» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح المغنى المفيد الشريط الثاني عشر




ويقول: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا فلذلك كلما تكالبت أمم الكفر على المسلمين يزيد ذلك أهل الإيمان إيمانا ويقينا واحتسابا، وكلما جاءت أزمة من أزماتهم انقسم الناس إلى أربعة مواقف، الموقف الأول: موقف أهل الإيمان واليقين وقد بينه الله في سورة الأحزاب في قوله: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما والموقف الثاني موقف الصرحاء من المنافقين وقد بينه الله في قصة الأحزاب بقوله: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا فصرحوا بالكفر والتكذيب نسأل الله السلامة والعافية، كانوا يقولون: غر هؤلاء دينهم، يقولون: يعدكم محمد أنه ستفتح عليكم كنوز كسرى وقيصر، وها أنتم اليوم لا يستطيع أحد منكم أن يخرج لقضاء حاجته، والموقف الثالث موقف مرضى القلوب وهم المخذِّلون الذين يسعون للتفرقة وفت الأعضاد وقد بين الله موقفهم في يوم الأحزاب: ﴿إذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا وبين هذا الموقف أيضا إذ قال: ﴿قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا والموقف الرابع موقف ضعفة الإيمان من المؤمنين وقد بينه الله في الأحزاب بقوله: ﴿ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا، ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا، ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار، وكان عهد الله مسؤولا وقد أثنى الله على رسوله r وسائر الرسل بقوله: ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله فيه مسائل الأولى أن التوكل من الفرائض قد أوجبه الله سبحانه وتعالى، ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين الثانية أنه من شروط الإيمان لأنه قال ﴿إن كنتم مؤمنين وقال: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين، الثالثة تفسير آية الأنفال وهي قول الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون فقد عرف الله المؤمنين بهذا التعريف، الرابعة تفسير الآية في آخرها، هي آية الأنفال الثانية وهي قوله: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين فالله سبحانه وتعالى هو الكافي للنبي r ولمن اتبعه من المؤمنين، الخامسة تفسير آية الطلاق وهي قول الله تعالى ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه السادسة عظم شأن هذه الكلمة وهي حسبنا الله ونعم الوكيل، قد قالها إبراهيم حين رمي في النار، وقالها النبي r حين تكالبت عليه قُوى الشر، وأنها قول إبراهيم عليه السلام وقول محمد r في الشدائد، فهذا القول المقصود به اعتقادها وقولها في الشدائد كلها وتكالبِ قُوى الشر.

قال باب قول الله تعالى: ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون وقوله: ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون عقد هذا الباب لبيان أن من الشرك أمن مكر الله والقنوط من رحمته، وهما صفتان مذمومتان، والوسط بينهما هو عدم أمن مكر الله، أن يخاف الإنسان مكر الله وأن لا يقنط من رحمته، وقد قال العلامة محمد مولود رحمه الله، «وأمن مكر الله والقنوط** كلاهما بسخطه منوط» والقرائن التي تقترن بها الذنوب وهي أعظم ضررا على الإيمان من الذنوب نفسها خمس أولا استعظام الذنب حتى يكون أكبر لدى الإنسان من المغفرة أو من الرحمة، فإذا كان الإنسان يستعظم ذنبه ويظن أنه لا يمكن أن يغفر فهذا قد قنط من رحمة الله وسيستمر على عصيانه وإسرافه، الثانية استصغار الذنب واحتقاره وذلك من أمن مكر الله، وعن ابن مسعود قال: إن ذنب المنافق كذباب نزل على أنفه فنفاه بيده هكذا، وذنب المؤمن كجبل فوق رأسه يخاف أن يقع عليه، والقرينة الثالثة الإصرار على الذنب، فهو مدعاة لإزالة الحياء من الله عز وجل لأن الإنسان إذا أصر على ذنب فعله يرفع عنه الملائكة التقارير إلى الله يا رب عبدك فلان ما زال على الذنب الذي فعله في الوقت الفلاني وهكذا حتى تتكرر هذه التقارير فيكون ذلك مدعاة لحصول الخذلان على ذلك الشخص نسأل الله السلامة والعافية، الرابعة الجهر بالذنب والمجاهرة به وإعلانه على الناس، فهو دعوة إليه، والقلوب مفطورة على كراهية الذنوب، فإذا شاهدتها وتكررت مشاهدتها لها زالت عنها كراهتها لأن كثرة المساس تزيل الإحساس، وقد قال النبي r «كل أمتي معافى إلا المجاهرون» والخامسة الجرأة على الذنب، أن يكون الإنسان جسورا على مبارزة الله بالمعصية فذلك دليل على زوال وازع الإيمان من قلبه، فلكل مؤمن برهان من الله في قلبه يمنعه من الوقوع في المعصية ويزعه عنها، فإذا ضعف ذلك الوازع وذهب فذلك دليل على أن الإيمان لم يبق منه شيء، قال: ﴿أفأمنوا مكر الله وهذا الاستفهام دليل على استعظام هذا الأمر، ولذلك عقب عليه بقوله: ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون لا يأمن مكر الله وسرعة أخذه الوبيل إلا القوم الخاسرون وهم الجاهلون بالله سبحانه وتعالى الذين لا يعرفون الله تعالى، فقد خسروا أنفسهم حين لم يعرفوا ربهم سبحانه وتعالى، وقوله: ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون وذلك في قصة إبراهيم، من يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، معناه لا يقنط من رحمة ربه إلا الضالون، وكذلك في قصة يوسف، ﴿ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون فاليأس من روح الله هو القنوط من رحمته، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله r سئل عن الكبائر، فقال: «الشرك بالله واليأس من روح الله وأمن مكر الله» أخرجه البزار، فقد بين النبي r ثلاثا من الكبائر هي أمثلة لها، ولا يقصد انحصار الكبائر بها، فهي الشرك بالله بكل أنواعه واليأس من روح الله وهو القنوط من رحمته، وأمن مكر الله، وهذه الثلاث من الكبائر لا محالة، وعن ابن مسعود قال: «أكبر الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله» رواه عبد الرزاق، وهنا عد اليأس من روح الله مع القنوط من رحمته وهما واحد في المعنى، فاليأس من روح الله هو القنوط من رحمة الله، قال فيه مسائل: الأولى تفسير آية الأعراف وهي ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون والثانية تفسير آية الحجر وهي: ﴿ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون الثالثة شدة الوعيد فيمن أمن مكر الله، فالوعيد الشديد في أن ذلك خسران له، لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون، وبيان أن ذلك من الكبائر في الحديثين السابقين، الرابعة شدة الوعيد في القنوط أيضا من رحمة الله وذلك في قوله: ﴿إلا الضالون وفي قوله: ﴿ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون وبيان أن ذلك من الكبائر.

\"باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله\" عقد هذا الباب لنوع من أنواع الإيمان وشعبة من شعبه وهي الصبر على أقدار الله، والصبر ثلاث شعب، هي أولا الصبر عن معصية الله، ثانيا الصبر على طاعة الله، ثالثا الصبر على قضاء الله وقدره، وكل واحدة من هذه الشعب الثلاثة تنشعب إلى شعب كثيرة، فالصبر عن معصية الله، منه الصبر عنها قبلها بعدم التفكير فيها أصلا، وعدم مراجعة النفس فيها وهذا أبلغ صبر عنها، ثانيا الصبر عنها إذا عرضت على الإنسان، إذا خلا الإنسان بمحارم الله فاستطاع الصبر عنها، الثالث الصبر عنها بعد الوقوع فيها بمبادرة التوبة والرجوع، ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون والصبر على طاعة الله ثلاثة أقسام أيضا، الصبر على الطاعة قبلها بالعزيمة عليها وإعداد العدة لها، والصبر على الطاعة في أثنائها بإتقانها على وفق ما شرع الله، والصبر على الطاعة بعدها بعدم إبطالها باللواحق المبطلة كالمن والأذى والرياء والسمعة ونحو ذلك، والصبر على قضاء الله وقدره، يقتضي أولا الإيمان بالقضاء والقدر، ثم ثانيا الرضا بما قدره الله سبحانه وتعالى، ثم ثالثا معرفة أن ما قدره الله لعبده المؤمن هو الخير له، «عجبا لأمر المؤمن كل أمر المؤمن له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» ومن هنا يعلم أن القدر أربعة أقسام خير حلو وخير مر وشر حلو وشر مر، وكلها يجب الإيمان بها، فالقدر الخير الحلو هو ما يقدره الله لعبده المؤمن مما يوافق هواه ومصالحه الدنيوية ويعينه على الطاعة، والقدر الخير المر ما يقدره الله على عبده المؤمن من المصائب الدنيوية التي تزيد أجره وترفع قدره وتكفر عنه سيئاته والقدر الشر الحلو ما يقدره الله لأعدائه مما يعجل لهم من الاستدراج في أمور الدنيا، التي تعينهم على المعصية وعلى البعد عن منهج الله، والقدر الشر المر ما يقدره الله على أعدائه من الكوارث والمصائب التي تعجلهم على النار وهي صناديد القدر، فالقسمان الأولان لأولياء الله والقسمان الأخيران لأعداء الله، ولهذا قال النبي r «وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن» وقول الله تعالى: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه فهذا مما عقدت له هذه الترجمة لأنها عقدت لأن الصبر على الأقدار من الإيمان، ولبيان هذه الآية وهي ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه وهذه الآية فيها وعد من الله سبحانه وتعالى: لمن آمن به أن يهدي قلبه هداية التوفيق والتسديد، فمن آمن بالله وأخلص له يسدده الله ويوفقه للأعمال الصالحة وينعم عليه بتلك الأعمال التي تزيده إيمانا ويقينا، قال علقمة هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويسلم، من يؤمن بالله معناه يؤمن بقدره وهذا تفسير علقمة وهو كما ذكرنا من تفسير السلف الذين لا يقصدون الحصر بل يقصدون التفهيم بالجزئيات، فإنه قال: هو الرجل أي المؤمن تصيبه المصيبة ويدخل في ذلك الرجل والمرأة، المؤمن تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله أولا بإيمانه بقضاء الله وقدره، وأنه ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على الله يسير ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله، فهو يؤمن بذلك، وهذا معنى يعلم أنها من عند الله فيرضى بها ويسلم، هذا هو الرضا بقدر الله سبحانه وتعالى، ويسلم أي يعلم أن ذلك خير له فيستسلم له، وصبره يكسبه الأجر العظيم الذي هو خير مما فاته بسبب تلك المصيبة، ولهذا قال الأعرابي لابن عباس: «اصبر نكن بك صابرين فإنما** صبر الرعية عند صبر الراس** خير من العباس أجرك بعده** والله خير منك للعباس» وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله r قال: «اثنتان في الناس هما بهم كفر، الطعن في النسب والنياحة على الميت» هذا الحديث بين أمرين، من أمر الجاهلية بقيتا في هذه الأمة، فإثنتان في الناس أي باقيتان في الناس، والمقصود بالناس هذه الأمة، هما بهم كفر أي هما من الكفر، والمقصود به كفر دون كفر، ولا يقصد به الكفر الأكبر المخرج من الملة، «الطعن في النسب» فهذه المسالة الأولى، وقد سبق ذكرها وأنها لا تزال موجودة في الناس وقلما ينجو منها أحد، فهي نوع من السخرية شائع بين الناس، وقد حرم الله سخرية بعض المؤمنين من بعض فقال: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن والثانية «النياحة على الميت» وهي العويل والصراخ أو تشقيق الثياب أو لطم الخدود، أو حلق الشعر أو الاجتماع عند أهله لاستعظام مصيبته، أو ذكره ببعض الصفات الكاذبة التي ليست فيه فكل ذلك من النياحة المذمومة، وقد برئ رسول الله r من النائحة والصائحة التي تصيح عند موت الميت، ولا يدخل في النياحة البكاء بالدمع أي أن تدمع العينان بسبب مصيبة من المصائب، فقد صح عن النبي r أنه قال: «العين تدمع والقلب يخشع ولا نقول إلا ما يرضي الرب» فليس ذلك من النياحة، ولهما عن ابن مسعود مرفوعا «ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية» ولهما أي للبخاري ومسلم أي أخرجا في الصحيحين عن ابن مسعود مرفوعا أي عن النبي r «ليس منا من ضرب الخدود» بسبب المصائب، «وشق الجيوب» كما كان أهل الجاهلية يفعلون، «ودعا بدعوى الجاهلية» وقد كانوا يدعون على أنفسهم في المصائب بأنواع الدعاء، وكانت المرأة إذا قتل أبوها أو أخوها مكثت سنة وهي تضرب خديها وتحلق شعرها وتشقق ثيابها وتعلق نعلين في رقبتها، وكل ذلك من أمر الجاهلية المذموم، وما زال الناس يرتكبون بعض ذلك عند حصول المصائب، وقد قال لبيد بن ربيعة العامري رضي الله عنه: «تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما** وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر** إذا حان يوما أن يموت أبوكما** فلا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر** وقولا هو المرء الذي ليس جاره** مضاما ولا خان العشير ولا غدر** إلى الحول ثم اسم السلام عليكما** ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر»، فالبيت الأخير لا يسلم فيما يتعلق بالبكاء مدة حول كامل، إنما بين النبي r أن الإحداد على غير الزوج لا يتجاوز ثلاثا، فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت غير زوج أكثر من ثلاث كما في حديث أم حبيبة رضي الله عنها في الصحيح، وأما الإحداد على الزوج فهو أربعةُ أشهر وعشرٌ كما بين الله ذلك وقد كان سنة كاملة ثم نسخ ذلك،وما كانوا يفعلونه في النياحة مناف لمقتضى العقل،ولذلك قالت الخنساء: «ولكني رأيت الصبر خيرا** من النعلين والرأس الحليق» بعد أن كانت تفعل ذلك، وعن أنس أن رسول الله r قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافِيَ به يوم القيامة» هذا الحديث أخرجه الترمذي وهو أن النبي r قال: إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، فالمصائب التي تأتيه هي تكفير عنه وجزاء معجل فينجو بها من عذاب الله يوم القيامة، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه أي ما يقابل ذنبه حتى يوافِيَ به يوم القيامة أي يوافي بذنبه لم يأخذ شيئا من عقوبته في الدنيا فيعذب به يوم القيامة، والمقصود هنا أن المصائب تكفر الذنوب إذا صبر الإنسان عليها، قال النبي r «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط» أخرجه الترمذي وحسنه، وهذا الحديث بين فيه النبي r أن عظم الجزاء مع عظم البلاء، فأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل الأمثل، وقد بينا أن النبي r يوعك كما يوعك الرجلان، وقد اشتد عليه الموت، وأصيب بكثير من المصائب التي هي رفع لدرجته وإعلاء لقدره، فقد كسرت رباعيته وشج جبينه يوم أحد وجحشت ركبته، وقتل أصحابه، وأوذي بأنواع الأذى فصبر على ذلك وكان يقول: «رحم الله أخي موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» فكل ذلك رفع لقدره ومكانته عند الله، إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، الله سبحانه وتعالى يمتحن عباده بما شاء ومن ذلك الامتحان بالضراء والسراء كما قال تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون فيبلو عباده بالسراء والضراء، وقد أخبر بابتلائه للمؤمنين بفتنة السراء وبفتنة الضراء، فمن رضي فله الرضا، من رضي أي صبر على البلاء فله الرضا يرضى الله عنه، ومن سخط قدرَ اللهِ وتسخطه ولم يرض به فله السخط نسأل الله السلامة والعافية يسخط الله عليه، فيه مسائل: الأولى تفسير آية التغابن وهي قول الله تعالى: ﴿ومن يؤمن بالله يهد قلبه وقد ذكرنا تفسير علقمة لها، وذكرنا أنه جزء من تفسيرها ولا يقصد به الحصر، الثانية أن هذا من الإيمان بالله سبحانه وتعالى، فتمام الصبر من الإيمان وهو تكملة لليقين، ومن جمع بين الصبر واليقين نال الإمامة في الدين، لقول الله تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون وبالصبر يقضي الإنسان على الشهوات، وباليقين يقضي على الشبهات، الثالثة الطعن في النسب وبقاء ذلك في هذه الأمة وقد سبق التنبيه على ذلك في الأبواب السابقة، الرابعة شدة الوعيد فيمن ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية، فإن النبي r تبرأ منه وقال: ليس منا، الخامسة علامة إرادة الله بعبده الخير وذلك بابتلائه بالأخذ من بدنه وماله، ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم وبالأخذ من أولاده، وقد مات أولاد النبي r في حياته إلا فاطمة، وذلك رفعا لقدره وإعلاء لمنزلته، ومات أيضا أبواه مات أبوه وهو حمل وماتت أمه وهو صبي ومات جده كذلك وهو في الثامنة من عمره، ومات عمه الذي كان يدافع عنه وزوجه خديجة، في عام واحد كل ذلك من المصائب التي حلت به r فصبر، السادسة علامة إرادة الله بعبده الشر بأن يدفع عنه المصائب الدنيوية ويستدرجه على ذنوبه، السابعة علامة حب الله للعبد، وذلك بالابتلاء، إذا أحب الله عبدا ابتلاه، الثامنة تحريم تسخط قدر الله، تحريم السخط أي لقدر الله، التاسعة ثواب الرضا بالبلاء، فإن من رضي بقضاء الله وصبر عليه يستحق رضا الله عز وجل.

\"باب ما جاء في الرياء\" عقد هذا الباب لنوع من الشرك الأصغر فسره به رسول الله r، وهو الرياء، أي إظهار العمل للناس بأن يظهر الإنسان بعض العمل الذي يتقرب به إلى الله عز وجل أمام الناس ليريهم أنه عابد لله أو أنه يتقرب إليه وهو بذلك متقرب إلى الناس لا إلى الله نسأل الله السلامة والعافية، وقد سبق أنه ينطق بالهمزة بالتصحيح وبالإبدال فيقال الرئاء والرياء، ﴿والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس أي يراءون بذلك أمام الناس، وقول الله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ فعقد هذا الباب لهذين الأمرين لما جاء في الرياء في التحذير منه، ولبيان أن النبي r لا يتقرب إليه بما يتقرب به إلى الله من الأعمال الصالحة لأنه قال: قل إنما أنا بشر مثلكم، يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد، فبين أن تميزه على الناس، إنما هو بالوحي إليه، وأن ذلك الوحي متضمن لأن الإله واحد، فيلزم إفراده سبحانه وتعالى وحده بالعبادة وأن لا يصرف منها شيء لغيره، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا أي عن النبي r قال: قال الله تعالى: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك معي فيه غيري، تركته وشركه» رواه مسلم، هذا الحديث، القدسي يقول الله فيه: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فالله سبحانه وتعالى غني عن كل ما أشرك به فيه، فلا يمكن أن يتقبل عملا أشرِك معه غيره فيه، لذلك قال: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك» فهو غني عن عباده جميعا وعن أعمالهم، فلا يقبل ما أشرك معه غيره فيه، لهذا قال: «من عمل عملا أشرك معيَ فيه غيري تركته وشركه» فيترك ذلك العمل وشرك الإنسان فيه فلا يمكن أن يتقبله، وعن أبي سعيد مرفوعا «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» قالوا بلى، قال: «الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل» وهذا الحديث أخرجه أحمد في المسند وهو حسن، فأخبر فيه النبي r أن غير فتنة المسيح الدجال أخوف عنده على هذه الأمة من فتنة المسيح الدجال، وذلك الغير من الفتن العظيمة فتنة الرياء، وهي أن يرائي الإنسان الناس بأن يعمل العمل فيحسنه إذا رآه الناس وإذا كان بحضرتهم، فإذا خلا لم يحسنه، أو لم يعمله أصلا، لذلك قال: «ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟» أي من فتنته، وهي أعظم فتنة منذ خلق آدم إلى قيام الساعة، «ما بين خلق آدم وقيام الساعة فتنة أعظم من فتنة المسيح الدجال، وما من نبي إلا وقد أنذره قومه» لكن مع ذلك أعظم خطرا منها على أصحاب رسول الله r والمؤمنين في صدر هذه الأمة فتنة الرياء، فالمسيح الدجال إنما يخرج في آخر الأمة فالخوف من فتنته على المتأخرين أما غيرهم فالرياء أخوف فيهم من المسيح الدجال، قالوا بلى يا رسول الله معناه أخبرنا بالذي تخاف علينا، قال: الشرك الخفي الذي يخاف عليهم خوفا شديدا هو الشرك الخفي، وفسره بالرياء، يقوم الرجل فيصلي فيزن صلاته لما يرى من نظر رجل، أي إذا علم أن رجلا ينظر إليه يزين صلاته حتى يُعجَب بها ذلك الرجل ويرى حسن صلاته، وهذا من العمل الصالح الذي يتقرب به إلى الله يفعله الإنسان للناس فيكون بذلك قد خسره، ولم يحصل منه على طائل لأنه عمله يرائي به الناس، \"فيه مسائل الأولى تفسير آية الكهف وهي قول الله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد\" وتفسيرها أن النبي r أمره الله بأن يخبر عن نفسه بأنه بشر مثلنا، فلا يستحق أن يصرف إليه شيء من العبادة لأنها من خصائص الألوهية، وأن الله ميزه علينا وفضله بما أوحى إليه من الوحي وما علمه من وحيه يوحى إليه، وأن الذي أوحي إليه خلاصته توحيد الله، أنما إلهكم إله واحد، \"الثانية الأمر العظيم في رد العمل الصالح إذا دخله شيء لغير الله عز وجل\" كما في حديث أبي هريرة في الحديث القدسي «تركته وشركه» فلو كان ذلك العمل كبيرا ولكن خالطه شيء يسير من الشرك فإنه يرد به، \"الثالثة ذكر السبب الموجب لذلك وهو كمال الغنى\" فإن الله سبحانه وتعالى غني كمال الغنى عن عباده، فلا يحتاج إلى شيء من أعمالهم، فما أشرك به فيه لا يقبله يرده عليه، \"الرابعة أن من الأسباب أنه خير الشركاء\" أن الله سبحانه وتعالى أغنى الشركاء عن الشرك فلا يحتاج إلى شركِ غيره، وهذا داخل في ما سبق داخل في كمال الغنى، \"الخامسة خوف النبي r على أصحابه من الرياء\" وأنه أشد خوفا عنده من المسيح الدجال، \"السادسة أنه فسر ذلك بأن المرء يصلي لله، لكن يزينها لما يرى من نظر رجل إليه\" فهو يصلي لله في الواقع، لكن يزيد فيها أويحسنها لما يرى من نظر رجل إليه نسأل الله أن يجيرنا من الرياء ومن الفتن كلها ما ظهر منها وما بطن.

قال: \"باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا\" هذا باب من أنواع الشرك، وهو إرادة الإنسان بعمله الدنيا، أن يعمل عملا من أعمال الآخرة لا يريد به إلا الدنيا، بأن يتقرب إلى الله بالصدقة يريد بذلك أمرا دنيويا فقط ولا يريد به أمرا أخرويا، وقول الله تعالى ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون فقد بين الله سبحانه وتعالى، أن الدنيا ضرة الآخرة وضدها، فمن أراد الدنيا عجل الله له منها ما كَتَبَ له ولم يكن له نصيب في الآخرة ومن أراد الآخرة وعمل لها فإن الله سبحانه وتعالى يوفر له أجره في الآخرة، كما قال تعالى:﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا وكما قال تعالى: ﴿من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب وكما قال تعالى: ﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق، ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب لهذا قال: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها، نوف إليهم أعمالهم فيها أي جزاء أعمالهم فيها أي في الحياة الدنيا فتعجل لهم طيباتهم في الحياة الدنيا ولا ينالون شيئا في الآخرة، بل يقال لهم: ﴿أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها لهذا قال: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون فأولئك يستحقون النار في الدار الآخرة نسأل الله السلامة والعافية لأنهم عجل لهم ثوابهم في الدنيا، وفي الصحيح عن أبي هريرة قال قال رسول الله r: «تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة، إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط، تعس وانتُكِس، أو انتَكَس، وإذا شيك فلا انتقش، طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثَ رأسُه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة، وإن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يُشَفَّعْ» هذا الحديث العظيم بين فيه النبي r أن عبد الدينار والدرهم أي الذي يعمل من أجل الحصول على أمر دنيوي قد تعس، والتعْس الهلاك، وهذا خبر صادق من الرسول الصادق المصدوق r بقوله: تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم أي هلك، فالتعس الهلاك، تعسا لهما أي هلاكا لهم، تعس عبد الدينار تعس عبد الدرهم تعس عبد الخميصة تعس عبد الخميلة، والدينار من الذهب والدرهم من الفضة، والخميصة والخميلة من الملابس، وهما نوعان من أنواع الملابس، إن أعطي رضي، هذا وصف لعبد الدينار والدرهم، من أراد أن يعرف عبد الدنيا فليعلم أنه هو الذي إذا أعطي منها رضي، وإن لم يعط سخط، فهو لا يريد إلا هي، تعس وانتكس، تعس يدعو عليه النبي r مرة أخرى، وانتَكَس أي رجع على عقبيه وساءت خاتمته نسأل الله السلامة والعافية، أو وانتُكِس في الرواية الأخرى أي صرف عن طريق الحق نسأل الله السلامة والعافية، وإذا شيك، فلا انتقش، إذا شيك أي إذا أصابته شوكة، والمقصود بها أية مصيبة، فلا انتقش أي فلا أزيلت عنه تلك الشوكة، فهذا دعاء عليه بأن لا يرفع الله بلاءه وأن لا يزيل غمه وهمه، وفي المقابل بين من كان يريد حرث الآخرة ويريد ثوابها، وأبلغ الأمثلة له: عبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، فهو أشعث أغبر رأسه مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة كان في الساقة، وإن كان في الميمنة كان في الميمنة وإن كان في الميسرة كان في الميسرة، وإذا استأذن لم يؤذن له وإذا شفع لم يشفع، فهذا لا يتعامل مع الناس ولا يبايعهم إنما يتعامل مع الله ويبايعه فهو آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، مستعد للجهاد باع نفسه لله في كل لحظة ينتظر الموت في سبيل الله، وهو مع ذلك لا يبالي ما أصابه، فرأسه أشعث، وقدماه مغبرتان، وإن كان في الحراسة كان في الحراسة أي هو مطيع لمن يأمره لمن يتولى أمره إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن كان في الساقة الساقة آخر الجيش، والجيش الخميس مؤلف من خمس فصائل من القلب وهي الكتيبة الوسطى وفيها الأمير، ومن اليمين الميمنة وهي يمين الجيش، والميسرة وهي شماله، والمقدمة هي التي تكون أمامه، والساقة وهي التي تكون خلف القلب، والحراسة الرعاية بالرباط في سبيل الله، إن استأذن لم يؤذن له، إذا استأذن في الانصراف للراحة أو لشيء من أمره لم يؤذن له لأن أميره والذين معه في العمل لا يقدرون جهده، ولا ينظرون إلى ما هو فيه، ومع ذلك لا يزيده هذا إلا قناعة بالعمل  واستمرارا فيه، لأنه يعلم أن البيعة ليست معهم بل مع الله سبحانه وتعالى، وإن شفع لم يشفع فليس له مقام عندهم، ولا مكانة معروفة، والمكانة تنقص من أجر الإنسان، «فما من سرية تخرج في سبيل الله فتغنم إلا عجل لها ثلثا أجرها، وما من سرية تخرج في سبيل الله فتخفق إلا نالت أجرها كاملا» فكذلك العامل للإسلام والمجاهد في سبيل الله إذا لم يطلع على بلائه ومكانته ولم يعرف الناس قدره كان ذلك أولى به وأعلى لمنزلته وأكثر لأجره، وإن اطلع الناس على قدره وبلائه وما يقوم به كان ذلك أنقص لأجره، فيه مسائل: الأولى إرادة الإنسان الدنيا بعمل الآخرة، وخطر ذلك وضرره، ومحل هذا إن أراد الدنيا فقط، أما إن أراد الدنيا والآخرة، معا كمن تصدق يريد ثواب الآخرة ويريد مع ذلك رفع بلاء أو شفاء من مرض فلا حرج في ذلك فإن النبي r أرشد إلى علاج المرضى بالصدقة، «داووا مرضاكم بالصدقة» وأخبر أن صلة الرحم تزيد في العمر وفي الرزق وكذلك الصدقة تزيد في الرزق، فمثل هذا ليس من قصد الدنيا بها فقط، بل إذا تصدق يريد بذلك وجه الله وأمر الآخرة ويريد به أيضا أمرا دنيويا فلا حرج في هذا وليس من الشرك ولا هو من الأمور المذمومة، الثانية تفسير آية هود وهي ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون الثالثة تسمية الإنسان المسلم عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة وعبد الخميلة، لأنه أحبها فأصبح كأنما يعبدها، وعبد الشيء المحب له، كما قال الشاعر: «يا عمرو ثأري عند زهرائي** يعلمه السامع والرائي** لا تدعني إلا بياعبدها** فإنه أشرف أسمائي» فمحب الشيء عبد له، الرابعة تفسير ذلك بأنه إن أعطي رضي وإن لم يعط سخط كما بين ذلك النبي r، الخامسة قوله: تعس وانتُكس أو انتَكَس، وذلك دعاء عليه، السادسة قوله: وإذا شيك فلا انتقش أي إذا أصيب بمصيبة من شوكة أو غيرها فلا رفع الله عنه البلاء ولا أقال عثرته، السابعة الثناء على المجاهد الموصوف بتلك الصفات العظيمة، وهو المجاهد الصادق الذي لا يبالي بما لم يعترف الناس به من حقه، وهو صابر في جهاده مستمر فيه بَيْعتُه مع الله لا مع الناس وهو ينظر إلى الناس على أنهم جميعا عباد لله سبحانه وتعالى لا يملك أحد منهم لأحد نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، ومن  هنا فهو سامع مطيع لمن يتولى أمره من المجاهدين معه، وإذا لم يعرفوا له قدره ولم يعترفوا له بمكانته لم ينقص ذلك تفانيه وتضحيته في العمل، لأنه لا يعمل لهم، وليس موظفا عندهم، بل يزيده ذلك إقبالا على الطاعة وشكرا لله سبحانه وتعالى وهذا مما يزيد في الأجر، وقد كان أصحاب رسول الله r يحرصون على مثل هذا، وقد كانوا يتحرجون من التحديث بالغزوات التي شهدوها، فإذا كان أحدهم قد خرج في غزوة في سبيل الله كره أن يُسأل عنها، ويحيل على غيره يقول اسألوا فلانا، وكذلك فإن أويسا القرني رضي الله عنه وهو من خيرة التابعين بل هو سيدهم، أفضلهم كما أخبر بذلك النبي r قال لعمر عندما سأله هل يوصي به قائد الجيش قال: لا بل أخرج في غُمار الناس.

\"باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا\" عقد المؤلف رحمه الله هذا الباب لنوع من أنواع الشرك وهو الشرك في الطاعة، فمن أطاع العلماء أو الأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابا وبذلك اتخذ شركا لله تعالى، فالله تعالى يقول في كتابه: ﴿أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله وقد جعل الله تعالى كل قانون يتحاكم الناس إليه دون شرعه دينا، ففي قصة يوسف عليه السلام يقول الله تعالى: ﴿كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله في دين الملك أي في قانونه ونظامه، فهذا يدل على أن كل نظام لم يأذن به الله ولم يأت من شرعه، فاتخاذه والتحاكم إليه والعمل به إشراك بالله، ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى قال في سورة النساء: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما فلا بد من الاستسلام الكامل لأمر الله ورسوله، والانقياد المطلق لهذا الأمر، ولا يمكن أن يطاع مخلوق في معصية الخالق، وإذا كان هذا في العلماء والأمراء فكيف بمن سواهم، وقد نص على ذكر العلماء والأمراء لأنهم في الأمم السابقة كانوا سبب تغيير الدين، فأحبار الأمم السابقة ورهبانهم وأمراؤهم هم الذين غيروا لهم الدين فأطاعوهم في ذلك، ولهذا قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: «وهل أفسد الدين إلا الملوك** وأحبار سوء ورهبانها» وقال ابن عباس (يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قال رسول الله r وتقولون قال أبو بكر وعمر) كان ابن عباس رضي الله عنهما يستنكر من يعارض قول النبي r بحكاية قول أحد من أصحابه، إذ لا قول لأحد مع النبي r فهو الذي تجب طاعته ويجب أخذ كل ما جاء به، ويحرم رد أي شيء عليه، ومن سواه من الناس يؤخذ من قوله ويرد، ولا يمكن أن يعارض قول النبي r برأي أي أحد ولا بقياس ولا باجتهاد، وقد كان مالك رحمه الله يقول: (ما منا أحد إلا راد ومردود عليه إلا صاحبَ هذا القبر) r، فهو وحده الذي لا يرد شيء ثبت عنه، أما من سواه من الناس فيؤخذ من أقوالهم ويرد، وابن عباس هنا يقول يوشك أي يقترب أن يقع ذلك أي يتوقع وقوعه بسرعة أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أي أن يأتيكم عقاب من عند الله تعالى: أقول: قال رسول الله r أي في الاستدلال يستدل بالحديث فتقولون قال أبو بكر وعمر، فيعارضون قول النبي r بقول أحد من أصحابه ولو كان أفضل أصحابه كأبي بكر وعمر فلا حجة في قول أحد في مقابل قول النبي r، وقال أحمد بن حنبل عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان أي إلى رأي أي أحد، وسفيان بن عيينة شيخ أحمد وهو يحترمه احتراما عظيما، لكن لا يمكن أن يعدل عن حديث صح إسناده إلى قول سفيان، وهذا الذي يقوله أحمد بن حنبل رحمه الله هو إرشاد لأصحاب المذاهب الذين يقلدون أئمتهم المعذورين في مخالفة النص لأنه لم يبلغهم أو لم يبلغهم من وجه يصح منه، أو بلغهم ما يعارضه، والمقلدون لم يبلغهم ذلك المعارض وقد بلغهم النص من وجه يصح منه، فلا يمكن أن يعذَروا بالتقليد في ذلك فالعمل بالراجح واجب لا راجح، وهذا محل اتفاق بين المذاهب كلها ولله الحمد، والله تعالى يقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم وهذا استدلال منه بهذه الآية من سورة النور التي يبين الله سبحانه وتعالى فيها خطر مخالفة رسوله r، ويحذر من ذلك فيقول: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أي عن أمر رسول الله r، أن تصيبهم فتنة، والفتنة تشمل الردة عن الإسلام والعياذ بالله، أو يصيبهم عذاب أليم، وهذا يشمل عذاب الدنيا وعذاب البرزخ وعذاب الآخرة، يقول أحمد رحمه الله أتدري ما الفتنة، الفتنة الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك، فبذلك تسوء خاتمته نسأل الله السلامة والعافية، فكل من رد شيئا من قول رسول الله r صح عنده ولم يعلم له ناسخا ولا معارضا فهو عرضة لسوء الخاتمة نسأل الله السلامة والعافية، وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه، أنه سمع النبي r يقرأ هذه الآية، ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟» فقلت بلى، قال: «فتلك عبادتهم» رواه أحمد و الترمذي هذا الحديث وإن كان فيه مقال إلا أن الآية صريحة في أنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله، ومن المعلوم أن الذي اتخذوهم به أربابا من دون الله هو تحليل الحرام وتحريم الحلال، فالمعنى تشهد له الآية وهو متضح منها، وقد نعى الله تعالى على اليهود والنصارى أنهم اتخذوا أحبارهم وهم علماؤهم، والأحبار جمع حبر بالفتح والكسر، يقال الحَبر والحِبر وهو العالم، ورهبانهم جمع راهب وهو العابد أي عبادهم أربابا من دون الله وذلك بأمرين الأمر الأول تقليدهم في إباحة ما حرم الله، أو تحريم ما أحل الله، والثاني اعتقاد أن لهم من الأمر شيئا وأنهم يمكن أن يؤثروا في هذا الكون بغير إذن الله، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم، أي أنهم لا يسجدون لهم كما يسجدون لله سبحانه وتعالى، فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه» ويحلون ما حرم الله فتحلونه قلت بلى قال: فتلك عبادتهم، وهذا واضح جدا حتى لو لم يصح الإسناد، فإن الله أثبت أنهم اتخذوهم أربابا من دون الله، واتخاذهم أربابا إنما يكون هكذا، فيه مسائل الأولى تفسير آية النور وهي ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم فإن الله تعالى يقول قبلها: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا، قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا، فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم فالذين يخالفون عن أمره أي يخالفون عن أمر رسول الله r فيعدلون عنه، ولو كان ذلك بالاختفاء منه والتسلل لواذا أو كان بالتأويلات الباطلة التي لا يقتنعون بصحتها، فإن ذلك سبب لهذا الوعيد الشديد إما بالفتنة وهي الردة عن الإسلام وسوء الخاتمة، وإما بالعذاب الأليم والأليم المؤلم أي الذي يشهد صاحبه ألمه، فيشمل ذلك عذاب الدنيا وعذاب البرزخ وعذاب الآخرة، الثانية تفسير آية براءة وهي قول الله تعالى: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله وتفسيرها ما ذكر في حديث عدي بن حاتم الطائي، وقد بينا أن في الحديث مقالا، لكن مع ذلك معناه تشهد له الآية، الثالثة التنبيه على معنى العبادة التي أنكرها عدي، فالعبادة تطلق على مفهومين، مفهوم عام وهو الطاعة مطلقا ومفهوم خاص وهو الطاعة المخصوصة، فعدي ظن أن إطلاق العبادة هنا هو على الطاعة المخصوصة كالسجود لهم والذبح لهم، والواقع أن العبادة أعم من ذلك فتشمل الطاعة مطلقا، الرابعة تمثيل ابن عباس بأبي بكر وعمر وتمثيل أحمد بسفيان فما بالك بمن دون هؤلاء، فإذا كان ابن عباس يرى أن المعارضة بقول أبي بكر وعمر أمر منكر عظيم يستحق صاحبه أن يرجم بالحجارة من السماء، فما بالك بالمعارضة بقول من دونهما من الناس، ومثل ذلك ما قاله أحمد في المعارضة بقول شيخه سفيان بن عيينة، الخامسة تغير الأحوال إلى هذه الغاية حتى صار عند الأكثر عبادة الرهبان هي أفضل الأعمال، وتسمى الولاية وعبادة الأحبار هي العلم والفقه، يقصد أن الأحوال في زمانه وفي آخر عهد هذه الأمة حين طال بها الأمد تغيرت حتى أصبحت على هذا الحال، وهم يقرؤون القرآن وفيه التحذير من هذا الحال، فأصبحوا يعتقدون في كل من رأوا منه عبادة وأحوالا ويظنون أنه يمكن أن يتصرف في الكون وينسبون إليه الكائنات وهذا شرك بالله سبحانه وتعالى وكذلك يرجعون إلى أقوال كل من ينسُبونه للعلم والفقه ويقلدونه فيما يخالف الدليل وهم يعلمون ذلك الدليل المخالف لقوله، ولا يقبلون المناقشة أصلا، فلو ذُكر لهم أن قول فلان يعارضه كلام الله وكلام رسوله r لقالوا فلان أعلم منا ومنك بكلام الله وكلام رسوله، بل إن كثيرا منهم يقولون إن الفقه الخالي من الدليل هو زبدة الكتاب والسنة فلم يعد الإنسان محتاجا إلى الرجوع للكتاب والسنة بل يستغني بتلك الزبدة نسأل الله السلامة والعافية من هذه الأفكار المضلة، ثم تغيرت الأحوال إلى أن عبد من دون الله من ليس من الصالحين، وعبد بالمعنى الثاني من هو من الجاهلين، تغيرت الأحوال أيضا وازدادت سوءا حتى أصبح كثير من الناس يعتقد فيمن لا يرى منه الاستقامة والعبادة، بل في أصحاب المخرقة من الضالين المضلين، فيعتقد في السحرة والكهان ويجعلهم أربابا من دون الله وهو يعلم أنهم من أعداء الله، وكذلك يعتقد كثير من الناس بفتوى الجهال الذين لا يعلمون صوابا من خطإ ولا حقا من باطل، وقد ذكر أهل العلم أن كثيرا من الناس يقلدون بعض من ينتسب إلى أولاد العلماء، فيظنون أن تلك النسبة تورث العلم، وقد قال مالك رحمه الله عندما كان الناس يزدحمون على مجلسه لسماع العلم منه وكانوا يقولون: كان من زينة الدنيا أن يقول الرجل أخبرنا مالك، وولده معرض عن ذلك لا يتعلم منه ويلعب بالحمام، فرآه يلعب بالحمام وقت ازدحام الناس على سماع كلام مالك، وتحديثه، فقال: سبحان الله أبى الله أن يكون هذا الشأن بالوراثة.

باب قول الله تعالى ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا، فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا، أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا، وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيماالآيات عقد هذا الباب للتنبيه على ما في هذه الآيات من توحيد الطاعة، وهذه الآيات من سورة النساء بين الله سبحانه وتعالى فيها توحيد الطاعة والاتباع، فقال: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت فيرضون بالتحاكم إلى المشركين عبدة الأوثان وقد أمروا أن يكفروا به، قد أمرهم الله بالكفر بالطاغوت كله، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا، فالشيطان هو الذي لبَسَّ عليهم وهو الذي قادهم إلى ذلك الضلال البعيد حين رضوا بحكم الطاغوت بدلا من حكم الله ورسوله وهم قد آمنوا فيما زعموا بالله ورسوله، وصدقوا ما جاء به رسول الله r بزعمهم وصدقوا ما كان قبله من الكتب المنزلة بزعمهم ومع ذلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به، ﴿وإذا قيل لم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا فصرح هنا بأن هؤلاء هم المنافقون، فإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم، لم يقبلوا ذلك ولم يستجيبوا له وقد كثر إنكار هذا عليهم في القرآن ففي هذه الآيات من سورة النساء هذا التصريح بهذا، وكذلك في سورة النور قول الله تعالى: ﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون وقوله: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون هذا أيضا من الإنكار على المنافقين، فقد بين الله تعالى من أحوالهم أنهم إذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض وهم مفسدون فيها، والإفساد فيها بمخالفة أمر الله عز وجل قالوا إنما نحن مصلحون، فزعموا أنهم يصلحون بذلك الإفساد الذي يفعلونه، وهذا مثل زعم فرعون الذي قال: ﴿ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد وقوله: ﴿ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها فالإفساد في الأرض المخالفة عن أمر الله عز وجل بعد إصلاحها أي بعد إرسال الرسل وإنزال الكتب، وقوله: ﴿أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون فإن الله سبحانه وتعالى نعى على هؤلاء أنهم يرضون بالجهل بدلا من العلم، فيرضون بحكم الجاهلية وهم يعلمون فساده وبطلانه، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون، فهم يرفضون حكم الله ويعدلون إلى حكم الجاهلية وحكم الطاغوت، عن عبد الله بن عمرٍو أن رسول الله r قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به» قال النووي حديث صحيح رويناه في الحجة بإسناد صحيح، والحديث ضعيف ولكن مع ذلك يشهد له بعض النصوص الأخرى، فيمكن أن يصل بها إلى درجة الحَسَن لغيره، فهذا الحديث فيه لا يؤمن أحدكم، أي تمام الإيمان، حتى يكون هواه أي ما يحبه تبعا لما جئت به في الإباحة والتحريم، فمن كان يحب الحرام أو يكره الحلال فإن إيمانه غير كامل، فلا يكمل إيمانه حتى يكون محبا للحلال مبغضا للحرام، وقد قال الله تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون وهذه الآية صريحة في أن من ليس كذلك ليس من الراشدين، والمؤمنون الكاملو الإيمان هم الراشدون، وقال الشعبي كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي نتحاكم إلى محمد عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق نتحاكم إلى اليهود، لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، فاتفقا أن يأتيا كاهنا في جهينة، فيتحاكما إليه فنزلت: ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، والشعبي من التابعين الكبار وقد ذكر سبب النزول هنا دون أن يعزوه إلى أحد من الصحابة، ذكر أنه كان بين رجل من المنافقين من أهل المدينة، ورجل من اليهود خصومة، فاليهودي صاحب الحق في تلك الخصومة، فقال اليهودي نتحاكم إلى محمد، لأنه يعلم أن النبي r سيحكم بحكم الله وبالحق ولن يأخذ الرشوة، عرف أنه لا يأخذ الرشوة، وقال المنافق نتحاكم إلى اليهود لعلمه أنهم يأخذون الرشوة، ثم تركا ذلك جميعا فاتفقا على أن يتحاكما إلى كاهن في جهينة فكيف يزعم هذا المنافق أنه مؤمن بالله وبرسول الله r وبالقرآن الذي أنزل إليه، ويزعم هذا اليهودي أنه مؤمن بموسى وبالتوراة التي أنزلت إليه ثم بعد ذلك يرضَيَان بحكم الطاغوت، ويرجعان إلى حكم الكهان الجهلة الذين لا يؤمنون بالله، فنزلت: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به وقيل نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما نترافع إلى النبي r، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف، ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهما القصة، فقال للذي لم يرض برسول الله r أكذلك قال؟ قال: نعم، فضربه بالسيف فقتله، وهذه القصة منكرة هكذا لكن يذكرها أهل التفسير في أسباب النزول، وبالنسبة لقتل عمر للذي لم يرض بحكم رسول الله r لو صح فهو صواب، لأنه قد كفر حين لم يرض بحكم رسول الله r، فيه مسائل الأولى: تفسير آية النساء وما فيها من الإعانة على فهم الطاغوت، لأنه قال: يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد تحاكموا إلى الكهان وعبدة الأوثان وقد امروا أن يكفروا به، الثانية تفسير آية البقرة وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون ألا إنهم هم المفسدون فإنهم يزعمون أنهم مصلحون ويريدون الإصلاح وهم مع ذلك يفسدون في الأرض بنبذ حكم الله فالأرض لا يصلحها إلا حكم خالقها وبارئها، الثالثة تفسير آية الأعراف، ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها، فالإفساد فيها بالعدول عن حكم الله وإصلاحها هو بعثة الرسل وتنزيل الكتب، الرابعة تفسير قول الله تعالى: أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون، وذلك استفهام إنكاري، معناه أنه لا يفعل ذلك ولا يرضاه إلا من كان كافرا بالله الذي يرضى حكم الجاهلية بديلا عن حكم الله قد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، الخامسة ما قال الشعبي، في سبب نزول الآية الأولى من تخاصم المنافق واليهودي إلى الكاهن، السادسة تفسير الإيمان الصادق والكاذب، فهؤلاء المنافقون يزعمون ذلك وهم كاذبون ولهذا قال: ﴿ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وقال: ﴿وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون فكل ذلك من الدعاوي والزعم وهو إيمان كاذب وقد أنكر الله سبحانه وتعالى إيمان المنافقين وكذبهم، وقال: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا: نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله، والله يشهد إن المنافقين لكاذبون السابعة قصة عمر مع المنافق لو صحت، لكنها منكرة، الثامنة كون الإيمان لا يحصل لأحد حتى يكون هواه تبعا لما جاء به رسول الله r مما يدل عليه حديث عبد الله بن عمرو الذي سقناه، وإن كان ضعيفا إلا أن معناه يشهد له بعض النصوص.

\"باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات\" عقد هذا الباب لنوع آخر مما يضاد التوحيد ويخالفه وهو نفي التوحيد في الأسماء والصفات، بمعنى أن يجحد الإنسان بعض الأسماء أو بعض الصفات فينكرها، أو يجحدها جميعا، فالذي ينكر كل ذلك فقد جحد الجميع جحد أسماء الله وصفاته، والذي ينكر

 


عدد مرات القراءة : 5234



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22102972
المتواجدون الأن       4
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو