» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
المغني المفيد الشريط الأخير




(باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه r ): عقد هذا الباب لنوع آخر من التوحيد وهو الأدب مع الله سبحانه وتعالى، وذلك في ذمته بأن لا تعطى ذمته وذمة رسوله r وإنما يعطي القائد ذمته وذمة من معه من المؤمنين إذا أراد عقد الذمة، والذمة العهد، وهي ما يذم بإخلافه، الذي إذا أخلفه الإنسان ذم به، فهذا الذي يسمى بالذمة، وذمة الله معناه عهده، وذمة نبيه r معناه عهده، لقوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم}، فنسب العهد إلى نفسه، وقال: إذا عاهدتم، {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها}، فهذا أمر منه سبحانه وتعالى بالوفاء بالعهد وبالوفاء باليمين كذلك وبرها، {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا}، وعن بُرَيْدَةَ قال: كان رسول الله r إذا أَمَّرَ أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، فقال: اغزوا باسم الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال أو خلال، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين يجري عليهم حكم الله تعالى، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، فإن هم أبوا فاسألهم الجزية فإن هم أجابوا فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا، رواه مسلم. هذا حديث عظيم يبين فيه بريدة بن الحصيب صاحب رسول الله r ما كان رسول الله r يفعله في تأميره للأمراء على السرايا والبعوث والجيوش، فقال: كان رسول الله r إذا أمر أميرا أي ولاه على جيش أو سرية، أوصاه بتقوى الله أي أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، أي أوصاه بمن معه من المسلمين خيرا، أن لا يشق عليهم وأن لا يكلفهم ما لا يطيقون، وأن لا يأمرهم بما لا يحبون مما لا مصلحة فيه فقال: أي يقول: فيقول: فليس هذا حكاية حال واحدة بل هو أمر مطرد من فعله r: اغزوا باسم الله، هذا أمر من النبي r وإيذان بانطلاقة الغزو وبدئه، أن يغزوا باسم الله توكلا على الله سبحانه وتعالى، قاتلوا من كفر بالله، فهذا هو الدافع العقدي لهم للغزو، فالغزو لا يقصد به المغنم ولا انتشار الدولة وانتصارها، ولا السيطرة على الأرض والمكاسب وإنما يقصد به قتال من كفر بالله، فالكافر بالله قد ارتكب جرما لم يرتكب على الأرض جرم أعظم منه، لا يمكن أن يكون بريئا ولا  غير مجرم، لهذا قال: قاتلوا من كفر بالله، اغزوا وهذا بيان لما سبق من أمره بالغزو، اغزوا باسم الله، قال: اغزوا أيضا أي سيروا في غزوتكم، ولا تغلوا، أي لا تأخذوا من الغنيمة شيئا قبل أن تقسم، فأصل ذلك من غل الشيء إذا كتمه وأخفاه، ومن يأخذ شيئا من الغنيمة، قبل القسم فإنما يخفيه ليختص به دون بقية المقاتلين، وهذا من أعظم الذنوب، وقد ذكر رسول الله r الغلول فعظم من شأنه، ولا تغدروا هذا نهي عن الغدر، فكل أمان حصل فيجب الوفاء به، فالمؤمنون يقوم بذمتهم أدناهم، ولا يحل لهم الغدر وهو من صفات المنافقين والمشركين، ولا تمثلوا، أي لا تمثلوا بالقتلى، فمن قتل فلا فائدة في التمثيل به، والتمثيل هو قطع بعض أعضائه أو تشويه خلقته، فلا فائدة في ذلك، وهو مما نهى عنه رسول الله r إلا إذا ترتب عليه مصلحة مخصوصة، كرفع رأسه ليعلم أنه قد قتل، فاحتزاز الرأس في حديث ابن مسعود في غزوة بدر أنه احتز رأس أبي جهل بعد أن وجده يجود بنفسه قد قتله معاذ بن عفراء فمثل ذلك إذا كان العدو قائدا في الأعداء أو ذا مكانة فيهم، فاحتزاز رأسه ورفعه للناس أو رميه للعدو هو من الإثخان فيهم ومن التشريد بهم، ولهذا قال الله تعالى: {فشرد بهم من خلفهم}، فهو من التشريد بهم، ولا تقتلوا وليدا، هذا نهي منه r عن قتل الأطفال الصغار لأنهم غير مكلفين، ومن مات من أولاد الكفار قبل البلوغ، فأنه لم يمت على الكفر وقد اختلف في مآله إلى أقوال فقيل هو من أهل الجنة لأنه مات قبل التكليف، وقيل من أهل النار لأنه تبع لوالديه، وقيل هم أصحاب الأعراف، وقيل يمتحنون يوم القيامة كأهل الفترة، فمن أجاب منهم كان من أهل الجنة ومن امتنع كان من أهل النار، وقيل يكونون هباء كالبهائم التي لا تكلف بعد البعث والاقتصاص منها تكون هباء، وقيل: يهيأون للخدمة فيكونون من ولدان الجنة الذين يخدمون فيها، وقيل بالتوقف في ذلك، وهذه الأقوال قد نظم بعضها السيوطي رحمه الله في الكوكب الساطع إذ قال: «والخلف في ذرية الكفار** قيل بجنة وقيل النار** وقيل بالبرزخ والمصير** تربا والامتحان عن كثير** وقيل بالوقف وَوَلْدُ المسلم** في جنة الخلد بإجماع نُمِي» ولا تقتلوا وليدا، وإذا لقيت عدوك، وكذلك في هذا الحديث رواية أخرى بإثبات النهي عن قتل المرأة والشيخ الهرم والراهب في الصومعة فهؤلاء لا يقتلون إلا إذا قاتلوا أو خيف منهم رأي، إذا كان فيهم رأي أو قاتلوا يقتلون وإلا يتركون ولا يقتلون، فلا يحل قتل المرأة ما لم تقاتل، ولا الراهب المنقطع للعبادة ما لم يقاتل، ولا الشيخ الهرم الكبير الذي لم تبق فيه قوة ما لم يقاتل، وكل هذا من رأفة هذا الدين ورحمته بالناس، وبيان أنه لا يكره الناس بالقوة، وإنما يقاتل من منع وصول هذه الدعوة إلى الناس، وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، إذا لقيت عدوك من المشركين هذه وصية النبي r للقائد مطلقا، إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، وهذا بيان لأن الدعوة سابقة على القتال، إلى ثلاث خصال أو خلال أي ثلاثة أمور هم بالخيار بينها، فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم، أي واحدة اختاروا من هذه الخصال الثلاث فاقبل منهم، ما هي هذه الخصال؟ ادعهم إلى الإسلام، أولها أن تدعوهم إلى الإسلام قال ثم ادعهم إلى الإسلام فإن أجابوك فاقبل منهم، وهذا غاية ما نريد منهم، نحن لا نريد القتل ولا النهب إنما نريد إعلاء كلمة الله ونشر دينه، فإن أجابوك فاقبل منهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فمن أسلم في دار العدو قبل فتح مكة يلزمه الهجرة أن يهاجر إلى دار الإسلام، وقد كانت الهجرة واجبة إذ ذاك، وبعد فتح مكة لم تعد الهجرة واجبة على العدد الكبير إذا أسلموا في دار العدو لقول النبي r: لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا، لكن إذا أسلم المسلم الواحد بين ظهراني المشركين وكان كل من يحيط به من الكفار فتلزمه الهجرة ليتعلم أمور دينه وليعايش المسلمين، وهذا الذي ورد فيه قوله r أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين حتى لا تتراءى ناراهما، أما إن كان في دار الكفر ومعه مسلمون فيها يتعلم منهم دينه، ويعينونه على إقامة شعائر دينه ويأمن على دينه فلا تجب عليه الهجرة، ومثل ذلك استقرار المسلمين في دار فيها المسلمون والكفار، ولو كان جمهور أهلها كفارا كبلاد الغرب اليوم فهو من الأمور الجائزة إذا أمنوا على دينهم، ولكن قلما يؤمن على الصغار والنساء في تلك الدار، وأما مدينة ليس فيها مسلم فلا يحل لمسلم واحد الإقامة فيها، فإن هم أجابوك فاقبل منهم ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما عليهم، وهذا يقتضي عدم الوجوب، فيكون لهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن هم أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين أي كالأعراب من المسلمين وهم سكان البوادي يجري عليهم حكم الله أي هم من رعايا الدولة فيجري عليهم حكم الله ولكن ليس لهم من الولاء الخاص ما للمؤمنين، فالولاء ينقسم إلى قسمين إلى ولاء عام لكل مؤمن وولاء خاص مختص بالذين يسعون لإعلاء كلمة الله ويجاهدون في سبيله، وهذا ما بينه الله تعالى بقوله: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله، والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض، والذي آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا، وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير}، فبين أن أولئك الذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء، أي هذا الولاء الخاص، وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء، هذا الذي للمهاجرين ليس لهم إلا أن يجاهدوا مع المسلمين فمن جاهد منهم مع المسلمين فله ما لهم، فإن هم أبوا أي أبوا عن الإسلام وهذه الخصلة الثانية الخصلة الأولى هي أن يعرض عليهم الإسلام، الخصلة الثانية إن هم أبوا عن الإسلام فاسألهم الجزية، وهي مبلغ يدفعونه سنويا للمسلمين، ويدفع عنهم المسلمون ويحمونهم، ويكون لهم حق المواطنة في الدولة الإسلامية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، وهذا يقتضي أن كل كافر يمكن أن تعرض عليه الجزية، وهو مذهب مالك رحمه الله، وقد ذهب كثير من أهل العلم إلى أن الجزية إنما تؤخذ من اليهود والنصارى والمجوس فقط وأن من سواهم من عبدة الأوثان لا يكونون من أهل الذمة، لأن الله سبحانه وتعالى قال في كتابه: يا أيها الذين آمنوا إنما  المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم، قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فخص ذلك بالذين أتوا الكتاب وقد ألحق بهم النبي r المجوس في قوله: سنوا بهم سنة أهل الكتاب، غير ناكحي نسائهم ولا محلي ذبائحهم، ومالك رحمه الله أخذ بعموم حديث بريدة هذا، فإن فيه أنه قال: فإذا لقيت عدوك من المشركين، ومن المشركين يشمل عبدة الأوثان وأهل الكتاب والمجوس كلهم من المشركين، ثم قال: فإن هم أبوا فاسألهم الجزية، فهذا يقتضي قبول الجزية من المشرك، وأن يكون من أهل الذمة، فإن هم أبوا هذه الخصلة الثالثة فاستعن بالله عليهم وقاتلهم، فاستعن بالله أولا، فلا بد من التوكل على الله والبراءة من الحول والقوة، فلا حول ولا قوة إلا بالله وقاتلهم حينئذ، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، هذا محل الاستشهاد من الحديث في هذا الباب، وهو إذا حاصرت أهل حصن أي ظفرت بهم فحاصرتهم فطلبوا منك الذمة، أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك، وذمة أصحابك، أعطهم ذمتك أنت وذمة أصحابك، فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه، لأن ذمة الله يجب على المسلمين الوفاء بها مطلقا، والإخفار بها خروج من ذمة الله سبحانه وتعالى ومن الدين، وكذلك ذمة رسوله r، فإذا كان لا بد فأعطهم ذمتك أنت وذمة أصحابك، فإن حصل إخفار أي نقض فلا يكون إخفارا بذمة الله وذمة نبيه، بل يكون إخفارا بذممكم أنتم وذلك أهون وأقل، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله هذا أدب آخر من الآداب مع الله سبحانه وتعالى من تمام التوحيد، إذا سألوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله لأن حكم الله في حقهم مجهول عندك، إنما تجتهد اجتهادا فلعلك تصيب حكم الله ولعلك لا تصيبه، فلهذا قال: فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا، لأنك مجتهد، والمجتهد يظن ظنا، وليس هو بمستيقن، فإن أصاب حكم الله فله أجران وإن أخطأه فله أجر، في اجتهاده وهو معذور في خطئه، فيه مسائل: الأولى الفرق بين ذمة الله وذمة نبيه من جهة وذمة المسلمين من الجهة الثانية، فذمة الله وذمة نبيه لا يمكن الإخفار بهما مطلقا، الثانية الإرشاد إلى أقل الأمرين خطرا فإنه ذكر أنهم إن قبلوا أية خطة من هذه الخطط أخذت منهم وجعل آخر ذلك الحرب، ولأنه r أرشدهم إلى ذممهم وذمم أصحابهم وهي أقل خطرا من ذمة الله وذمة رسوله r، الثالثة قوله: اغزوا باسم الله في سبيل الله فهنا بين لهم أن الغزو بالاستعانة بالله سبحانه وتعالى، وكذلك قال بعدها قاتلوا من كفر بالله وهنا قول المؤلف في سبيل الله، ليس هذا اللفظ في هذا الحديث هنا، وإنما القصد به أن باسم الله معناه في سبيل الله وعلى بركة الله وبالاستعانة بالله، الرابعة قوله: قاتلوا من كفر بالله، فهذا وجه قتالنا لهم، فلم نقاتلهم على أنهم خالفونا أو أنهم منعونا أمرا ما وإنما نقاتلهم على أنهم كفروا بالله، الخامسة قوله: استعن بالله وقاتلهم، فالاستعانة سابقة على القتال ليبرأ المقاتل من حوله وقوته، فقد قال الله تعالى: {ولقد نصركم الله في مواطن كثيرة، ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين}، فلا يتوكل المقاتلون على حولهم وقوتهم، بل على حول الله وقوته، السادسة الفرق بين حكم الله وحكم العلماء، فحكم الله ما نزل به الوحي الصريح، وحكم العلماء والمجتهدين ما اجتهدوا في تنزيله من ذلك، فقد يصيب وقد يخطئ، السابعة في كون الصحابي يحكم عند الحاجة بحكم لا يدري أيوافق حكم الله أم لا، لأنه مجتهد فينزل المسألة على حسب ما أراه الله فيحكم برأيه هو، واجتهاده، فإن وافق حكم الله فله أجران وإن أخطأ فيه فله أجر.

(باب ما جاء في الإقسام على الله): عقد هذا الباب لأمر، لبيان أن الإقسام على الله أي الحلف عليه بما لا يجزم الإنسان به ليس من الأدب معه، ونقص الأدب مع الله من نقص التوحيد، ولذلك أدرجه هنا، والإقسام على الله قسمان، ما كان منه على أساس الإيمان والاحتساب واليقين بالله سبحانه وتعالى، فهذا ليس من سوء الأدب مع الله ولذلك فإن أنس بن النضر أقسم، قال: والله لا تكسر ثنية الرُّبَيِّعِ، فحقق الله يمينه وقبل الذين كسرت ثنية ابنتهم الدية، فقال رسول الله r: إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره، والنوع الثاني هو التجاسر على الله بالقسم، في أمر لا يعلم الإنسان ما يحصل فيه، فهذا من سوء الأدب مع الله، وهو الذي عقد له هذا الباب، عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله r: قال رجل: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يَتَأَلَّى علي أن لا أغفر لفلان، إني قد غفرت له وأحبطت عملك رواه مسلم، هذا الحديث فيه أن رسول الله r قال: قال رجل، أي فيمن قبلنا: والله لا يغفر الله لفلان، فتجاسر فأقسم أن لا يغفر الله لشخص من الناس، فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان، من هو حتى يتألى على الله ويحلف عليه أن لا يغفر لفلان، وما يدريه بذلك، إني قد غفرت له وأحبطت عملك نسأل الله السلامة والعافية فكان على خلاف مراده هو، رواه مسلم، وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد، هذه القصة رواها أبو هريرة وأن الذي أقسم لا يغفر الله لفلان كان رجلا عابدا فأحبط الله عمله نسأل الله  السلامة والعافية، قال أبو هريرة: تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته، تكلم بكلمة واحدة وهي قوله: والله لا يغفر الله لفلان، أو بقت دنياه وآخرته، أوبقت أي أهلكت دنياه وآخرته، فأحبط الله عمله الدنيوي وجعله في الآخرة معذبا لم يغفر له نسأل الله السلامة والعافية، فيه مسائل: الأولى التحذير من التألي على الله، فما كان منه جسارة على الله سبحانه وتعالى لا يحل، الثانية كون النار أقرب إلى أحدنا من شراك نعله لأن الكلمة الواحدة من سخط الله يتكلم بها الإنسان لا يلقي لها بالا، تكون سببا في دخوله النار نسأل الله السلامة والعافية الثالثة أن الجنة مثل ذلك في المقابل وقد سبق التنبيه إلى ذلك من قبل، فالجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله لأنه يتكلم بالكلمة الواحدة من رضوان الله فيصل بها إليها، الرابعة فيه شاهد لقوله: إن الرجل ليتكلم بالكلمة الخ وقد سبق ذكره، الخامسة أن الرجل قد يغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه، فيتكلم فيه آخر فيعطى من حسناته مثلا، فكلام الآخرين فيه يكرهه وسبهم له وشتمهم له يكرهه وهو خير له، لأنهم يهدون إليه حسناتهم ومثل ذلك ظلمهم له يكفر به عنه، ولهذ قال النبي r لأصحابه أتدرون من المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، قال: بل المفلس من يأتي يوم القيامة وقد ضرب هذا وشتم هذا وأكل مال هذا وفي رواية وقتل هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، حتى إذا نفدت حسناته ألقي عليه من سيئاتهم ثم ألقي هو في النار، ومن هنا فقد يكون الإنسان قد مات وهو عاص لله سبحانه وتعالى، لكنه مات على الإيمان فيتكلم فيه الآخرون بعد موته ويطعنون فيه، فيبلغ بذلك درجة الكمال وتكفر عنه سيئاته بكلام أولئك كحال هذا الذي أقسم لا يغفر الله لفلان، فكان متأليا على الله، ومثل هذا ما نسمعه اليوم من كثير من الناس في الطعن في كثير من الدعاة والعلماء الذين أفضوا إلى ما قدموا وانتقلوا من هذه الدار إلى الدار الآخرة، فيطعن فيهم من دونهم ومن لا يساويهم طعونا هي رفع لدرجتهم وتكفير لخطاياهم إن شاء الله تعالى، فلله فيها حكمة، وهي خير لأولئك حين يتكلم فيهم هؤلاء.

(باب لا يستشفع بالله على خلقه): عقد هذا الباب لأدب آخر من الآداب مع الله وهو من تمام التوحيد أن لا يستشفع بالله على خلقه، وذلك أن لا يقال: أستشفع بالله عليك أن تفعل كذا فالله سبحانه وتعالى لا يستشفع به على خلقه، فمن تمام تعظيمه أن لا يستشفع به على أحد من خلقه، عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي r فقال: يا رسول الله نهكت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال فاستسق لنا ربك، فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله، فقال النبي r: سبحان الله سبحان الله، فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، ثم قال: ويحك أتدري ما الله، إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يستشفع بالله على أحد، وذكر الحديث رواه أبو داود، هذا الحديث فيه أن أعرابيا جاء إلى النبي r فقال: يا رسول الله نهكت الأنفس أي زال ما بها من القوة من شدة اللأواء والضنك ونقص الأغذية، وجاع العيال والعيال هم من يعوله الرجل من أولاده ونسائه، وهلكت الأموال أي ماتت البهائم، فاستسق لنا ربك، أي اسأله أن يسقينا، وذلك بإنزال المطر، وهذا الكلام لا اعتراض فيه، لكن قال بعده: فإنا نستشفع بالله عليك، وبك على الله، وهذا كلام عظيم، لأنه جعله ندا لله فيما قال: فقال: نستشفع بالله عليك وبك على الله، فهذه الندية هي التي استنكرها رسول الله r غاية الاستنكار، فقال النبي r: سبحان الله أي تنزيها لله عن هذا وتعظيما له عنه، سبحان الله فما زال يسبح أي أكثر من ذلك حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه، أي عرفت الكراهية لما قال الأعرابي في وجوه أصحابه حين عرفوا أن الأمر عظيم جدا وأن رسول الله r يستعظمه، ثم قال: ويحك هذا خطاب للأعرابي وتوبيخ له، أتدري ما الله؟ أي إن من قال هذا فمعناه أنه لا يعرف حق الله ولا يعظمه بما هو أهل له بالتعظيم، إن شأن الله أعظم من ذلك، إن شأن الله سبحانه وتعالى أعظم من ذلك وبين هذا فقال: إنه لا يستشفع بالله على أحد، لا يستشفع بالله على أحد فلا يقال: إنا نستشفع بالله عليك، وذكر الحديث أي أن للحديث بقية، فيه مسائل الأولى إنكاره على ما قال نستشفع بالله عليك، والثانية تغيره تغيرا عرف في وجوه أصحابه من هذه الكلمة، أي استعظامه لذلك استعظاما عظيما، الثالثة أنه لم ينكر عليه قوله: نستشفع بك على الله، لأن المقصود الاستشفاع بدعائه لا بجاهه، والاستشفاع بدعائه محل إجماع، فإن النبي r يستشفع بدعائه، يستسقى الغمام بوجهه أي بشفاعته ودعائه، ولذلك فإنه r عندما استسقى فنزل المطر سأل عن قول أبي طالب: «وأبيض يستسقى الغمام بوجهه** ثمال اليتامى عصمة للأرامل** يلوذ به الهلاك من آل هاشم** فهم عنده في نعمة وفواضل» فيستشفع به r على الله أي بدعائه، وهذا في حياته، ثم بعده يستشفع بأصحابه كما استشفع عمر بالعباس، ثم بعدهم يستشفع بالصالحين بدعائهم في كل عصر، فأهل كل عصر يستشفعون بمن فيهم من الصالحين بدعائهم، وبالضعفاء أيضا، فهل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم، فمن فيهم من الصالحين والضعفاء يستشفع بدعائهم. الرابعة التنبيه إلى تفسير سبحان الله، أي تنزيها لله عما قلت وتعظيما له، فالسبحان علم على التسبيح، هو من أعلام المصادر، والتسبيح التنزيه، الخامسة أن المسلمين يسألونه الاستسقاء وقد كثر ذلك منهم، وكان r يجيبهم لسؤالهم فيستسقي لهم فيسقيهم الله سبحانه وتعالى.

(باب ما جاء في حماية النبي r حمى التوحيد وسده طرق الشرك): هذا باب عظيم عقده لبعض ما جاء عنه r من حمايته لحمى التوحيد وسده لطرق الشرك، فإنما جاء في مهمته الأولى لإعلان التوحيد وحمايته، ولدحض الشرك وسد بابه، عن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه قال: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله r فقلنا أنت سيدنا، فقال: السيد الله تبارك وتعالى، قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، فقال: قولوا بقولكم أو بعض قولكم، ولا يستجرنكم الشيطان رواه أبو داود بسند جيد، هذا الحديث فيه أن وفد بني عامر حين قدموا على رسول الله r خاطبوه فمدحوه فبالغوا في المدح والإطراء، وخشي رسول الله r أن يصلوا إلى درجة الشرك، فنبههم على ذلك لأنهم ما زالوا حديثي عهد بإسلام ويعرفون الوفادة على الملوك وكانوا يبالغون في الثناء عليهم بما ليس فيهم، فخشي عليهم النبي r من ذلك، فنبههم، ومن هنا عندما قالوا له: أنت سيدنا، قال: السيد الله تبارك وتعالى، فالسيد من أسماء الله سبحانه وتعالى، ومعناه الملك المالك لعباده، ويجوز أن يقال للنبي r أنت سيدنا، وبالأخص أنه بالإضافة، لم يقولوا أنت السيد، والنبي r هو سيدنا وهو سيد ولد آدم كما أخبر عن ذلك بنفسه، لكنه خشي أن يقصدوا بذلك معنى الملك أنه مالكهم فرد عليهم فقال: السيد الله تبارك وتعالى، أي هو المالك لكم، قلنا: وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا أي ذكروا بعض الأوصاف التي هي فيه r فهو فعلا أفضل الناس فضلا، وهو أعظمهم طولا، أي عطاء، لكن خشي أن يصلوا إلى حد المبالغة والإطراء فيما زاد على ذلك، فقولهم في ظاهره ليس فيه منكر، أنت سيدنا وأفضلنا فضلا وأعظمنا طولا، فهذا اللفظ ظاهره ليس فيه منكر وكله صحيح، لكن خشي أن يكون في قلوبهم ما كانوا عليه من أمر الجاهلية فنبههم إلى ذلك، ولذلك قال: قولوا بقولكم، أي قولوا بمثل هذا القول ولا تتعدوه ولا تزيدوا عليه، أو بعض قولكم، أي أقل منه، ولا يَسْتَجِرَّنَّكُم الشيطان أي حتى تتجاوزوا هذا القول إلى الممنوع شرعا، واستجرار الشيطان يقع بالمبالغة والانطلاق في القول فإن الإنسان إذا انطلق في القول كثيرا ما يستجره الشيطان ليقول ما لا يقصده، فيقع في المحذور، وبالأخص في مقام المدح والذم، فكثيرا ما يستجر الشيطان الإنسان فيقع في المحذور، وعن أنس رضي الله عنه أن ناسا قالوا يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا، فقال: يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل، رواه النسائي بسند جيد، الحديث شاهد لسابقه وهو في معناه، فأنس حدث أن ناسا، وهم وفد بني عامر هنا، قالوا: يا رسول الله يا خيرنا وابن خيرنا، قالوا يا خيرنا، ووصفوه بهذه الخيرية وهو فعلا كذلك، وقد أخبر عن نفسه بأن الله اصطفاه، واختار قبيلته من القبائل، واختار عشيرته من العشائر، وهكذا إن الله اصطفى من ذرية آدم إبراهيم، واصطفى من ذرية إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ذرية إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، لذلك قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا كذلك، فقال: يا أيها الناس قولوا بقولكم، أي بهذا القدر ولا تتعدوه ولا تجوزوه، ولا يستهوينكم الشيطان، أي لا يذهبن بكم إلى الهوى حتى تتجاوزوا هذا القول، أنا محمد عبد الله ورسوله، وهذا أبلغ ثناء عليه، وصفه بالعبودية لله، ورسالة الله، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل، فليس الإطراء تقربا إلى النبي r وهو في غنى عنه إنما هو عبد الله ورسوله، وقال: ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل، لأن ما فوقها يصل إلى درجة الألوهية وذلك ممنوع، فهذا من حمايته لحمى التوحيد r بأبي هو وأمي، فيه مسائل الأولى تحذير الناس من الغلو، فإن النبي r خاف عليهم منه فحذرهم منه، الثانية ما ينبغي أن يقول من قيل له أنت سيدنا، فالممدوح في وجهه ينبغي أن يرد على المادح بأن يبين له أنه أدرى بنفسه وأن يبين له أن لا يكذب وأن لا يتجاوز الحد، وقد قال r إذا أتاكم المَدَّاحُونَ فاحثوا في وجوههم التراب، الثالثة قوله: لا يستجرينكم الشيطان أي لا يستهوينكم، أو لا يستجرنكم، أي يجرنكم من حيث لا تشعرون، يستجرينكم أي يجرينكم على أمر لا تقصدونه أو لا خير فيه، مع أنهم لم يقولوا إلا الحق فكل ما قالوه حق لكن خشي أن يزيدوا عليه ما ليس بحق من الإطراء، أو أن يكون في نيتهم ما كان لدى أهل الجاهلية من المعاني، الرابعة قوله: ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله، فهذا بيان أنه r لا يحب الإطراء ولا التجاوز في المدح، بل يحب أن يوصف بما فيه وبما وصفه الله به، فقال: أنا محمد عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكرم وعظم.

(باب ما جاء في قول الله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمنيه سبحانه وتعالى عما يشركون})، من فقه المؤلف رحمه الله أن ختم هذا الكتاب بهذا الباب العظيم الذي بين نوعا من التوحيد في عظمة الله وجلاله وكبريائه وملكه، وبين أن الملك له جميعا، وأن السماوات السبع والأرضين السبع في قبضة يمينه، فقال: باب ما جاء في قول الله تعالى، أي ما ورد في شرح ذلك وبيانه في قول الله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره}، أي أن العادلين بالله المشركين الذين يدعون مع الله إلها آخر ما قدروا الله حق قدره، أي ما عرفوا حق قدره سبحانه وتعالى، وما عظموه حق تعظيمه والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، أي والحال أن الأرض جميعا ومثلها السماوات السبع في قبضته يوم القيامة، قال: والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، أي في قبضة يمينه، والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون، سبحانه أي تنزيها له وتعالى أي علا وعظم عما يشركون أي ما يدعون من دونه ومعه، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله r، والمقصود بحبر من الأحبار أي عالم من اليهود، إلى رسول الله r، فقال يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر على إصبع والماء على إصبع والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع، فيقول أنا الملك، فضحك النبي r حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه}، هذا الحديث العظيم فيه أن حبرا من أحبار اليهود، دخل على النبي r فقال يا محمد: إنا نجد أي في الكتب المنزلة أن الله يجعل السماوات على إصبع، وهذا فيه إثبات صفة الأصابع لله عز وجل، والارضين على إصبع والشجر على إصبع والماء على إصبع والثرى ما بُلَّ من الأرض أي الندي من الأرض على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، سائر الخلق أي بقيتهم، والسار والسؤر والسائر البقية، ومنه قول الشاعر: «ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه** وسائره باد إلى الشمس أكتع» سائره أي بقيته، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك، يقول الله سبحانه وتعالى ذلك يوم القيامة، يقول: أنا الملك، فضحك النبي r حتى بدت نواجذه، ضحك أي ابتسم، حتى بدت نواجذه وهي أنيابه، تصديقا لقول الحبر، ثم قرأ أي قرأ رسول الله r هذه الآية وهي شهادة لقول الحبر وتصديق له، {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون}، وفي رواية لمسلم في كلام الحبر والجبال والشجر، على إصبع ثم يهزهن فيقول أنا الملك أنا الله، وفي رواية أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون، وستأتي هذه الرواية إن شاء الله، وفي رواية للبخاري يجعل السماوات على إصبع والماء والثرى على إصبع وسائر الخلق على إصبع، ولمسلم عن ابن عمر مرفوعا أي إلى النبي r أنه قال: يطوي الله السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون، ثم يطوي الأرضين السبع ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون، وهذا الحديث في صحيح مسلم، وفيه إثبات صفة اليد اليمنى وهي اليمين لله سبحانه وتعالى، وفيه إثبات الشمال أيضا لكن ذلك شاذ، فكلتا يدي ربي يمين مباركة، فكلتا يديه يمين، ولفظ ثم يأخذهن بشماله شاذ، فالسماوات السبع والأرضون السبع يأخذهن بيمنيه معا، السماوات على إصبع والأرضون على إصبع كما في حديث الحبر، ثم يقول: أنا الملك أي لا ملك سواي، أين الجبارون الذين يزعمون الملك ويدعونه ويظلمون الناس، أين المتكبرون الذين يتكبرون على ملك الله، ثم يطوي الأرضين السبع ثم يأخذهن وقد صح عن النبي r أن الأرض تكون خبزة يتكفؤها الجبار بيمينه كما يتكفأ أحدكم خبزته نزلا لأهل الجنة، ثم يقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون، وروي عن ابن عباس قال: ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم، هذا من كلام ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن سبحانه وتعالى، إلا كخردلة في كف أحدكم، والخردلة حبة صغيرة جدا، قال ابن جرير حدثني يونس أخبرنا ابن وهب قال قال ابن زيد حدثني أبي قال: قال رسول الله r: ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة ألقيت في تُرْسٍ، قال: وقال أبو ذر رضي الله عنه سمعت رسول الله r يقول: ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض، هذا من أحاديث العظمة، وهو من رواية ابن وهب عن ابن زيد، أي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وعبد الرحمن بن زيد ضعيف يقبل التلقين، وقد أتاه رجل فقال له: أحدثك أبوك أن سفينة نوح طافت بالبيت أسبوعا وصلت ركعتين خلف المقام، فقال نعم، فلما ذكر ذلك لمالك، رد حديثه وكان إذا سئل عنه قال اذهبوا إلى عبد الرحمن فليحدثكم عن أبيه عن نوح عليه السلام، ومع ذلك فلهذا الحديث شواهد يتقوى بها، فإن فيه: ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبعة في ترس، الترس المِجَنُّ الذي يتقي به المقاتل السهام والرماح، والسماوات السبع لا يساوين شيئا من الكرسي فهن فيه كالدراهم في الترس، والكرسي كذلك لا يساوي شيئا من العرش كما في حديث أبي ذر هذا ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض، حلقة من حديد ألقيت بين ظهري أي مرتفعي فلاة من الأرض أي مسافة مستوية منها، وعن ابن مسعود قال: بين السماء الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، أخرجه ابن مهدي عن حماد بن سلمة عن عاصم عن زِرِّ بن حُبَيْش عن عبد الله بن مسعود، وهذا الحديث فيه مقال في إسناده فعاصم في حفظه شيء، وكذلك حماد بن سلمة، لكن مع هذا فله شواهد أخرى كحديث الأوعال الذي سيأتي، وفي هذا الحديث بين ابن مسعود أن بين السماء  الدنيا والتي تليها خمسمائة عام، وبين كل سماءين خمسمائة عام، وسمك كل سماء خمسمائة عام، وبين السماء السابعة والكرسي خمسمائة عام، وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش على الماء، والله فوق عرشه لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، أي مطلع على كل سرائر القلوب، فهو أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد، لا تحجب عنه سماء سماء، ولا أرض أرضا، ولا جبل ما في وعره، ولا بحر ما في قعره، يعلم السر وأخفى، ورواه بنحوه المسعودي عن عاصم عن أبي وائل عن عبد الله، قاله الحافظ الذهبي رحمه الله، قال: وله طرق أي شواهد أخرى، وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: قال رسول الله r هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا الله ورسوله أعلم، قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكِثَفُ كل سماء مسيرة خمسمائة سنة، وبين السماء السابعة والعرش بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله تعالى فوق ذلك ليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم، أخرجه أبو داود وغيره، هذا الحديث شاهد لسابقه، فيه مسائل، الأولى تفسير قوله: {والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه}، فإنه يجعل الأرضين على إصبع والسماوات على إصبع ويقبضهن ويهزهن ويقول: أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون، الثانية أن هذه العلوم وأمثالها باقية عند اليهود الذين في زمن النبي r لم ينكروها ولم يتأولوها فهم يقرون بهذه الصفات وهذا الحبر أخبر بها كما هي عندهم في التوراة، الثالثة أن الحبر لما ذكر ذلك للنبي r صدقه النبي r ونزل القرآن بتقرير ذلك أو كان القرآن قد نزل بتقريره فقرأه النبي r، الرابعة وقوع الضحك من رسول الله r، لما ذكر الحبر هذا العلم العظيم وذلك إقرار منه له وتصديق له، الخامسة التصريح بذكر اليدين بإثبات ذكر اليدين لله سبحانه وتعالى، وأن السماوات في اليد اليمنى والأرضين في اليد الأخرى، لكن ذكر الشمال شاذ كما ذكرنا، السادسة التصريح بتسميتها بالشمال وقد ذكرنا شذوذه، السابعة ذكر الجبارين والمتكبرين عند ذلك، وأنهم لا يمكن أن يملكوا شيئا وليس لهم تصرف في الكون، وإذا كان الجبارون والمتكبرون يزعمون سيطرتهم على بقعة صغيرة من الأرض أو سجن صغير فإن السماوات السبع والأرضين السبع في قبضة يمينه سبحانه وتعالى، يهزهن ويقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون، الثامنة قوله: كخردلة في كف أحدكم، وذلك لصغرها وأنها لا تساوي شيئا، فالسماوات السبع والأرضون السبع في الكرسي كخردلة في كف أحدكم، لا شك أن الكف محيط بالخردلة وأكبر منها بما لا تمكن مقارنته، التاسعة عظم الكرسي بالنسبة إلى السماء، فالسماوات السبع فيه كدراهم في ترس، كسبعة دراهم في ترس، الحادية عشرة أن العرش غير الكرسي والماء، وهذا محل خلاف بين أهل العلم فقد ذهب بعضهم إلى أن الكرسي هو العرش، والله تعالى يقول في كتابه: {وسع كرسيه السماوات والأرض}، السماوات جميعا والأرضين كلها في داخل الكرسي، فالكرسي يسعها جميعا، لكن اختلف فيه هل هو العرش أم لا، فعن ابن عباس في تفسير الكرسي هو موضع القدمين من العرش، وقيل هو دونه كما أن السماوات دون الكرسي وكما أن الماء فوقه، والعرش فوق ذلك، والله أعلم بذلك، والماء المذكور هنا هو المذكور في قول الله تعالى: {وكان عرشه على الماء}، الثانية عشرة كم بين كل سماء إلى سماء، أي ما بين كل سماءين، الثالثة عشرة كم بين السماء السابعة والكرسي، وأن ذلك كله مسيرة خمسمائة عام، والله أعلم بتلك المسيرة هل هي للحجر الصلد الهاوي أو هي بالسنوات الضوئية الله أعلم بهذا، الرابعة عشرة كم بين الكرسي والماء كذلك، الخامسة عشرة أن العرش فوق الماء، {وكان عرشه على الماء}، السادسة عشرة أن الله فوق العرش، وقد أخبر بذلك: {الرحمن على العرش استوى}، السابعة عشرة كم بين السماء والأرض، والثامنة عشرة كثف كل سماء، فتحديد ذلك بأنه خمسمائة عام، كل سماء خمسمائة عام، خمسمائة سنة، التاسعة عشرة أن البحر الذي فوق السماوات بين أسفله وأعلاه خمسمائة سنة وهو الماء الذي عليه العرش، والله أعلم بتفصيلات ذلك، لكن المهم أن كل هذه الأحاديث تنساق في سياق العظمة والجلال لله سبحانه وتعالى، وأن الخلائق كلها بما فيها العرش ومن دونه لا تساوي شيئا في قدر الله سبحانه وتعالى وجلالته وعظمته، ومن هنا فلا بد من إجلاله وتعظيمه ومعرفة أن كل من دونه لا يملك لنفسه ولا لغيره حياة ولا موتا ولا نشورا، ولا يستحق أن يصرف له شيء من العبادة ولا أن يسأل بشيء من أنواع السؤال، ولا أن يعلق به شيء من الحوائج، ولا أن يعتمد عليه ولا يتكل عليه لزواله وفنائه، وإنما يتوكل ويعتمد على الباقي الذي لا يزول ولا يزول ملكه، ومرجع كل شيء إليه سبحانه وتعالى، وعليه الاعتماد في الأمر كله، ولهذا يقول المكودي رحمه الله: «إذا عرضت لي في زماني حاجة** وقد أشكلت فيها علي المقاصد** وقفت بباب الله وقفة ضارع** وقلت: إلهي إنني لك قاصد** ولست تراني واقفا عند باب من** يقول فتاه سيدي اليوم راقد» وكما قال الآخر: «لا تسألن بني آدم حاجة** وسل الذي أبوابه لا تحجب** فالله يغضب إن تركت سؤاله** وبني آدم حين يسأل يغضب» وقد قال جدي شيخي محمد عالي رحمه الله: «لا آمل الناس في سر ولا علن** في حالتي ثروة مني وإفلاس** ولا أرى الرزق إلا عند خالقه** ولا أضيف أمور الله للناس» وقال أيضا رحمه الله: «إني وإن كنت محتاجا لمحتاج** لخير من ترتجى من عنده الحاج** فمنه أطلب حاجي دون واسطة** تكون مثلي كما أحتاج تحتاج» فالخلائق جميعا محتاجون إليه سبحانه وتعالى وهو الغني الحميد لا يحتاج إلى شيء من خلقه، لم يكتسب صفة منهم بعد أن خلقهم فهو الخالق ولا خلق، وهو الرازق ولا رزق، وهو الجبار سبحانه وتعالى. اللهم اختم بالصالحات أعمالنا، واختم بالحسنات آجالنا، واجعل خير أيامنا يوم نلقاك، اللهم ثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، اللهم ألهمنا رشدنا وأعذنا من شرور أنفسنا، واجعل سرائرنا خيرا من علانياتنا، واجعل علانياتنا صالحة، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، اللهم اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولحملة هذا العلم الشريف الذين أدوه عن رسولك r وبلغوه، اللهم ألحقنا بهم في الدرجات العلى من الجنة يا أرحم الراحمين، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.


عدد مرات القراءة : 4451



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              21313619
المتواجدون الأن       3
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو