» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
العلوم الشرعية الشريط الأول




بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، و صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين،

 أما بعد فإن الله سبحانه و تعالى هو العليم الخبير، والعلم كله من عنده فهو أعلم، و قد أرسل الرسل عليهم الصلاة و السلام، للناس ليعلموهم ما هم بحاجة إليه، مما يصلح دينهم ودنياهم، فأنزل عليهم الكتب المتضمنة لما يحتاجه الناس من العلم، و هذا الذي أنزل إلى الناس لا يساوي إلا شيئا يسيرا من علمه سبحانه وتعالى، ولهذا قال في خطابه للناس: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾ فعلى كثرة ما أنزل من العلم و تشعبه واستكثار الناس له وتوسعهم فيه لا يساوي ولا ينقص شيئا من علم الله سبحانه وتعالى، وهذا العلم الذي أنزله لم ينزله ليكون ميدان مجاراة ومنافسة بين الناس، ولا ليكون كذالك مما يتزيد به المتزيدون ويفتخر به المفتخرون، ولم ينزله كذالك ليكون ملهاة للأوقات ومشغلة للنفوس، و إنما أنزله ليعمل به، فكل علم لا يترتب عليه عمل فالأصل أنه لا نفع فيه، ولا ينبغي أن يشتغل به العاقل لأن العمر قصير، و وقت الإنسان أثمن من أن يضيعه فيما لا يصحبه عمل، لأن الذي يوزن يوم القيامة هو الأعمال لا العلوم، فالميزان يوم القيامة إنما توضع فيه الأعمال سواء كانت صالحة أو سيئة، توزن بمقاييس الذر، وإذا رأى  الناس ذلك  فإن ذلك اليوم الذي توزن فيه الأعمال يجعل الولدان شيبا، إنما يرون وزن الأعمال في مقاييس الذرة ﴿فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾، وقد أعلى الله سبحانه وتعالى منزلة هذا العلم فجعله مدعاة للرفع في الدنيا والآخرة، ولذلك فإن منزلة أهل العلم عند الله سبحانه وتعالى عالية، فقد أشهدهم على أعظم شهادة بعد أن شهد بها وأشهد بها ملائكته فقال تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وألوا العلم ﴾، وأخبر أنهم وحدهم الذين يخشونه حق خشيته فقال تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)، وحكم لصالحهم على من سواهم في قوله: ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر ألوا الألباب ﴾، وأخبر أنهم وحدهم المؤهلون للتلقي عنه وفهم كلامه فقال تعالى: ﴿ وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾، وأخبر أنه يرفعهم درجات في الدنيا والآخرة فقال تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم وإذا قيل انشزوا فانشزوا يرفع الله الذي آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، وقد نوه الرسول صلى الله عليه وسلم بمكانتهم ، فقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (العلماء ورثة الأنبياء)، وصح عنه أنه قال: (من يرد الله به خيرا يفقه في الدين)، وصح عنه من حديث عثمان في صحيح البخاري أنه قال: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه \" وكذلك ضرب المثل للمتعلم المعلم وللمتعلم الذي لا يستطيع أن يعلم وللمعرض بما أخرجه البخاري من حديث أبي موسى: (مثل ما بعثني الله به من الهدى  والعلم كمثل غيث أصاب أرضا ...)، وبين صلى الله عليه وسلم أن هذا العلم لا ينال إلا بالتعلم، بما أخرجه عنه البخاري تعليقا ووصله ابن أبي عاصم في كتاب السنة أن النبي  صلى الله عليه وسلم أن قال (إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم)، وقد بين صلى الله عليه وسلم أن الله يختار لهذا العلم أقواما من كل أهل زمان، فهم شهدوه الذين يشهدون على أهل زمانهم وهم عدوله الذين يحملون وحيه، ولم يكن الله ليجعل وحيه بدار هوان، فهذا الوحي هو خيرة ما في هذه الأرض ولم يكن الله ليختار عليه أمناء أهل تفريط لا يصلحون لهذا المستوى، بل يختار من الناس خيرهم لهذا لوحي الذي هو خير ما في الأرض، ومن اختاره الله ليكون من أمنائه على وحيه فقد شرفه تشريفا عظيما، ولذلك ذكر البخاري عن بعض السلف أنهم كانوا يقولون ما ينبغي لمن كان معه شيء من هذا العلم أن يضيع نفسه، والمقصود بتضييع نفسه أمور متعددة منها: أن لا يعمل بعلمه لأن ذلك ضياع في الدنيا والآخرة، ومنها أن يتذلل إلى الآخرين أو أن يكون خادما لهم فيسلبه ذلك مكانته وعلمه، ومنها كذلك أن يعتزل الناس ويدع تعليم العلم الذي أتمن عليه لأن ذلك تضييع لنفسه وما عنده من العلم، وأمانة الله سبحانه وتعالى قد أخذ العهد والميثاق على من ائتمنه عليها أن يبلغ ما اؤتمن عليه، وذكر الوعيد الشديد في حق من لم يفعل ﴿إذ أخذ الله ميثاق الذين أتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه﴾، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (من كتم علما ألجم يوم القيامة بلجام من نار)، وحض رسول الله صلى الله عليه وسلم على تبليغه، فقد صح عنه في الصحيحين أنه قال (بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)، وصح عنه صلى الله عليه وسلم كذلك أنه قال (ليبلغ الشاهد منكم الغائب فرب مبلغ أوعى من سامع)، وصح عنه صلى الله عليه وسلم فيما أخرج أصحاب السنن عن ابن مسعود وذكره السيوطي وغيره من المتواترات أنه صلى الله عليه وسلم قال (نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه)، ومن استطاع أن يلتحق بهذا الركب وأن يسلك هذا الطريق فلم يفعل ذلك فهو أخسر الناس صفقة لأنه مكن له في خير ما في  الأرض فاشتغل بما هو دونه وقد قال الله تعالى ﴿أ تستبدلون الذين هو أدنى بالذي هو خير﴾ فخير ما في الأرض هو هذا الوحي المنزل من عند الله ، ومن استطاع أن يكون من أهله وأن يكون من أمناء الله عليه ففرط في ذلك فقد خسر صفقته، ولذلك فهو يغني عن ما سواه ولا يغني عنه ما سواه، فمن اشتغل بجمع العلم وخدمته فإن الله تكفل له بما يكفيه في  الدنيا، فقد جاء في الحديث إن الله تكفل لطالب  العلم برزقه، وهو كذلك عبادة لله حتى لو لم يعمل به الإنسان إذا نوى العمل به وحفظه على الناس، ولذلك سئل أبو عبد الله مالك بن أنس عن المقرب للقتل الذي لم يبق من عمره إلى ساعة في عبادة يصرفها قال: علم يتعلمه قيل يا أبا عبد الله إنه لا يعمل به قال تعلمه أفضل من العمل به ، وقال الإمام أبو عبد الله الشافعي رحمه الله: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة ، فكان يرى أن اشتغال المشتغلين بالعلم خير من اشتغال القائمين الذين  يقومون الليل كله، لهذا قال السيوطي رحمه الله تعالى في الكوكب الساطع:

والــعلم خــير من صــلاة نافـلة** فقــد  غذا  الله  بــرزق    كـافله

وقد أخرج البيهقي في السنن وأبو عمر بن عبد البر في مقدمة التمهيد والحافظ البغدادي في شرف أصحاب الحديث من أحد عشر طريقا وذكر عن الإمام أحمد تصحيحه من حديث ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : \"يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين \" ، لكن هذا العلم الذي ذكرنا مزيته وشرفه ليس كل من اشتغل به أو أحرز بعضه ينال هذه المنزلة وهذا الشرف، بل لابد لذلك من منهجية ومن طريقة تكون متزنة يوازن فيها الإنسان بين العلم والعمل، ويوازن فيها كذلك بين أنواع العلوم ومقاصدها ووسائلها ويوازن فيها كذلك بين النتائج التي يتوخاها والجهد الذي يبذله، فالتوازن مطلوب شرعا في كل الأمور والاعتدال مطلوب فيها، والغلو في العلم بأن يكون الإنسان لا بغية له ولا هم إلا الاشتغال بتتبع شوارد العلم ونوادره هذا يجعل الإنسان غير متزن ولابد أن يصاب بغلو والذي يصاب بالغلو فقد اتبع خطوة من خطوات الشيطان وقد قال الله تعالى ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان﴾، وكذلك من أعرض عن هذا العلم أو رأى غيره أفضل منه كالذي يشتغل بالدعوة عن العلم ويهمل العلم بالكلية أو يشتغل بجمع المال عن العلم ويكتفي منه بأقل القليل فهذا أيضا لديه تفريط والتفريط أيضا من خطوات الشيطان، وهو ضد الإفراط السابق، وكذلك من اشتغل بعلم واحد من العلوم وركز اهتمامه كله بذلك العلم فسيصاب بإفراط فيه وتفريط فيما سواه وسيفقد التوازن لأن العلم كله من عند الله وبعضه يكمل بعضا ويتممه، ولهذا فإن جناية المناهج في زماننا هذا على العلم هي بالتخصصات التي جعلت الإنسان يدرس  جزئية واحدة يتعمق فيها ويهمل ما سواها فيكون بليدا في  الأمور الأخرى التي هي من شروط الإنتاج لذلك الشكل الذي يشتغل به، فإذا لم يأت بالشرط لايمكن أن يأتي  بالمشروط، وكذلك فإن من ما يحذر منه في هذا الباب أن كثيرا من الناس  لا يأخذ  للعلم الأدوات والشروط فيريد أن يكون عالما وأن يقفز المسافات ويسلك لذلك سبلا غير موصلة إليه، فالعلم يشترط للوصول إليه كما لدى أهل العلم سبعة شروط:  الشرط الأول منها \"الـتـغرب\" له والمقصود بذلك أن ينفرد الإنسان بالعلم وأن لا يكون مشغولا بتدبير أمور الأهل والمعاش، فالذي هو بين أهله سيشغل بقضاياه وسيجد لنفسه مكانة وسؤددا يمنعه من التلقي، ولهذا قال عمر بن الخطاب كما أخرج عنه البخاري  في الصحيح  \"تعلموا قبل أن تسودوا\" فالذي هو سيد في مكانه لا يستطيع أن يتواضع للعلم ، ولذلك لابد أن ينفرد الإنسان عن أهله حتى ينال هذا العلم، وأصل ذلك أن الله سبحانه وتعالى قص علينا قصة موسى في طلبه للعلم، حين ذهب إلى الخضر فذكر أنه مانال هذا العلم حتى قال: حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا، فخرج من رئاسته لبني إسرائيل وقيادته لهم لجمع هذا العلم، وكذلك نبينا صلى الله عليه وسلم لم ينل هذا العلم حتى حبب إليه الخلاء فكان يخلوا في غار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد، ويرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق فجاءه الملك وهو بغار حراء، وهذا الشرط الأول وهو \"الـغـربة\" تحقيقه في زماننا هذا يمكن أن يكون بالغربة الحقيقية ويمكن أن يكون بالغربة الشعورية، فالغربة الحقيقة هي أن يجد الإنسان وقتا يختزله ويسرقه عن أهله وعمله ينفرد فيه فيخرج من مكانه كخرجتنا هذه، فهذا أولا من الناحية التعبدية فيه خروج إلى الله سبحانه وتعالى وترك لما خولنا وراء  ظهورنا وتذكرة بذلك في الخروج إليه في الموت عندما ينادي  مناديه بما هو أعظم من ذاك في الحشر والعرض عليه سبحانه وتعالى، وكذلك تصحيح النية في المنزل وما يمر به الإنسان من الحصى والرمل وذرات الأكسجين  كلها تكتب في ميزان حسناته إذا أخلص  النية لله في ذلك، وكذالك دعاء الملائكة له فإن الملائكة تبسط أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع، وإن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، وكذلك في هذا أن الإنسان يتذكر بهذا أنه قد اجتزأ جزءا من وقته لأفضل عمل يقربه إلى الله سبحانه وتعالى ويدنيه إليه، فيرجع بزيادة إيمان وصقل قلب وزهادة في الدنيا وتخلص منها وقد عرف قدر الدنيا التي هو فيها وعرف أنها لا تساوي عند الله شيئا، وأن أفضل ما فيها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم هو العلم حيث قال \"الدنيا ملعونة وملعون ما فيها إلا ذكر الله  وما والاه و إلا عالما أو متعلما\" فيعرف أن الشيء الملعون الذي لا خير فيه هو هذه الدنيا التي يتنافس الناس عليها، وأن الذي شرفه الله وفضله هو الوحي  الذي أنزله و العلم الذي جاء من عنده  فيجتزئ من وقته جزءا لذلك، وقد قال أحد الحكماء:

الأهــل والجهـل ساكـنان في بلـد** فاصـبر عن الأهل أو فاصبر على الثاني    

وتعرفون تاريخ هذه الأمة في الغربة وكيف كانت الرحلة في طلب العلم، من لدن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زماننا هذا كانوا يفدون إليه، كحديث مالك بن الحويرث والشببة الذين معه وكانوا بعد ذلك يفد بعضهم إلى بعض كحديث عبد الله بن أنيس الذي سافر شهرا من أجل حديث واحد وأنس بن ملك الذي سافر شهرا من أجل حديث واحد وجابر بن عبد الله الذي سافر شهرا من أجل حديث واحد وغير هؤلاء من الصحابة الذين سافروا من أجل حديث واحد، كذلك فإن من بعدهم من التابعين اشتهرت فيهم الرحلة في طلب العلم وأكثروا منها وكذلك أتباعهم من بعدهم والقرون المزكاة كلها ملئا بذلك، فهذا أحمد بن حنبل رحمة الله عليه يقول ما بقيت من الدنيا حاضرة اشتهر فيها الحديث إلا دخلتها، كل حاضرة من حواضر الدنيا اشتهر أن فيها حديث، ناس يشتغلون بالحديث إلا دخلها، وهذا البخاري يذهب من نيسابور   متجها إلى اليمن للرواية عن عبد الرزاق بن همام الصنعاني مع أن كل حديث عبد الرزاق قد وصل إلى البخاري بنزول، فذهب يقصده فلما وصل مكة قيل له مات عبد الرزاق فكر راجعا إلى البصرة فلما وصلها قيل إن عبد الرزاق حي باليمن فرجع حتى وصل مكة فأتاه من نعى له عبد الرزاق، وكذلك فإن أحمد بن حنبل ويحى بن معين سافرا من بغداد إلى صنعاء على أرجلهما مشيا لا يركبان شيئا في  طلب العلم ، وعدد كبير من أهل العلم كذلك فعلوا، فهذا سحنون يخرج من القيروان إلى المدينة على رجليه لطلب العلم فيجلس في مصر ثلاث  سنين يروى فيها عن ابن القاسم ما رواه عن مالك خلال عشرين سنة فعندما أتى بن القاسم قال له أنا فقير لا أملك شيئا وأهل بلدي بحاجة إلي ووقتي ضيق وقد افترض الله علي الحج وأنا قاصد حج  هذا البيت، فأريد أن تعطيني  جزءا من وقتك أختص به عن طلاب العلم فأريد أن آخذ ما أخذته خلال عشرين سنة في أقل من ذلك، فخصص له وقتا فأكمل الرواية عنه في ثلاث سنين، وكذلك عدد ممن بعدهم من الذين بذلوا الجهد العجيب في جمع الحديث ومن مشاهيرهم مثلا أبو زرعة الرازي وبعده الامام الدار قطني وبعده الحافظ  أبو نعيم فهؤلاء من الذين بذلوا الجهد في سبيل جمع الحديث وأحرزوا منه ما لم يحرزه أحد في العصور المشهورة، واشتهر بعدها هؤلاء الخطيب البغدادي وأبو عمر بن عبد البر، فالأول حافظ المشرق والثاني حافظ المغرب، وتوفيا في سنة واحدة، وقد جمعا بطول الرحلة من العلم الشيء الكثير فهذا ابن عبد البر يجلس ثلاثين سنة في تأليف التمهيد وحده يقول فيه:

         سمير فؤادي مذ ثلاثين حجة      وكاشف همي والمنفس عن كربى  

                            جمعت لهم فيه كلام نبيهم

ومع ذلك نجد الكثير من الناس اليوم يزعجون ويضجرون من أجل أوقات يسيرة يمكثها أحدهم في طلب العلم كجلسة واحدة في الأسبوع أو نحو ذلك، ويظنون الوقت طويلا ومضى عليه سنوات هل أنفقت هذه السنوات في طلب العلم؟ ما أنفقت، لقد كانت جلسة واحدة في الأسبوع تتقطع، بينما أعمار أولئك السالفين كانت هكذا كتاب واحد خلال ثلاثين سنة، وعندما أتى الأوزاعي وزملاؤه إلى مالك بن أنس وقد حفظوا الموطأ يريدون سماعه منه سمعوه خلال أربعين يوما فقال قلما تفقهون فيه، كتاب ألفته في أربعين سنة تأخذونه في أربعين يوما، وهو يخاطب الإمام الأوزاعي الذي مات قبل مالك، فعد من الطبقة السابقة عليه لموته قبله لكنه روى عنه الموطأ، أما العزلة الثانية وهي عزلة الشعور فهي أن يحاول الإنسان وهو في منزله وفي بيته أن يقتطع جزءا من الوقت للعلم وأن يجعله من أولوياته، ويحاول أن يخصص له أشرف أوقاته وخيرها مثل ما يفعل ذلك في العبادة وفي ورد المحاسبة، فهذه ثلاثة أمور هي تغذية الروح التي لا يستغني عنها أحد في حياته: أولا ساعة الخلوة التي يتعبد فيها لله سبحانه وتعالى ولا يطلع عليه إلا علام الغيوب يحاول فيها أن يعبد الله والناس نيام بما تيسر حتى لو كانت دقائق معدودة يتذكر أنه في هذه الدقائق يشارك جبريل وميكائيل  وإسرافيل وحملة العرش في عبادة الله، وأنه بذلك ينفرد بربه ولا يطلع عليه سواه، وهذه يقطع بها الإنسان مراحل إيمانية عجيبة عندما يحس بالصمت من حوله يحيط به من كل جانب ويعلم أن الله مطلع على سريرة  قلبه وأنه يتعبد له الآن ويعبده بما يعبده به عباده الصالحون وينفرد له ويخلص له فهذا مقام عالي، الساعة الثانية ساعة المحاسبة التي يحاسب فيها الإنسان نفسه على ما مضى من وقته فيحاسب نفسه في  كل أربع وعشرين ساعة يجعلها عمرا كاملا، فرأس المال ما آتاه الله من النعم من الإيمان والعلم والقوة قوة الجوارح وقوة العقل والمعافاة في الأهل والسرب وغير ذلك وما خطط لأن يعمله في أربع وعشرين ساعة فيحاسب نفسه على ذلك وينظر ما فرط فيه في جنب الله وما اقترفه وما ستعان بنعمة الله فيه على معصيته فيبادر بتوبة منه ويستحيي من الله حين استعمل نعمته في معصيته، وما أداه من الطاعات فليعلم أنه من فضل الله ورحمته وتوفيقه ومَنِّه وتشريفه به وخصه به من  بين من سواه فيحمد الله عليه ويشكره ويتذكر نعمته ولا ينسيه ولا يغفله عن ذكرها أي شيء لأن نعمة الله لابد أن تذكر، وكثير من الناس يتناسون نعمة التوفيق للعبادة فقد قال الله تعالى في حال من ارتضاه  (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدنا الله)، فليتذكر الإنسان هذه النعمة وليشكرها وليحاسب نفسه على وقته وعلى خطته اليومية التي أعدها فلينظر ما قصر فيه ولينظر سبب ذلك، وقد كان كثير من السلف من شدة مراقبتهم لأنفسهم يعرفون وجه الخطإ من أين دخل عليهم، يقول أحدهم إن اللقمة الواحدة يصدأ لها قلبي وأمكث زمانا وأنا أعالجه، القمة  الواحدة مما لا يتحقق حله يصدأ لها القلب ويتسخ ويجد أوهاما وظنونا وشكوكا وكثيرا من الاشتغالات في صلاته وغير ذلك فيشتغل زمنا في علاجها، لكنهم صفت خواطرهم وصحت نفوسهم فعرفوا تشخيص الأمراض، ونحن كثرت علينا الأمراض والأعراض حتى تكاثرت الظباء على خراش فما يدري خراش ما يصيد، لم نعد ندري من أين أتينا ولا من أين وقع الخلل في تربيتنا وحياتنا، والساعة الثالثة هي التي نريد هي ساعة العلم وينبغي أن يختار لها الإنسان الوقت الذي يجد فيه صفاء في الذهن وراحة في البال وراحة في البدن وعدم نعاس  وعدم انشغال، وأفضل ذاك ما كان من آخر الليل أو أول النهار في الصباح فهو الوقت المبارك الذي بورك لهذه الأمة فيه (اللهم بارك لأمتي  في بكورها)، يحاول الإنسان أن يستغل ربع ساعة يوميا أو نحو ذلك فيما يزيده علما وإذا استطاع أن يجعل لنفسه برنامجا من خلال تجاربه ومن خلال استشارة إخوانه وتجاربهم أو أن تتعاون مجموعة منهم على ذلك فهذا أفضل، وما استطاع غير هذه الساعة أن يأخذه من وقته في طلب العلم فهو خير له وأفضل.

الشرط الثاني من شروط طلب العلم التواضع  فالعلم بضاعة غالية ومن أحرز بضاعة غالية وعرف حاجة الناس إليها وتذكر الثمن الذي أنفقه في الحصول عليها تذكر السهر الذي كان يسهره والتعب الذي كان يتعبه من أجل الحصول عليها والمشاق والمخاطر التي تجشمها من أجل الوصول إليها لا يمكن أن يسلمها إلا لمن يتواضع له، فلذاك يحتاج طالب العلم إلى التواضع غاية حتى ينال مراده وأصل ذلك قصة موسى مع الخضر فإنه {قال هل أتبعك على أن تعلمني  مما علمت رشدا}، قال هل أتبعك ولم يقل سأتبعك، على أن تعلمني فجعل نفسه طالبا يعلم، مما علمت أي بعض ما علمت ولم يرد أن يأخذ كل ما لديه، وهذا غاية التواضع والإنسان محتاج إلى هذا التواضع دائما، ومن تواضع لله رفعه وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال (إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد )، و التواضع دليل على شرف النفس بخلاف التكبر فهو دليل على القرب من إبليس فإن أصل الكبر منه هو الذي قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلته من طين، وكلما تواضع الإنسان كلما ابتعد عن طريق إبليس.

الشرط الثالث من هذه الشروط الورع والإنسان محتاج إلى المبالغة فيه حتى يحرز العلم لأن العلم نور نفور، فهو نور ينفر من الظلمة والظلمة شرها ظلمة المعصية، فلذلك لا يمكن أن يستقر في  قلوب الفجرة، من كان فاجرا لا يبالي لا يمكن أن يرى نور العلم، قد يجري بعض العلم على لسانه لكنه لا يتجاوز ترقوته، كما أخبر النبي  صلى الله عليه وسلم عن الخوارج أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز نحورهم، فلهذا يحتاج الإنسان إلى الزيادة في الورع حتى يحرز هذا العلم، والورع مطلوب على كل حال لقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث النعمان بن البشير رضي الله عنهما (إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي  يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه ألا وإن في  الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي  القلب)، وقوله ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله تنبيه على أن صلاح القلب وفساده إنما هو على قدر ما فيه من الورع، فإذا ازداد الورع ازداد صلاح القلب وإذا نقص نقص صلاح القلب وازداد فساده، ويروى عن الشافعي رحمه الله أنه قال :

شكــوت إلى وكـيع سوء حـفظي**فأرشـدني   إلى   ترك  المعاصي

وأخبرني   بأن  العــلم  نـــور** و نــور الله   لا  يهدى   لعاص      

وأصل هذا أن من نقص ورعه اتبع هواه ومن اتبع هواه قاده ذلك إلا خلاف العلم، لأن العلم جمعه شاق ومقتض لمخالفة الهوى لأنه يقتضي من الإنسان السهر والتعب والنصب وكثيرا من المشقة والانعزال عن الشهوات فهو مخالف للهوى، وما كان مخالفا للهوى فإنه إنما يصبر عليه من كان ذا ورع، لأن من نقص ورعه لابد أن يكون من أتباع الشهوات ، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في تربيته يحض على الورع في المآكل والمشارب وغيرها، ففي الصحيحين أنه حين رأى الحسن بن علي  وهو طفل أخذ تمرة من تمر الصدقة أمسك بفيه وجعل يقول كخ كخ حتى رماها فقال إننا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة، تمرة واحدة استخرجها من فيه، وفي حديث أنس في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لأمر بالتمرة فأريد أن آكلها فأخشى أن تكون من تمر الصدقة فأتركها)، التمرة الواحدة يتورع عنها سيد البشر صلى الله عليه وسلم، وكذلك فيهما عن أبي بكر رضي الله عنه أن عبدا له أتاه بطعام على جوع فأكل منه فقال له العبد أتدري من أين لي هذا قال لا قال كنت تكهنت لقوم في الجاهلية فرأوني فأهدوا إلي هذا الطعام فأدخل أبو بكر أصبه فما زال يقيئ حتى قاء كل ما في  بطنه تورعا من ذلك، والورع كذلك يشمل كف الجوارح ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلا، محاولة تأديب الجوارح حتى تكف عن ما حرم الله عليها داخل في الورع ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون﴾.

الشرط الرابع هو الجوع فإن الإنسان إذا شبع دعاه ذلك إلى الميل إلى الدنيا والازدياد منها، وقديما يقول الحكماء البطنة تذهب الفطنة، فالبطنة وهي امتلاء البطن تذهب الفطنة فتنقص القريحة والذكاء، قال الشافعي ما رأيت سمينا عاقلا إلا محمد ابن الحسن الشيباني، وأصل ذلك من القرآن قول الله تعالى في قصة موسى عليه السلام ﴿ قال لفتاه آتنا غدائنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ﴾ فلم ينل هذا العلم حتى لقي من سفره نصبا وجوعا، وتعلمون أن أحفظ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لحديثه هو أبو هريرة رضي الله عنه وذلك أنه كان من أشدهم فقرا وحاجة، وكان يصرع من الجوع فيمر عليه شخص في طريق المسجد فيطأ عنقه يظنه مجنونا وما يصرع إلا من الجوع ، فلم يشغله شيء عن حفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان أحفظ الأمة له هيأه الله لذلك، ويروى عن الشافعي رحمه الله أنه كان عندما أتت به أمه إلى مكة يقصد حلقات المسجد الحرام فيكتب عن المحدثين في المسجد كسفيان بن عيينة وغيرهم فكان يجمع حديثهم وما يكتب عنهم حتى امتلأ عليه بيته من الرقاع التي كتب فيها فأغلق عليه بابه ولم يخرج حتى حفظ كل ما في البيت فخرج وهو في أشد مراتب الجوع ولكنه خرج وقد حفظ كل ما في البيت فاستغنى بعد ذلك عن حمله، والجوع في  الواقع معين على الحفظ فالفقراء أحفظ ممن سواهم والأغنياء أقل الناس  حفظا، والحفظ وسيلة من وسائل العلم مهمة لابد منها ولهذا فإن الله سبحانه وتعالى تعهد لرسوله صلى الله عليه وسلم بحفظ القرآن له ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه﴾، وكذلك فقد حض النبي صلى الله عليه وسلم على الحفظ عنه وحض عمر بن الخطاب كذلك على الحفظ فيما يتناقله الناس، وقد قال الشافعي رحمه الله الأدب أن تكتب أحسن ما سمعت وتحفظ أحسن ما كتبت وتحدث بأحسن ما حفظت فجعله ثلاث مراتب: أولا أن تكتب أحسن ما سمعت ثانيا أن تحفظ أحسن ما كتبت ثالثا أن تحدث بأحسن ما حفظت فكل مرتبة يختار لها من التي  فوقها، وقد قال رحمه الله :

   علمي  معي  حيث  ما يممت  يتبعني     قلبي  وعاء  له   لا  جوف   صندوق

   إن كنت في البيت كان العلم فيه معي     أو كنت في السوق كان العلم في السوق   

ويقول أبو محمد علي بن حزم الظاهري رحمه الله تعالى:

    فإن يحرقوا القرطاس لا يحرقوا الذي      تضمنه القرطاس بل هو في صدري

    يسير  معي  حيث  استقلت   ركائبي      ويمكث  إن أمكث  ويدفن  في قبري

وقد كان العلماء يقولون: ليس بعلم ما حوى القمطر ما العلم إلا ما حواه الصدر فالرفوف العريضة التي فيها الكثير من الكتب الملونة ليست بالعلم إنما العلم ما حواه الصدر فقط، فلهذا يحتاج الإنسان إلى أدوات الحفظ وتقوية ذلك في ذهنه ليزيده هذا بصيرة ومهارة وجمعا لشتات العلم وأطرافه ولا يتم ذلك إلا بالجوع في مرحلة الحفظ، والمقصود بذلك الاقتصاد في الأمر فلا يقصد به تعذيب النفس وتجويعها ولا التقلل من المطاعم بحيث يكون ذلك ضررا على الإنسان ونقصا لقوته أو وسيلة لمرضه بل المقصود أن يقتصد الإنسان في ذلك وأن لا يجعل هذا أكبر همه وان لا ينفق خيرة وقته على تحصيل طعامه، بل لابد أن يكون خير الوقت هو ما ينفقه في  تحصيل العلم.

الشرط الخامس هو إدراك أهمية العلم وهو أن تهون على الإنسان نفسه في سبيل جمع العلم فمن لم يدرك أهمية الشيء لا يمكن أن يشتغل به لأن من جهل شيئا عاداه، ولذلك تجدون أن كثيرا من الناس إذا ذاقوا طعم العلم انهمكوا فيه وأعجبهم حتى يعتبرهم الكثير ممن سواهم من الذين لم يذوقوا طعم العلم أصحاب هوس قد أغرقوا في أمر كان ينبغي أن يتوسطوا فيه وأن لا يزيدوا، والواقع أنهم ذاقوا هذا الطعم والآخرون لم يذوقوه أو أنهم رأوا هذه البارقة ومن سواهم لم يرها، ولهذا فإن موسى عليه السلام هانت عليه نفسه في سبيل العلم فركب البحر في سفينة مخروقة، وقديما يقول أحد العلماء:

 قالت مسـائل سحـنون لقارئها      لن تدرك العلم  حتى  تلعق  الصَّبِرا

 لا يدرك العلم  بطال  ولا كسل      ولا مــلول ولا من يألـف البشرا

مسائل سحنون هي المدونة وقد كان الناس يحفظونها مثل ما يحفظون الفاتحة، حتى تلعق الصبرا أي حتى تلعق المر الشديد المرارة، ولكن مع ذلك فالصبر على التعب اليسير يؤدي بالإنسان بعد هذا إلى وصول المقامات التي مكان ليصلها بدون هذا كما قال الحكيم:    ما ابيض وجه باكتساب كريمة     حتى يسوده شحوب المطلب

فإذا رأيت من ابيض وجهه بأي كريمة فاعلم أن ذلك سبقه تعب ونصب.

الشرط السادس معصية الهوى فالذي يتبع نفسه هواها لابد أن يصاب بالتمني والظنون والذي لا يتبع الهوى إذا مالت نفسه إلى أي أمر حاسبها عليه واتهمها فيه هذا الذي يستطيع جمع العلم، ولذلك فإن أبا عاصم النبيل عندما كان يسمع الحديث من شعبة جاءت الفيلة بأرض الكوفة بسواد العراق فخرج طلاب الحديث ينظرون إلى الفيلة فقال شعبة لأبي عاصم ملك لا تخرج إلى الفيلة قال ما جئت لأرى الفيلة إنما جئت لأكتب الحديث فلقبه النبيل من أجل ذلك، ويذكر السيوطي رحمه الله أنه كانت له طاقة  مطلة على النيل وكان الناس إذا سال النيل يأتون إليه من أراضي قاصية لمشاهدة سيله فمكث ستة عشر سنة لم يفتح الطاقة حتى يرى النيل لاشتغاله بالعلم ستة عشر سنة، فلذلك لابد أن يحاول الإنسان عدم اتباع الهوى حتى في الأمور الجائزة لينال في  مقابل ذلك علما.

الشرط السابع العمل به فإن العلم كما قال بن عيينة ينادي بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل، فمن لم يعمل بما علم كان حجة عليه ومن عمل بما علم رزقه الله علم ما لم يعلم والله تعالى يقول ﴿يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا﴾ والفرقان هو ما يميز الإنسان به بين الحق والباطل وهو علم لدني من عند الله، وأخرج البخاري ومسلم في  الصحيحين وغيرهما من حديث أبي جحيفة السوائي  رضي الله عنه قال قلنا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه هل عندكم شيء تقرؤونه غير كتاب الله فقال والذي فطر النسمة وبرأ الحبة ما عندنا شيء نقرؤه غير كتاب الله وما في هذه الصحفية أو فهما يرزقه الله رجلا من عباده، وأخرج الصحيفة من قراب سيفه فإذا فيها العقل وفكاك الأسير ولا يقتل مسلم بكافر والمدينة حرم مابين عائر إلى كذا ومن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ومن تولى غير أبيه أو انتسب إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس  أجمعين لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا ......الخ ، ومحل الاستشهاد من الحديث قول علي أو فهما يرزقه الله رجلا من عباده، فهذا الفهم هو العلم اللدني وهو الطرف الثاني من العلم، فالعلم ينقسم إلى قسمين إلى علم بالجِد وعلم بالجَد فالعلم الذي بالجِد هو الذي ينال بالاجتهاد والبذل وعلم بالجَد أي بالسعد يسعد الله به من شاء  من عباده وهو نتيجة للعمل، والأنوار الربانية والنفحات التي ينالها العُبَّاد كثيرا ماتسد مسدا عظيما في مجال العلم وقد قال الله تعالى ﴿ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما﴾ فهذا التفهيم نفحة ربانية ونور إلهي قذفه الله في قلب سليمان ففهم به حكم الله، وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول اللهم إني أعوذ بك من معضلة لا أبو حسن لها وهو علي رضي الله عنه فقد كان يحل المعضلات ومن قرأ سيرته رضي الله عنه عرف أن ما لديه من العلم كثير منه ليس من العلوم المكتسبة التي يصل إليها البشر بالاجتهاد والطلب بل لابد أن يكون علما لدنيا ربانيا ناشئا عن العمل بما تعلم وعن زيادة الإيمان والتقى والورع، فإنه رضي لله عنه كان على المنبر ذات يوم فقام رجل فقال هالك عن زوجة وأبوين وابنتين فقال علي وقد كان في خطبة عينية قال صار ثمنها تسعا وبداية خطبته الحمد لله الذي يجزي كل نفس بما تسعى وإليه المآب والرجعى فسأل السائل عن هذا فقال صار ثمنها تسعا وعرفت من ذلك الوقت بالفريضة المنبرية وبين فيها عول أربعة وعشرين إلى سبعة وعشرين فالأربعة والعشرون هي الأصل الثالث من الأصول التي تعول وعولته واحدة فإنه يعول إلى سبع وعشرين فقط ولا يعول إلا ما سواها، ولم يعرف ذلك قبل هذا الموقف لم يعرف ذلك في الإسلام قبل ذلك الموقف فجاء بهذه البديهة وهذه السرعة فقال صار ثمنها تسعا.

هذه الشروط السبعة نظمها أحد العلماء في بيت واحد فقال:

              له تغرب وتواضع واترع    وجع وهن واعص هواك واتبع

 

والعلم ضروب كثيرة ومن أعظمها علم الخبرة لأن العلم ينقسم إلى قسمين علم تلقي وعلم خبرة، فعلم التلقي معناه ما يتلقاه الإنسان من غيره وهذا النوع منه ما يستمعه فيتلقاه عن طريق الأذن ومنه ما يتلقاه عن طريق الكتابة ومنه ما يتلقاه عن طريق النظر والملاحظة فقط فكل ذلك من علم التلقي، أما علم الخبرة وهو علم الدربة فهو ما يكتسبه الإنسان من التجارب ويستطيع به التعبير عما في صدره وإيصال علمه إلى غيره، فكم من شخص يحتوي صدره على كثير من العلوم لكنه عاجز عن التعبير عنها، وكم من شخص هو ببغاء عرف العلم تلقينا فيعيده كما أخذه  هذه بضاعتنا ردت إلينا، وهذان الصنفان قاصران والصنف الثالث أولى وهو الذي يطور ويزيد ويحسن، وقد رأى رجل ثلاث حمامات ابتلعت إحداهن جوهرة فأخرجتها كما هي وابتلعتها الأخرى فأخرجتها أكبر مما كانت وابتلعتها الأخرى فأخرجتها أصغر مما كانت فسأل محمد بن سيرين رحمه الله عن تفسير رأياه  فقال : تجلس  في  مجلسي  وفي  مجلس  قتادة وفي مجلس الحسن (هؤلاء أئمة التابعين في البصرة إذ ذاك) فقال نعم فقال الحمامة التي ابتلعت الجوهرة فأخرجتها أكبر مما كانت الحسن البصري لأنه حفظ الحديث فيزيد فيه بذكائه وفطنته وفهمه وعلمه والتي أخرجتها كما هي قتادة فقد حفظ الحديث ورواه كما هو دون زيادة أو نقصان والتي أخرجتها أصغر مما كانت أنا يقصد نفسه محمد بن سيرين فقد حفظت الحديث لكني أتورع أن آتي بكله خشية أن أزيد فيه ما ليس منه، وعموما فالذي يطور معلوماته ويستطيع أدائها كما يناسب لاشك أنه أولى وأكثر أجرا  لأنه يكتب له أجور من عمل بما علمه وأجور من وصل إليهم شيئ  من علمه إلى يوم الساعة دون أن ينقص  ذلك من أجورهم شيئا، وهذا هو الوجه الذي فضل منه السلف على الخلف أن أجورهم لا تنقطع بل تزداد بحسب القرون، قال شيخي رحمه الله :

               وكل أجر حاصل للشهدا        أو غيرهم كالعلما والزهدا

               حصل  للنبي  مثله على        أجور  ما كان النبي  فعلا

               مع مزيد عدد  ليس يحد        وليس يحصي عده إلا الأحد

               إذ كل مهتد  وعالم  إلى        يوم الجزاء شيخه قد حصلا

               له من الأجر كأجر العامل      ومثل ذا من ناقص وكامل

               وشيخ  شيخه  له   مثلاه        وأربع    لثالث      تلاه

               وهكذا تضعيف كل مرتبة       إلى رسول الله عالي المرتبة

               ومن هنا يعلم تفضيل السلف    وسبقهم في فضلهم على الخلف

 

فلذاك على الإنسان الذي يريد أن يتعلم أن يضيف إلى ذلك نية أخرى وهي أن يُعَلِّم ما تعلم لقول النبي صلى الله عليه وسلم خيركم من تعلم القرآن وعلمه، ولا يتم ذلك إلا بعدة أمور وعدة وسائل أهمها نية ذلك في البداية فالذي يدرس ليتعلم ويتفهم فقط سيتخفف من كثير من الأمور ولن يعتري بالدربة والخبرة لأنه إنما يريد الفهم فقط ويتجاوز ذلك، أما الذي يريد أن يتعلم ليُعلم فسيحرص على الهيئات والشروط وطرق أداء المعلومات وطرق تطويرها والجمع بينها وبين غيرها وما يعرض لها من إشكالات وإجابة تلك الإشكالات ويطبق ذلك على واقع الناس فيأتي بالحلول لما يفكرون فيه ولما يعرض لهم من مشكلات، ويستبطن نفوس الحاضرين والسامعين حتى يعرف من استوعب الدرس منهم ومن لم يستوعبه، وبهذا يستطيع أن يعيش مع الدرس وفي ظلاله، إذ نية التعليم المصاحبة لنية التعلم أمر هام في هذا المجال، ثانيا يلزم بعد هذا أن يكون الإنسان عالما أن ما سيعلمه لابد أن يكون أقل مما تعلمه لا يؤدي إلى طلابه إلا جزء مما عنده لأنه إذا نزح كلما لديه أصبح علبة فارغة، وبسبب ذلك سيختار مما لديه أسهله وألينه وأحكمه وهو الذي يقدم، ويحتفظ هو بمدد يمكن أن يطوره ويزده، ولذلك يقول أهل العلم (العلم بحر وأوعيته كآنيته آنية الماء يغترف بها ولا يمكن أن يكون إناء يغترف البحر كله)، فلهذا يحتاج الإنسان إلى أن يتعلم أكثر مما يعلم، فالذي يريد أن يشرح كتابا معينا لابد أن يكون مطلعا على  كتاب أوسع منه في الفن الذي هو فيه فإذا لم تكن قرأت كتابا أوسع من هذا فلن تستطيع تدريس هذا الكتاب، ومن هنا تسمعون كثيرا من البلهاء يتجاسرون على الموسوعات الكبرى والكتب العظيمة يريدون شرحها وهي آخر ما ألف في  الفن وكأنهم درسوا ما هو أوسع منها والواقع خلاف ذلك، فتجد أحدهم يتجاسر مثلا على شرح كتاب سبويه وكأنه درس أوسع منه في علم النحو أو يتجاسر على تدريس الموافقات للشاطبي كأنه درس كثيرا من كتب الأصول حتى وصل إلى هذه الزبدة النادرة، ولن يصل إلى هذا المستوى إلا نوادر الناس الذين جمعوا بين المعقول والمنقول وأخذوا بالدربة وجمعوا كثيرا من الفنون والعلوم، ولذلك رحم الله من عرف قدره وجلس دونه، والعرب يقولون (أطرق كرى إن النعام في القرى)، فعلى الإنسان أن لا يتزبب قبل يتحصرم يحاول أولا أن يأتي بالقليل قبل الكثير، ولذاك قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير قول الله تعالى (كونوا ربانيين) قال كونوا علماء حكماء وفي رواية الربانيون هم الذين يربون الناس بصغار العلم قبل كباره، يحاول أن يأتي بالصغار قبل الكبار، ومن أجل هذا فمناهج أهل العلم في العلوم كلها أنهم جعلوا كتبا متدرجة، لاحظوا أن المؤلف الواحد يألف عدة كتب متفاوتة الأحجام متفاوتة المادة يقصد بذلك تفاوت درجات الطلب، فهذا بن قدامة في الفقه الحنبلي وهو أبو هذا المذهب جامعه الأكبر ألف مثلا العمدة للصغار وفوقها المقنع وفوق ذلك الكافي وفوق ذلك المغني وكل كتاب ألف لمستوى من طلاب العلم، ومثل ذلك ابن هشام الأنصاري ألف في النحو قطر الندى للمبتدئين وفوقه شذور الذهب ثم فوق ذلك إعراب الجمل وما يلحق بها وفوق ذلك أوضح المسالك وفوق ذلك مغني اللبيب عن كتب الأعاريب فكل هذا بالتدرج ليتدرج فيه طالب العلم لئلا يأخذ العلم جزافا، فكثير من الناس لا يدرك هذه التجزئة فيهجم على أكبر ما وجد من الكتب ويرى أن الكتب الصغيرة لا فائدة فيها وأنها ضياع وقت فيتعداها، كذلك فإن من وسائل الإنسان لهذا أن يعرف أن العلوم مترابطة ومتداخلة فالعلم كله كأجزاء البدن، فالدم الذي يضخ في المخ هو الدم الذي يضخ في الرجل نفس الدم دورة واحد ولذلك لابد أن يدرك الإنسان أسرار العلوم وترابطها، و ليعلم الإنسان أنه لا يمكن أن يكون ماهرا بعلم من العلوم إلا إذا كان ملما بالعلوم المكملة له، الأمر الرابع أن يعلم الذي يريد أن يكون مدرسا أن التدريس كما ذكرنا خبرة تحتاج إلى تدريب فليبدأ أولا بالتدريس خاليا يتصور أن عنده إنسانا يدرسه يمتحن نفسه بذلك فيعرف هل هو قادر على الشرح أم لا قد استوعب الكتاب أم لم يستوعبه فيدرس خاليا كما كان الأعمش رحمه الله يربط تيسا عنده فيدرسه فيقول أفهمت وقد اشتهر تيس الأعمش بذلك، وقد اشتهر هذا عن الإمام الدباس من أئمة الحنفية كان يغلق عليه مسجده فيراجع القواعد الفقهية وحده وقد كان الدباس رحمه الله أعمى فجاء طالب فعرف أنه إذا أغلق عليه الباب ردد شيئا فأراد أن يسمعه فاختفى في زاوية من المسجد فسمعه يراجع القواعد الفقهية فذكر منها أربعا وثلاثين قاعدة ثم جاءته سعلة فسعل فسكت الشيخ فقام إليه فضربه بعصى وأخرجه من المسجد لكنه كان قد سرق هذه القواعد فخرج بها، ثم بعد هذا يحاول التطبيق على أهله كالزوجة والأولاد فقد طبق في نفسه وحين إذن يستطيع أن يطبق على الأدنين الذين ليس بينه وبينهم كلفة لأن العلم يحتاج إلى تدريب ووقع فهو بمثابة ما قال زياد ابن أبيه قال إن ظهر المنبر كظهر الفرس يحتاج إلى أدب فالفرس أول ما يركب لا يمكن أن يركبه إلا الأقوياء ولا يستطيع تأديبه وترويضه إلا من كان من المهرة فكذلك ظهر المنبر من يقف عليه ويكلم الناس لابد أن يكون مستعدا لذلك، لهذا فإن الإنسان في بداية تدريسه أو بداية خطبته سيرتعد ويرتجف وينقطع شريط المعلومات من ذاكرته في كثيرمن الأحيان، بل قد روي عن القباع رحمه الله وهو من خطباء قريش أنه وقف على المنبر خطيبا فلما دخل الخطبة صاح في الناس يريد ماء فقال اسقوني اسقوني لهول هذا الموقف حين رأى العيون تنظر إليه، وقد اشتهر عدد من الخطباء الذين أرتج عليهم في  بداية الأمر فهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه عندما وقف على المنبر في أول خطبة يوجها للناس تذكر أنه يقف في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسد للأمة مسده فحمد الله وأثنى عليه ثم لم يستطع أن يأتي بكلمة فسكت طويلا والناس  ينظرون إليه ثم استعبر أي بكى وقال أنتم إلى أمير فعال أحوج منكم إلى أمير قوال ولئن بقيت لتأتينكم الخطب على وجهها وسيجعل الله بعد عسر يسرا واستغفر ونزل فكانت أبلغ خطبة، وكذلك فإن معاوية رضي الله عنه وقد كان حليما حكيما كان إذا أراد أن يخطب في  أمر مهم يجلس ولا يقف على المنبر لهول الوقوف وهو أول من خطب جالسا من أولياته رضي الله عنه، ثم على الإنسان أن يعلم كذلك أن التعليم ينسى فمن لم يشتغل به كان كالرماية فالرماية يتعب الإنسان في تعلمها فإذا أغفلها زمانا انتقصت مهارته بها كذلك السباحة يتعلمها الإنسان فإذا أغفلها نسيها، والتعليم كذلك و قد جاء  الوعيد الشديد عن النبي صلى الله عليه وسلم في نسيان الرماية من تعلم الرماية فأهملها ونسيها جاء فيه الوعيد الشديد فكذلك هذا العلم بمثابة الرماية إذا تعلمت التدريس فقد أصبح دربة لديك فحاول أن لا تنقطع عنه بوجه من الوجوه ولهذا فإن كثيرا من أهل العلم كانوا إذا سجنوا حاولوا أن يدرسوا من وراء  السجن فهذا السرخسي سجن في بئر فكان الطلاب يجتمعون حتى يصل إليهم صوته فأملى عليهم كتابه المبسوط بطوله من قعر بئر، كذلك عليه في بداية تدريسه أن يعلم أن الطالب هو محور العملية وأن لا يثقل ذهنه بما لا يفهم وبما لا يصل إليه  وليعلم أن الأمر سيأتي بالتدريج فلا يحاول أن تكون نهايته هو هي بداية الطالب، فليتذكر بدايته هو ويحاول أن يسير الطالب على ذلك الطريق، كثير من الناس يحاول أن يأتيك بالزبدة بنهاية ما وصل إليه فيحاول أن يجعلها بدايتك أنت، وهذا أمر لاتصل إليه إلا بعناء ومشقة، ولذاك فإن في الأثر حدثوا الناس  بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله، وما أنت بمحدث قوما بحديث لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة عليهم، فلذاك على الإنسان أن يتدرج  بتلاميذه ولا يقفز بهم قفزات كما يفعله كثير من الناس فيؤدي ذلك إلى انفصام في شخصياتهم وتَعالُم لديهم يتعالمون ويظنون أنهم قد وصلوا إلى أعلى المستويات وهم مازالوا في بداية الطريق فيكون قد شارك الشيطان في غرور هؤلاء وإفساد حياتهم،  كذلك عليه أن يرتب العلوم حسب الأهمية، وللناس أن تتفاوت نظراتهم في ترتيب العلوم فمنهم من يرى البداءة بالوسائل قبل المقاصد لأن الوسائل هي  ظروف المقاصد فمن لم يعرف اللغة و النحو و الصرف لايمكن أن يتفهم كثيرا من آيات القرآن ولا أن يستوعب طرق الاستنباط، فمن لم يعرف أصول الفقه لا يمكن أن يستوعب المسائل الفقهية وطرق استنباطها وهكذا، ومنهم من يرى أن المهم هو ما يقبل الناس عليه في زمانه ويدخل في اهتماماتهم، ولذلك فإن من العلوم ما هو مهم في  كل زمان لا تتراجع أهميه في أي زمان ولا في أي مكان مثل الفقه فهذا العلم الناس دائما في  حاجة إليه مهما تغيرت الحضارات والظروف وجاءت الصيحات وتعالت في رفضه فالناس دائما بحاجة إليه، ومثل ذلك تفهم كتاب الله فالإنسان من المفروض أن يسمعه وأن يقرأه فإذا أشكل عليه شيء أو لم يفهمه فهو محتاج حينئذ إلى أن يسأل وإذا سأل ينبغي أن يجد جوابا وإذا لم يجده يحصل الإثم على العموم لأن إجابة السائل في كتاب الله فرض كفاية لابد أن يكون في كل بلدة من يجيب السائل فيه، لكن مع هذا لا يمكن أن تجبر الناس على ترتيب معين للعلوم ونحن نعلم أنها تنقسم إلى هاذين القسمين إلى مقاصد وهي العلوم الأصلية التي يتعبد الله بتعلمها وإلى وسائل تتممها وتكون وسيلة إلى إكمالها وذريعة لتحقيقها، وكان كثير من أهل العلم يحاول الجمع بين الطرفين فينظم وقته لذلك، ولكن هذا الجمع إنما هو للمتفردين للعلم الذين ليس لهم شغل سواه ولهذا تجدون طلاب الكليات الذين يدرسون في الجلسة الواحدة مواد متنوعة وأمورا مختلفة لا يتقنون هذا ولا هذا فيصبحون عالة على من سواهم، ولذلك ينبغي للشخص إذا كان يدرس أن يختار علما معينا يحاول أن يفرد الوقت له ثم ينوع بعد ذلك فيدرس علما آخر بالتسلسل لأن العلوم متكاملة فبعضها يكمل بعضا، وقد قال السيوطي ما ناظرت ذا علم إلا غلبني وما ناظرت ذا علوم إلا غلبته، فالذي يشتغل بعلم معين سيكون واضحا أمامه مطلعا على تفاصيله أكثر من غيره والذي ينشغل بعلوم شتى في وقت واحد يتشتت قلبه وجهده بين هذه العلوم المتنوعة إلا إذا كان منفردا لهذا أو كان يجعل درسا في علم معين في الصباح مثلا ودرسا في علم آخر في المساء، وليعلم الإنسان كذلك أن العلوم منها مالا بد فيه من التلقي والسماع، ومنها ما يمكن أن يأخذ بالمطالعة بعد إعداد العدة لها، المطالعة أولا شروطها أن يكون الإنسان قد وصل إلى مستوى علمي يصلح به للمطالعة وليس كل الناس يصلح للمطالعة هذا الشرط الأول ولذاك يقول أبو حيان رحمه الله :

               يظن الغمر أن الكتب تهدي       أخاف فهم  لإدراك  العلوم

              وما يدري الجهول بأن  فيها       مواضع حيرت ذهن الفهيم

              إذا رمت العلوم بغير شيخ        ضللت عن الصراط المستقيم

              وتلتبس الأمور عليك حتى        تصير أضل من توما الحكيم

 

 فالعلوم التي  تحتاج إلى التلقي من الناس والسماع منها مثلا علم الأداء والقراءات فلا بد أن يتلقى من أفواه الرجال، ومثل ذلك الحديث لابد فيه من إسناد ومثل ذلك العلوم المعقدة التي تحتاج إلى شرح كعلم النحو وعلم الصرف والعروض وأصول الفقه، والعلوم التي يمكن أن تتلقى من بطون الكتب كالتاريخ والأدب فهذه يمكن أن تتلقى من بطون الكتب مطالعة فالقصص التاريخية في الغالب تكون أحداثها متسلسلة ونتائجها مبينة في كتبها، وكذلك كتب الأدب التي  تعنى  بالتعبير عن الأفكار تسلسلها وبيان أوجه المروءات وما اشتهر من الأجوبة المسكتة والأفعال الجميلة والتعبير عن ذلك فهذا سائر مع الفطرة ولذاك يستطيع الإنسان أن يطالعه ويكتفي فيه بالمطالعة،  ومن الأجدى والأحسن أن يرجع فيه كذلك مع المطالعة إلى المذاكرة، والمذاكرة أن يُسمع غيره وأن يَسمع منه في هذا المجال حتى تزداد معارفه وتتفتق في هذه الأمور التي تأخذ من المطالعة، أما ما يتلقى بطريق التلقي عن المشايخ فيحتاج فيه الإنسان إلى الانتخاب أي الرجوع إلى شيخ قد مهر ودرس علوما متعددة ليختار للإنسان ما يناسبه، فقد كان من سنة أهل الحديث قضية الانتخاب في الرواية ومثلها كذلك الانتخاب في المادة العلمية التي يدرسها الإنسان على حسب مستواه، ثم بعد هذا المهارات الخاصة بكل علم من هذه العلوم فكل منها يحتاج إلى مهارات مختصة به لأدائه،  ولنبدأ بها بالتدرج:

الأسئلة

السؤال1: كثير من الناس اليوم يعترضون على تنويع العلوم فيقلون إن الصحابة رضوان الله عليهم وكذلك من بعدهم من التابعين وأتباعهم لم يكن لديهم ما لدينا نحن اليوم من أنواع العلوم كالنحو والصرف والأصول والبيان وغير ذلك من العلوم فيدعون إلى الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة فقط ونبذ ما سواه، فما تعليقكم؟

الجواب: أن العلم إنما هو اختراع وهو وليد الحاجة ونحن اليوم ظروفنا كلها وحياتنا تختلف عن حياة الصحابة و لا يمكن أن تعود في دنياك وأمورك إلى ما كان عليه الصحابة فتعيش في مثل ما عاشوا فيه تماما، ولو كان يمكن ذلك فلا تدرس إلا ما درسوا، لو عدت إلى المدينة كما كانت وعادت ملابسك ومراكبك ومسكنك وكل ما لديك مثل ما كان لديهم فنعم ادرس ماكانوا يدرسونه و إلا فلم تكن حاجتهم داعية إلى مثل هذا لأنك في زمان الصفقات فيه بالملايين ولم يكن الصحابة يعرفون هذا وفي زمان الاتصالات فيه تجمع مشارق الأرض ومغاربها ولم يكن الصحابة يعرفون هذا وفي زمان تتأثر فيه الأسعار بالسياسة فمجرد إشاعة يرتفع بها سعر الأسهم أو ينخفض ولم يكن هذا في زمان الصحابة وفي زمان تتطور فيه وسائل عيش الناس  تطورا مذهلا يوميا ولم يكن الصحابة يعرفون هذا، وهؤلاء ما هم إلا أمثال  الأعراب الذين عندما نشأ علم النحو في الأمصار الإسلامية جاءوا من بواديهم فرأوا اشتغال الناس بهذه العلوم الجديدة فاستغربوا ذلك فصار هذا خصاما لديهم حتى أن أحدهم يقول:

             ماذا لقيت من المستعربين ومن     قياس نحوهم   هذا الذي  اخترعوا

         إن قلت   قافية  بكرا  يكون لها     معنى يخالف ما قاسوا وما ذرعوا

         قالوا لحنت فذاك الحرف منتصب   وذاك   منخفض   وذاك   مرتفع

         وحرشوا  بين عبد الله  واجتهدوا    وبين زيد  فطال الضرب والوجع

         فقلت    واحدة    فيها    جوابهم    والقول  حيث  يقال  الحق   يتبع

         ما كل قولي مشروحا لكم  فخذوا   ما تفقهون  وما لم  تفقهوا   فدعوا

         حتى  أعود إلى  قوم الذين  غذوا   بما  غذيت  به  والرأي   مجتمع

         إني غذيت  بأرض  لا تشب  بها   نار المجوس  ولا تبنى  بها  البيع

         ولا  يطا القرد  والخنزير  تربتها    لكن بها  الرئم  والرئبال والضبع

 

وهؤلاء مقولتهم هذه تقتضي أيضا أن يرجع الناس  إلى القتال بالسيوف بدل الدبابات و الصواريخ والطائرات وأن يرجعوا كذلك إلى ركوب الخيل والحمر بدل السيارات والطائرات وكذلك أن يتركوا صحيح البخاري وصحيح مسلم بل أن يتركوا المصاحف لأن الصحابة في الصدر الأول لم تكن لديهم فيؤدي هذا إلى هدم الدين من أساسه والتخلص من كل تكاليفه وكل ما وصل الناس إليه، ومن يقول هذا فهو نظير من يقول إن كتابة الحديث بدعة و أن هذه الكتب كلها يجب أن تحرق لأنها من المثناة وأن كل ما استكتب من غير كتاب الله ينبغي أن يحرق، فيحرق هؤلاء الموطأ والصحيحين وغير ذلك من كتب الحديث، ولا شك أن هذا من الضلال المبين والانحراف البين الواضح، ومنها ما يقول بعضهم إن الأمة تركها رسول الله صلى الله عليه وسلم على قلب رجل واحد فجاء أهل السياسة ففرقوها ويقصد بأهل السياسة الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم ثم جاء بعد ذلك المتفقهون فزادوا الطين بلة ويقصد بهم أصحاب المذاهب فيقول بدل أن كان الدين واحدا أصبح أربعة أديان مالكي وشافعي وحنفي وحنبلي وهو لم يفهم شيئا في الأمر أصلا فأراد هدم الدين على بلاهته و بلادته فأصبحت حيله مفضوحة عند كل الناس، وهؤلاء أيضا يدندنون حول هذا ولو عادوا إلى أنفسهم لعرفوا أن دعوتهم تقتضي ترك المصحف وترك الصحيحين وأن يرجعوا إلى تقلد السيوف وركوب الخيل وأن يفتحوا البلاد فتحا جديدا من جديد ليعودوا فيهاجروا من المدينة ثم منها يفتحون مكة مرة أخرى ثم يعيدون حياة الصحابة كما كانت كاملة من جميع نواحيها، والواقع أن كل هذه العلوم هي  من الكتاب والسنة لكن إنما جاء  الكتاب ليكون دستورا للمسلمين في كل زمان ومكان وأصلا تشريعيا لديهم ولم ينزل للصحابة وحدهم ولا يمكن أن يقتصر على فهم الصحابة فقط لو كان كذلك لكان القرآن مثل غيره من الكتب تنتهي مزيته، القرآن لم ينزل للصحابة فقط ولا يمكن أن يقتصر في تفسيره على تفاسير الصحابة، لو أردت أنت اليوم أن تقصر القرآن على ما ورد فقط عن الصحابة وجمعت الآثار ستكون نبذة قليلة يسيرة واقتصرت على هذا وقلت هذا معنى القرآن ولا نفسره زيادة على هذا، هل هذا صواب؟ هذا غاية في  الخطإ والدجل، ومثل ذلك العلوم الأخرى فما هي إلا تشعبات من علم الحديث ومن علوم القرآن المختلفة، وهذه التشعبات تزداد كلما ازداد الناس حضارة وكلما تنوعت  موارد حياتهم ولا يمكن أن يقتصر تفسير القرآن على ما يفهمه جيل معين، ولهذا كل عصر من العصور مطالبون بأن يفسروا القرآن تفسيرا جديدا يتلاءم مع واقعهم، والناس اليوم إذا جاء مفسر جديد وأبدع قام عليه هجوم من هؤلاء المتخلفين فيقولون لا هجرة بعد الفتح قد انتهت التفاسير ويكفينا تفسير ابن جرير وتفسير فلان وتفسير ابن كثير وكأن القرآن قد انحصرت معانيه في فهم جيل معين أو أجيال محددة، والواقع أن كل عصر من العصور يفهمون من القرآن حظهم ويدخر لهم منه ما يسد حاجتهم ويبين أحكامهم التي تتجدد، والوقائع التي تتجد لا حصر لها فكل يوم يتجدد من الوقائع ما لم يخطر للصحابة على بال حتى في حياة الصحابة، أول ما توفي  رسول الله صلى الله عليه وسلم وقام أبو بكر بالأمر حصل للصحابة كثير من الأمور التي اجتهدوا فيها بما لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، أولا الخلافة لم تكن في  زمان النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن تخطر لهم ببال، بعدها ميراث الجدة ليس  مذكورا في الكتاب ولم يجده أبو بكر فيما رواه من السنة فاحتاج إلى أن يسأل الناس عنه، ثم في خلافة عمر حصل له أمثال هذا كميراث  الجد مع الإخوة حين بلي بها عمر في  أسرته مات أحد أولاده واسمه عبد الرحمن فترك ثلاثة أولاد فمات أحدهم فأراد عمر أن يرثه دون أخويه فقيل له إنك لا ترثه دون أخويه فقال كيف أكون له أبا ولا يكون لي ابنا أليس إذا مت ورثني دون إخوتي قالوا بلى فرفع القضية إلى المهاجرين والأنصار فجعلوه كأحدهم وهذه القضية اشتهرت فقال فيها علي بن أبي  طالب من أراد أن يقتحم جراثيم جهنم فليقض في مسألة الجد والإخوة يريد أنها ليست نصية، ومثل ذلك فإن عمر حصلت في  زمانه مشكلة إرث القاتل خطأ، من قتل خطأ أو شبه عمد هل يرث قتيله أو من ديته؟ أول ما وقعت في زمان عمر في رجل من مدلج رمى ولده بسيف فأعطب ساقه فمات فابتلي بها عمر فاجتهد فيها، ومثل ذلك المسألة العُمَرِيَة المشهورة في التركة التي استوعب فيها أصحاب الفروض المال دون الإخوة الأشقاء وكان من أصحاب الفروض إخوة لأم فجاء الإخوة الأشقاء (حين تكررت مرة أخرى) فقالوا لعمر أرأيت لو كان أبونا حمارا أو حجرا ملقى في اليم أليست الأم تجمعنا؟ فجعلهم كالإخوة للأم فجاء الأولون (الذين حصلت معهم هذه القضية لأول مرة) يخاصمون فقال لهم عمر تلك على ما قضينا وهذه على ما نقضي، ومثل ذلك هل ترث المرأة من دية زوجها؟ وقد أشكلت هذه المسألة على عمر حتى نادى  مناديه في الحج أنشد بالله من لديه علم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ميراث المرأة من دية زوجها أن يأتيني فأتاه الضحاك بن سفيان فقال كتب إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أورث  امرأة أشأم الضبابي من دية زوجها، ولم تزل القضايا تتجدد من ذلك الوقت إلى زماننا هذا، ولو رجعنا فقط إلى ما كان عند الصحابة من العلوم لأهملنا هذه الوقائع كلها وأدى ذلك إلى التقوقع في الدين وأن تكون أحكام الله محصورة في مسائل محدودة لا تتعداها أصلا، ولذلك لام الناس أهل الظاهر فيما يتعلق بالعقود والمعاملات فإن أهل الظاهر تحجروا في هذا الباب فحصروا الربا في الأصناف الستة المذكورة في حديث عبادة بن الصامت الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد سواء بسواء فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد، فقالوا لا ربا إلا في الأصناف الستة، فخالفهم عموم المسلمين وأقاموا عليهم دعوى عريضة لأنهم حصروا الإسلام في زاوية ضيقة ومعاش  الناس  قد يخلوا من هذه الأصناف الستة بالكلية، ومثل ذلك انحصار الزكاة في الأموال التي  كانت تأخذ منها الزكاة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي تعطيلها اليوم فأموال الناس أصبحت هذه العملات التي يتعاملون بها فلو قلنا لا زكاة إلا في الحبوب والثمار وبهيمة الأنعام والذهب والفضة فقط لأنها هي التي كانت تأخذ منها الزكاة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لاقتضى ذلك منع الزكاة بالكلية لأن أكثر الأغنياء اليوم لا يملك من النعم ما تجب فيه الزكاة ولا يملك ذهبا ولا فضة ولا يملك حرثا ولا زراعة وإنما يملك المليارات من الدولارات أوالجنيهات فلو تحجرت ووقفت عند هذا الحد لمنعت الزكاة وعطلت مصالح الإسلام كلها، فالأمر إذن واضح لا مرية فيه، وهذه المسألة تدخل أيضا حتى في باب الدعوة فقد لقيت بعض الفقهاء فاعترضوا على هذه الدعوة وقالوا أرأيتم هذا الذي تعملونه وتدعون الناس إليه وتجمعونهم عليهم من أين لكم هو فقد أدركنا آبائنا وكنوا هم أهل صلاح وورع وهم قطعا أفضل منا ومنكم فلم يكونوا يفعلون هذا الذي تفعلونه، هذا السؤال كثيرا ما يطرحونه على بعض الناس فمن لم يكن حكيما بدأ بمسبة آبائهم وتسفيه أحلامهم وأنهم لم يقوموا بالواجب فكان هذا مدعاة لحصول الشحناء والبغضاء دون نتيجة، فأجبتهم بأن آبائنا رحمهم الله لم تكن نعمة الله عليهم كنعمته علينا ولذلك هل يستطيع أحدكم أن يعيش اليوم على ما كان يعيش عليه جده قبل مائة سنة أو خمسين سنة قالوا لا، قلت هل يستطيع أن يلبس ما كان يلبسه ويعيش بما كان يعيش  به ويركب ما كان يركبه قالوا لا، قلت إذن لا ترضون بما كانوا فيه من الدنيا وترضون به في الدين أليس هذا من التطفيف البين قال مالك في الموطإ يقال لكل شيء وفاء وتطفيف قالوا بلى، قلت مثالكم ومثال آبائكم كمن أخذ ملابس  طفل صغير فأراد أن يلبسها وهو رجل كبير ضخم الجثة فقال هذه يلبسها هذا الشخص وهو شخص مثلي ليس لدي عضو زايد على أعضائه لكن أحجامكما متباينة، والجواب الثاني أنكم لقيتم ورأيتم من أنواع المحدثات والبدع والمشكلات ما لم يره آباؤكم فقد كانوا بمنأى وسلامة من ذلك، وسألتهم هل كان آباؤكم يتوقعون أن تعيش الأمة كلها بالربا قالوا لا، هل رأيتم أنتم ذلك قالوا نعم، هل كان آباؤكم يتوقعون أن يعيش ابن المسلمين بين أبويه المسلمين فيبلغ عشرين سنة فإذا هو ملحد لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر ويرى ما يراه ماركس وغيره من الملحدين قالوا لا، قلت هل حصل هذا في  حياتكم أنتم قالوا نعم نشهد بالله لقد حصل، ولم أزل بهم بالتدريج حتى أقروا بالواقع الذي هم فيه ومخالفته لما كان عليه آباؤهم، فقلت إذن ألا تذكرون قول مالك رحمه الله تحدث للناس أقضية على حسب ما أحدثوا من الفجور قالوا بلى قالها، قلت فقد حدث الفجور فأحدثوا له أقضية ولا يمكن أن يسده إلا ما نحن فيه فوافقونا عليه قالوا نعم نوافقكم الآن، قلت هذا الذي أنتم فيه أيضا له مثال آخر فمثالكم ومثال آبائكم في هذه المسألة كمثال قوم فوق جبل وقوم في مجرى السيل فأقبل السيل بهديره فكان الذين في  مجراه يخاطبهم الناس يقولون سدوا سدا لئلا يقتلع السيل بنيانكم فيقولون لا الذين فوق الجبل نراهم لا يقومون بهذا العمل ولا يبنون سدا ونحن لا نفعل إلا ما يفعلون فيقال أولئك بمنأى عن السيل ولن يصل إليهم وأنتم في مجراه المباشر، فكذلك أنتم وآباؤكم كانوا بمنأى عن هذه المحدثات وأنتم في مجراها فلا يمكن أن تقيسوا عليهم فقنعوا بهذا ورضوا به، فكذلك يقال لهؤلاء في مجالات العلوم كلها، بالنسبة لاستحضار المعلومات في الوقت المناسب إنما يكون بأمرين الأمر الأول أن يعيها الإنسان تماما وأن يستوعبها فالذي يسمع المعلومة ويظن أنها قد لصقت بشغاف قلبه هذا مغرور فالمعلومات لا تثبت إلا بكثرة المراجعة والمذاكرة وقصد استذكارها في غير وقت الحاجة ليتذكرها في وقت الحاجة، فأنت أحوج ما تكون لتذكر كلمة الشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله فإذا كان الإنسان في النزع كثيرا ما تخونه هذه المعلومة وهو لا يتذكرها إلا من رحم الله ووفق وثبت {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة}، لكن من أكثر ذكر الله وأكثر ذلك في أوقات الصحة والفراغ سيذكره في وقت الشدة، فإذن لابد من الإكثار من تذكر المعلومات، ثانيا لابد من التدريب على استحضار المعلومات ويكون ذلك بمذاكرة طلاب العلم ومراجعة الإنسان لمعلوماته وتحصيل الترابط بينها لتنشيط الذهن حتى يستحضر أي شيء أودعه فيعرف مكانه، مثل الذي يضع كثيرا من الأغراض في بيته إذا كانت أموره مرتبة فإذا جاء يريد غرضا من هذه الأغراض لن يذهب إلى غرفة ليس فيها بل سيذهب إلى الغرفة التي وضعه فيها ويعلم مكانه منها، وكذلك إذا كنت أنت تأتي بالكتب تشتريها وتضعها على الرفوف ولا تطالعها ولا تدرس فيها فلن تهتدي إلى الكتاب في الوقت المناسب لكن إذا كان هذا الكتاب دائما بين يديك تقرأه تعرف موضعه فهو ولو لم تره حاضر في ذهنك مرتسم فيه في مكانه، ومثل ذلك المعلومات إذا ثبتت واستطاع الإنسان أن يعرف طريقة استحضارها يتذكرها كما لو رآها مكتوبة أمامه فإذا أردت أن تقدم أي  معلومة كأنك تراها وتقرؤها بالصفحة والجزء في الكتاب تستحضرها تمام الاستحضار، ولهذا قال البدوي رحمه الله في نظم عمود النسب :

               وإن عرفت النسب الخطيرا        وسيرة   تكن   بهم      خبيرا

               حتى  كأنهم  بعين  النقس          في الصك قد لاحوا لعين الحس

يقول إذا عرفت النسب الخطير العظيم الشأن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسيرة أي وسيرهم تكن بهم خبرا حتى كأنهم بعين النقس وهو المداد في الصك وهو الورقة قد لاحوا لعين الحس كأنك عرفتهم بألوانهم وذواتهم.    

 

 

 

 

   

 

 

 

         

 

 

 


عدد مرات القراءة : 10413



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22086887
المتواجدون الأن       8
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو