة
يدا عهدتك للتقبيل تبسطها

 

هول رأيتك فيه تنفخ الفحَما
لم تدر إلا الندى والسيف والقلما
فتستقل الثريا أن تكون فما

\"ويقع فيها الاتفاق والاشتباه\" كذلك الأنساب يقع فيها الاتفاق والاشتباه، فكثيرا ما يكثر المنسوبون إلى بلد من البلدان، فتكثر النسبة إلى ذلك البلد أو إلى قبيلة من القبائل وقد سبق لكم أن سألتموني عن الزهري شيخ مالك والزهري تلميذ مالك، فهما من بني زهرة ونُسِبا إلى هذه القبيلة، فمحمد بن مسلم بن شهاب الزهري الإمام التابعي وهو شيخ مالك، وأبو مصعب الزهري هو تلميذ مالك، وقد نسبا إلى هذه القبيلة فحصل الاشتباه بالنسبة، \"ويقع فيها الاتفاق والاشتباه كالأسماء\" أي كما سبق في الأسماء. \"وقد تقع ألقابا\" أي قد تقع النسبة لقبا، فيشتهر الإنسان بتلك النسبة، كالشافعي نسبة إلى جده شافع، فهو جد أبيه وقد اشتهر بهذا الاسم حتى إن كثيرا من الناس لا يعرف اسمه فهو محمد بن إدريس بن السائب بن شافع، فشافع هذا جده فنسب إليه، ومثله أحد علماء الشافعية وهو أبو عبد الرحمن الشافعي ولا يعرف اسمه، ومن الغريب أن ترجمته أيضا نادرة الوجود: إذا بحثتم عن ترجمته ستجدون ندرة وشُحًّا في مصادرها، الشافعي اسمه محمد بن إدريس الشافعي، لكن الشافعي المتأخر الذي هو أحد أصحاب الوجوه لدى الشافعية هو أبو عبد الرحمن الشافعي و هو بالنسبة إلى المذهب، وقيل بل بالنسبة إلى صحبته للشافعي أو لخدمته لأصحابه وعنايته بأقواله، وقد ترجم له ابن النديم في الفِهرستِ ترجمة موجزة، ومن الذين اعتنوا كثيرا بالنسبة السِّمعاني في كتاب الأنساب، ويسمى السِّمعاني والسَّمعاني وهي نسبة أيضا، إلى رجل اسمه سَمعان وسِمعان، وهذا الكتاب من أهم الكتب التي تزيل اللبس فيما يتعلق بالأنساب سواء كانت إلى البلدان أو إلى المذاهب أو إلى الصنعة والحرفة أو إلى غير ذلك،
\"ومعرفة أسباب ذلك\" أي ومن المهم معرفة أسباب ذلك أي أسباب تلك النسبة، فمعرفة سبب نسبة إنسان إلى حرفة أو نحو ذلك من المهمات لأنها تميز الأشخاص كما ذكرنا في خالد الحذاء، ونحوه، \"ومعرفة الموالي من أعلى ومن أسفل\" كذلك من المهم معرفة الموالي من أعلى ومن أسفل، أي من مهمات علوم الحديث التي تميز الرجال معرفة الموالي، أي معرفة من هو مولى وجمهور رواة الحديث من الموالي، فقد كان العرب في صدر الإسلام يغزون في الجهاد في سبيل الله ويتركون مواليهم للتعلم فكان العلماء والقادة وسادة الأمصار من الموالي، فأئمة المذاهب كثير منهم من الموالي وأئمة الحديث كثير منهم من الموالي والأصوليون والفقهاء كثير منهم من الموالي، والقراء كذلك جمهورهم من الموالي حتى القراء السبعة قال فيهم الشاطبي:

أبو عمرهم واليحصَبي بن عامر

 

صريح وباقيهم أحاط به الولا

خمسة منهم من الموالي، والمولى معناه الناصر، فالمولى من أسماء الله سبحانه وتعالى ومن أوصافه معناه الناصر، ﴿نعم المولى ونعم النصير ولما كان المختص بالإنسان ناصرا له سمي مولى له سواء كان ذلك في النسب كابن العم يسمى مولى ومنه قول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب في بني أمية:

مهلا بني عمنا مهلا موالينا
مهلا بني عمنا عن نحت أثلتنا
لا تحسبوا أن تهينونا ونكرمكم
فالله يعلم أنا لا نحبكمُ
كل له نية في بغض صاحبه

 

لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
سيروا رويدا كما كنتم تسيرونا
وأن نكف الأذى عنكم وتوذونا
ولا نلومكمُ أن لا تحبونا
والحمد لله نقلوكم وتقلونا

مهلا موالينا فالمولى هنا المقصود به ابن العم، ويطلق المولى على المعتَق والمعتِق، فالمولى الأعلى هو المعتِق، والمولى الأسفل هو المعتَق، والمولى الأعلى يرث والمولى الأسفل لا يرث، إذا مات الإنسان وليس له وارث إلا من أعتقه فهو وارث له، لكن إذا مات الإنسان وليس له وارث من النسب وله عتيق قد أعتقه فجمهور أهل العلم أنه لا يرثه، وقد قال بعض أهل العلم بميراثه أيضا لأن النبي r قال: «الولاء لحمة كلحمة النسب» وهذا يقتضي ارتباطا مستمرا أبديا، ولذلك نهى عن بيع الولاء وهبته، هو لا يباع ولا يوهب لأنه ارتباط كارتباط النسب، وكذلك قد يقع الولاء بالإسلام فمن أسلم على يد إنسان فهو مولى له، لأن المقصود بالولاء والمقصود بالقبائل وحتى هذه التقسيمات الاجتماعية كلها لا يقصد بها إلا التعريف، كما قال الله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا وقد اختلف أهل التفسير في معنى قوله تعالى: ﴿لتعارفوا فقالت طائفة منهم ليتعرف الإنسان بذلك فيقول من بني فلان أو مولى بني فلان أو نحو ذلك، وقال طائفة بل المقصود ليبذل بعضكم العرف إلى بعض، أي ليحسن بعضكم إلى بعض، جعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا من العرف الذي هو المعروف، عند طائفة من المفسرين، فالغلط إذا حصل في النسبة في الولاء كثيرا ما يكون ذلك سبب إشكال فالألباني رحمه الله في إرواء الغليل ذكر حديثا فقال في إسناده مجهول وهو النعمان بن ثابت التميمي، لأنه وَجَدَ خطأ فقط في النسبة النعمان بن ثابت وهو التيمي وهو أبو حنيفة وهو منسوب إلى تيم اللاَّتِ، فوجدها هو مكتوبة التميمي فبحث عن هذه النسبة عمن اسمه النعمان بن ثابت من بني تميم فلم يجده فحكم بجهالته، وهو في الواقع غير مجهول لكن النسبة تصحفت، وقد يكون الإنسان مشهورا بالنسبة فإذا عُطِّل منها لم يعرف، كما حصل لابن حزم مع الترمذي فإنه ذكر في المحلى قال: محمد بن عيسى بن سَوْرَةَ مجهول، يقصد الإمام الترمذي لأنه وجده بالاسم دون النسب لم ينسب، فوصفه بأنه مجهول،\"من أعلى ومن أسفل بالرق أو الحلف أو بالإسلام\" فالولاء سببه إما الرق السابق الذي يأتي بعده العتق، أو بالحلف كمالك بن أنس فإنه يقال فيه مولى قريش مولى بني تيم بن مرة، ولم يسبق على مالك رق ولكن جده كان حليفا لطلحة بن عبيد الله، والحليف ينسب إلى القوم فحليفهم منهم، وكذلك ما كان بالإسلام كالبخاري فإنه ينسب إلى جُعفة فيقال الجعفي، وذلك لأن جده أسلم على يد رجل منهم فنسب إليهم، \"ومعرفة الإخوة والأخوات\" كذلك من مهمات هذا العلم معرفة الإخوة والأخوات من الرواة، فقد يكون البيت الواحد فيه عدد من الرواة فإذا لم تكن تعرفهم فستختلط عليك روايتهم كعبيد الله بن عمر العُمَري، وأخيه عبد الله بن عمر العمري، فعبيد الله جبل من الأطواد وهو مثل مالك بن أنس معاصر له في طبقته، وعبد الله أخوه دونه فعبد الله كان في حفظه شيء، وأما عبيد الله فقد كان ثقة ثَبْتاً إماما لا مطعن فيه من وجه، وهما أخوان، ومعرفة الإخوة والأخوات من الصحابة و من التابعين كل ذلك مهم، فمن الصحابة مثلا سبعة إخوة بايعوا وهاجروا وهم أبناء مقرن وقد كانت جدتي النجاح بنت الددو رحمة الله عليها تدرسنا فطلبنا منها نظم أسماء هؤلاء فنظمت أسماءهم على البديهة فقالت:

حذيفة نعيمٌ النعمان
كذا سويد سبعة قد هاجروا
أبوهمُ مقرن يا لهمُ

 

ومعقلٌ ضرارهم سنان
لله ثم جاهدوا وصبروا
من سبعة قد أنجبت أمهمُ

ومثل ذلك من التابعين أبناء سيرين، فقد تجد الإسناد الواحد تروي فيه حفصة بنت سيرين عن أخيها أنس بن سيرين عن أخيها محمد بن سيرين، فيكون الإسناد الواحد فيه ثلاثة إخوة من بيت واحد، وهذا البيت فيه أربعة من الرواة رجلان وامرأتان، \"ومعرفة أدب الشيخ والطالب\" كذلك من مهمات هذا العلم معرفة أدب الشيخ وهو المحدث والطالب وهو التلميذ الذي يَروِي عنه، وهذا الأدب صنف فيه عدد من أهل العلم فالخطيب البغدادي ألف كتاب الجامع لآداب الراوي والسامع، فالراوي هو الشيخ والسامع هو من يسمع الحديث منه، وآداب ذلك كثيرة، فمنها ما يؤخذ من حديث جبريل كما في حديث عمر رضي الله عنه في صحيح مسلم بينما نحن جلوس عن النبي r إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي r فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه، فهذا من هيئات الطَّلَبِ أن يجلس الإنسان متمكنا قريبا ليستمع الكلام وليحفظه عن كثب، فإذا كان الإنسان يسمع من بعيد فقلما يستوعب الكلام على وجهه، وإذا جلس غير متمكن فقليلا ما يستوعب إلا إذا كان ذلك لضرورة، ولهذا فإن يحيى بن سعيد القطان كان يسند ظهره إلى المئذنة بعد أن ينتهي من صلاة العصر في مسجده فيحدث فيزدحم الناس في الطريق بين يديه فيقف بين يديه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعلي بن المديني فربما انكسر قلم أحدهم فصاح قلم بدينار، والقلم هنا ليس \"باركير\" فالقلم عبارة عن عُودٍ فقط ومع ذلك يريده بدينار لئلا يفوته شيء من كلام الشيخ، ولذلك فإن العلامة عبد الله بن محمد بن محمد سالم المجلسي لما أرسل ولده إلى العلامة مَعِي بن سيد بن سعيد ليتعلم منه النحو قال له:

لمعِ الهمام اللوذعي الألمعي
وكن الوعاء لما يفوه معي به
ولقد بعثت إليكمُ ريحانة

 

سر واجمعن علومه في مجمع
لا تفلتنك كلمة من في معي
لي في تشممها المنى ولمن مَعِ

هذه وصية من الوالد على ولده قال ولقد بعثت إليكمُ ريحانة لي في تشممها المنى ولمن معي، وآداب الشيخ كذلك منها عدم الضجر ومنها التفاصح في الكلام حتى لا يختلط قوله، ومنها كذلك الإحماض: أن لا يمل الناس ويحمض لهم أي ينوع لهم، وهذه الاستطرادات التي يفعلها المحدثون في حديثهم والشارحون في شروحهم يقصد بها عدم الملل، وهكذا، وبالنسبة للطالب من آدابه أيضا الأدب والسكينة والوقار، ومن آدابه أيضا مراجعة الدرس والعناية به، وقد ألف عدد من العلماء في آداب الراوي والسامع غيرَ الخطيب البغدادي، كابن الصلاح وغيره، وألف عدد منهم في آداب طالب القرآن فقط وحده ما يختص به من آداب، والنووي رحمه الله ألف كتاب التبيان في آداب حملة القرآن، وكذلك الآجري ألف كتابا في آداب حملة العلم عموما، \"وسِنِّ التحمل والأداء\" كذلك من المهمات في هذا العلم أن يعرف الإنسان سن التحمل أي السن التي يعد صاحبها سامعا فإذا كان في الإسناد لا يقع فيه انقطاع، وهي السن التي يعقل فيها الإنسان ويضبِط، فإذا كان الإنسان في الخامسة من عمره وكان صاحب نباهة ويتذكر الحوادث فتقبل روايته في تلك السن، وقد حدث عدد من الصحابة عن رسول الله r وكانوا يوم مات النبي r في مثل هذه السن صغارا ولكنهم رأوه فعقلوا عنه، ومن العجائب أن الذين رأو رسول الله r  حتى في صباهم كانوا يضبطون ما سمعوا منه أو هيئة ما رأوا، وذلك لتمام تأثيره هو والنور الذي معه فهو مؤثر في الناس عموما ولهذا قال العلامة مولود بن أحمد الجواد اليعقوبي رحمه الله:

نور به عن تهجٍ صحبه غنيت

 

وغير أصحابه منا وحى وهجى

\"وسن التحمل والأداء\" كذلك سن الأداء والجلوس للتحديث اختار بعضهم أن يكون بعد العشرين وبعضهم أن يكون الإنسان قد أكمل خمسا وعشرين سنة، فذلك للتثبت ويكون قد أحرز علما كافيا، وبعضهم اختار ثماني عشرة سنة فهي السن التي توفي رسول الله r عن عائشة فيها، وقد أمرها الله بالتحديث بما تَلَقَّتْ، فقال في سورة الأحزاب: ﴿واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة وكذلك نهاية سن التحديث، وقد ذكرت لكم أن ابن خلاد جزم بالثمانين وبعضهم بالسبعين و بعضهم بالمائة وبعضهم حدث بعد المائة كمحمد بن جرير الطبري أبي جعفر المتوفى سنة ثلاثمائة وعشر فقد حدث بعد المائة، وكذلك الهُجَيمي رحمه الله فقد حدث بعد المائة، لهذا قال العراقي في الألفية:

وينبغي الإمساك إذ يخشى الهرم
وبعضهم مثل الهجيمي وفئه

 

وبالثمانين ابن خلاد جزم
كالطبري حدثوا بعد المائه

وقد كان الشيخ محمد احمد بن عبد القادر الغلاوي رحمه الله والحمد لله تجاوز المائة، وكان من المحدثين ومن المشاهير في علم الرجال في هذه البلاد، وقد قال فيه العلامة محمد سالم حفظه الله:

محمد أحمد عش للسنن
وكن كالهجيمي في حفظه

 

تبين الصحيح لنا والحسن
وتحديثه بعدما قد أسن

\"وكتابة الحديث\" كذلك من المهم معرفة آداب كتابة الحديث، فالحديث لكتابته آداب لأنه لفظ محترم شرعا، فهو كلام رسول الله r فلا بد من العناية بكتابته وأهل الحديث ذكروا كثيرا من الآداب تتعلق بالكتابة والمحو والطمس وبيان الحروف التي تشتبه، فكتابة الحديث عندهم مثل رسم القرآن فجعلوا لها كثيرا من الضوابط، فالسين المهملة يجعلون على كل رأس من رؤوسها نقطة ليتيمز أنها سين، وكذلك الحرف المهمل وهو الحاء يضعون فوقه حرفا مماثلا له ليعلم أنه ليس خاء ولا جيما، وكذلك فيما خرج: ما سقط من السقْط، إذا أرادوا كتابته فإنهم يكتبونه على طرف الورقة، فإن كان السقط من آخر السطر كتبوه في الطرف الأسفل، وإن كان من أول السطر كتبوه في الطرف الأعلى، وكذلك في جهة كتابته إما إلى أعلى وإما إلى أسفل، وهكذا في تقارب الأسطر وفي دقة الحروف وغير ذلك كل ذلك اعتنوا به وفصلوه، وكتابة الصلاة على النبي r جمهور أهل الحديث على العناية بها ودوامها، وقد قال بعض أهل العلم إن نور أهل الحديث إنما هو من كثرة صلاتهم على النبي r فلا يذكرونه إلا صلوا عليه، r، ولكن أحمد بن حنبل رحمه الله في المسند لكثرة ما فيه من الأحاديث فهو أكثر من ثلاثين ألف حديث كان يحذف الصلاة على النبي r كتابة ويقولها نطقا، وقد أنكر ذلك عليه بعض الناس، فلذلك ينبغي أن تكتب، أما اختصارها بكتابة الصاد أو بكتابة صلعم أو نحو ذلك فهذا مكروه لدى أهل الحديث كراهة شديدة، ويذكرون أن أول من كتب صَلْعَمَ طالب قطعت يده بعد ذلك، \"وعرضِه\"، كذلك آداب عرضه أي عرض الحديث، وهو قراءته على الشيخ، \"وسماعِه\" أي: بتحديث الشيخ، \"وإسماعه\" أي هيئة قراءته على الناس، \"والرحلة فيه\" كذلك من المهمات الرحلة في هذا العلم أي لطلب الحديث، فبيان آداب الرحلة وبيان الراحلين الذين رحلوا في طلب الحديث من مهمات هذا العلم، وهي مما يرفع الهمم ويزيدها ولذلك قال: المكي بن إبراهيم وهو شيخ البخاري قال كتبت بإصْبَعَيَ هاتين عن ستين من التابعين ولو علمت أني يُحتاج إلي لكتبت عن أكثر، وكذلك قال أحمد بن حنبل لم أترك مصرا يذكر فيه الحديث إلا رحلت إليه، أي بلد من بلدان الإسلام يذكر فيه الحديث فقد رحل إليه أحمد بن حنبل، \"وتصنيفه\" كذلك من مهمات هذا العلم تصنيف الحديث أي معرفة طرق تصنيفه، وتصنيفه أي هيئة تأليفه، وللمحدثين في ذلك أنواع، فكتب الحديث إما أن تكون مختصة أو جامعة، فالكتب المختصة كالكتب المختصة بالعقائد وهي التي تسمى بكتب السنة: كتاب السنة لابن أبي عاصم، وكتاب السنة لأحمد بن حنبل وكتاب السنة لعبد الله بن أحمد، وكتاب السنة لوكيع بن الجراح، وكتاب السنة لأسد السنة، ونحو هذه الكتب مختصة في العقائد، ومثلها كتب الإيمان ككتاب الإيمان لابن منده وكتاب الإيمان لأبي خيثمة زهير بن حرب شيخ مسلم بن الحجاج، وكتاب الإيمان لأبي بكر بن أبي شيبة، وهكذا فهذه الكتب مختصة، ومثلها كتب الزهد ككتاب الزهد لوكيع بن الجراح وكتاب الزهد لهناد وكتاب الزهد لأسد السنة، وكتاب الزهد لابن أبي عاصم وكتاب الزهد لأحمد بن حنبل وكتاب الزهد والرقائق لابن المبارك هذه الكتب سميت بهذا الاسم لاختصاصها، ومثلها الكتب المختصة في الأحكام أي في أدلة الأحكام وأغلبها للمتأخرين لكن بعضها للمتقدمين، كسنن أبي داود فهو مختص بالأحكام، وكالمنتقى لابن الجارود فهو مختص بالأحكام، وكالأحكام الكبرى والأحكام الوسطى والأحكام الصغرى لعبد الحق الإشبيلي، وككتاب العمدة عمدة الأحكام للحافظ المقدسي، وككتاب بلوغ المرام للحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، وككتاب المنتقى: منتقى الأخبار لابن تيمية الجد، وهو الذي شرحه الشوكاني بنيل الأوطار، ومثل ذلك كتاب تقريب الأسانيد وتهذيب المسانيد للعراقي، فهو مختص بالأحكام بأدلة الأحكام كذلك، وهكذا فهذه الكتب مختصة بأدلة الأحكام، أما الكتب الجامعة وهي غير المختصة، فإما أن تؤلف على الأبواب أو أن تؤلف على المسانيد، أو أن تؤلف على الشيوخ أو أن تؤلف على الأطراف، فهذه أربعة أقسام، القسم: الأول الكتب المؤلفة على الأبواب، وهي مثل المُوَطَّآت والصِحاح والسنن فهذه مؤلفة على الأبواب، أي تذكر فيها أبواب العلم، فموطأ مالك وما عاصره من الموطآت مؤلف على الأبواب فأول باب فيه باب وُقُوتِ الصلاة، وآخر باب فيه باب أسماء النبي r، ومثل ذلك الصحيحان وصحيح ابن حبان وصحيح ابن خزيمة، ومثلها السنن: سنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن ابن ماجة وسنن النسائي وسنن الدارمي وسنن الدارقطني والسنن الكبرى للبيهقي. وهكذا فهذه الكتب من الجوامع فهي مؤلفة على الأبواب، وكذلك المصنفات كمصنف ابن أبي شيبة ومصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني ومثلها كتاب السنن لسعيد بن منصور فهي مؤلفة على الأبواب، وهكذا شرح معاني الآثار مثلا للطحاوي فهو مؤلف على أبواب العلم، فإذن هذه الكتب مؤلفة على الأبواب.

النوع الثاني: ما كان مؤلفا على المسانيد، وهي جمع مسند وهو ترتيب الكتاب على أحاديث الصحابة، مثلا أن تذكر ترجمة لمسند أبي بكر الصديق فيذكر فيها ما رواه أبو بكر من الحديث، ثم بعده مسند عمر ثم بعده مسند عثمان ثم بعده مسند علي ثم مسند أبي عبيدة بن الجراح ثم مسند عبد الرحمن بن عوف ثم مسند الزبير ثم مسند طلحة ثم مسند سعد بن أبي وقاص ثم مسند سعيد بن زيد وهكذا، فهذا النوع هو ترتيب المسانيد وهو بحسب الفضل حسب ما يراه الناس من الفضل، \"ثم ما كان مرتبا على المسانيد\" أي: مرتبا على رواية الصحابة فيُبدأ أولا بمسند أبي بكر الصديق ثم بمسند عمر بن الخطاب ثم بمسند عثمان ثم بمسند علي ثم بمسند أبي عبيدة بن الجراح ثم بمسند عبد الرحمن بن عوف ثم بمسند الزبير ثم بمسند طلحة ثم بمسند سعد بن أبي وقاص ثم بمسند سعيد بن زيد وهكذا بقية الصحابة كل واحد منهم يذكر ما روى من الحديث في مسنده، وهذا النوع من أول الذين ألفوا الكتب على هذه الطريقة أبو داود الطيالسي، وهو من أصحاب مالك الذين رووا عنه فمسنده من أقدم المسانيد، ويعاصره أيضا الحميدي عبد الله بن الزبير شيخ البخاري فمسنده أيضا مؤلف على هذه الطريقة طريقة المسانيد، وهما مسندان صغيران خفيفان، ثم جاءت المسانيد الكبيرة بعد ذلك كمسند أحمد بن حنبل ومسند بَقِيِّ بن مَخلد ومسند البزار ومسند الحارث بن أبي أسامة ومسند إسحاق بن راهويه ونحو ذلك من المسانيد والمسانيد كثيرة جدا، وقد جمع بعض أطرافها، فمثلا ألف البُوصيري كتاب إتحاف المهرة في زوائد المسانيد العشرة، وألف ابن حجر كتاب زوائد المسانيد الثمانية، سماه المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية، \"ثم ما كان مؤلفا على الشيوخ\" وهو الذي يسمى بالمعاجم، كمعاجم الطبراني الثلاثة المعجم الصغير والمعجم الأوسط والمعجم الكبير، مرتبة على شيوخه هو على حسب الحروف، فيبدأ بالأحمدين ثم بالإبراهيمين ثم ببقية الهمزة ثم الباء وهكذا حتى يأتي على شيوخه، فالطبراني في المعجم الصغير أتى بألف شيخ من شيوخه، كل شيخ يروي عنه حديثا أو حديثين، ثم ألف المعجم الكبير وقد أتى فيه بكثير من الحديث وهو في الأصل خمسة وعشرون مجلدا وقد سقط منه خمسة مجلدات، مفقودة ووجدت منها نبذة من المجلد الثالث عشر حققها الشيخ حمدي السلفي فطبعها، فهذا الكتاب من دواوين الإسلام الكبرى وهو المعجم الكبير، ومثله المعجم الأوسط وقد حققه الطحان وطبع الآن في عشر مجلدات وكان الطبراني يسميه كتاب العمر، لكثرة ما بذل فيه من الجهود، \"ثم ما كان مؤلفا على العلل\" أي ما كان مرتبا على العلل، وهذا ينقسم إلى قسمين، منه ما يرتب فقط على علة واحدة كالمراسيل لأبي داود، وكالمراسيل لابن أبي حاتم الرازي فهذا يذكر علة واحدة وهي الإرسال، في الموصولات، ما أتى موصولا وأتى مرسلا، أي يَذكر التابعيُّ فيه الصحابيَ تارة وتارة يسقطه، هذه علة فهذا النوع قصر كتاب على علة واحدة وهي الإرسال كمراسيل أبي داود ومراسيل ابن أبي حاتم الرازي وكلاهما مطبوع، أو كان عللا عامة يتكلم عن العلل كلها كالعلل الكبير للدارقطني، وقد توفي الدارقطني رحمه الله والعِلل في صندوقه ولم يخرجه للناس، فبقي العلل غير مروي، وقد طبع منه الآن أحدَ عشر مجلدا، ومات محققه رحمه الله فانقطع المشروع إلى الآن، وكذلك العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد وهو مطبوع في خمس مجلدات، وكذلك العلل لابن أبي حاتم الرازي وهو مطبوع في مجلدين، وكذلك العلل الصغرى للترمذي وقد ألحقت بكتاب سنن الترمذي في آخره، والعلل الكبرى للترمذي وقد طبعت مستقلة وشرحها ابن رجب في كتاب وهو مطبوع في مجلدين شرح العلل الكبرى، ومثل ذلك بعض المسانيد المعللة، وأهل الحديث يذكرون أن من ألف مسندا معللا لا يُكْمِلُه لا بد أن يموت قبل إكماله، وذلك لصعوبة العلل والعناية بها فتحتاج إلى عمر طويل، فيعقوب بن شيبة ألف كتاب المسند الكبير المعلل وتوفي قبل إكماله، والبزار ألف كتاب المسند المعلل وهو مسند البزار، وقد بقي عليه الشيء القليل منه لم يكمله، والمَوصلي لما ألف مسنده أراد أن يؤلف مسندا كبيرا معللا فمات قبل إكماله، مسند البزار هو الذي يسمى بالبحر الزخار، وقد طبع منه قديما تسع مجلدات والآن صدر العاشر والحادي عشر هذا الشهر بتحقيق ولم يصل بعد إلى النصف. ومسند أحمد طبعا طبعاته كثيرة جدا منها الطبعة الميمنية في ست مجلدات، والطبعة المرقمة في عشر مجلدات، ثم الطبعة المحققة التي حقق الشيخ أحمد شاكر رحمة الله عليه وقد صدر منها واحد وعشرون مجلدا ولم تصل إلى النصف وتوفي الشيخ أحمد شاكر ولم يكملها، ثم حقق برعاية وزارة الشؤون الإسلامية في السعودية في خمسين مجلدا وهو موجود مطبوع. ومسند بقي بن مخلد لا يوجد الآن فكثير من المسانيد الأخرى ضاعت إما في غزو التتار لبغداد سنة ستمائة وست وخمسين فإنهم وضعوا كثيرا من المخطوطات والكتب في دجلة والفرات، أو في الأندلس فإن الإسبان أيضا لما احتلوا قرطبة صبوا كثيرا من كتبها في النهر، وبعض الكتب أخذها الغازون معهم فالحملات الصليبية التي كانت تغزو الشام كانت تأخذ الكتب من خزائن الشام فيذهب بها الأوروبيون إلى ديارهم والآن توجد كثير من المكتبات الكبيرة التي الكتب الموجودة هي من الحملات الصليبية، كمكتبة دابلن في أيرلندا وكمكتبة لوسكريال في إسبانيا وكمكتبة آخل في ألمانيا، هذه مكتبات كبيرة جدا من المخطوطات الإسلامية، وقد أخذها الغزاة الصليبيون لما غزوا دِمياطَ والإسكندرية وبلاد الشام. \"أو الأبواب أو العلل أو الأطراف\" كذلك يؤلف نوع آخر على الأطراف وهو أن يذكر الحديث فيساق بالمتابعات المختلفة، ويذكر كل لفظ أضافه بعض الرواة أو زاده فما كان منها من زيادات الثقات فلا إشكال فيه، وما كان من زيادات غير الثقات فهو من العلل، والترتيب على الأطراف يَجمَع بين الكتب فهو نظير الجمع، فمثلا كتاب جامع الأصول لأبي البركات ابن الأثير أراد فيه أن يجمع الكتب الستة ويقصد بها الموطأ والصحيحين وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وأسقط ابن ماجة، وكذلك كتب الجمع التي عملها المتأخرون ككتاب مجمع البحرين في جمع المعجمين للحافظ أبي بكر الهيثمي فقد جمع فيه بين المعجم الكبير والمعجم الأوسط للطبراني، ومثل ذلك كتب الأطراف العامة، ككتاب تحفة الأطراف للحافظ المزي، فقد جمع فيه أطراف الكتب الستة، ويقصد بها الصحيحين وسنن أبي داود وسنن الترمذي وسنن النسائي وسنن ابن ماجة، ومثل ذلك الجمع بين الصحيحين للحميدي وقد زاد عليهما، ولذلك قال العراقي رحمه الله:

والأصل يعني البيهقي ومن عزا

 

وليت إذ زاد الحميدي ميزا

وليت الحميدي إذ زاد على الصحيحين ميز ذلك لأنه في الأصل عقد الكتاب للصحيحين فلماذا يضيف إليهما غيرهما لا يمكن أن يكون في درجتهما، وأحسنُ الجمع بين الصحيحين كتاب الحافظ عبد الحق الإشبيلي في الجمع بين الصحيحين وقد طبع في أربع مجلدات، وكذلك النكت الظراف في الأطراف للحافظ بن حجر، وهكذا في الزوائد وهي الزوائد على الكتب، فهي عكس الأطراف، مثلا ما كان في الكتب الستة جمع في جامع الأصول، وما كان زائدا عليها في بعض الكتب الأخرى يجمع في كتب تسمى بالزوائد، ككتاب مجمع الزوائد للحافظ أبي بكر الهيثمي، ومثله كتب الزوائد الأخرى التي عملها هو، فقد ألف كتاب الجامع المعتلي في زوائد المسند الحنبلي، وألف كتاب كشف الأستار عن زوائد البزار، وألف البُوصري أيضا كتاب مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجة، فهذه الزوائد التي يُخَرِّجُها بعض المُخَرِّجِين و ليست لدى غيره.

\"معرفة سبب الحديث\" كذلك معرفة سبب ورود الحديث، فهي من مهمات هذا العلم التي يعتني بها كثير من الناس، وقد ألف فيها بعض شيوخ أبي يعلى بن الفراء الحنبلي وكتابه مطبوع في ثلاث مجلدات وهو أسباب ورود الحديث، قال ومعرفة سبب الحديث أي سبب وروده كمعرفة سبب نزول القرآن \"وقد صنف فيه بعض شيوخ القاضي أبي يعلى بن الفراء\" وهو الحنبلي المشهور، \"وصنفوا في غالب هذه الأنواع\" أي إن أهل الحديث قد صنفوا في غالب هذه الأنواع، بل صنفوا في كلها، \"وهي نقل محض\" أي هذه الأنواع هي مجرد نقل محض، فليست هي من مصطلح الحديث في الواقع بل هي علوم مستقلة، \"ظاهرة التعريف\" أي لا تحتاج إلى شرح لوضوحها من خلال مصطلحها، \"مستغنية عن التمثيل\" عند الحافظ بن حجر ولا أظن أنكم توافقونه على ذلك وقد سمعتم بعض أمثلتها، \"فلتراجع مبسوطاتُها\" أي تراجع الكتب المبسوطة في هذه العلوم، وبهذا نكون قد أتينا على الكتاب والحمد لله رب العالمين،

 

 


عدد مرات القراءة : 6731



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22883838
المتواجدون الأن       14
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو