» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح المغنى المفيد الشريط الرابع عشر




هذه القصة العظيمة قصها علينا رسول الله r تنبيها على الإيمان بالنعمة وتقييدها بشكرها، والتحذيرِ من كفرها وإنكارها، فقد بين أن ثلاثة من بني إسرائيل ابتلاهم الله سبحانه وتعالى فابتلى أحدهم بالبرص والآخر بالقرع والآخر بالعمى، فأراد الله أن يبتليهم أي أن يمتحنهم بفتة السراء بدل الضراء فقد ابتلاهم أولا بفتنة الضراء، ثم ابتلاهم بعد ذلك بفتنة السراء، والله سبحانه وتعالى هو المدبر الحكيم الخبير، فإذا ابتلى شخصا بالضراء فمعناه أن ذلك خير له من السراء، إذ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء وقال تعالى: ﴿إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى فأراد الله أن يبتليهم أي أن يمتحنهم فبعث إليهم ملكا في صورة رجل يكلمهم فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قَذِرني الناس أي استقذروني به أي بسببه قال فمسحه به أي مسح الملك الذي هو في صورة رجل جلد ذلك الأبرص، فذهب عنه قذره أي ما كان الناس يقذرونه من أجله، فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك؟ قال: الإبل أو البقر، شك إسحاق وهو أحد رواة هذا الحديث، فأعطي أي أعطاه ذلك الملك ناقة عُشَرَاءَ أي قد تبين مخاضها، وقال بارك الله لك فيها، فدعا له بالبركة فيها، فكثرت ذريتها حتى كانت واديا من الإبل، قال: فأتى الأقرع: قال أي شيء أحب إليك؟ قال: شعر حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس به فمسحه أي مسح على رأسه، فذهب عنه قذره وأعطي شعرا حسنا أيضا، فقال: أي المال أحب إليك قال: البقر أو الإبل والتردد بين هذين الأولين، فالأعمى هو الذي أوتي الغنم قطعا، والآخران حصل التردد بينهما لدى الراوي، فأعطي بقرة حاملا، قال: بارك الله لك فيها، فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك؟ قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك قال: الغنم فأعطي شاة والدا، أي قد تبين مخاضها ستلد قريبا، فأنتج هذان أي وَلَّدَ صاحب الناقة عليها حتى ولدت وقام صاحب البقرة عليها حتى ولدت، ووَلَّد هذا، أي قام على الشاة حتى ولدت، فيقال: أَنتج وأُنتج، والنتاج أولاد الإبل والبقر، ومن هذا قول الشاعر: «أَكُل عام نعم تحوونه** يُلقحه قوم وتُنْتِجُونَه** أنَعَمَ الآباءِ تحسبونه** ولا تلاقون طعانا دونه** هيهات هيهات لما تبغونه» وفي الحديث كما تُنتَج البهيمة بهيمة جمعاء أي كما تولد، فكان لهذا واد من الإبل، أي للأول، ولهذا أي للثاني واد من البقر، ولهذا أي للثالث واد من الغنم، وهنا حكمة عجيبة وهي أن الأعمى في الغالب يرجع ما كان في مقابل بصره على عقله فيزداد عقلا وبصيرة ومن هنا كان أعقل من صاحبيه، ثم إنه أتى الأبرص أي أن ذلك الملك أرسله الله للامتحان فأتى الأبرص في صورته وهيأته، فجاء في صورة رجل أبرص على هيأة ذلك الأبرص وصورته، فقال: رجل مسكين أي فقير قد انقطعت بي الحبال في سفري أي انقطعت بي الأسباب الحبال هي الأسباب، أي ليس هنا من يتصدق عليَّ ولا من أقترض منه وليس لديَّ مال فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، معناه أنه يرفع إليه حاجته ويريد مساعدته ولا يجد من يساعده بعد الله سبحانه وتعالى إلا إن ساعده هو، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة فاعتذر، ولم يعطه ما طلب، مع أنه سأله بالله وذكره بنعمته عليه، فقال  له: كأني أعرفك؟ وهو يعرفه ألم تكن أبرص يقذرَك الناس فقيرا فأعطاك الله عز وجل المال، فهنا استكبر الرجل واستنكر وأنكر أن يكون كذلك فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، وهو يكذب بذلك وينكر نعمة الله عليه، ويزعم أنه ورث المال كابرا عن كابر أي عن أب عن جد، فقال: إن كنت كاذبا فَصَيَّرَكَ الله إلى ما كنت فدعا عليه فرده الله كما كان نسأل الله السلامة والعافية، قال: وأتى الأقرع في صورته، أي في تلك الصورة التي كان عليها الأقرع والملك يتمثل بهذه الصور من أمر الله، فقال له مثل ما قال لهذا، أي مثل ما قال للأبرص، ورد عليه مثل ما رد عليه هذا أي أنكر واستكبر أن يكون كان بتلك الصورة، وأخبر أنه إنما ورث هذا المال كابرا عن كابر، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت، أي إلى ما كنت عليه من قبل، فصيره الله كما كان نسأل الله السلامة والعافية، وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فالأعمى كان عاقلا فتذكر نعمة الله عليه ولم ينكرها ولم يتكبر بها، وهنا نكتة أخرى وهي أن أصحاب الإبل والبقر أهل كبرياء وخيلاء، وأن أصحاب الغنم أهل سكينة، كما بين ذلك النبي r، فقال: الفخر والخيلاء في الفَدَّادين عند أذناب الإبل من ربيعة ومضر، حيث يطلع قرنَا الشيطان، والسكينة في أهل الغنم، فلذلك عرف الأعمى حق الله فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم أي لا أكلفك جُهدا وعناء والجهد بالضم هو العناء والتعب، وأما الجَهْدُ بالفتح فهو الشدة، وأمَّا الجُهْدُ بالضم فهو الطاقة، فيقال: بذل جهدا في كذا أي بذل طاقة فيه، ويقال: جهِد في كذا جَهدا أي تعب فيه تعبا شديدا، والجَهد هو الضنك والشدة، ومن ذلك قول النبي r في دعاء الاستسقاء: اللهم إن بالعباد والبلاد والخلائق والبهائم من اللأواء والجَهد والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، وأما الجُهد بالضم، فهو ما يبذله الإنسان، ﴿والذين لا يجدون إلا جهدهم أي إلا قدر استطاعتهم فقط، كما في سورة التوبة، لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، أي لا أكلفك به غرامة، ولا آخذ منك به بديلا، فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم، أي فإنما أنا امتحان لكم واختبار من عند الله تعالى، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك، فصاحباه انْتُزِعت منهما النعمة في الدنيا وحل عليهما السخط في الآخرة نسأل الله السلامة والعافية حين كفرا بنعمة الله وأنكراها وأما هو فقد مُتِّعَ بالنعمة في الدنيا وحل عليه رضوان الله في الآخرة نسأل الله رضاه، فيه مسائل: الأولى تفسير الآية وهي قول الله تعالى: ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي، وقد بينا في تفسيرها قول مجاهد وقول ابن عباس وأن ذلك لا تعارض فيه، فمعناه واحد، الثانية تفسير قول الله تعالى: ليقولن هذا لي، وقد بينا أقوال أهل العلم في ذلك، هذا بعملي أو أنا محقوق به، أو من عندي، الثانية ما معنى قوله إنما أوتيته على علم، قد بينا القولين السابقين، أي على علم بأنواع المكاسب والتجارات، أو على علم من عند الله أني أهل له وأستحقه، الرابعة ما في هذه القصة العجيبة من العبر العظيمة، وهي قصة الثلاثة، ففيها عجائبُ عبرة للمعتبرين وتذكير للناس بآلاء الله ونعمه، وأنها إنما تقيد بشكرها، لا بكفرانها وإنكارها، ومنها كذلك التحدث بالنعم، فإن الأعمى تحدث بنعمة الله عليه أنه كان رجلا أعمى فرد الله عليه بصره، والتحدث بالنعم شكر لها لقول الله تعالى: وأما بنعمة ربك فحدث.

\"باب قول الله تعالى: فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما\" الآية، عقد هذا الباب لنوع آخر من أنواع الشرك، وهو تعبيد الأولاد، أي تسميتهم بالعبودية للمخلوقين، فهو نوع من أنواع الشرك بالله عز وجل، ودليل ذلك هذه الآية فإن الله سبحانه وتعالى يقول فيها: ﴿فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به، فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين، فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون ﴿فلما آتاهما أي لما رزقهما الله صالحا أي ولدا مستقيما جعلا له شركاء فيما آتاهما، حيث سميا ذلك الولد بالتعبيد للمخلوق، وفي القراءة السبعية الأخرى: جعلا له شركا فيما آتاهما، أي شريكا فيما آتاهما، وما آتاهما هو ذلك الولد، قال ابن حزم اتفقوا على تحريم كل اسم معبد لغير الله، أي أن ذلك إجماع كعبد عمر وعبد علي وعبد الحسين ونحو ذلك وما أشبهه فهذا محل إجماع على تحريمه، وأنه لا يجوز التسمية به حاشا عبد المطلب فإن النبي r لم يغير التعبيد بذلك، فعبد المطلب اسم جد النبي r، وإنما سمي بذلك لأنه ولد بالمدينة لدى أخواله من بني النجار، فجاء به عمه المطلب بعد موت أبيه هاشم وقد مات هاشم بغزة، فجاء أخوه المطلب فأخذ ابن أخيه شيبة، فأتى به يردفه وراءه إلى مكة، فلما رأوه أعجبهم شكله وقامته وحسن خَلْقِهِ، فقالوا: ما رأينا أعجب من عبد المطلب، ظنوه عبدا له، وليس عبدا وإنما هو ابن أخيه، فهذا الاسم ليس من التعبيد للمطلب لأن المطلب ليس إلها يعبدونه، فهو رجل منهم، فهذا ليس مثل التعبيد للأصنام كعبد العزى وعبد شمس ونحو ذلك، وعن ابن عباس رضي الله عنهما في الآية أي في هذه الآية فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما، أي في سبب نزولها وقصتها، هذه القصة التي جلبها، ولا تصح هذه القصة، بل هي موضوعة ومن الإسرائيليات التي لا يؤخذ بها، هي أن آدم وحواء لما حملت حواء أتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل فيخرج من بطنك فيشقه، والأيل هو تيس الجبل نوع من أنواع الغزلان والأراوي يسكن في الجبال وقرنه متشعب تنبت فيه شعب متنوعة فالقرن الواحد يخرج منه عدة قرون، ولأفعلن يخوفهما، سمياه عبد الحارث، وهذا الذي يأمرهما به أن يسمياه بعبد الحارث، والحارث فاعل من الحراثة وهو مخلوق لا شك، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا، أي مات ذلك الحمل، ثم حملت فأتاهما فذكر لهما أي مثل ما ذكر سابقا، فأبيا أن يطيعاه فخرج ميتا ثم حملت فأتاهما فذكر لهما مثل ذلك فأدركهما حب الولد، فسمياه عبد الحارث فذلك قوله: ﴿جعلا له شركا فيما آتاهما ولكن القصة كما هو واضح موضوعة، لا يمكن أن يقع هذا من آدم وحواء، وقد عصمهما الله من الشرك به، إنما المقصود بذلك جنس البشر، فجنس البشر يقع منهم هذا كثيرا، فكثيرا ما يقع من البشر أن الزوجين يرغبان إلى الله في أن يرزقهما الذرية، فإذا رزقهما ما يحبان من الذرية، أشركا في تلك الذرية فسمياها بالتعبيد لغير الله، وقد كان هذا منتشرا في الجاهلية كثيرا، كعبد شمس وعبد العزى وعبد الدار وعبد مناة وعبد مناف، وغير ذلك، وما ذكر في أول القصة من إسناد هذا إلى خلق البشر في بدايته فلا يقصد به أن هذا راجع إلى أول أسرة في البشر، بل إنما يقصد به ضرب المثل، وما ذكر في بداية القصة من بداية نشأة بني آدم إنما يقصد به التنبيه على نعمة الخلق، لذلك قال: ﴿وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به أي هذه هي عادة الخلق في البشرية عموما ولا يقصد بذلك آدم وحواء، رواه ابن أبي حاتم في تفسيره ولكنه غير صحيح، وله بسند صحيح عن قتادة قال: شُرَكَاءَ في طاعته ولم يكن في عبادته، هذا تفسير من قتادة بن دعامة، أن المقصود هنا: جعلا له شركاء في طاعته أي أطاعا من دونه الناس، فيكون ذلك من باب الشرك الأصغر في الطاعة لا في العبادة ولا في التعبيد فلا يكون هذا من باب التسمية بعبد فلان، وإنما يكون معناه أنهما عصيا الله بطاعة غيره فيكون هذا من الشرك الأصغر، فطاعة المخلوق في معصية الخالق هي من هذا القبيل من الشرك الأصغر، وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين قال: أَشْفَقَا أن لا يكون إنسانا، فمعنى الصالح أي الإنسان السوي، فكل حمل يمكن أن يكون سويا ويمكن أن لا يكون كذلك، فهو يمر بمراحل متنوعة وفي كل مرحلة يمكن أن لا يتجاوزها أو أن يتغير خلقه، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿في أي صورة ما شاء ركبك، وذكر معناه عن الحسن وسعيد، فالحسن البصري وسعيد بن جبير كلاهما رُوِيَ عنه هذا التفسير الذي روي عن مجاهد وغيرهما من السلف، فيه مسائل: الأولى تحريم كل اسم معبد لغير الله، فلا يجوز ذلك بالإجماع كما نقل ابن حزم، الثانية تفسير الآية فقوله تعالى: فلما آتاهما صالحا أي ولدا صالحا، والمقصود بصلاحه هنا صلاحه في الخِلْقَةِ والعقل لا صلاحه بمعنى الاستقامة فهو ولد صغير لم يبلغ رشده بعد، جعلا له شركاء فيما آتاهما وفي القراءة السبعية الأخرى: جعلا له شركا فيما آتاهما، أي أشركا به فيما آتاهما من النعمة، فسواء قلنا المقصود بالشرك التعبيد أو المقصود به الطاعة لغيره، فكل ذلك من الشرك بعمومه، الثالثة أن هذا الشرك في مجرد تسمية لم تقصد حقيقتها، فالإنسان يعلم أن ابنه ليس عبدا للشخص الذي ينسبه إليه، فلو قال: عبد الحسين أوعبد علي، فلا يقصد أنه عبد للحسين أو لعلي، وإنما يقصد مجرد التسمية ومع ذلك فهي شرك، الرابعة أن هِبة الله سبحانه وتعالى للرجل البنتَ السوية من النعم، لأن هذين الوالدين سألاه، قالا لئن آتيتنا صالحا، أي ولدا صالحا، فهذا يشمل الذكر والأنثى، لأن تفسير مجاهد هنا فيه خشيا أي أشفقا أن لا يكون إنسانا، أن لا يكون ذلك الحمل إنسانا، فالإنسان مطلقا ذكر أو أنثى نعمة من نعم الله، فلذلك قال الله تعالى: ﴿يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور، أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير الخامسة ذكر السلف الفرق بين الشرك في الطاعة والشرك في العبادة، وقد نبه إلى ذلك قتادة، وروي معناه أيضا عن غيره، فقال: شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته، أي لم يكن ذلك الشرك في عبادته بل أشركوا في الطاعة فأطاعوا المخلوق في معصية الخالق، وليس معنى ذلك الشرك في العبادة، أنهم عبدوا المخلوق من دون الخالق، بل المقصود الشرك في الطاعة فقط، فإذن كان معروفا لدى السلف، هذا النوع من أنواع الشرك وهو الشرك في الطاعة، كانوا يفرقون بينه وبين الشرك في العبادة.

\"باب قول الله تعالى: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه\" عقد هذا الباب لبيان ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنواع التوحيد وذلك بالإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلى وبدعائه سبحانه وتعالى والتوسل إليه بأسمائه وصفاته، وعدم الإلحاد في أسمائه وصفاته والبراءة مما يفعله الذين يلحدون في أسمائه، ولله الأسماء الحسنى، هذا إثبات لعامة الأسماء، فإثبات لأسماء الله الحسنى كلها، والحسنى نعت للأسماء، وأسماء الله كلها حسنى، سواء منها ما كان بالعربية وما كان بغيرها، ومنها ما استأثر الله بعلمه ومنها ما نأنزل به الوحي على عباده، ومنها ما علمه بعض خلقه دون بعض، وذلك ما يدل عليه قوله r أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك، فادعوه بها، هذا إرشاد للعباد أن يتوسلوا إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وهذا من التوسل المجمع عليه، وهو ثلاثة أقسام، التوسل إلى الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، لقوله فادعوه بها، ولأن النبي r فعل: أسالك بكل اسم هو لك، ولأنه أقر من فعل عندما سمع عائشة تدعو بالأسماء أخبرها أن الاسم الأعظم في الأسماء التي دعت بها، وكذلك أقر الأنصاري عندما سمعه في دعائه يقول: أسالك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت، النوع الثاني من أنواع التوسل المشروع التوسل بعمل صالح أخلص فيه الإنسان لله، فكل عمل صالح عملتَه وأخلصت فيه لله سبحانه وتعالى فلك أن تتوسل به في دعائك إلى الله، لقول الله تعالى: ﴿ربنا إننا آمنا فاغفر لنا فتوسلوا بإيمانهم وهو من عملهم، ولما ثبت عن النبي r في قصة أصحاب الرقيم حين توسل كل واحد منهم بصالح عمله، والنوع الثالث من أنواع الوسائل المشروعة في الدعاء التوسل بدعاء عبد مؤمن، تلتمس منه الدعاء وتظن به الخير، ودليل ذلك قول الله تعالى: ﴿وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم وقول النبي r:«إن هذه القبور مظلمة على أهلها وإن الله ينورها بدعائي وصلاتي» ولما ثبت في حديث عمر في صحيح مسلم أن النبي r ذكر أويسا القرني وأنه يقدَم في أمداد اليمن، وأنه رجل كان به وضح أي بياض وبرص فشفاه الله إلا موضع إصبع له أم هو بها بر فمن لقيه منكم فليسأله أن يستغفر له، ﴿فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه ذروا أي اتركوا الذين يلحدون في أسمائه وتركُهم هو البراءة منهم، واجتناب مجالسهم ما داموا يخوضون في أسمائه وصفاته فذلك واجب لقول الله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره، وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ولقوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره، إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا والإلحاد في الأسماء يشمل الإلحاد في ألفاظها والإلحاد في معانيها، فالإلحاد في ألفاظها، بتغييرها، فمن غير شيئا من أسماء الله سبحانه وتعالى فقد ألحد فيها، ولهذا قال أحد فقهاء المالكية رحمهم الله: «نَفَوْا من اسم الله لفظ الهاء** فألحدوا في أعظم الأسماء» فكثير من الناس يلحد في اسم الله فيحذف الهاء منه، وكذلك الإلحاد في معانيها وهو بتعطيلها كما يزعم المعتزلة الذين يثبتون الأسماء معطلة عن معانيها لله وينكرون الصفات كلها، أو بنفيها بالكلية كما يفعل الجهمية الذين ينكرون الأسماء والصفات خشية تعدد القديم كما يزعمون فكل ذلك من الإلحاد فيها، والإلحاد في الأصل الميل والملتحد المهرب والمكان الذي يلجأ إليه الإنسان، ذكر ابن أبي حاتم عن ابن عباس يلحدون في أسمائه يشركون، فقد فسر ابن عباس الإلحاد هنا بالشرك، وعنه سموا اللات من الإله أوالله، والعزى من العزيز، فغيروا الأسماء، فكل تغيير للفظ يدخل في الإلحاد، وعن الأعمش يدخلون فيها ما ليس منها فيسمونه ببعض الأسماء المختلقة التي هي من إيحاء الشياطين، والغريب أن هذا قد انطلى على كثير من أهل الإيمان فكانوا يظنون كثيرا من الكلمات من أسماء الله، ويدعون بها ويذكرون بها، فتسمعهم يأتون بالألفاظ المركبة التي لا معنى لها، والحروف المقطعة، ويجعلونها من أسماء الله، وكل ذلك من الإلحاد في أسماء الله، وعن الأعمش يُدخِلون فيها ما ليس منها، أي يدخلون في أسماء الله ويضيفون إليها ما ليس منها، فيه مسائل: الأولى إثبات الأسماء، لأن الله تعالى قال: ﴿ولله الأسماء الحسنى وفيه أيضا إثبات الصفات، لأن كونها حسنى يقتضي إثبات متضمَّنِها، لأن من لم يقم به وصف لا يمكن أن يَشْتَقَّ له منه اسم إلا غيرُ العاقل، فمن كان قصيرا لا يمكن أن يسمى بالطويل، لا يمكن أن يوصف بذلك، ومن كان قبيحا لا يمكن أن يوصف بالحسن، ومن كان بليدا لا يمكن أن يوصف بالذكاء وهكذا، وغير من قام به وصف فلا يَشْتَقُّ منه اسما له من عقلا، إلا إذا كان ذلك على وجه التهكم بالأضداد، الثانية كونها حسنى، إثبات كون أسماء الله كلها حسنى، فهي أحسن الأسماء، الثالثة: الأمر بدعائه بها، بالتوسل بها إليه، الرابعة ترك من عارض من الجاهلين الملحدين، ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه، الخامسة تفسير الإلحاد، فقد فسره ابن عباس بالإشراك وذكرنا أن فيه إلحادا في ألفاظ الأسماء وإلحادا في معانيها، السادسة وعيد من ألحد، فقد جاء الوعيد الشديد فيمن ألحد في أسمائه لأنه قال: ﴿سيجزون ما كانوا يعملون ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون وهذا وعيد من الله سبحانه وتعالى على كل من ألحد في أسمائه.

\"باب لا يقال: السلام على الله\" عقد هذا الباب لبيان نوع من أنواع التوحيد وهو أن لا يقال السلام على الله لأن الله هو السلام، فمن التوحيد معرفة ما لله من الحقوق وما هو أدب في حقه وما ليس كذلك، فعقد هذا الباب لبيان ذلك، في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: كنا إذا كنا مع النبي r في الصلاة قلنا السلام على الله من عباده السلام على فلان وفلان، السلام على النبي r، فقال النبي r: لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام، فهذا خبر من ابن مسعود أنهم كانوا يجتهدون في صلاتهم مع النبي r فيقولون السلام على الله من عباده في وقت التحية، لأن الصلاة رحلة إلى الله، وقد تعودوا في الجاهلية على تحية الملوك، وكان لكل ملك تحية تختص به، والتحية في الأصل طلب الحياة، وتطلق على العيش وطول العمر، ومنه قول الشاعر: «أبني إن أهلك فإني قد بنيت لكم بنيه** وتركتكم أبناء سادات زنادهمُ وريه** من كل ما نال الفتى قد نلته إلا التحية» أي إلا الحياة وطول البقاء، فكان بعض الملوك يتخذ تحيته حياك الله، وبعضهم يتخذ تحيته أبيت اللعن، وبعضهم يتخذ تحيته عِم صباحا، فكل هذه من تحايا الملوك في الجاهلية، وكانوا هم يتخذون هذه التحية، فيقولون السلام على الله، فأنكر ذلك عليهم رسول الله r فقال: «لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام» فإنما السلام بمعنى الأمان والذي يُسَلَّمُ عليه هو من يحتاج إلى ذلك، والله لا يبلغه عباده بالضر ولا بالنفع والسلام من أسمائه سبحانه وتعالى فأنكر عليهم رسول الله r ذلك، ولهذا فإنما يقال في الصلاة التحيات لله، فتثبت التحيات كلها لله، هي مملوكة له، فلا يمكن أن يُحَيَّى بما يُحَيَّى به ملوك الدنيا، فيه مسائل: الأولى تفسير السلام، والسلام اسم من أسماء الله تعالى ويطلق كذلك على الأمان وهو الذي يسلم به، فإذا قلت السلام عليك يا فلان فمعنى ذلك أسأل الله أن يسلمك، فهو بمعنى الأمان، الثانية أنه تحية أن السلام تحية، أنهم كانوا يقولون ذلك في التحيات، يقولون السلام على فلان، وفلان أي على النبي وعلى بعض من يذكرونه من الصالحين، وقد أقر السلام على النبي في التشهد وعلى عباد الله الصالحين السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، إنما أنكر السلام على الله فالله هو السلام فلا يدعو له عباده، الثالثة أنها لا تصلح لله عز وجل فلا يمكن أن يوجه إليه شيء من ذلك، الرابعة العلة في ذلك أن الله هو السلام، فَغِناه عن عباده وغناه المطلق، يقتضي أن لا يدعو له عباده بأي شيء، فلا يمكن أن يبلغوه بضر ولا بنفع، الخامسة تعليمهم التحية التي تصلح لله، وقد بين ذلك النبي r في حديث التشهد هنا فبين لهم التشهد.

\"باب قول اللهم اغفر لي إن شئت\" عقد هذا الباب لنوع آخر من أنواع التوحيد وهو في الأدب مع الله سبحانه وتعالى، ونفي ما لا يصلَح أن يخاطب به من الألفاظ، فالناس يجري على ألسنتهم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت، ويقول: رحمك الله إن شاء الله، أو استجاب الله دعاءك إن شاء الله،أو أسأل الله أن ينجحك إن شاء الله ونحو هذا، فتعليق الدعاء بالمشيئة كله ليس من الأدب مع الله، في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: لا يقل أحدكم  اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت، ليعزم المسألة فإن الله لا مكره له، هنا نهى رسول الله r عن تعليق الدعاء بالمشيئة كأن يقول الرجل اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت، وبين النبي r أن الدعاء لا بد فيه من العزم في المسألة أن يسأل حاجته بإلحاح وضراعة ليستجيب الله دعاءه، فإن الله لا مكره له فهو دائما يستجيب لمن شاء بما شاء، فلذلك لا يُحتاج أن يقال في الدعاء إن شئت، فهي ليست أدبا مع الله لأنه لا مكره له، ولمسلم وليعظم الرغبة: أي ليجتهد في الرغبة وليعزم فيها وليكثر من الضراعة والإلحاح، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه، فإنه أخبر عن نفسه بأن الثقلين الإنس والجن لو اجتمعوا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك مما عنده إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر فلذلك لا يعظم عليه شيء أعطاه ولهذا فاجزم المسألة واسأله من خيري الدنيا والآخرة واجتهد في ذلك،فيه مسائل: الأولى النهي عن الاستثناء في الدعاء مطلقا، والثانية بيان العلة في ذلك النهي وهي أن الله لا مكره له، وأيضا أنه لا يتعاظم عليه شيء من خلقه، فلو أعطى كل إنسان مسألته لما نقص ذلك شيئا مما عنده، الثالثة قوله: ليعزم المسألة أي ليعزم الدعاء، والمسألة مفعلة من السؤال أي الطلب والدعاء، وعزمها هو بالإلحاح فيها والحرص على قضاء الحاجة عند الله سبحانه وتعالى، الرابعة إعظام الرغبة، أي أن الإنسان في دعائه لا ينبغي أن يتقال وأن يرضى باليسير كما يزعم بعض الناس فيسأل الله أن يكون عند باب الجنة مثلا، أو أقل شيء منها أو أقل منزلة فهذا هو من تعاظم الحوائج على الله وهو سوء أدب معه، إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس الأعلى من الجنة، ولا يرضى الإنسان باليسير من فضل الله ورحمته، فإن لله الفضل الواسع والرحمة الكثيرة، ﴿وما كان عطاء ربك محظورا ﴿ورحمتي وسعت كل شيء الخامسة التعليل لهذا الأمر وهو: إن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه، فكل شيء بيده، وآخِرُ من يدخل الجنة يدخلها فيجد أهلها فيها فيظن أنها قد امتلأت، فيرجع فيقول: يا رب وجدتها مَلْأَى، فيقول اذهب فإن لك الدنيا ومثلها معها أو عشرة أمثالها معها، فيقول يا رب أتهزأ بي وأنت الملك، فيقول: لا بل لك الدنيا وعشرة أمثالها معها، فيأخذ ذلك كله في الجنة، الدنيا كلَّها وعشرة أمثالها معها لآخر من يدخل الجنة، فكيف بالأوائل السابقين المقربين.

\"باب لا يقول عبدي وأمتي\" هذا الباب مثل سابقه في بيان نوع من التوحيد في الأدب مع الله سبحانه وتعالى، وعدم إطلاق الألفاظ التي فيها سوء أدب، فمن ذلك النهي عن أن يخاطب الإنسان مملوكه بأن يقول: عبدي أو أن يخاطب مملوكته بأن يقول: أمتي، لأن في ذلك اتصافا بصفة المالك، والله سبحانه وتعالى هو الذي يملك العباد جميعا، وهم جميعا عباده ذكورُهم عبادُه وإناثهم إماؤه سبحانه وتعالى، ففي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: «لا يقل أحدكم أطعم ربك» لعبد، أطعم ربك أي أطعم مولاك أومالكك، فهذا لا يجوز لما فيه من الإلباس، وضئ ربك ونحو هذا من الخدمة فهذا مما لا يجوز لما فيه من الإلباس وسوء الأدب ، وليقل سَيِدِي ومولاي ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي وغلامي، ونحو هذا فهذا هو الأدب، فإنكم عبيد الله وإماؤه، وإن نساءكم إماؤه، فالنبي r بين أن البشر جميعا عباد الله عز وجل، الحر منهم والعبد، فلا ينبغي للعبد أن يقول ربي لمالكه بل يقول: سيدي ومولاي، ولا ينبغي للمالك أيضا أن يقول لعبده عبدي وأمتي بل يقول فتاي وفتاتي أو غلامي وجاريتي وهكذا فهذا أدب مع الله سبحانه وتعالى: وأما ما في قصة يوسف: ﴿أما أحدكما فيسقي ربه خمرا ﴿وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك ﴿فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فإنما ذلك في لغتهم، إذ ذاك لم يكن مختصا، فليس مثل لغة العرب التي أصبح الاشتراك فيها في الاسم بهذه الدرجة، وفيه مسائل: الأولى النهي عن قول عبدي وأمتي لأن ذلك سوء أدب، وفيه أيضا كسر لخاطر العبد والأمة أن يخاطَب بهذا الخطاب، الثانية لا يقول العبد أيضا ربي ولكن يقول: سيدي ومولاي، ولا يقال له: أطعم ربك ولا وضئ ربك، الثالثة: تعليم الأول وهو المالك أن يقول: فتاي وفتاتي وغلامي وجاريتي مثلا، والرابعة تعليم الثاني وهو العبد قولَ: سيدي ومولاي، والخامسة التنبيه للمراد وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ، فهذه كلها من الأدب مع الله سبحانه وتعالى عدمُ إطلاقها، فالمعلوم أن من أطلقها في الأصل لا يقصد سوء الأدب مع الله، ولكن من تمام الأدب معه أن لا تَصدُر حتى باللفظ الذي لا يصحبه القصد ولا المعنى، فكل ذلك من حماية رسول الله r، لِحِمَى التوحيد، ومن نصيحته لأمته وبيانه لما فيه مصالحهم.

\"باب لا يرد من سأل بالله\" عقد هذا الباب كذلك لما يلزم من الأدب مع الله سبحانه وتعالى وهو داخل في التوحيد بأن لا يرد من سأل باسم الله سبحانه وتعالى، وكل ذلك من الآداب المُكَمِّلَةِ للتوحيد عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r من سأل بالله فأعطوه، ومن استعاذ بالله فأعيذوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفا فكافؤوه، فإن لم تجدوا ما تكافؤونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه، رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح، هذا الحديث تضمن إرشادا من الرسول r بهذه الأمور: أولها قوله: من سأل بالله فأعطوه، أي من سألكم بالله فأعطوه وحُكْمُ هذا الأمر يختلف باختلاف المسؤول، فإن كان السائل سأل ما له فيه حق، كما إذا كان فقيرا سأل من بيت المال، أو سأل حقا له كسداد دين له أونحو ذلك فيجب أن يعطى إذا سأل بالله، وإن كان سأل ما ليس له بحق، فإن كان ذلك من باب المعروف فيندب إعطاؤه، وإن كان مما يضر بالمسؤول أو مما ليس له الحق في إعطائه فلا يجوز له حينئذ فعل ذلك لأنه لا ضرر ولا ضرار، ولأنه ليس للإنسان أن يتصرف فيما ليس له، ومن استعاذ بالله فأعيذوه، هذا الأمر الثاني، أرشد فيه الرسول r إلى إعاذة من سأل بالله لأنه بمثابة المستجير به، ومحل هذا من استعاذ به ممن يمكن أن يجار، فالكافر إذا استعاذ بالله سبحانه وتعالى فيعاذ حتى يسمع كلام الله، وبعد ذلك يبلغ مأمنه، إن لم يخش منه ضرر على المسلمين، والمسلم كذلك إذا استعاذ بالله أعيذ مطلقا إلا إن كان ذلك في إسقاط حد من حدود الله أو أمر واجب فإنه لا يجاب في استعاذته وقد ثبت أن النبي r حين تزوج امرأة لم تكن من أهل المدينة ولا تعرف أسلوب حياتهم سألت عما يُحِبُ، فقيل: استعيذي بالله منه، فلما دخل عليها: قالت: أعوذ بالله منك، فقال: «قد استعذت بمعاذ» فأمرها أن تلحق بأهلها، فقال: «قد استعذت بمعاذ» فالحقي بأهلك فطلقها بذلك، وكانت بعد ذلك تقول: أنا الشقية، عندما أصابها الندم، الأمر الثالث: قوله: ومن دعاكم فأجيبوه، وهذا الأمر أيضا يختلف باختلاف، الداعي، فإن كان مسلما ودعا إلى وليمة وجبت إجابته لأن ذلك من حقوق المسلم، فإن كان المَدْعُوُّ مُفطرا فليأكل، وإن كان صائما فليصل أي فليدع له، ومحل ذلك إن لم يكن في تلك الوليمة ممنوع شرعا، فإن كان في الوليمة ما هو حرام كالمعازف أو كأذى المسلمين أو كالغيبة ونحو ذلك من الأمور المحرمة فلا تجب إجابته، وإن كان مسلما ودعا إلى غير وليمة كمن دعا إلى استضافة إلى أن تزوره في بيته أو نحو ذلك فلا يجب إجابته لكنها أولى وأفضل لما فيها من الأُلفة والصلة، وإن كان كافرا فدعاك فلا تجب عليك إجابته، وقد كان النبي r من حسن خُلُقه إذا دعاه أهل الذمة إلى بيوتهم يستجيب لدعائهم إن لم يكن مشتغلا بما هو أولى، وقال r: «لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت» فهذا يدل على أن من حسن الخلق أن يجيب الإنسان إذا دعي إن لم يكن في ذلك ضرر عليه، أو مشقة، أو لم يكن مشتغلا بما هو أهم، وقد أجاب دعوة يهودي إلى خبز ناسِّ، وإهالة سنخة، والخبز الناس أي الناشف، والإهالة أي الزبدة السنخة أي التي قد تغير لونها فاصفرت أي أنها غير جديدة، الأمر الرابع ومن صنع إليكم معروفا فكافؤوه، وهذا الأمر على وجه الندب إلا إذا كان ذلك في هبة الثواب فيكون على جهة الوجوب لأنها من العقود، وكل من أسدى إلى إنسان معروفا فمن المروءة أن يُكَافَأَ على معروفه، ومكافأة الإحسان بالإحسان لا شك أنها من الإحسان لقول الله تعالى: ﴿هل جزاء الإحسان إلا الإحسان وهذه المكافأة بحسب حال المكافئ، ولهذا فإن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما كان في سفر إلى الشام ونزل على رجل من الأعراب فقير ذي عيال وليس له إلا خمس أعنز، فلما رأى وجهه توسم فيه الخير، فذبح إحدى أعنزه وأكرم ضيافته فعرف عبيد الله حاله وفقره، فلما أراد الانصراف قال: يا غلام أعطه بقية الزاد، فقال: إنه خمسمائة دينار وهو لا يعرفك، فقال: إن كان لا يعرفني فأنا أعرف نفسي، وفي ذلك يقول الأعرابي: «توسمته لما رأيت مهابة** عليه فقلت المرء من آل هاشم** وإلا فمن آل المرار فإنهم** ملوك كرام من ملوك أكارم** فقمت إلى عنز بقية أعنز** لأذبحها فعل امرئ غير نادم** فعوضني عنها غناي ولم تكن** تساوي عنزي غيرَ خمس دراهم** بخمس مئينَ من دنانير عوضت** على البذل ما جادت به كف حاتم» فبقية الزاد كان خمسمائة دينار، فأصبح ذلك الأعرابي من الأغنياء الكبار بعد أن كان من الفقراء، وكان النبي r يقبل الهدية، ويكافئ بها، فمن أهْدَى إليه هدية كافأه بما هو أكبر منها، وهذا كله على وجه الندب، أما إذا كان ذلك بهبة الثواب كمن بينهما معاطاة، فيجب الوفاء بها، لأنها عقد يلزم المكافأة فيه، ومع ذلك فإن بعض الناس قد لا يفي بذلك فيستحق الذم، ولهذا يقول أحد العلماء: «تصدق تنل ما ترتجي واطلب الثنا** بمالك وابذله لوجه حبيب** ولا تعطين شيئا تريد ثوابه** فتندم أو ما تنثني بنصيب» فإن بعض الناس قد لا يكافِئ في ذلك، قال: فإن لم تجدوا ما تكافؤونه فادعوا له حتى تُرَوا أنكم قد كافأتموه، قد يكون المُهدَى إليه فقيرا فلا يجد ما يكافئ به، أو يكون المُهدِي غنيا لا يحتاج إلى ما يكافِئه به المُهْدَى إليه، فحينئذ يكافئ إهداءه بالدعاء، وهذا ما أرشد إليه رسول الله r، فإن الدعاء إحسان وهو خير مما أسدى الإنسان إليك، قال فإن لم تجدوا ما تكافؤونه أي ما تكافؤونه به أي من أمور الدنيا فادعوا له، وهذا أعظم مكافأة، حتى تُرَوا أي تظنوا أو تَرَوا بالفتح أي تعلموا أنكم قد كافأتموه أي أنكم قد قابلتم إحسانه بما هو خير منه، فيه مسائل: الأولى إعاذة من استعاذ بالله لأنه قال: «من استعاذ بالله فأعيذوه» والثانية إعطاء من سأل بالله، وهي التي عقد لها الباب، باب لا يرد من سأل بالله، والثالثة إجابة الدعوة، والمسألتان الأوليان هما من الأدب مع الله سبحانه وتعالى ومن تعظيم اسمه، فلذلك دخلتا في التوحيد، المسألة الثالثة إجابة الدعوة وهي من حقوق المسلم على أخيه، والمسألة الرابعة المكافأة على الصنيعة أي على المعروف، والمسألة الخامسة أن الدعاء مكافأة لمن لم يقدر إلا عليه بل هو أعظم المكافأة والسادسة قوله: «حتى تروا أنكم قد كافأتموه» أي بمعنى أن الإنسان إذا دعا فإنه قد ينقدح في ذهنه أنه قد كافأ ما أُسدِي إليه، فقد يدعو الإنسان وهو في شغل وقد يدعو بدعوات مختصرة فلا يظن أنه قد كافأ، فإذا وجد فراغا وكان ذلك بظهر الغيب واجتهد في الدعاء فإنه يعلم أنه قد كافأ، وهذا يرشد إلى أن الإنسان قد يدرك ببصيرته درجة الدعاء ورجاء استجابته، لأنه قال: «حتى تُرَوْا أنكم قد كافأتموه» ولا شك أن هذا يحصل بالبصيرة، فبعض الدعوات أرجى في القبول والإجابة من بعض، كما كان في أوقات رجاء الإجابة، أو كان في حال الخلوة وأدْبَارِ الصلوات، أو مع الذكر والثناء، أو مع فراغ  البال والإقبال على الله سبحانه وتعالى، فكل ذلك أرجى للإجابة، ومثل ذلك دعاء السفر ودعاء الوالد لولده ودعاء الصائم، فللصائم دعوة لا ترد، ودعاء المسافر كذلك لا يرد.

\"باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة\" عقد هذا الباب لأدب آخر من الآداب مع الله سبحانه وتعالى يدخل في التوحيد، وهو تعظيم وجه الله الكريم، بأن لا يسأل به إلا الجنة، وقد ورد في ذلك هذا الحديث عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: لا يسأل بوجه الله إلا الجنة رواه أبو داود، وهذا الحديث في إسناده مقال، وقد جاء فيه: لا يُسأل بوجه الله، وليس النهي هنا على التحريم لما ثبت في عدد من النصوص أنه r سأل بوجه الله أمورا أخرى، فمن ذلك الاستعاذة بوجه الله الكريم وسلطانه العظيم من شر الشيطان الرجيم، ومثل ذلك الاستعاذة من الهامة واللامة، ومثل ذلك الاستعاذة مما ينزل من السماء وما يعرج فيها، فكل ذلك وردت الاستعاذة منه بوجه الله الكريم، فدل هذا على أن لا هنا لا تقتضي حرمة ذلك، ومع هذا فلا في هذا الحديث ليست للنهي وإنما هي للنفي، ولكن النفي في مثل هذا المقام معناه النهي، لأنه لو كانت لا للنهي لَجُزِمَ الفعل المضارع بعدها، والفعل مرفوع هنا لا يُسْأَلُ بوجه الله إلا الجنة، وفي هذا الحديث إثبات صفة الوجه لله سبحانه وتعالى وهي صفة الكمال، ونفيها وإنكارها نقص وغاية في النقص وتشبيه بالمعدومات، وهو وقوع فيما يفر منه الذي ينفي، فالنفاة يفرون من التشبيه بالموجودات، فيقعون في التشبيه بالمعدومات والنواقص المذمومات، وقد ثبت ذلك في كثير من النصوص في القرآن والسنة بإثبات صفة الوجه لله عز وجل، إلا الجنة أي أعظم ما يرغب فيه، أعظم المطالب وهو الجنة، فيه مسائل: الأولى النهي أن يسأل بوجه الله إلا غاية المطالب، وهو الجنة، وما يقرب إليها كذلك مثلها كالأعمال الصالحة والتوفيق فيها وقبولها، وكاجتناب الشرك والأعمال السيئة فكل ذلك مما يقرب إلى الجنة فسؤاله بوجه الله مثل سؤاله الجنة، الثانية إثبات صفة الوجه لله سبحانه وتعالى كما ذكرنا، وهو هنا قال: فيه مسائل ومسائل جمع وهاتان مسألتان، لكن فيه مسائل أخرى مثل ما ذكرنا أن الأمر ليس للوجوب، وأن المقصود هنا أن لا يسأل بذلك شيء من أمور الدنيا، وهذا السؤال ينقسم إلى قسمين إلى سؤال الله وسؤال العباد، فسؤال الله كقولك: اللهم إني أسألك بوجهك العظيم الفردوس الأعلى من الجنة مثلا، وسؤال المخلوق كأن تسأل مخلوقا، بوجه الله العظيم أمرا ما، فذلك إن كان من أمور الدنيا فلا ينبغي الإقدام عليه وليس هو من الأدب مع الله سبحانه وتعالى، وإن كان من أمور الآخرة، كأن يسامحك في حق له عليك، أو نحو ذلك تخاف منه في الآخرة فلا حرج لأن ذلك مما يقرب إلى الجنة.

\"باب ما جاء في اللَّوِ\" عقد هذا الباب للتنبيه على أمر من نقص التوحيد، وهو من نقص الإيمان بالقدر، وهو التعلق بالأسباب بعد فوات الأوان، كمن قال لو فعلت كذا لكان كذا، وعبر عن ذلك بما جاء في اللَّوِ أي النصوص التي جاءت في ذكر لو، ولو حرف شرط ولكنها في هذا الأسلوب اسم ولذلك عرفت بأل، وإذا كانت اسما فإنها تتمم بالتشديد بتضعيف الواو فيقال: اللو، وقولِ الله تعالى: ﴿يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا وهذه الآية ينعَى الله فيها على المنافقين الذين قد يخرج بعضهم في بعض الغزوات فيريدون تثبيط المؤمنين، فيقولون ﴿لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا لو كان لنا من الأمر شيء، يريدون أن النبي r لم يشاورهم في الأمر، وأنهم لو كان لهم من الأمر شيء أي بأيديهم شيء منه، ما قتلنا ههنا، أي ما تعرضنا للقتل لدى العدو فهم يريدون الفرار والهرب وما ذلك إلا لِلْخوف والخَوَر وضعف اليقين بالله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى يقول في كتابه: ﴿أينما تكونوا يدرككم الموت، ولو كنتم في بروج مشيدة وقوله: أي وقول الله تعالى: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا هذا أيضا إنكار من الله سبحانه وتعالى على المنافقين كلامَهم في غزوة أحد، فإن النبي r لما خرج إلى غزوة أحد انفصل عنه عبد الله بن أبي بنصف الجيش بسبع مائة مقاتل، ولما انفصلوا وقف عليهم عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا قوم لا تخذلوا رسول الله r في هذا الموقف وهو في نُحُور العدو، فقالوا: لو كنا نعلم قتالا لا تبعناكم، فأنزل الله في ذلك هذه الآيات من آل عمران، قال فيها: ﴿قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون، الذين قالوا لإخوانهم والمقصود هنا بإخوانهم إخوانهم في النسب والجوار، وليسوا إخوانَهم في الدين، فالمنافقون إخوان اليهود والنصارى كما وصفهم الله بذلك، فهذا يقتضي جواز إطلاق الأخوة على المخالف في الدين، من باب الأخوة النسبية والأخوة في الجوار فقط، ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا أي قالوا ذلك وقعدوا ولم يخرجوا في الغزو: ﴿لو أطاعونا، أي في الجلوس والهرب ﴿ما قتلوا فهنا علقوا هذا الأمر بِلَوْ، وهو قد كتب ورفعت الأقلام وجفت الصحف عنه، فكل ذلك من انعدام إيمانهم بقدر الله، ولهذا أجابهم الله بقوله: ﴿قل: فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين فإنهم لا يستطيعون رد الموت عن أنفسهم وقد كتب، فالموت إذا حان وقته لا يمكن أن يتقدم ولا أن يتأخر، ﴿فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون فمن خرج في الغزو ومن استقر في بيته كلاهما يموت بأجله ولا يمكن أن يتقدم موته ولا أن يتأخر عن الوقت الذي كتب له، في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: احرص على ما ينفعك واستعن بالله ، ولا تَعِجِزَنَّ وإن أصابك شيء، فلا تقل: لو أنني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَّرَ اللهُ وما شاء فعل، أو قدَرُ اللهِ وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان، هذا الحديث في الصحيح أي في صحيح مسلم، وأصل الإطلاق إذا قيل في الصحيح أن يقصد صحيح البخاري، لكنه هنا قصد صحيح مسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: وهذا في إرشاده للمؤمن عموما ولا يختص به شخص واحد، احرص على ما ينفعك، فالمؤمن ينبغي أن يحرص على ما ينفعه وهو حسنة المعاد أو درهم المعاش، حسنة المعاد، وهي ما يتعلق بالآخرة، ودرهم المعاش وهو ما يتعلق بالدنيا، فهذا الذي ينبغي أن يحرص عليه المؤمن، واستعن بالله، أي توكل عليه واعتمد عليه في شأنك كله، ولا تعجِزن يقال: عجَز يعجِز بمعنى خار وضعف، والمقصود بذلك الضعف القلبي لا الضعف البدني فهو المنهي عنه، أما عجِز يعجَز فمعناها عظمت عجيزته وهي مؤخرته، وإن أصابك شيء أي إن أصابك شيء من قدر الله تعالى، فلا تقل لو أنني فعلت كذا لكان كذا وكذا، لا يذهب بك الشيطان إلى الأسباب وتذكرها، بل تذكر أن ذلك الأمر قد قدر عليك وكتب وأنه لا يمكن أن يمنع ولا أن يرفع، وهو مكتوب قبل أن تكون، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، أي قدر هذا الله وما شاء فعل، وذلك رضا بتقديره، أو قل: قدر الله، أي هذا من قدر الله، وما شاء فعل، فلا معقب لحكمه، وذلك رضا بما قدر، فإن لو تفتح عمل الشيطان، فلو تفتح عمل الشيطان لأنها تدخل الإنسان في الوساوس وتجعله يتجاهل القدر المكتوب، وذلك لا خير فيه، وجاء في الحديث الآخر إياكم ولو فإن لو تفتح عمل الشيطان، وفي لفظ إياكم واللو فإن لو تفتح عمل الشيطان، وليس المقصود ترك واجتناب لو مطلقا في الكلام، بل إذا قالها الإنسان مع إيمانه بالقدر، وذكر ندمه على أمر قد بدر منه فلا حرج كقول النبي r: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة» فنحو ذلك ليس تسخطا للقدر ولا تجاهلا له، بل المقصود ما يتعلق بفعل المكلف، وهنا التفريق بين الشرع والقدر، فالقدر لا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى فهو الذي يعلم ما كتب منه، وأما الشرع فأنت مأمور بأوامر محددة تعرفها، فتبذل السبب في الوصول إليها، فالشرع معلوم لديك والقدر مجهول لديك، وأنت مكلف بالشرع لا بالقدر، ومن هنا فتؤمن بالقدر خيره وشره، وتعمل بالشرع وتجتهد في تنفيذه، فإن حال القدر دون إنفاذه فأنت معذور، فيه مسائل: الأولى تفسير الآيتين في سورة آل عمران، وهما قول الله تعالى: ﴿يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا، قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وذلك رد على المنافقين، والثانية قوله تعالى: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين وقد بينا تفسيرهما الآن، الثانية النهي الصريح عن قول لو إذا أصابك شيء، فقد بينا أيضا مورد النهي وأنه يختص بما فيه تسخط للقدر أو تجاهل له، الثالثة تعليل المسألة بأن ذلك يفتح عمل الشيطان، تعليل المسألة أي النهي عن قول لو إذا أصابك شيء، فإن ذلك يفتح عمل الشيطان أي يدخله إلى القلب فيجعل له طريقا يوسوس منها، الرابعة الإرشاد إلى الكلام الحسن لأنه قال: ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، أو قدر الله وما شاء فعل، الخامسة الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله، لأنه قال: واستعن بالله، الأمر بالحرص على ما ينفع أي أن يحرص الإنسان على ما ينفعه مع الاستعانة بالله، أن يستعين بالله على ذلك، ومعنى ذلك أن يعلم أنه لو حرص على ما ينفعه فلن ينال منه إلا ما كتب الله له، السادسة النهي عن ضد ذلك وهو العجز، وقد كان رسول الله r يستعيذ بالله من العجز، يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.

\"باب النهي عن سب الريح\" عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله r قال: لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به، أخرجه الترمذي وصححه، عقد هذا الباب لأدب آخر مع الله سبحانه وتعالى: من تمام التوحيد وهو النهي عن سب الريح لأن الذي يسبها إنما يتسخط قدر الله، فالريح ليس لها من الأمر شيء وإنما تُرسَل، يرسلها الله ويأمرها بما أراد، فلا يتعلق السب بفعلها هي ولا بذاتها فإنما هي مسيرة مرسلة، ولذلك عقد الباب للنهي عن سبها، عن أبي بن كعب رضي  الله عنه أن رسول الله r قال: لا تسبوا الريح، وهذا النهي يقتضي تحريم سبها، فإذا رأيتم ما تكرهون أي حصل من الريح ما تكرهون، أو رأيت الريح قبل أن تصل، فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وقد كان رسول الله r إذا رأى المطر أو الريحَ رُئِيَ الخوف في وجهه وجعل يدخل ويخرج، وما ذلك إلا لخوفه من الله سبحانه وتعالى، وقد كلم في ذلك فقال: «خشيت أن أكون كقوم هود الذين قالوا»: ﴿عارض ممطرنا، بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها فمن خوفه من الله سبحانه وتعالى أنه لا يأمن مكره على كل حال، فهو نبي الله ورسوله وخليله، ومع هذا يخاف مكره في كل حال، فإذا رأى الريح خاف أن تكون عذابا مرسلا من عند الله، وإذا رأى المطر خاف أن يكون عذابا مرسلا من عند الله، فإذا نزل ماء المطر رفع رداءه وكشف له عن ظهره وكتفيه ويقول: مرحبا بقريب العهد من الله، فإذا رأيتم ما تكرهون أي رأيتم ريحا قد أقبل تكرهونه والرياح العواصف تهدم البيوت في كثير من الأحيان ويتضرر بها الزرع وتؤذِي الناسَ، فإذا رأيتم ما تكرهون أي ما تتوقعون فيه ذلك فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به، فهذه ثلاثة أدعية، الدعاء الأول: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح فالريح نفسها قد تأتي بخير وقد تأتي بشر.

 


عدد مرات القراءة : 5078



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22502422
المتواجدون الأن       7
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو