» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
سلسلة العلوم الشرعية الشريط الثاني




بسم الله الرحمن الرحيم

نبدأ إذن بما بدأ الله به فنبدأ بكتاب الله سبحانه وتعالى، وكتاب الله يتعلق به كثير من العلوم الإسلامية، من أهمها :

علم حفظه وأدائه ثم علم تفسيره ثم علوم القرآن ثم بعد ذلك علم القراءات ويضاف إليها علم الرسم والضبط، فلنبدأ بحفظ القرآن:

لا شك أن الذي يُحَف٦amp;#39;ِظُ القرآن يحتاج إلى مهارات عديدة لذلك، وهذه المهارات التجربة الإسلامية فيها كفيلة بأن تجنب الإنسان كثيرا من الأخطاء التي وقع فيها كثير من محفظي القرآن السابقين، الذين يشرفون على حلقات تحفيظ القرآن أو يباشرون تدريس الصبيان وتحفيظهم لهم رصيد كبير من تجارب العالم الإسلامي في هذا الباب، وهذه التجارب كثير منها أصبح محل هزء وسخرية لدى الناس فقد ألف كثير من المؤلفين فيما يتعلق بطرائف محفظي القرآن والتنكيت عليهم، فيذكرون أن رجلا رأى في النوم أنه يمضغ الحصى فأتى ابن سيرين فسأله عن ذلك فقال تكون معلما للصبيان، فيجد بذلك شدة وتعبا لأنه يحتاج إلى مهارة تجعله يتنازل عن عقله حتى يجعل عقله على مستوى عقول الصبيان هذا الذي يتصوره كثير من الناس، وقد ذكر ابن الجوزي في المغفلين أنه رأى مدرس قرآن يكتب لصبي، فكتب له (وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا وأكيد كيدا) فقال ما هذا مالك تدخل السورة في السورة ؟ فقال إن أباه يدخل الشهر في الشهر فأردت أن أدخل له السورة في السورة، وكذلك فإن تصرفات الصبيان غير منضبطة والذي يدرسهم القرآن لا بد أن يعرف مهمته أولا هل مهمته أن يجعل من الصبيان شيوخا أصحاب وقار أو يريد أن يحفظهم ويعلمهم الأدب في التدريس، فإذا أراد أن يجعلهم أهل وقار وسكينة فسيصل إلى مستوى من العنت يقرب من الجنون لأنه سيراقب حركاتهم وسكناتهم وتشق عليه غاية المشقة فهم في نشاط أجسامهم وحداثة أسنانهم، وسفاهة أحلامهم بمثابة الفراش الذي يطير هنا وهناك، ومن هنا على الإنسان أن لا ينزعج من حركاتهم وكثرة تصرفاتهم وأن ينظر إليهم على أن مهمته ليست ضبط حركاتهم وسكناتهم وإنما هي توصيل المعلومة لديهم وتحبيب هذه المادة إليهم ومن هنا يبحث عن وسائل التحبيب أولا ليمتلك بها نفوسهم.

وسائل التحبيب :

أهمها شخصيته هو: أن تكون شخصيته محترمة لدى هؤلاء الصغار بأن لا يروا نزقا ولا خفة ولا طيشا لأنهم إذا لمسوا ذلك من مدرسهم فسيحتقرونه وبالتالي يحتقرون المادة من ورائه، فالذي يعاقبهم على كل حركة وكل سكون سيكرهونه، والذي يجاريهم فيها أيضا سيحتقرونه، فلا بد أن يكون الإنسان وقورا في نفسه محترما، وأن تكون ألفاظه مهذبة، ومع الأسف فإن كثيرا من مدرسي القرآن يكتسب منهم الصبيان الكلمات النابية، ويتعلمون منهم سوء الأدب في الكلام، ولذلك فقد كان الخلفاء يختارون من المدرسين الأكفاء لأولادهم، ولذلك جمع بعضهم أدب المؤدب وألف فيه كثير من الناس، تجدون في كتاب المستطرف مثلا ما يتعلق بأدب المؤدب، كذلك في مؤدب أولاد هارون الرشيد فقد اختار لهم مؤدبا ظريفا لقنا، فاستطاع أن يجعل من نفسه قدوة لدى هؤلاء الصغار، خرج في الحج مع الرشيد وأولاده ـ وهو مؤدبهم ـ فأتوا المدينة، ومن عادة هذا المؤدب أن يجعل نفسه كأنه عالم بكل شيء في نظر الأولاد فإذا سألوه عن أي شيء وجدوا لديه الجواب الشافي فيه، فإذا أتى أي مدينة أو أية محلة ذهب ليتطلع إليها ويعرف أمورها، ثم بعد ذلك يأخذهم في جولة ويعلمهم هذه الأمور كأنه كان يعلمها من قبل، ولكنه مع هذا أدبهم على أن لا يبادئهم بعلم قبل أن يسألوه عنه، ليروا فيه إقبالا على الشأن وجدية في الأمر، فأتوا المدينة فتعرف على دورها، فخرج معه الأمين والمأمون في رحلة في المدينة، فكان إذا مر ببيت أو حصن سألوه فأجابهم، قال هذا صحن كذا أو هذا بيت فلان، أتعرفون من فلان، فيتكلمون عما حصل في هذا الحصن وما لديهم من المعلومات عنه ويتممها لهم ويصحح لهم أخطاءهم فيها، حتى مروا ببيت فقال هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص :

يا بيت عاتكة الذي أتعزل** حذر العدا وبه الفؤاد موكل

فانتبه المأمون لهذا الأمر، وعرف أنها بادرة جديدة، لأن المؤدب لم يكن يبادئهم بأمر، ولما ذا يختار هذا البيت الذي هو مطلع قصيدة غزلية ليعلمهم به بيتا من البيوت ليس له خاصة وعاتكة لا يعرفونها ولا يعرفون من هي، فرجع إلى أصحابه فسألهم عن هذه القصيدة من شعر الأحوص فوجدها فإذا آخر بيت فيها:

ولأنت تفعل ما تقول وبعضهم** مَذِقُ الحديث يقول ما لا يفعل

 

فعرف أن هذا البيت هو بيت القصيد، فأتى والده فقال: هل وعدت المؤدب بعدة لم تنجزها؟ قال: نعم، فهل أخبرك بما يدل على ذلك ؟ قال: لا، ولكننا خرجنا معه وكان لا يحدثنا إلا إذا سألناه فمررنا ببيت فقال هذا بيت عاتكة الذي يقول فيه الأحوص:

يا بيت عاتكة الذي أتعزل** حذر العدا وبه الفؤاد موكل

فلم أعرف وجه إنشاده للبيت فرجعت إلى القصيدة فودت فيها قوله :

ولأنت تفعل ما تقول وبعضهم** مَذِقُ الحديث يقول ما لا يفعل

فأعجب هارون بذلك فأنجز العدة للمعلم وضاعفها، وأعجب بولده ـ كذلك ـ حين فهم هذا الفهم، ونظير هذا ما حصل لأبي العلاء المعري في مجلس أحد الأمراء فقد كان أبو العلاء معجبا بأبي الطيب المتنبي وكان يتعصب له، وكان أمراء ذلك الزمان يمقتونه لأنه يتعالى عليهم ويتكبر، فتكلم الأمير في المتنبي وعابه وذمه، فوصل الكلام في الحلقة إلى المعري فسألوه عن رأيه في أبي الطيب فقال لو لم يكن له من الشعر إلا قوله :

لك يا منازل في الفؤاد منازل** أقويت أنت وهن منك أواهل

لكفته هذه القصيدة، ففكر الأمير لحظة فإذا القصيدة ليست من عيون شعر المتنبي، فعرف أنه يقصد بيتا فيها، فأمرها على ذهنه فوجد فيها:

وإذا أتتك مذمتي من ناقص** فهي الشهادة لي بأني كامل

       فأمر به فجر برجله حتى أخرج من المجلس، فلم يشعر الحاضرون بذلك، ولم ينتبهوا له، وإنما انتبه له الأمير لحدة ذهنه ، ولذلك فينبغي أن لا يختار لتدريس الأولاد إلا من كان ذا ذهن ونباهة، فالتحفيظ  ـ إذن ـ  يختار له أهل الذهن والنباهة ومن كان خلوقا مرنا لأنه الذي يستطيع التأثير عليهم بهذا الوجه.

الأمر الثاني: أن يعلم الذي يدرس الأولاد أنهم ليسوا حجارة ولا حديدا، ولا يستطيع تكييفهم وفق هواه، وبالتالي لابد أن يجعل لهم وقتا للراحة وأن يقبل منهم الاعتذار في بعض الأحيان وإن كان يَجِد٦amp;#39;ُ معهم فلا يقبل العذر ـ أيضا ـ في أحيان أخرى ، وأن يجعل لهم وسيلة للترفيه تحبب إليهم الدراسة أيا كانت هذه الوسيلة ، وأن لا يكثر من ذلك أيضا حتى يكونوا غير جادين ويتربوا تربية غير جادة.

كذلك فيما يتعلق بالحفظ أن لا يشق عليهم بالإكثار منه، فلا بد أن يختار المقاطع القليلة، وليحاول ـ كذلك ـ أن ينبههم على بعض الاستنباطات منها أو شرح الكلمات الغريبة أو ذكر أسباب النزول والقصص أو ما يحبب إليهم حفظ ذلك من المسابقات والمنافسات ونحوها ، وكذلك التشجيع والتأديب، التشجيع بإعطاء الجوائز والتقدير والدعاء والتنويه بالحافظ أمام زملائه وتقديمه عليهم، والتأديب يكون على قدر الجِر٦amp;#39;مِ والجُر٦amp;#39;مِ فهو يشمل أمرين، فالقوي السمين المتين تأديبه ليس مثل تأديب النحيف الضعيف لأن جِر٦amp;#39;مَي٦amp;#39;هِما مختلفان، وكذلك الجُرم فالذي يعبث بالمصحف ويلعب به هذا ذو جُرم عظيم، والذي أخطأ في كلمة وتعتع فيها هذا جُرمه دون ذلك، ومن هنا قال أهل العلم ينبغي أن لا يزيد على ثلاث ضربات أو ثلاث قرصات للتعليم في كل درس، لأن جبريل عليه السلام إنما غط النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثا ولم يتعد ذلك، ولهذا قال شيخي ـ رحمه الله :

يؤخذ من تثليث غَط٦amp;#39;ِ أحمدا** عند ابتداء وحيه بادي بدا
ألا يزاد الضرب للصبيان** على ثلاثة لدى الزرقـان

ذكر هذا الزرقاني في شرح الموطأ.

كذلك فيما يتعلق بالتحفيظ ينبغي للمحفظ أن يكون حسن الصوت لأن العواطف يشدها الصوت الجميل الحسن، فإذا قرأ أمامهم فإنهم سيتنافسون على محاكاة صوته، ويستدعيهم ذلك إلى إتقان مهارات التجويد، فالذي صوته مزعج بذاته لا يصلح لهذه المهنة، وهو منفر لمن يتعلم من الصبيان، وكذلك ينبغي لمن يشتغل بتحفيظ القرآن أن يتقن المقاطع التي فيها اشتباه فيعرف مواضعها وينبه الطلاب على ذلك لأن القرآن فيه كلمات متشابهات يكثر فيها الخطأ، ومنظومة السخاوي ـ رحمه الله ـ جمعت كثيرا من هذه المواقع، كذلك فمن المهارات المهمة فيما يتعلق بتحفيظ القرآن ، أن ينبه الإنسان الطلبة على وقار القرآن في كل درس، وعلى الإخلاص فيه لله، وأن يرى خاشعا، وإذا سمع قارئا منهم يقرأ يتأدب هو بأدب السامع للقرآن حتى يروا منه ذلك الأدب ويروا فيه ذلك الخشوع فيحاولوا محاكاته في ذلك، وأيضا ينبغي ألا يكثر من الطلاب، فكل شخص له مقدرة محددة، كيف يكون المحفظ الواحد يحفظ سبعين طالبا أو خمسين طالبا، هذا لا يمكن، لا بد أن يختار مجموعة يسيرة يستطيع التأثير عليهم، ويستطيع ملاحظتهم، ويستطيع أن يسمع من كل واحد منهم درسه.

كذلك من طرق التحفيظ: أن يعلم المحفظ أن كثيرا من الناس قد يحفظ في المرة الواحدة حفظا سريعا وما حفظ سريعا ينسى سريعا فلا يغتر بذلك، فالذي يحفظ في المرة الواحدة أو المرات القليلة أرجعه وحاول أن تثبته على كثرة القراءة ومراجعة النص حتى يرسخ لديه لأن ما حفظ بسرعة ينسى بسرعة، وكذلك عليه أن يجعل الرجوع إلى المتن بُعَي٦amp;#39;داتِ بَي٦amp;#39;نٍ فلا يجعل المتن مملا، فإذا حفظ درسه في الصباح حاول أن تعيده إليه في المساء، وأن تعيده إليه في صباح اليوم اللاحق أو مسائه وقت الحلقة الأخرى ولا تتعجل، لأن ذلك التعجل مضر به، وأيضا محاولة ربط كل درس بالذي قبله لئلا يبقى الدرس منقطعا في ذهن الطالب إذا وصل نهاية الدرس كان عقبة لديه كئودا لا يدري ما ذا وراءها، فلا بد من المهارات المتقنة، وهذا داخل فيما ذكرناه من قبل من إتقان المقاطع أن تختار المقطع المناسب، والناس في هذا قرائحهم متفاوتة فمنهم من يستطيع أن يحفظ في المرة الواحدة ثمنا ـ أي ثمن الحزب ـ ومنهم من يستطيع ثمنين، ومنهم من يستطيع أقل من ذلك وهكذا، والمقطع المناسب الأنسب لأكثر الناس هو عشر آيات من الآيات القصار أو المتوسطة لحديث أبي عبد الرحمن السلمي أخبرنا الذين كانوا يعلموننا القرآن من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا ما كنا نقرأ عشر آيات فنتجاوزها حتى نتعلم ما فيها من العلم وحتى نعمل به، قالوا فتعلمنا القرآن والعلم والعمل.

كذلك عليه أن يحاول الاستعانة بوسائل تعليمية أخرى إما بسبورة أو بألواح يكتب فيها أو بأشرطة يستمع إليها أو نحو ذلك، فهذه المحفزات تعينه وترسخ الحفظ في أذهان الطلاب، وكذلك التشجيع بالرواية والسماع والإجازة، فالذي يرجى فيه أن يحفظ القرآن يقول له إن شاء الله تحاول أن تكمل خلال شهرين أو ثلاثة أشهر أو هذه السنة حفظ القرآن كاملا وأكتب لك إسنادي تروي عني كتاب الله وهكذا يشجعه بمثل هذا، فهذا مما يزيده إقبالا، ثم بعد هذا يحاول أن ينافس بين الطلاب، أن يعقد بينهم المنافسة دائما فكثير من الطلاب إذا شعروا بأنهم مهملون وبأنهم في آخر القائمة وفي آخر الركب رضوا بذلك ولم يتقدم سيرهم، وكثير من الأساتذة لا يعتني بهؤلاء المخلفين ويراهم مثل المتردية والنطيحة وما أكل السبع ومن هنا لا يهتم بهم، والواقع أن المعلم يجب عليه الاهتمام بطلابه على حد سواء، ولا يحل له تفضيل بعضهم على بعض، فلذلك يحاول تشجيع أولائك وأن يعرف نقاط الضعف التي لديهم هل هي نقاط راجعة إلى البيت، فهؤلاء أعانهم آباءهم وأمهاتهم على الحفظ والآخرون لم يعنهم أحد، وحينئذ عليه هو أن يسد لهم هذه الثغرة، أو هي أمور فطرية راجعة إلى ملكاتهم وحينئذ يحاول تحريك الملكات بما يستطيع، أو هي أمور راجعة إلى أحوال نفسية في التعاملات والأزمات والمشاكل النفسية التي تحصل للطلاب، فالطالب قد يشق عليه حفظ سورة معينة فينغلق ذهنه دونها وحينئذ تستطيع أن تتجاوز به تلك السورة إلى سورة أخرى سهلة، فإذا حفظها بسهولة ويسر أعانه ذلك عند الرجوع إلى السورة الأخرى فيتقنها، وطرق الناس في هذا متباينة بحسب أوقاتهم وأزمنتهم، والناس في زماننا هذا شغل أولادهم بالدراسة في المدارس، فلم يعد الوقت الصافي المختار جاهزا لتحفيظ القرآن، وحينئذ أصبح تحفيظه مهمة مقسومة بين أهل البيت ومعلم القرآن.

هذا عن تحفيظ الصغار، أما عن تحفيظ الكبار فهو مهمة لا تقل شأنا عن سابقتها، وعلى الإنسان فيها أن يبعث الأمل في نفوس الكبار لأن كثيرا منهم تنغلق مجاري الأمل لديه فلا يستطيع الحفظ ويظن أنه ـ خلاص ـ لم يعد من أهل القرآن ولا يمكن أن يكون من حفظته في المستقبل، ويتوقف شأنه عند هذا الحد، وهذا غلط في التصور لأن القرآن منحة ربانية يهبها الله لمن شاء من عباده ممن جد وبذل جهدا وأخلص لله، وبالتالي فالرجاء مطلوب شرعا، والقنوط مذموم  (ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون)، ومن هنا فما من أحد قد حكر عليه القرآن أو حجر عليه لا يستطيع أن يحفظه، بل قد قال الله تعالى: (وما كان عطاء ربك محظورا)، فيحاول بعث الأمل في نفوسهم، وتشجيعهم على تنظيم أوقاتهم، لأن الذي يحول بين الكبار وبين حفظ القرآن في الغالب راجع إلى الوقت، ثم محاولة ألا يأخذوه جزافا، أن يكون كابحا في وجوههم يمنعهم من أخذ الكثير، يقول للكبير أنت مشغول بعملك ووظيفتك وعيالك وأهلك فلا تأخذ صفحة كاملة، بل نصف صفحة فقط في الأسبوع، وإذا حفظتها فقد نجحت في الامتحان، ولا يحاول المشقة عليهم وإزعاجهم، وكذلك محاولة تنبيههم أيضا إلى ما نبه عليه الصغار من الإخلاص لله ومن التفهم في  القرآن والتدبر فيه وربط المعلومات السابقة باللاحقة وإصلاح ما كان لديهم من الأخطاء في النطق أيضا، فالكبار إصلاح نطقهم وتجويدهم لمخارج الحروف وصفاتها أصعب بكثير من إصلاح ذلك لدى الصغار، حتى النغمات الصوتية فالصغار يستطيعون محاكاتها والكبار يشق عليهم ذلك بل لا يستسيغونه أصلا، ومن هنا يحتاج المعلم للكبار أن يوجد من نفسه رحمة لديهم، فيحاول أن يجدوا فيه قرآنا يمشي، يتخلق لهم بأخلاق القرآن يحببه إليهم، ويشجعهم على تعليمه يتصل بهم في بيوتهم ، يذكرهم بالدرس الذي لديهم، وكذلك يحاول تشجيع من تقدم الحفظ به في القرآن بذكر الإجازة والإسناد وبذكر الفضل الكبير الوارد في ذلك وببيان منزلة الذين يحفظون القرآن ويعلمونه، وبمحاولة إهداء بعض ما يعينهم على ذلك من الأشرطة أومن الكتب التي فيها تفسير المفردات، أو من المصاحف أو نحو هذا من الأمور التي تعين وتشجع هؤلاء الكبار على الازدياد من حفظ كتاب الله.

كذلك على معلم القرآن سواء اشتغل بتعليم الكبار أو بتعليم الصغار أن يوازن بين أمرين، بين حفظ المستجد وتثبيت ما كان قد وجد، فلديه مستجد قد حفظه الطالب الآن وشيء كان يحفظه، فإما أن تستجد وتحفظ شيئا جديدا وتنسى ما مضى، وإما أن تحافظ على الماضي فيقل حفظك للجديد، عليه أن يوازن بين الأمرين، كثير من الناس يشغل الطلاب بحفظ شيء جديد وينسى ما كانوا قد حفظوه فيذهب ويكونوا كالأواني المخروقة  يصب فيها ولا تمتلئ كلما صب فيها خرج من مكان آخر، وهذا النوع خطأ في التعليم، بل عليه أن يعلم أن حفظ الموجود أولى من طلب المفقود، ومن هنا فلا بد من تخصيص وقت لا بأس به لمراجعة الماضي، وأن لا يعمد الأستاذ في مثل هذا إلى القياس، فقياسه بأن هذا الطالب مثلا حفظه جيد معناه أن زملاءه كذلك، أو حفظه لهذه السورة جيد معناه أن حفظه للتي تليها كذلك هذا لا ينفع، ومن هنا فالامتحانات التي تأتي في المدارس لا تكون محيطة بسماع المقرر، وإنما يختار منه أماكن مثلا خبط عشواء تارة يصيب فيها الطالب مكانا يحفظه ويجيده فيأخذ العلامة كاملة، ويكون ما سوى ذلك المكان غير محفوظ لديه، وتارة يصيب آيات لديه فيها بعض التعثرات فتنتقص درجاته، والواقع أنه متقن لما سواها، فلا بد من العدل في مثل هذا، وأن لا يقيس الإنسان في هذا الباب بل لا بد من سماع الجميع، ومن هنا فعلى الذي يدرس القرآن أن لا يضجر من تعليم الناس فقد كتب عمر في كتابه إلى أبي موسى \"وإياك والضجر\"، فإذا ضجر الإنسان من تعليم الكبار فإن ذلك مدعاة لتركهم لهذا بالكلية، يجلس إليك من يريد كتاب الله ويريد مائدة الله في الأرض ويريد أن تكون أنت وسيلته لهذا الخير، فإذا وجدت منه خطأ يتردد على لسانه وصعب عليك انتزاعه منه قابلته بالشدة والقسوة، فيكون ذلك رادعا له عن تعلم القرآن أصلا، فما الذي حمله على أن يذل نفسه سيترك هذا، لكن إذا كنت في كل مرة تبتسم في وجهه، وتقول الذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق إنه ممن يؤتى أجره مرتين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وتحاول معه الرجوع إلى تلك الكلمة بوقت، وتسمعه إياها من قراءتك أنت عدة مرات، وتسمعه إياها في الشريط، وتنبهه على مخارج الحروف وصفاتها، تكثر من سؤاله عن الكلمة التي يغلط فيها دائما لينتبه لها، هذا مما يعينه على الحفظ والاستمرار فيه.

هذه بعض مهارات الذي يشتغل بالتحفيظ فقط على قراءة واحدة ووجه واحد.

 

........................................................................................

السؤل1: لو كان الواحد يحفظ نصف الصفحة في الأسبوع وصفحات المصحف ستمائة صفحة ، يعني أنه لن يحفظ القرآن إلا في فترة طويلة؟

الجواب: أن هذا في البداية، وهو امتحان لجده وطلبه، فإن استطاع ذلك ونجح فيه، بالإمكان أن يزيد وسيجد نفسه داعية إلى الازدياد من الحفظ وسيجد أماكن من القرآن مختلفة عن غيرها، فالقرآن لم ينزل على صورة واحدة، ولذلك فإن ثاني حديث في صحيح البخاري يقول فيه البخاري ـ رحمه الله ـ: حدثنا عبد الله بن يوسف، قال أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ قال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي عنه ما يقول، قالت عائشة ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا، فهذا يدلنا على أن القرآن ليس على مستوى واحد، حتى من ناحية الوقع ـ وقع ألفاظه ـ فالذي يشتغل بالرقى أو التدبر البلاغي في القرآن يعرف التفاوت الواضح في أساليبه، وهذا من أنواع إعجازه، وبذلك إذا قرأت على من تلبس به الجن ـ مثلا ـ فإن وقع القرآن عليه مختلف، بعض الآيات أشد عليه وقعا من غيرها، وكذلك إذا أتيت سليم الذوق في البلاغة متقنا للغة فإنه يتأثر ببعض المواقع تأثرا بالغا بالرهبة والشدة ويتأثر ببعضها تأثرا بالغا بالانشراح والانبساط، وهكذا، فلذلك لا بد أن تعلم أن بعض الآيات يمكن أن تحفظها في مدة أقل مما تحفظ فيه غيرها، وبعض السور كذلك، أعرف رجلا طبيبا أتاه شخص يشتكي من السمنة، فسأله فقال: هل تحفظ سورة يونس؟ قال: لا، قال اجتهد أن تحفظ سورة يونس خلال هذا الأسبوع فقط، وائتني وسأعمل لك دواء حينئذ ـ إن شاء الله ـ فاجتهد خلال أسبوع لحفظ سورة يونس، فأتى ولم يحفظها، فقال: إذن أعطيك أسبوعا آخرـ  مهلة أخرى ـ لعلك تحفظها، فأعطاه أسبوعا آخر فجاءه وقد انتقص وزنه بخمسة وعشرين كيلو خلال أسبوعين، لاشتغاله بحفظ هذه السورة الشاقة.

 

السؤال2 : ما حكم تعليم الرجال للنساء كتاب الله تعالى؟

الجواب : أنه إذا كان الأداء ليس بصوت مطرب ولا بتغن فيجوز بدون خلوة، ومن غير ما يدعوا إلى الفتنة، وإن كانت المرأة تتغنى بالقرآن ـ كما هو مندوب لها في خلوتها وفي نفسها ـ فحينئذ لا يسمع ذلك المدرس الأجنبي، لا يحل له أن يسمع منها الصوت المطرب، يسمع منها القراءة العادية التي ليس فيها تغن ليعرف هل هي تصلح القراءة وتتقنها أم لا، لكن ما يسمع منها الصوت الذي فيه تغن بالقرآن، لكن يأمرها أن تتغنى به في خاصة نفسها، إذا بقيت مع محارمها أو مع نفسها.

السؤال3 : ما طريق تلقي النساء للقرآن والعلم عن الرجال ـ مثلا ـ أو تلقي الرجال ـ كذلك ـ عن النساء، لأن كل ذلك وارد في تاريخنا الإسلامي، وأيضا يدعو إليه شرعنا؟

الجواب : أن أمهات المؤمنين كن يعلمن الناس القرآن، فكن يقرأن والناس يسمعون وكان القارئ يقرأ وهن يستمعن فيصلحن أيضا، وقد أمرهن الله بذلك بقوله (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة) وهذا مقتض لأن يعلمن ما يتلى في بيوتهن من القرآن والسنة، ومثل ذلك من بعدهم، وقد كان النساء يحضرن مجالس العلم مثل ما يحضرن الصلاة فينعزلن في ناحية لا يختلطن فيها مع الرجال، ويسمعن ما يسمع الرجال، ويسألن مثل ما يسألون، فيكن في ناحية من المسجد أو المنزل ولا يخالطن الرجال، وكذلك إذا كانت المرأة شيخة للرجال فتجعلهم في زاوية وتحدثهم ولا تختلط بهم، ولا تخلو بأجنبي وحده.

 

........................................................................................

 

بسم الله الر حم الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين،

أما بعد فسنحاول الليلة ـ إن شاء الله ـ إلقاء الظلال على طريقة تدريس التفسير:

فأقول إن هذه المادة من أشرف العلوم الشرعية، وأهمها وأوسعها لتناولها لمختلف مجالات العلم فيدخل فيها العقائد، والعبادات، والمعاملات، وعلوم المقاصد، وعلوم الوسائل، وتدخل فيها اللغات ـ كذلك ـ وتدخل فيها بالعموم علوم الرواية، وعلوم الدراية، فعلوم الرواية ما يتعلق باختلاف القراءات وما ورد من الآثار في التفسير، وأسباب النزول، وعلوم الدراية عن أوجه الاستنباط من كتاب الله ـ تعالى ـ وما يتضمنه من الغرائب والعجائب التي لا حصر لها ولا نهاية، فهو مائدة الله في الأرض، لا يشبع منه العلماء ولا تنتهي عجائبه، كما قال ابن عباس رضي الله عنهما، والذي يريد أن يعد درسا في التفسير له حينئذ حالتان، الحالة الأولى : أن يريد درسا علميا معناه يطبعه طابع النقل، وهذا لابد أن يرجع إلى كثير من المراجع في التفسير، ويفضل حينئذ التنويع في مشارب المراجع التي يرجع إليها، لأن للتفسير مدارس متنوعة من أشهرها:

مدرسة الأثر: وهي المدرسة التي تعتني بما ورد عن السلف في تفسير آيات كتاب الله، فيجمع ذلك، سواء كان أحاديث مرفوعة أو آثارا موقوفة على الصحابة أو على التابعين أو من دونهم، فيجمع ذلك، سواء تعلق باستنباط حكم أو بتفسير كلمة أو ذكر وجه استنباط أو نحو ذلك، ومن أشهر الكتب المؤلفة في هذه المدرسة كتاب أبي جعفر محمد بن جرير الطبري وهو سيد هذه المدرسة ومقدمها، وكتابه من الكتب النافعة في شتى أوجه التفسير، فإذا ذكر آية من كتاب الله أو مقطعا من مقاطعه يقول: القول في تأويل قول الله تعالى كذا، ثم يبدأ بما جاء في المقطع الذي أورده من اختلاف القراءات وما يترتب على ذلك من اختلاف في الفهم، ثم يبدأ بتفسير المفردات وشواهدها اللغوية وأقوال أهل اللغة فيها، ثم بعد ذلك يختم بما يستنبط منها، ويعتني بالعقائد والفقه ويذكر أقوال أهل العلم وأدلتهم ويناقش ويختار هو رأيا في كل مسألة، إلا أن ابن جرير ـ رحمه الله تعالى ـ لا يمكن الاعتماد عليه في كل ذلك لأقدميته، وقد سبق أن هذا القرآن ليس منزلا لعصر واحد من العصور، ولا يمكن أن يحصر فهمه على طبقة من الطبقات أو وقت من الأوقات، بل هو منزل لهذه الأمة بكاملها، ولا بد أن يدخر فيه لكل عصر ما لا يعطاه العصر الآخر، ولهذا فلا يستغنى عن تفسير في كل عصر من العصور، ما من عصر من العصور تعيشه هذه الأمة إلا احتاجت فيه إلى أن يكتب فيه تفسير مختص بذلك الوقت، ملب لاحتياجات الناس ومتتبع لما تجدد من مقاصد وأمور في العصر الذي هم فيه، وعموما فتفسير ابن جرير ـ كذلك ـ كتب في وقت لم تكن القراءات فيه مشتهرة، ولهذا ربما حكم على قراءة بالشذوذ وهي متواترة، وهذا من الملحوظات الواردة على ابن جرير ـ رحمه الله ـ فلم تكن القراءات في زمانه قد دونت وانتشرت، فلذلك يحكم على بعضها بالشذوذ مع تواترها، وأيضا فهو مجتهد مطلق، لا يتبع قواعد مذهب من المذاهب المشهورة، ولهذا ربما أتى بقول شاذ يخالف فيه جمهور أهل السنة، كقوله في تفسير قول الله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) حين أتى بالقراءتين، قراءة \"وأرجلِكم\" ـ بالكسرـ وقراءة \"وأرجلَكم\" ـ بالنصب ـ قال: الصواب أن القراءتين كالآيتين، فأنا أقول: بالخيار إن شئت فاغسلهما وإن شئت فامسحهما، فخير في الرجلين بين الغسل والمسح، وهذا قول شاذ مخالف لما عليه أهل السنة، فلهذا لا يمكن الاعتماد عليه وحده.

ومن الكتب كذلك التي تعتني بالآثار وهي داخلة في كتب هذه المدرسة، تفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، وهو معاصر لابن جرير الطبري، فقد توفي ابن جرير الطبري سنة ثلاثمائة وعشر، وتوفي عبد الرحمن بن أبي حاتم سنة ثلاثمائة وسبع وعشرين، ومثل ذلك تفسير الإمام أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، وهو من هذه الطبقة وفي هذا العصر وقد توفي سنة ثلاثمائة وثلاث، وكذلك تفاسير أهل الحديث المروية في كتبهم، فكتاب التفسير في كتب الحديث كلها في هذه الطبقة، ومن الذين يعتنون بالآثار من بعد هذه الطبقة، الإمام ابن كثير فقد جمع كثيرا من الآثار في كتابه، وينقلها عن الكتب المعتمدة، ويذكر في بعض الأحيان أسانيد تلك الكتب، ويحكم في بعضها كذلك على الآثار تصحيحا وتضعيفا، ولكنه ربما نقل بعض الإسرائيليات المشوشة مثل: أن الشجرة كانت تأكل منها الملائكة، ونحو هذا، فلا يخلو تفسيره من بعض هذه الملحوظات القليلة، ومع ذلك فقد وضع عليه القبول وتداوله الناس بالرواية.

وكذلك تفسير الإمام البغوي رحمه الله، فهو أيضا من هذه المدرسة التي تعتني بالآثار، وقد جاء الجلال  السيوطي رحمه الله، وجمع نتاج هذه المدرسة بكامله في كتابه الذي سماه، الدر المنثور في التفسير بالمأثور، فجمع ما يرويه هؤلاء، وسلك في ذلك طريقة المحدثين، فإن اختلفت أسانيد هؤلاء لم يبال بذلك ٍبل يجمع النسبة إليهم فيقول أخرج ابن منده وابن جرير والبغوي، وفلان وفلان كذا ويأتي بلفظ أحدهم، فيختار أتم الألفاظ وأكملها، كما يفعل من قبله البيهقي وغيره من أئمة أهل الحديث، ولهذا قال العراقي في ألفيته :

والأصل يعني البيهقي ومن عزا** وليت  إذ  زاد  الحميدي  ميزا

فإنما يقصدون بذلك إخراج الأصل، أنهم أخرجوا أصل الحديث لا أخرجوا هذا اللفظ بذاته، ومع هذا فلا يخلو كتاب من كثير من الأحاديث والآثار الواهية والضعيفة بل وكثير من الموضوعات، لأن صاحبه لم يشترط فيه الصحة وإنما اشترط فيه الجمع، وقد وفى بجمعه، فقد جمع فأوعى وأتى على عدد كبير من تفاسير السلف المعتنين بالآثار، فجمع ما فيها في هذا الكتاب، وجاء بعده الإمام الشوكاني ـ رحمه الله ـ فلخص كلام السيوطي في فتح القدير وزاد عليه بعض مختاراته من تفسير القرطبي أيضا في المدرسة الأخرى وهي مدرسة الرأي التي سنتعرض لها، ولذلك سماه \"فتح القدير الجامع بين الرواية والدراية من علم التفسير\" أو بين فني الرواية والدراية من علم التفسير.

أما المدرسة الثانية المشهورة فهي مدرسة الرأي: والمقصود بالرأي ألا يعتمد المفسر في تفسير آيات كتاب الله تعالى على مجرد النقل عمن سبقه، بل يعمل هو علمه وذهنه في الاستنباط من النص وذكر معانيه اللغوية، وما يمكن أن يستنبط من الأحكام من جمع هذا النص بغيره من النصوص، وهذه المدرسة هي التي انتشرت وكثر المؤلفون فيها، ومن مشاهير الكتب المؤلفة فيها كتاب ابن عطية المسمى بالمحرر الوجيز، وتفسير القرطبي أبي عبد الله المسمى بالجامع لأحكام القرآن، وقد تميز القرطبي بعنايته بنقل المذاهب الفقهية وذكر أدلتها والمقارنة بينها، والعناية بالأحاديث والشواهد اللغوية بتخريجها وذكر من هي له، ولهذا كان ديوانا من دواوين العلم المهمة، ومرجعا من مراجع الإفتاء في كل العصور التي جاءت بعده، ومن كتب تفسير الرأي المهمة تفسير ابن الجوزي الذي سماه زاد المسير، وهو ينقل فيه بعض الآثار القليلة، ولكن كثيرا مما يعتمد عليه في التفسير معلوماته هو ورأيه ولذلك هو مصنف في مدرسة الرأي، وهو ملخص جيد، لخصه لولده يريد أن يغنيه به عن شراء عدد كبير من كتب التفسير، لكنه مع ذلك قد لا يشفي غليلا في كثير من المسائل التي يتعرض لها لاختصاره.

ومن هذه التفاسير ـ كذلك ـ تفسير الإمام الماوردي المسمى بالنكت والعيون، وهو مختصر ملخص، إلا أن طريقة الماوردي ـ رحمه الله ـ هي طريقة منهجية، فهو متقن لتنظيم المعلومات وترتيبها، ولذلك فمن أراد بحثا في المسائل الفقهية فلينظر إلى تقسيمات الماوردي ٍفإنها ستعينه على تصور المسألة وتتبع شعبها وما يتعلق بها، ٍومع هذا فهو مختصر كذلك لا يطيل النفس في بعض المواقع التي يحتاج الإنسان فيها إلى التوسع.

ومنها كذلك كتاب البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي، وهو كتاب حافل بما يتعلق بلغة القرآن، سواء كان ذلك متعلقا بالنحو أو بالصرف أو بالبلاغة أو بغريب اللغة، فعنايته بلغة القرآن بارزة جدا، وكذلك بتوجيه القراءات وإعرابها، ولكنه لا يتوسع كثيرا في الأحكام وأسباب النزول ونحو ذلك.

وكذلك من الكتب المهمة في هذا الباب تفسير الإمام الفخر الرازي المسمى بالتفسير الكبير أو بمفاتيح الغيب، وقد أطال فيه النفس كثيرا، حتى إنه جعل تفسير الفاتحة في جزء كامل، الفاتحة وحدها في جزء كامل، وهذا التفسير قد ملأه بالعلوم العقلية، بالمنطق والفلسفة والجدل وغير ذلك، فهو مدرسة مخصوصة فيما يتعلق بفهم القرآن واستيعابه على الطريقة العقلية، ولكن مشكلته أنه في كثير من الأحيان يورد كثيرا من المصطلحات غير المشهورة فلا يعرفها إلا المتخصصون في تلك العلوم العقلية، وكذلك يلام بأنه يورد في بعض الأحيان شبها فيرد عليها ردا أضعف منها، يقرر الشبهة ويوضحها ثم يرد عليها ردا أضعف منها، ولذلك يحتاج القارئ فيه إلى مهارة بعلم الكلام والمنطق، وعلم الفلسفة، وإلى إتقان لرد الشبهات كذلك، والغريب أن المؤلف ـ رحمه الله ـ استمر على هذه الطريقة حتى بلغ أواخر سورة الأنبياء، فتوفي ـ رحمه الله ـ عند تفسير قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلاقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون ) فهذا المقطع هو آخر مقطع فسره من القرآن وتوفي، فانتدب أحد تلامذته لإكمال الكتاب فأكمله على طريقة المؤلف، ولا يستطيع الباهر أن يفصل بين كلام الفخر الرازي وكلام تلميذه لمهارته بأسلوب الشيخ وإتقانه له.

وكذلك من الكتب المهمة في هذه المدرسة كتاب الزمخشري، الذي سماه بالكشاف، ٍوقد سلك فيه أسلوبا رصينا قويا في تفهيم معاني القرآن ودلالاته، وأغرق في علم البلاغة وأوجه الإعجاز اللفظي، ولكنه مع ذلك يلمح فيه بإشارات خفية إلى مذهب المعتزلة، فيستر فيه مذهب المعتزلة في الأماكن التي تخفى وتدق، وقد اعتمد عليه عدد من المفسرين الذين جاءوا بعده، فمن الذين اعتمدوا اعتمادا كليا على الزمخشري البيضاوي وكذلك أبو السعود، فكلاهما اعتمد عليه وأخذ طريقته، ومن طريقته أنه يختم تفسير كل سورة بما ورد في فضلها، وقد اعتمد على حديث موضوع في فضائل السور فيأتي في آخر كل سورة بما يتعلق بها منه، وتبعه على ذلك البيضاوي وأبو السعود، وهذا خطأ فادح، لكن عذر هؤلاء أنهم لم يكونوا يعلمون أن هذا الحديث موضوع، وإنما رأوا عبارته فاستحسنوها واستهوتهم، فلذلك أوردوه في تفاسيرهم، وقد أثنى المؤلف على هذا الكتاب ثناء عطرا، فقد قال فيه :

         إن التصانيف في الدنيا ذوو عدد      وليس فيها لعمري مثل كشافي

وقد أثنى عليه ـ هو ـ أمير مكة الذي ساكنه فيها، لهذا قال مجد الدين الفيروزابادي في القاموس: زمخشر كسفرجل بلدة بنواحي خوارزم، اجتاز بها أعرابي فسأل عن اسمها واسم كبيرها، فقيل زمخشر والر٦amp;#39;َد٦amp;#39;َاد، فقال: لا خير في شر ورد وتركها، منها جار الله محمود بن عمر وفيه يقول أمير مكة علي بن عيسى الحسني:

       *جميع قرى الدنيا سوى القرية التي   **   تبوأها   دارا     فداء   زمخشرا*

       *وأحر بأن  تزهى  زمخشر بامرئ   **  إذا عد في أسد الشرى زمخ الشرا*

وكذلك الذين استفادوا منه واتبعوه ـ كالبيضاوي ـ الذي ألف كتابه فأتقن صنعته وترتيب المعلومات فيه على جودة سبك ودقة في العبارة، وذكر لكثير من النكت البديعة، ومن غرائب ما حصل له فيه أنه حين ألفه وهو بأرض الروم التي تسمى اليوم بتركيا، ذهب به يريد إهدائه إلى أحد الملوك، فنزل على رجل من الزهاد ـ من الصوفية ـ فبات عنده فسأله أين تقصد أيها الشيخ ؟ فقال: ألفت كتابا نادرا في التفسير أريد أن أهديه لهذا الملك لعله يعينني على أمور دنياي، فسكت الرجل، ثم بعد وقت سأله فقال: ما ذا قلت في تفسير قول الله تعالى: (وإياك نستعين)؟ ففهم البيضاوي إشارة الصوفي، فقطع رحلته ورجع إلى بيته فما وصل البيت حتى أتته معونة الملك، وكانت أضعاف ما كان يتوقعه، لكنه مع هذا يتأول كثيرا من آيات الصفات على مذهبه، وأيضا فإن اتباعه للزمخشري في التفسير أوقعه ـ كما ذكرنا ـ في جلب بعض الأحاديث الموضوعة، ومثل ذلك أبو السعود، إلا أنه قد أتقن جانب إعراب القرآن وبرز فيه، فإعراب مفردات القرآن وجمله من أحسن ما يميز تفسير أبي السعود على اختصاره وبراعته في الإبداع، ومثله أيضا تفسير الإمام النسفي، فهو تفسير ملخص مختصر، حاو لكثير من أوجه الاستنباط في القرآن، ومن قرأه فتحت أمامه أبواب فهم الآية حين يرى ألفاظها وما يتعلق بها مربوطا بآيات أخرى وبأوجه أخرى من أوجه الاستنباط، وقد وقع في الإشكال السابق في تأويل بعض آيات الصفات ونحو ذلك.

ومن الكتب المختصرة النافعة في هذا الباب تفسير ابن جزي المسمى بالتسهيل، وقد خلا من كثير من العيوب السابقة، فخلا من الإسرائيليات، وكذلك يندر فيه تأويل الصفات، وخلا ـ كذلك ـ من الأحاديث الموضوعة، وأتى بعبارة مختصرة دقيقة، ٍومؤلفه مشهور بدقة العبارة والاختصار، فهو مؤلف القوانين الفقهية في المذاهب الأربعة، ومؤلف التقريبة في أصول الفقهٍ، وكتبه مختصرة، جيدة السبك، وقد توفي شهيدا ـ رحمه الله ـ نسأل الله أن يتقبله في قتال الروم بالأندلس، ولذلك فكتابه من الكتب التي ينبغي أن تقرر في البدايات على صغار الطلبة، وللدروس المسجدية ٍونحو ذلك، وهو كتابه سهل يسهل تدبره والتذاكر فيه، ومعلوماته منضبطة، فإذا أراد الإنسان أن يتقيد بشرح كتاب واحد في التفسير ـ كما سنذكره في طرائق التفسير فبالإمكان أن يخصص هذا الكتاب لذلك.

وكذلك من الكتب المختصرة في هذا الباب تفسير الجلالين، الجلال المحلي والجلال السيوطي، ٍوهذا الكتاب بدأه الجلال المحلي ـ رحمه الله ـ فافتتحه بتفسير سورة الكهف حتى أكمل القرآن، وفسر سورة الفاتحة، ووافاه الأجل المحتوم عندما أكمل تفسير الفاتحة، وقد أتقن سبكه فيدرج الكلمات في أثناء مواقعها ليتبين لك بها الإعراب وأوجه القراءات ٍدون أن يفصلها عن القرآن، ولهذا كان بعض علمائنا يحفظه مع القرآن حفظا كما هو، يحفظ كلماته مع القرآن كما هي، له كلمات قليلة مختصرة، ٍوأسلوبه رصين جدا، ومن العجيب دقته في التعبير ونباهة صاحبه وذكاؤه في تقدير المضمرات وتقدير الأفعال التي ينصب بها ونحو ذلك، فيقدرها بدقة بالغة، وقد أكمله الجلال السيوطي ـ رحمه الله ـ فافتتح تفسيره من بداية سورة البقرة حتى وصل سورة الكهف، وقد وضع القبول على هذا الكتاب فانتشر في مشارق الأرض ومغاربها، وكثرت الحواشي عليه، وأهما على الإطلاق حاشية الشيخ سليمان ٍالجمل الشافعي، المسماة بالفتوحات الإلهية، ٍوهذا الكتاب تميز بجمعه لما يتعلق بإعراب القرآن، فقد أتقنه إتقانا عجيبا، وقد رجع للذين سبقوه في الإعراب فحصر أقوالهم ونقحها، فجمع ما ذكره أبو حيان في تفسيره وما ذكره أبو السعود في تفسيره، وما ذكره كذلك السمين الحنفي في إعرابه للقرآن، وما ذكره العكبري في إملاء ما من به الرحمن من إعراب القرآن فجمع ـ هو ـ كل ما في هذه المراجع، ٍفكان مغنيا عن كتب إعراب القرآن.

كذلك من الكتب النافعة في هذا الباب: كتب المتأخرين ومن أهمها: كتاب روح المعاني للألو سي ـ رحمه الله ـ فقد سلك فيه طريقة بديعة ٍفي التفسير، فيذكر الآثار الواردة في التفسير، ثم يذكر أوجه الاستنباط على طريقة الرأي، ثم يورد بعد ذلك ما يسميه بالتفسير الإشاري،ٍ أي ما يمكن أن يفهم من الآية أو ترمز إليه بوجه من الوجوه، حتى لو كان ذلك بأعداد الحروف، أو نحو هذا، وكتابه سلس العبارة، سهل الفهم، إلا أن التفسير الإشاري فيه مزالق حين يجزم الإنسان بأن هذا من تفسير القرآن، أو من معنى الآية، أو نحو ذلك، ٍومثله كتاب شيخه روح البيان فهو كذلك جامع لكثير من هذه الأوجه.

فكذلك من الكتب النافعة في الرأي من كتب المتأخرين كتاب جمال الدين القاسمي، وقد حاول المؤلف كذلك التعبير فيه بلغة عصرية وأن يكون دقيقا في تنظيم معلوماته وترتيبهاٍ، وهو مشهور بذلك فكتبه مشهورة بدقة الاختيار والنقل، فكتابه قواعد التحديث هو أهم كتب المتأخرين في مصطلح الحديث بلا منازع، وإتقانه ـ كذلك ـ هو لتلخيص التفسير جيد إلا أنه قد وقع في بعض ما وقع فيه من سبقه من الأخطاء في تأويل بعض الآيات ونحو ذلك.

وكذلك من الكتب النافعة من كتب المتأخرين كتاب الإمام محمد الطاهر بن عاشور، فهو كتاب حافل، وبالأخص فيما يتعلق بإعجاز القرآن سواء كان ذلك من ناحية التشريع، أو من ناحية علم الاجتماع، أو من ناحية البلاغة والتركيب، والمؤلف ٍضليع في هذه الفنون كلها ٍفقد كان مفتي تونس في زمانه يلقب بشيخ الإسلام، وقد مهر في الحديث، وفي التفسير، وفي علوم اللغة، وفي علم الاجتماع والفلسفة، واطلع على ثقافات الأمم الأخرى، فلذلك كان كتابه من أهم هذه الكتب على الإطلاق، وكتابه اسمه التحرير والتنوير.

وكذلك من كتب المتأخرين المهمة في هذا الباب تفسير السعدي ـ رحمه الله ـ فقد لخص فيه ما ذكره القرطبي، بالإضافة إلى كثير من فوائد ابن القيم في كتبه الكثيرة، ٍوأتى بذلك على طريقة القرطبي، ٍفالقرطبي ـ رحمه الله ـ يقول: قول الله تعالى، ويأتي بآية ويقول فيه كذا وكذا مسألة، مثلا يقول: فيه مائة وسبع مسائل، أو سبعون مسألة، أو خمس وثلاثون مسألة، ويأتي بتلك المسائل مرتبة، وهذه الطريقة هي في الأصل لابن العربي وابن الفرس في كتابيهما أحكام القرآن، وسلكها القرطبي ثم تبعه عليها السعدي، ٍوعدد من المتأثرين بالقرطبي ـ رحمه الله ـ ٍوكتابه ملخص جيد ـ كذلك ـ إلا أن أسلوبه ليس أسلوبا معاصرا، بل الذي يقرأ فيه يستشعر أنه يقرأ في لغة عصور قد مضت من السالفين، لكنه مع هذا ملخص جيد خال من كثير من العيوب السابقة.

وكذلك منها كتاب أضواء البيان للشيخ محمد الأمين ـ رحمه الله ـ ولم يقصد به أن يكون تفسيرا متكاملا للقرآن، وإنما قصد به أن يلم بالآيات التي يفسر بعضها بعضا، فأصل الكتاب كله تفسير لآية واحدة من كتاب الله وهي قول الله تعالى: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله) ففكرة الكتاب كلها تفسير لهذه الآية وحدها، أراد أن يفسر هذه الآية فجنح إلى أن يذكر كل موضع من القرآن يفسر موضعا آخر أو له به تعلق، ولذلك لم يستوعب كل آيات القرآن، وما كان منها واضح الدلالة تجاوزه، وقد استطرد الشيخ في مواطن من الكتاب، ففي سورة الأعراف استطرد في علم أصول الفقه، وإثبات القياس، وما يتعلق بذلك، وفي تفسير سورة الحج استطرد في أحكام الحج وما يتعلق به، والترجيح بين المذاهب، حتى كان تفسير آيات الحج من كتابه منسكا واسعا، بل هو من أكبر المناسك التي عرفت في زماننا هذا، وأوسعها على الإطلاق، ٍوالشيخ كذلك متأثر بأسلوب القرطبي، وإن كان الشيخ يتعرض لكثير من المسائل العصرية، كالقوانين الوضعية والحكم بغير ما أنزل الله، وكالعلاقات مع الدول الكافرة، العلاقات الدبلوماسية، وكذا القوانين التي توقع عليها الدول الإسلامية ٍمن باب الإكراه، كقانون الأمم المتحدة وغير ذلك، وتعرض كذلك لكثير مما يعرض للمسلمين في زماننا هذا من الأوضاع الحرجة كانقسام الدول، فالأصل أن يكون خليفة المسلمين واحدا، وألا يكونوا دولا، الأصل أن يكونوا دولة واحدةٍ، ويترتب على ذلك أحكام، تعرض الشيخ لبعض هذه المسائل وأجاد فيها، وقد بحث في كثير من الأمور بحثا علميا دقيقا، ومع هذا فإن كثيرا من الناس قد لا يستفيدون من بحثه، لأن أسلوب الشيخ أسلوب علمي، والذي يريد أن يفهمه لا بد أن يكون متنوع المعلومات، فالشيخ يبحث في دقائق التفسيرجادأجاد ، وفي علم أصول الفقه، وفي علم الفقه، وفي علم الجدل، وفي غير ذلك من أنواع العلوم.

كذلك من الكتب النافعة في هذا ٍالباب: كتاب في ظلال القرآن لسيد قطب ـ رحمه الله ـ وهذا الكتاب كذلك لم يرد مؤلفه أن يجعله تفسيرا كاملا للقرآن وإنما أراد أن يبين الوجهة الفكرية، والثقافة الإسلامية البارزة من خلال القرآن، لينشأ عليها الجيل وليتربى عليها، ولهذا فقد أبدع في المقدمات التي يضعها للسور، فكل سورة يضع لها مقدمة يذكر فيها الموضوع الذي ركزت عليه السورة، والمواضيع الجانبية التي تناولتها والعلاقة بين هذه المواضيع، يجعل السورة وحدة متكاملة بين يديك، ولهذا فإن كثيرا من أهل العلم قال: إذا أردت درسا في التفسير فابدأ من مقدمة الظلال، المقدمة التي يضعها في السورة، ثم راجع ما شئت من كتب التفسير بعد ذلك في تفسير الآيات ، ومع هذا فإن المؤلف ـ رحمه الله ـ قد ألف أكثره في السجن، ٍولما خرج راجعه إلى سورة الحديد، وقتل عند بلوغه في المراجعة قول الله تعالى: (اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في  الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ).

وكذلك من الكتب النافعة في هذا الباب تفسير المنار للشيخ رشيد رضا ـ رحمة الله عليه ـ وهذا الكتاب يبدو فيه تنوع المعارف والاجتهادات لدى الرجل فقد ٍبدأه في البداية على طريقته الأولى التي كان عليها أيام كان مع شيخه محمد عبده ولذلك يظهر في الأجزاء الأولى من الكتاب عقلانية الرجل وفلسفته، بل إنه كثيرا ما يأول كثيرا من الأمور الغيبية ويحملها على أمور معنوية فقط، ثم رجع عن هذا المذهب بالكلية، واعتنى بدراسة الحديث وتخريجه والحكم عليه، وكان صاحب مدرسة بارزة في هذا الباب، تأثر بها عدد كبير من الناس كالشيخ أحمد شاكر ـ رحمة الله عليه ـ وكالإمام حسن البنا ـ رحمة الله عليه ـ فقد تأثر بمحمد رشيد رضا في هذه المدرسة، مدرسة الرجوع إلى الحديث، وهذه المدرسة هي التي اشتهرت فيما بعد بمدرسة التخريج، ٍوأثرت في الشام وفي مصر ثم انتشرت في البلدان الأخرى، والشيخ هو منشئ هذه المدرسة ـ رحمة الله عليه ـ وقد بلغ في التفسير قول الله تعالى في سورة يوسف: (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين) فكتب تفسير هذه الآية بعد صلاة العصر، وتوقف ومات في حادث سير ٍفي صبيحة اليوم الذي يليه ـ رحمة الله عليه ـ ومع هذا فهذا القدر الذي كتبه في التفسير فيه كثير من الأبحاث المعاصرة، والرد على شبهات المستشرقين والعلمانيين، والمدارس المختلفة، وفيه كذلك تعرض لكثير من النوازل والمستجدات التي حصلت في زمانه، فهو مرجع في هذا الباب، وعنايته بما يتجدد من الأمور واضحة، وأسلوبه كذلك أسلوب عصري سلس، فإذا راجع الإنسان كتب هذه المدرسة تبين بجلاء أن الفكرة التي تدور على ألسنة كثير من الناس بذم مدرسة الرأي، وتمجيد مدرسة الأثر في التفسير فكرة غير صحيحة، فليس المقصود بمدرسة الأثر أنها المدرسة التي لا تأتي بشيء من الرأي وإنما تأتي فقط بالأحاديث بل أكثر ما ينقله الذين ذكرناهم من مدرسة الأثر كله آراء عن بعض الصحابة وبعض التابعين، والمرفوع من ذلك إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيء يسير جدا لا يمثل إلا واحدا في المائة أو أقل، وما عدا ذلك كله آراء لكنها آراء مروية عن بعض الصحابة أو التابعين أو من دونهم، فإذن ما هي إلا رأي، لكنه رأي لؤلئك السلف السابقين، وكذلك مدرسة الرأي ليست كما يتصورها كثير من الناس أنها من الرأي المذموم، و القول على الله بغير علم، أو القول في كتابه بما يخالف ما قال به رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما يتوهمه كثير من الناس، بل المقصود أن المؤلف فيها لا ينطلق من قناعات من سبقه، بل ينطلق من قناعاته هو، فيؤلف على أساس فهمه وما توصل إليه وعلى أساس اختياره في التفسير.

المدرسة الثالثة هي : المدرسة التخصصية في تفسير كتاب الله، وهي التي تعتني بتفسير آيات مخصوصة كآيات الأحكام ـ مثلا ـ أو آيات السلوك أو نحو ذلك،  وهذه المدرسة من مشاهير المؤلفين فيها البيهقي ـ رحمه الله تعالى ـ فقد جمع أحكام القرآن للشافعي، وهو كتاب مطبوع، جمع فيه الآيات التي نزع بها الشافعي واستدل بها وبين أوجه استدلاله بها، ثم بعده الإمام الجصاص الحنفي، فقد ألف كتابه أحكام القرآن، وأورد فيه كثيرا من المسائل الفقهية التي مرجعها الاستنباط من آيات الأحكام من كتاب الله، وكثيرا ما ينتصر للمذهب الحنفي عندما يبين مأخذه من القرآن، ومع ذلك فهو متحرر إلى حد كبير، بل إنه يخالف الحنفية في بعض المسائل مخالفة صريحة، وكذلك ابن الفرس المالكي الأندلسي، فقد ألف أحكام القرآن على هذه الطريقة، ولكن كتابه لم يطبع ـ حسب علمي ـ إلى الآن وهو موجود مخطوط، وكذلك ابن العربي أبو بكر القاضي، فقد ألف كتابه أحكام القرآن، وحاول فيه حصر الاستنباط، من كتاب الله دون التحيز لمذهب محدد، لكنه كان سليط اللسان، شديدا على خصومه، فكثيرا ما يتهكم بالأئمة، فيقول ـ مثلا ـ قال: الشافعي وهو عند أصحابه سحبان وائل، ويقول: قال مالك: \"ولم يبلغنا فيها شيء\"، قلت: فماذا ؟ فيتهكم بالأئمة، وذلك لسلاطة لسانه وقوة أسلوبه، وكثيرا ما يأتي بمسألة ينقل فيها كلام من سبقه من العلماء ثم يقول: بالله الذي لا إله إلا هو لقد زلت أقدام العلماء في هذه المسألة، ومع ذلك فالرجل مؤتى له في تلخيص العلم، عندما بلغ تفسير قول الله تعالى: (وأحل الله البيع وحرم الربا) قال: البيوع التي نهى عنها رسول ـ الله صلى الله عليه وسلم ـ ثمانية وخمسون بيعا وحصرها بالترتيب وهذه دقة نادرة، حيث يحصر كل الأحاديث الواردة في الباب ويلخصها لك في نصف صفحة، ومع ذلك فمن المؤسف أن الكتاب لم يطبع حتى الآن طبعة صحيحة، فالطبعات الموجودة المنتشرة لا تمثل شيئا من الكتاب، بل كثيرا ما يقول: قول الله تعالى (كذا) فيه خمس مسائل أصولية، وثلاث فقهية، وأربع مسائل عقدية، فإذا رجعت ـ أنت ـ إلى المسائل وجدت أربعا فقهية، وثلاثا أصولية، واثنتين عقديتين وهكذا، فلا تجد المسائل منضبطة مع العد الذي ذكره، وهذا يبين لك أنه حصل فيه سقط كثير، وحذف منه كثير من المباحث المهمة، وكان ابن العربي ـ رحمه الله ـ في المجال السياسي توفيقيا، يسعى للتوفيق بين طوائف الأمة المختلفة، ٍولهذا كان يرد التهم التي يوجهها المؤرخون في أيام دولة بني العباس إلى بني أمية، وكان يرى أن كثيرا منها لا يصح من ناحية الإسناد وهو كذلك منكر من ناحية العقل، ولهذا ألف كتابه العواصم من القواصم، بدأ فيه أولا بالصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ وكل التهم السياسية الموجهة إليهم، وكل ما يثار بينهم، إما أن ينفيه ويقول لا يصح هذا ويدرسه من ناحية الإسناد ويحكم عليه بالضعف أو الوضع، ٍوإما أن يثبته ثم يجد له مخرجا شرعيا، ووجها واضحا من أوجه الاجتهاد، ثم بعد ذلك عدل إلى خلفاء بني أمية وخلفاء بني العباس، فرأى أن التاريخ الإسلامي مشوه وأن كل دولة يكتب مؤرخوها على حسب هوى ملوكها، وعموما فكتابه هذا من الكتب التي لا يستغنى عنها في مجال تفسير آيات الأحكام.

ومن أهم الكتب المختصة في آيات الأحكام كتاب السيوطي، الإكليل في استنباطات التنزيل، وهو كتاب صغير الحجم كثير العلم غزير الفائدة، أوراقه قليلة، حيث جمع فيه ما يستنبط من هذه الآيات ـ التي هي آيات الأحكام ـ خمسمائة آية أورد ما يستنبط منها دون أن يرجح في ذلك مذهبا من المذاهب بأسلوب مختصر دقيق، ٍولهذا فإن بعض أهل العلم يمتحنون طلابهم في الاستنباط من هذا الكتاب، عندما يذكر ـ مثلا ـ الكثير من المسائل المستنبطة من الآية الواحدة، ٍيقال بين وجه الاستنباط في هذه المسألة وهكذا على طريقة الامتحان .

ومن هذه المدرسة المتخصصة : دقائق التفسير المنسوبة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فهي دقائق في بعض آيات القرآن، ٍولم تكن تفسيرا كاملا، ومثل ذلك الكتاب المنسوب إليه المطبوع تحت عنوان التفسير الكبير ٍلابن تيمية، ٍفليس هو تفسيرا مقصودا لكل القرآن وإنما هو دقائق استنباط الشيخ من الآيات، ومثل ذلك الكتاب المطبوع تحت عنوان التفسير القيم لابن القيم، إنما هو من باب كلامه في آيات مختلفة بأوجه الاستنباط العجيبة، فابن القيم ـ رحمه الله ـ كثيرا ما يستنبط من آية واحدة كثيرا من الفوائد، وظهر ذلك في كثير من كتبه ولهذا فكتابه مدارج السالكين مع أنه تلخيص لكتاب الهروي إلا أنه أدرجه قال: (مدارج السالكين بين مقامي إياك نعبد وإياك نستعين)، فجعله تفسيرا فقط لمنازل إياك نعبد وإياك نستعين.

فهذه المدارس الثلاث إذا كان الإنسان يريد أن يكون مفسرا لا بد أن يختار من كتبها ما يناسبه من المراجع فيرجع إليه في الموضوع الذي سيحضر فيه درسا وإذا استطاع الرجوع إلى هذه الكتب كلها فبها ونعمت، والكتب التي سميناها هي مختارات فقط ولا تمثل كتب التفسير كلها ولا اغلبها بل هي مختارات، وقد كان بعض أهل العلم إذا أراد أن يفسر رجع إلى ثلاثين مفسرا، فيجمع الأقوال في ذهنه، ومن رجع إليها استطاع أن يثبت المعلومات لديه، وأن يكون ما سيقدمه في الدرس بعض ما لديه فقط ـ كما بينا في القواعد السابقة ـ، وهذا النوع إذا أراد فيه الإنسان درسا متسلسلا ٍفإما أن يلتزم كتابا معينا يقرأ عليه ويشرحه بما قرأ في  الكتب الأخرى، وينبغي له حينئذ أن يعلم أن القرآن لم تنته معانيه عند الحد الذي بلغه أهل التفسير به، بل لابد أن يبحث هو عن أوجه الاستنباط الجديدة، وعما يتعلق بواقعه، وأن يجتهد في ذلك، ولعلنا نذكر أمثلة ـ إن شاء الله تعالى ـ حيث نختار بعض الآيات مما كان هو مقررا ونتناولها من أوجه متعددة، نذكر منها ما يتصل بواقعنا وما نعيشه.

أما إذا كان الإنسان لا يتقيد بكتاب واحد بل يفسر من تلقاء نفسه فهذا مستوى عال راق يحتاج فيه الإنسان إلى صفاء ذهن وجودة حفظ، وإتقان لتسلسل المعلومات، ولذلك لا ينبغي أن يقدم عليه إلا من هو أهل لذلك، كما قال أبوا العلاء المعري :

            *أرى العنقاء تكبر أن تصادا ** فعاند من تطيق له عنادا*

فالذي ينطلق في التفسير من خلفيته هو العلمية دون الارتباط  بكتاب معين، لا بد أن يكون أعد لذلك العدة، هذا هو الوجه الأول فيما يتعلق بتحضير درس في التفسير.

الوجه الثاني ما يتعلق باختيار موضوعات من كتاب الله تعالى والاستنباط منها، وهذا الوجه ينبغي فيه جمع النظائر والعناية بها، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا لمن درس علوم القرآن، فالدارس لعلوم القرآن يعرف النظائر في القرآن وأوجه التقابل فيها والتقارب، فإن أهل علوم القرآن لم يتركوا وجها مما يتعلق بالقرآن إلا وألفوا فيه وخدموه، فكل شيء في القرآن معدود حروف القرآن معدودة، نقاط القرآن معدودة، والمصحف ما فيه من النقاط معدود، مليون وخمسة وعشرون ألفا وثلاثون نقطة، هي ما في القرآن من النقاط، ومثل ذلك ما فيه من الفواصل، وما فيه مما يتعلق بالمواضيع المحددة ـ مثلا ـ ما يتعلق بالبعث بعد الموت، جاء فيه سبع مائة وسبعة وستون آية في القرآن، في إثبات البعث بعد الموت فقط، وهكذا فالذي يريد هذا النوع من التفسير عليه أن يرجع إلى كتب علوم القرآن حتى يعرف النظائر والأشباه، وإذا انطلق من هذه الخلفية استطاع حينئذ أن يحصل هذه المعلومات في ذهنه، وأن يستطيع تفسير بعض القرآن ببعض، وحينئذ لن يركز على معاني الألفاظ وأوجه القراءات ونحو ذلك كما يركز عليه المفسر في الطريقة الأولى وإنما يركز على المعاني التي يريد إبرازها، كالذي يريد إبراز معنى التضحية في سبيل الله ـ مثلا ـ في القرآن فيختار لذلك الآيات التي ورد فيها هذا مثل قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون )، وقوله تعالى: (هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتكم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم )، وقوله تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين )، فيجمع المقدم للدرس هذه الآيات، ويستنبط منها ويجعل لها محورا تدور عليه مثل محور الترغيب ومحور الترهيب مثلا أو أنواع الحوافز التي أتى الله بها في كتابه للحفز على التضحية والبذل في سبيله، ٍثم محور آخر وهو أنواع البذل المطلوبة، البذل من البدن، البذل من الوقت، البذل من الجاه، البذل من المال، البذل من العلم، إلى آخره، ويستنبطها من مجموع هذه الآيات، وحينئذ لا يبالي بدلالات الألفاظ، ولا بأوجه القراءات، ولا بما يتعلق بذلك مما يعتني به المفسر في الطريقة الأولى، وهذه الطرية تشبه ما نسميه اليوم بالمحاضرات العامة، وإن كانت هي وجها من أوجه دروس التفسير، نعم هي تقريبا تسمى بالتفسير الموضوعي، أو تشبه التفسير الموضوعي إلا أن التفسير الموضوعي فيه مع ذلك تعرض للجوانب السابقة، فعموما سواء اخترت الطريقة الأولى أو الطريقة الثانية عليك أن تحاول الإبداع وألا تكون من المتحجرين الذين يتقيدون باجترار آراء من سبقهم، وأن تحاول أن تأتي بجديد، وأن تتعرض لنفحات الله فأنت تريد خدمة كتابه العظيم، والله ـ سبحانه وتعالى ـ خص كثيرا من الذين خدموا كتابه بكثير من الفتوحات التي لم ينلها من قبلهم، فلتتعرض لذلك بإنابة وإخلاص وخشوع واحترام لما تقرأه وتفسره من كتاب الله ـ سبحانه وتعالى ـ فلعل الله يفتح لك بما لم يفتح به على من سبقك، ولتتذكر أن الفهم في كتاب الله تعالى ـ كما ذكرنا من قبل ـ نعمة ينعم الله بها على من شاء من عباده، ولا تختص بإنسان ولا بزمان، لهذا قال أحد العلماء:

        *وقسمة الحظوظ فيها  يدخل  **  فهم   المسائل   التي   تنعقل*

        *فيحرم الذكي من فهم الجلي  **  إن لم يكن من حظه في الأزل*

القضية حظوظ مقسومة، ولهذا فاستنباط علي ـ رضي الله عنه لأقل مدة الحمل من الجمع بين قوله تعالى: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) وقوله تعالى:(وفصاله في عامين)  وجه دقيق جدا اختصه الله به، فإن قوله تعالى: (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) جعلت مدة الرضاع ومدة الحمل محصورة في ثلاثين شهرا، وقوله تعالى:(وفصاله في عامين) جعلت الرضاع في سنتين، فبقي من ثلاثين شهرا ستة أشهر هي أقل الحمل، ومثل ذلك استنباط مالك ـ رحمه الله ـ جواز إصباح الصائم جنبا من قول الله تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ) قال لم يترك الله وقتا للاغتسال ، قال فالآن باشروهن ولم يحد ذلك إلا بقوله: حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، فلم يترك وقتا للاغتسال فدل هذا على جواز إصباح الإنسان جنبا، وهذا استيعاب عجيب وفهم دقيق  في هذه الآيات.

كذلك إذا أراد الإنسان أن يفسر عليه أن يراعي مستويات الحضور الذين يحضرون عنده، فلا ينبغي للذي يشتغل بالتفسير العام على الطريقة الأولى من الطريقتين اللتين ذكرنا أن يجعل ذلك درسا عاما يحضره عوام الناس وبلداؤهم وجهالهم لأنه بذلك سيفتنهم، فيسمعهم كثيرا مما يحدث لديهم شبهات لا يستطيعون ردها، إنما يحسن بالعوام الطريقة الثانية، التي هي طريقة محاضرة عامة يورد فيها الإنسان شواهد متعددة من القرآن على معنى من المعاني، أو قاعدة من القواعد الشرعية المسلمة، ويستنبط لذلك أوجها تطبيقية من واقعه الذي هو فيه يسهل على العوام إدراكها، أما ما يتعلق بجمع النصوص التي ظاهرها التعارض وكذلك الجمع بين أوجه القراءات ونحو ذلك فهذا من الدقائق التي لا يدركها العوام ولا ينبغي تحديثهم بها، وما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة عليهم، وقال علي ـ رضي الله عنه ـ حدثوا الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله.

هذا أهم شيء فيما يتعلق بتحضير درس في التفسير، وإذا أراد الإنسان تطبيق ذلك كأن يكلف بدرس منهجي لمجموعة محددة عليه لأن ينظر إلى مدى استيعابها وإلى مدى الوقت الذي يريد أن يقدم فيه الدرس، فإن كان الدرس مفتوح الوقت متسع الوقت فحينئذ بالإمكان أن يرجع إلى مراجع كثيرة وأن يكثر النقول والاستشهادات وأن يستطرد في المجالات العلمية المفيدة، وإذا كان الوقت محدودا غير قابل للتمديد فحينئذ عليه أن يقتصر على الأهم، وأن يستوعب هو ما يمكن أن يعرض من الأسئلة فإذا سئل عن شيء كان الجواب حاضرا في ذهنه لأنه قد توسع في الدراسة وقرأ أكثر مما كتب، وفي الترتيب على الذي يفسر الآية أن يبدأ أولا بضبط ألفاظها سواء كان ذلك على مقتضى قراءة واحدة أو قراءات، وبعد ذلك يبين دلالات مفرداتها، ثم يبين إعرابها، ثم يبين معناها جملة، ثم يبين بعد هذا ما يتعلق بها من الآثار، سواء كان ذلك في أسباب النزول أو مكان النزول المكي والمدني أو نحو ذلك، ثم يورد في الأخير ما يستنبط منها من الأحكام، وتنزيلها على واقع الناس الذي يعيشونه، وينبغي للذي يكتب في التفسير أو يقدم فيه درسا أن يتقيد بآداب التفسير، فكثير من المصطلحات يمكن أن تطلق في غير تفسير القرآن، فمثلا إذا أردت إعراب بيت من الشعر بالإمكان أن تقول: \"من\" هنا زائدة أو \"لا\" زائدة، أو نحو هذا وإذا أردت التفسير فينبغي أن تتحرز من مثل هذه الألفاظ الاصطلاحية التي فيها نقص أدب مع القرآن، ولهذا يقول المفسرون \"من\" صلة أو \"لا\" صلة، (لا أقسم بهذا البلد) يقولون \"لا\"  صلة ثم استأنف بقوله: أقسم بهذا البلد، أو هي نفي لمحذوف وهكذا، ومثل ذلك تقدير المحذوف فعلى الإنسان أن لا يجزم بلفظ واحد في الجملة، إنما يبين المعنى كقول الله تعالى: (ق والقرآن المجيد) فأين المقسم عليه؟ المقسم عليه محذوف لا محالة لكن ما هو؟ يمكن أن تقول لتبعثن، أو هو إثبات البعث لأن كل ما جاء بعده يصب في هذا السياق والسورة جاءت لذلك، ولهذا قال بعده مباشرة: (بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ )، فهذا كله لإثبات البعث بعد الموت فعلم أن المحذوف هنا هو إثبات البعث، لكن لا ينبغي أن تجزم بلفظ واحد تقول المقسم عليه هو إثبات البعث عموما فيمكن أن يقدر ذلك بقوله: \" لتبعثن\" لأن هذا اللفظ جاء في آية أخرى \"لتبعثن ثم لتنبئن بما عملتم \".

كذلك على الإنسان الذي يكتب في هذا الزمان في تفسير القرآن أن ينظم ذلك بطريقة منهجية، وألا يستهويه كلام السابقين، فكثير من الناس إذا درس في مدرسة تأثر بأسلوب تلك المدرسة، وينبغي للإنسان ألا يكون إمعة حتى في اتباع أهل العلم في تعبيراتهم وفي ألفاظهم، بل عليه أن يكون ذا أسلوب يتميز هو به وأن يكون ذلك الأسلوب واضحا يفهمه الناس وألا يكون من المتقعرين فقد ذم رسول الله ـ صلى الله  عليه وسلم ـ المتقعرين المتفيهقين في الكلام، والله تعالى يقول لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : (وما أنا من المتكلفين) يأمره بأن يقول ذلك عن نفسه، فقد ذم التكلف عموما، وعلى هذا فعلى الإنسان إذا كتب لأهل زمان أن يكتب بما يتناسب مع واقعه.

 


عدد مرات القراءة : 8016



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22274991
المتواجدون الأن       3
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو