» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
سلسلة العلوم الشرعية الشريط الخامس




        *أبدع تمام بيان لاختصارك في ** جمع ورتب وأصلح يا أخي الخللا*

فقوله \"أبدع\" هذا هو المقصد الأول من مقاصد التأليف أن يأتي الإنسان بجديد لم يسبق إليه، والجديد نسبي لأنه بالإمكان أن يكون قد تعرض له شخص في موضع من المواضع أو تكلم عليه في مكان ما ، لكن فتح أمامك أنت ذلك بابا واسعا ، أو أعطاك خيوطا يمكن أن تصل بها إلى غير هذا فالإبداع نسبي دائما ، ولهذا تجدون كثيرا من أهل العلم يقولون فيما من الله عليهم به من الفتوحات الربانية، يقولون ولم أسبق إلى مثل هذا ، يقول بن العربي ـ رحمه الله ـ عندما يورد مسألة من المسائل الفقهية النادرة أو الأصولية ، يقول: قلت وهذا علم ما شم المالكية رائحته، ولا تجاوز بلخ وخراسان لأنه من علوم المشارقة ما وصل إلى المغرب نهائيا ، هو أول من أوصله ، يقول ما شم أصحابنا رائحة هذه المسألة قبلي ، لم تتعد بلخ وخراسان ، أي أنها سبق إليها في مكان من الأماكن دون غيره ، ولذلك فإن صاحب القاموس عندما ألف قاموسه هو في الواقع فيه إبداع ، أنه أتى بالجديد من ناحية الترتيب والتأليف والتنسيق وغير ذلك ، وقال الفيروزابادي في مقدمته للقاموس : \" لولا ما يمكن أن ينتقد لتمثلت بقول أديب معرة النعمان أحمد بن سليمان :

وإني وإن كنت الأخير زمانه

لآت بما لم تستطعه الأوائل

فأعدل عن ذلك وأتمثل بقول حبيب بن أوس الطائي أبو تمام : \" كم ترك الأول للآخر \" هذا فيما يتعلق بالإبداع .

ثم بعد هذا \"تمام\" يشير بها إلى إتمام ما سبق، فكثير من المباحث يبدأها إنسان على حسب مستواه ووقته وتبقى محتاجة إلى التتميم ، فيأتي من بعده لا يريد إبداعا ولكن يريد التتميم ، والمفسرون الذين تمموا ذوو عدد ، فقد ذكرنا أن أحد تلامذة الرازي كمل تفسيره ، فقد بلغ الرازي في التفسير قول الله تعالى : (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولائك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون) ومات عند تفسير هذا المقطع ،فكمل أحد تلامذته تفسيره على نفس أسلوبه  ومنهجه وما شرطه في كتابه ، ومثل ذلك ذكرنا عن السيوطي ـ رحمه الله ـ تتميمه لتفسير الجلال المحلي، ويحكى هذا عن عدد من الذين أكملوا تفاسير السابقين ، لكن أبدع من أكمل الذي أكمل تفسير الرازي والسيوطي الذي أكمل تفسير الجلال المحلي ، فإكمالهما جاء على نفس شرط المؤلف ولو كان المؤلف حيا ما فعل إلا هذا ، كما قال أبو العلاء المودودي عندما عرض عليه سيد قطب ـ رحمه الله ـ بعض كتبه (خصائص التصور الإسلامي) قال هذا الكتاب لو لم يقع في يدي مطبوعا مكتوبا لقلت هو من إنتاج قلمي ، يوافق على كل ما فيه ، فأسلوبه أسلوبه وأفكاره أفكاره ، فجعله صورة لما في خاطره كأنه موافق لفكره ولكل ما فيه مضمونا وألفاظا وتعبيرا.

ثم بعد هذا الثالث ، التفسير والشرح المذكور في قوله \"بيان\" والذين اشتغلوا بتبيين أقوال من سلفهم هم المُحَش٦amp;#39;ُون وهم كثر فمثلا على تفسير الزمخشري الكشاف حاشية الشيخ أحمد التي بين فيها ما وقع فيه من الأخطاء تبعا لمذهب المعتزلة ، ومثل ذلك الحواشي على تفسير البيضاوي ، ومثل ذلك حاشية سليمان الجمل على تفسير الجلالين السيوطي والمحلي ، ومثل ذلك حاشية الصاوي ـ أيضا ـ على تفسير الجلالين ، فكثير من كتب التفسير عليها حواش، هذه الحواشي إما أن تكون بيانا لبعض ما أجمل فيها أو ما استشكل أو ردا على بعض الأخطاء التي فيها وتقويما للكتاب .

بعد هذا الاختصار، ويشار إليه بقوله \"لاختصارك\" فكثير من المطولات تعيى دونها همم قاصري الهمم ، فيحتاج إلى تلخيصها واختصارها ، ومن أعمال المعاصرين في مجال الاختصار لكتب التفسير مختصرات الشيخ محمد علي الصابوني لكثير من كتب الماضين ، فقد اختصر تفسير الطبري وتفسير بن كثير وتفسير الألوسي وعددا ممن التفاسير ، لخصها في كتب مستقلة ثم جمع زبدتها في كتابه صفوة التفاسير، وكذلك سبقه الإمام الشوكاني ـ رحمه الله ـ فقد ذكرنا أن تفسيره فتح القدير إنما هو تلخيص لكتاب السيوطي وكتاب القرطبي جمع بين التفسيرين باختصار، ومثله ما فعل صاحب النهر الماد من البحر فقد لخص الأمور المهمة من كتاب أبي حيان، بل إن بعض المفسرين يضع تفسيرا كبيرا ثم يختصره بتفسير دونه فمنهم من له تفسير كبير وتفسير صغير، لا يوجد تفسيران مطبوعان لأحد حسب علمي إلا السيوطي فله تفسير كبير هو الدر المنثور وله تفسير صغير هو التحبير، والواحدي (النيسابوري) كذلك له التفسير الكبير والصغير.

\"في جمع\" هذا الجمع بين ما تفرق في كتب أو علوم شتى ، وهو مقصد من مقاصد العقلاء في التأليف ، والذين جمعوا من المفسرين ذوو عدد كالخازن وغيره من الذين جمعوا فقط، فالسيوطي مثلا في الدر المنثور ما ظهرت له شخصية لأنه يجمع فقط ولا يحكم، فالجمع إذن مقصد مهم لذاته لأنه يغنيك عن الرجوع إلى عدد كبير من المراجع، بل بعضها مفقود وبعضها لا تصل إليه إلا بشق الأنفس ، ولهذا قال بن الجوزي في مقدمة كتابه إنه ألفه لولده ليغنيه عن شراء الكتب الطائلة الأثمان ، وعن إفساد وقته كذلك في دراسة ما لا يسمن ولا يغني من جوع ، فلخص له جملة ذلك في تفسيره.

كذلك قوله \"ورتب\" ترتيب ما تفرق مقصد مهم ـ كذلك ـ من مقاصد العقلاء في التفسير لأن كثيرا من العلوم تنتشر عباراتها فيشق استحضارها واستذكارها في الذهن لانتشار العبارات ، فلو وضعت في نقاط مرقمة أو مرتبة لكان ذلك أسهل لحفظها وأيسر لها.

أخيرا الإصلاح وهو قوله : \"وأصلح يا أخي الخللا\" إصلاح خلل وقع فيه السابقون ، وهذا ما ذكر عدد من المفسرين أنه قصده كالقرطبي ذكر أنه قصد التخلص من الإسرائيليات ، وإن كان قد نقل قليلا منها، لكن يمكن أن يكون هذا الشرط تجدد في ذهنه، وأن تكون المواضع التي ساق فيها بعض الاسرائيليات ألفها قبل أن يحضر في ذهنه هذا الشرط ، لأن كثيرا من المفسرين لا يبدءون التأليف من بداية القرآن ، كما يعرض أن يفسروا من مكان معين ثم يكملون ، وقد  تتجدد بعد هذا بعض المقاصد منها مثلا نظم المنثور ، ومنها قنص الشوارد جمع الشوارد النادرة ، وكذلك الضبط والشكل لتصحيح الألفاظ فهذه من مقاصد العقلاء في التأليف أيضا وما ذكرها بن هلال وقد ذكرها شيخي محمد عالي ـ رحمه الله ـ في قصيدته التي يقرظ بها شرح تلميذه محمد بن أبي مدين لألفية العراقي في المصطلح ، يقول في هذه القصيدة :

*يحد ذوو التأليف مقصوده حدا **بسبعة أقسام يعدونها عدا*

وإني أرى الشيخ الإمام محمدا**يزيد كثيرا لن يطيقوا له جحدا*

*كضبط لما عروا وإيضاح مشكل**ونظم لمنثور وتقييد ما ندا *

فيبديه درا في الطروس منظما**وينظمه عقدا ويحكمه عقدا *

*وذلك أن الشيخ أطولهم يدا **وأرواهم أذنا وأوراهم زندا *

*وأسعدهم سعدا وأوعاهم حجا**وأرحبهم باعا وأسماهم جدا*

*وأمرعهم غيثا من الغوث نيله** فلا يلهك السعدان عنه ولا صدا*

*فلا زال محسودا بنصر مؤيدا** ولا زال لسن الناس تحمده حمدا*

إذن هذه هي المقاصد التي يقصدونها في التأليف ، بالنسبة لمحمد بن أبي مدين ـ رحمة الله عليه ـ هو محمد بن أبي مدين بن الشيخ أحمد بن سليمان الديماني، يرجع نسبه إلى أبي بكر الصديق من جهة أبيه ، ومن جهة أمه فأمه فاطمة ابنة الشيخ باب بن الشيخ سيديا مجدد العلم في قطر شنقيط ، وقد اعتني به من صغره فتربى تربية من نوع خاص، ودرس كثيرا من العلوم ومهر فيها وبالأخص في علم العلل والرجال ومتون الحديث وكان ذا حافظة قوية، واشتهر بذلك من بين أقرانه، وبحدته وشدته في المناظرة حتى كان الناس يلقبونه بابن تيمية وانتشر هذا اللقب عنه، وهو من علماء أهل الحديث بمعنى السلفيين في البلاد، في بلاد شنقيط، وقد توفي ـ رحمه الله ـ عن اثنتين وثمانين سنة، عام 1397هـ تقريبا، وقد درس مختلف العلوم على كثير من الجلة العلماء الكبار، ومنهم شيخي محمد عال ولد عبد الودود، وجده هو الشيخ باب بن الشيخ سيديا، وأبوه أبو مدين الغوث بن الشيخ أحمدو، وعدد من العلماء، ترك كثيرا من المؤلفات لم يطبع منها إلا كتب يسيرة منها : كتاب الصوارم والأسنة في الذب عن حوزة السنة، وطبعته فيها بعض الأخطاء، لكنه مفيد جدا، وكذلك كتاب آخر في أحكام الرضاع وما ينشر الحرمة منه وما لا ينشرها  وهو ـ رحمه الله ـ كان يميل إلى الاجتهاد المطلق، لم يكن مقلدا لمذهب من المذاهب على حال أهل الحديث، ولذلك كثيرا ما يخالف بعض علماء قطره ويقع بينهم ردود وكتابات في هذا الشأن ، ومن أهم مؤلفاته شرحه على ألفية العراقي في المصطلح ، فقد جمع فيه كل ما وصلت إليه يده من كلام أهل المصطلح ، ويثبت كلام المؤلفين من كتبهم ينقله باللفظ ، فلذلك يعتبر شرحه من أحسن شروح الألفية وأوسعها، وهو غير مطبوع لكنه مصور في مجلدين ، وله كتب أخرى مثل أرجوزة له في التقيد بالسنة وعدم التقليد ، وأرجوزة كذلك طويلة في أخلاق العلماء وطلاب العلم ، له مؤلفات كثيرة ، ويرثيه الشيخ محمد سالم ـ حفظه الله ـ عند موته بقصيدة يقول فيها :

*إن وجدي بخاتم الحفاظ **ضاق عنه مجامع الألفاظ*

*لست أنسى مواقف الجد منه ** حين يدعو الإسلام أهل الحفاظ*

*ينصر الحق في حشود عظام ** كخطيب مفوه في عكاظ*

*يؤثر اللين ما استقام له الليــــن فإن حال مال للإغلاظ*

*ذو وفاء وذو إباء وذو **علم وذو فطنة وذو استيقاظ*

*وسخاء بالمال والعلم والجاه ** وصفح عن زلة الإحفاظ *

*وشطاط إذا يقوم خطيبا ** يتحدى طوامح الألحاظ*

*ووقار وحكمة واحتقــــار لغرور المستكبر الجواظ*

*نال من باب جده وأبي** مدين حظا أناف فوق الأحاظي*

*ومن الخال جد أبناءه الغــــر الميامين سر الاستحفاظ*

*شحذوا منه في مكافحة البـــدعة عضبا على الرقاب الغلاظ *

إلى آخر القصيدة، ومراثيه كثيرة، وقد مات من غير مرض، ومن غير ضعف أيضا، بل كان في قوته وشدته ، ما أعرف محفوظاته بالضبط لكنني أذكره وأنا صغير يحدث في المجالس الطويلة ، يجلس ويحدث من حفظه بالمتون والأسانيد مثلا ساعات متوالية دون تلكأ ودون تغيير ، وقد اشتغل بالحديث واشتهر به حتى قال فيه الشيخ محمد سالم في أبيات يقول فيها ، في ذكر آبائه وأجداده  :

*ففاقوا في القديم معاصريهم **وفقت رجال عصرك في الحديث*

وقد ذكر عدد من المفسرين عند قول الله تعالى : (وما يعلم تأويله إلا الله) خلافا في التفسير هل المقصود بذلك ما يرجع إليه ما في القرآن من الغيبيات ، مثلا إذا جاء خبر بأن شيئا سيقع فهيئة وقوعه وزمان ذلك ومكانه ، هذا هو تأويله ولا يعلمه إلا الله ، أو أن معنى (وما يعلم تأويله إلا الله) أي صرف المتشابه منه عن ظاهره لأن متشابه القرآن يزول التشابه عنه بالتدريج ، فيحال علم ذلك إلى الله ـ سبحانه وتعالى ـ وقد كنت قديما في أيام الصبا حصل لدي التباس في مفهوم التأويل والتفسير ، عند أول الاشتغال بدراسة علم التفسير فخاطبت الشيخ ببيتين في السؤال عن هذا ، قلت فيهما :

*أريد فرقا دقيقا بين أَو٦amp;#39;َلَهُ **وبين فسره بالشرح للجمل*

*وهل سواء هما في قول خالقنا**تأويله وكما هو ظاهر الجَمَل*

أي ظاهر ما نقله الجمل في حاشيته، فقال الشيخ :

الأول كالعود في معنى وفي زنة ** والفعل كالفعل في وزن وفي عمل*

*وعد بالضعف والتأويل مصدره ** أي رد لفظ لمعنى فيه محتمل *

*والفسر كشف المغطى والإبانة كالتفسير فافهم فجل الفهم في المقل *

*وقد يراد بذا هذا فيحسبه ** من ليس يعرف ردفا فاغن عن جدل*

أبيات هكذا ، ما أحفظها لطول العهد بها ، لكن فيها بيان للفرق بين التأويل والتفسير على هذا الوجه.

أما المقدمة التاسعة فهي عن فائدته ، وفائدة علم التفسير هي فائدة العلم كله ، لأن العلم فائدته الحقيقية هي العمل ، فليس العلم مقصودا لذاته إنما يقصد للعمل به ، ولهذا جاء في الأثر إن العلم ينادي بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل ، شيخي ـ رحمه الله ـ يقول :

*العلم من دون العبادة هبا**لا يستقر فحر أن يذهبا*

*والعلم في التمثيل مثل الشجره٦amp;#39;**أما العبادة فمثل الثمره٦amp;#39;*

*ففضله من جهة وفضلها** من جهة ثمرة وأصلها*

ففائدة العلم العمل ، وهو مرتب عليه ولذلك قال البخاري ـ رحمه الله ـ في الصحيح : \"باب العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) ، فعلم التفسير فائدته العمل المقتضي للإيمان والعمل بآيات الأحكام، فيحكم الإنسان محكم القرآن ، ويؤمن بمتشابهه ، ويستمد منه أسلوب حياته كلها ، فإنما يستمد ذلك من القرآن فهو دستور المسلمين وهو أحدث الكتب بالله عهدا كما قال ابن عباس ، ولذلك هو مائدة الله في الأرض ، لا يشبع منه العلماء ، ولا تفنى عجائبه ، وهو حبل الله المتين من تمسك به عصم ومن تركه من جبار قصم الله ظهره ، وفيه خبرنا وخبر من قبلنا ، وخبر ما يأتي بعدنا ، والناس محتاجون إلى التنوير في مثل هذا ، ولا يمكن أن يعرف هذا إلا من خلال التفسير ، فهذه إذن فائدة التفسير وأهميته، وقد قال المقري ـ رحمه الله ـ :

*وكل علم للمزية اكتسب**فالفضل من معلومه له انتسب*

فإنما يأتي من فائدته ومعلومه، بهذا يعلم أهمية علم التفسير، وأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بين أن قوما يأتون يقرءون القرآن يحفظون حروفه ويضيعون حدوده ، يقرءون القرآن لا يتجاوز تراقيهم أو لا يتجاوز نحورهم ، فهؤلاء حفظوا الحروف وضيعوا الحدود ، وقد بين كذلك أن زمانه هو ، أن الناس في زمانه ، في زمان كثير علماؤه ، قليل قراؤه، كثير من يسأل، قليل من يجيب، وسيأتي على الناس زمان يكثر فيه القراء  ويقل فيه العلماء، فكل هذا يدلنا على أهمية التدبر في كتاب الله، وبالأخص أن التفسير لا يمكن أن يمتثل الإنسان ما أمره الله به من تدبر القرآن إلا بواسطته، فالله تعالى يقول: (ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب)، ويقول: (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها)، فقد حض على التدبر فيه ولا يمكن أن يتم هذا إلا من خلال التفسير، فهذه إذن فائدة هذا العلم.

أما المقدمة العاشرة والأخيرة فهي مسائله وأصل ذلك التبويب ، أي تبويبه ، والعادة أن هذه المقدمة إنما يحتاج إليها في العلوم التي لا تتقيد بشرح متن ، فالعلوم التي تتقيد بشرح متن معين تبويبها هو تبويب ذلك المتن الذي تتعلق به ، فمثلا لو بحثت عن المسائل في النحو تقول أولا التمييز بين الكلمات من الاسم الفعل والحرف ، ثم بعد ذلك الإعراب ، ثم أوجه الإعراب وعلاماته ، ثم بعد ذلك تركيب الجمل التفريق بين المعرفة والنكرة ، أنواع المعارف ، ثم تركيب الجمل ، ثم ما يعرض لها من النسخ ثم بعد ذلك الجملة الفعلية ، الفاعل والنائب عن الفاعل ، الاشتغال  التنازع ، ثم بعد ذلك الفضلات الثمانية ، ثم بعد ذلك المجرورات ، تبدأ بالمجرور بالحرف ، ثم المجرور بالإضافة ، ثم إعمال المصدر ، ثم إعمال اسم المصدر ، ثم إعمال الأوصاف ، وأنواع الأوصاف ، ثم بعد هذا التكميل للتعجب بما يشبهه وهو نعم وبئس ، ثم بعد هذا التوابع ، ثم بعد ذلك مكمل الفضلات وهو المنادى وما يلتحق به ، ثم بعد ذلك ما يتعلق بإعراب الفعل، والجوازم والنواصب، وأدوات الشرط غير الجازمة، ثم بعد هذا ما يكمل الكلام من الحكاية والعدد ونصبه للتمييز أو جره له ، ثم بعد هذا المباحث الصرفية التي تبدأ بما ينصرف وما لا ينصرف ، ثم الجموع ، جموع التكسير ثم النسب والوقف والإمالة ، والتصريف والإدغام، ومخارج الحروف، فهذه هي مسائل النحو التي تدرس فيه ، وهذه تختلف الكتب في التقديم والتأخير بينها لكن هذا الذي ذكرناه الآن هو فلسفة النحو التي سار عليها جمهور المؤلفين من النحويين مثلا بعد ابن مالك ، في عصر ابن مالك ومن دونه ، أما في التفسير فلا يمكن أن نضع هذا ، لا يمكن أن نضع له هذا التقسيم ، لكن نقول إن المعاني التي عليها مدار القرآن أساسا هي :

أركان التشريع ، أولا : العقائد وما يتعلق بالتوحيد ، ثانيا : التشريع وما يتعلق بالأحكام ، ثالثا : الأخلاق ، رابعا : القصص والوعظ ، خامسا : أشراط الساعة ومشاهد القيامة وما يتعلق بذلك، سادسا : ما ينظم حياة الناس من العلوم التي هي محل للاكتشافات الجديدة ونحو هذا، وهذا منه ما يتعلق بالطبائع، ومنه ما يتعلق باللغات ، ومنه ما يتعلق بالأحياء، وغير ذلك مما يشمله القرآن، فهذه الستة متناسبة مع عد الآي، فآي القرآن ستة آلاف وزيادة قليلة مختلف فيها، لكن ستة آلاف هي الأصل، والزيادة قد أشرنا إليها من قبل عند اختلاف العد فيها، فكل ألف تناسب معنى من هذه المعاني الست التي ذكرناها ، ويمكن أن نرتب المسائل ترتيبا آخر فنقول إن علم التفسير ينقسم إلى مقدمات وأصل ، فالمقدمات هي ما يضعه المفسر بين يدي اشتغاله بالعلم ، وهي تنقسم إلى قسمين مقدمة كتاب ومقدمة علم ، فمقدمة الكتاب التي يذكر فيها المؤلف شروطه في الكتاب ومنهجه فيه وسبب تأليفه له ، ومقدمة العلم هي ما يتعلق بمصطلحات التفسير عموما ، مثل أن يتكلم عن الحروف السبعة والخلاف فيها ، يتكلم في ما يتعلق  بترجمة القرآن ، يتكلم في القول في القرآن بالرأي ، في تفسير القرآن بالأثر ، ونحو هذا فهذه هي المقدمات، ثم بعد ذلك الأصل، والأصل هو تفسير كل سورة من القرآن على حدة وكل سورة من القرآن ينبغي أن يبدأ تفسيرها بالربط بينها وبين سابقتها ببيان وجه المناسبة في الترتيب ، ثم ببيان هل هي مكية أو مدنية وتاريخ نزولها ، ثم يعد ذلك ببيان تناسب آياتها ومقاطعها ، وإذا استطاع الإنسان أن يبرز محور السورة والمعنى الأهم فيها مثل ما فعل سيد قطب ـ رحمه الله ـ فهذا مهم أيضا ، ومن السور ما يكون طويلا يتناول محاور كثيرة كسورة البقرة وسورة النساء مثلا وسورة المائدة فهذه لها محاور كثيرة تشريعية وأخلاقية وردود ومجادلات لطوائف مختلفة ، فيبين الإنسان هذه المحاور ويذكر الارتباط والمناسبة بين المقاطع ، ويذكر كذلك سبب النزول إن كان للسورة سبب نزول واحد فليذكره في المقدمة ، وإن كان لكل مقطع منها سبب نزول مستقل يبين ذلك عند ذلك المقطع بخصوصه فيجعل كل مقطع بمثابة سورة كاملة ، وفي الأخير بعد أن يصل إلى النص لا بد أن يتكلم عن الألفاظ وطرق قراءتها ، وأن يبين الأوجه المتواترة في القراءة ، ثم بعد ذلك ينسب هذه القراءات إلى القراء الذين اشتهرت قراءتهم لها، ويبين أوجه الاختلاف بينها هل هو مؤثر في المعنى أو غير مؤثر ، وهل بعضها مفسر لبعض ، ثم أوجه الإعراب في الآية كلها ، وهذا ينبغي التركيز فيه على الكلمات التي تختلف الدلالة باختلاف أوجه الإعراب فيها ،  أما ما يتعلق برفع الفاعل ونصب المفعول هذه أمور معهودة معروفة لدى الناس لا ينبغي للمفسر أن تأخذ جزءا كبيرا من وقته واهتمامه ، لكن ما يتعلق بالجار والمجرور ومتعلقه المحذوف ونحوه فهذا من الأمور التي يركز عليها في التفسير لأن بها فهم النص ، ثم بعد هذا التحليل البنيوي للألفاظ يأخذ قطعة مثلا آية أو آيات ـ مقطع ـ فيحلله تحليلا بنيويا فمع كل كلمة يذكر ما يناسبها من ذلك التحليل ، كل جملة يبين متعلقات الفعل أين المبتدأ الخبر ما يتعلق بتركيبهما ، لما ذا اختير هذا اللفظ بالخصوص لهذا الموضع ، ما هي الألفاظ التي كانت محتملة لأن توضع في هذا المكان واختيرت هذه الألفاظ عنها ، وجه الإعجاز في ذلك ، وجه البلاغة فيه ، والتركيز على الجانب البلاغي والإعجاز التشريعي أمر مهم جدا ، وكذلك التركيز على الجوانب العلمية إن كان الإنسان أهلا لهذا كثل ما يتعلق بالعظمة ـ عظمة الله ـ من خلال عظمة الكون وعظمة إتقان الصنعة ، وما تشير إليه الآيات الكثيرة في هذا الباب ، ثم بعد هذا ما يستنبط من المقطع، وليجعل ذلك آخرا، وينبغي أن لا يمزجه بتفسير الكلمات والتحليل البنيوي لها بل يتوصل إليه في النهاية، والاستنباطات ينبغي أن يدرج فيها ما يؤخذ منها من الفقه والأصول والدلالات المختلفة فيجعلها في الآخر ، وينبغي له ألا يميل مع المذهب الفقهي لأن ذلك يقتضي منه تعصبا ويقتضي منه أن يحصر معنى الآية فيما ذكر ، ولهذا فإن السيوطي ـ رحمه الله ـ كان موفقا في كتابه الإكليل في استنباطات التنزيل حين لم ينسب مذهبا من المذاهب إلى القائل به ، يأتي بالآية يقول قول الله كذا فيه كذا وفيه كذا وفيه كذا ، أي أخذ منه كذا وكذا ، سواء كان ذلك الأخذ صحيحا أو ضعيفا أنا لا يعنيني هذا ، أنا أبين لك وجه الاستنباط كيف استنبط العلماء من هذه الآية وما استنبطوا منها ، ولذلك بالإمكان أن أتكلم في نفس الآية في موضع استنبط منه العلماء حكما وفي الموضع الذي يليه استنبطوا حكما مخالفا للسابق ، وحينئذ أبحث عن أوجه الجمع أو أجه التفريق ، ثم بعد هذا الأحسن للمفسر أن يضع في نهاية كل مقطع ما يؤدي إلى الربط الذهني سواء كان بأسئلة محددة عما سبق تبين مدى استيعاب الناس له يضعها في آخر كل مقطع ، أو بالتخلص للوصول للموضوع الذي يليه ، وهذا الذي سار عليه جمهور المفسرين ، يأتون في آخر الكلام بما يربطه بالموضوع الذي يليه ، وأهل البلاغة يقسمون السورة في الأصل إلى ثلاثة أقسام ، القسم الأول المقدمة ، والقسم الأوسط الصلب ، والقسم الآخر الخاتمة ، يقول السيوطي ـ رحمه الله ـ في عقود الجمان

*ويطلب التأنيق في ابتداء **وفي تخلص وفي انتهاء *

* وسور القرآن في ابتدائها**وفي خلوصها وفي انتهائها*

*واردة أكمل وجه وأجل ** وكيف لا وهو كلام الله جل *

*ومن لها أمعن بالتأمل ** بان له كل خفي وجلي *

وقد ختم هو كتابه بهذه الخاتمة الجميلة.

بهذا نكون قد أتينا على المقدمات العشر في علم التفسير ، ونصل هنا إلى أمر مهم وهو أن الدارس لعلم التفسير غير المفسر ، فالمفسر هو الذي شغلنا وأخذ جمهور وقتنا ، أما الدارس فهو الطالب ، والطالب لا بد أن يعرف قدره وأن يجلس دونه ، رحم الله امرءا عرف قدره وجلس دونه ، ومن هنا فعليه ألا يتجاوز طوره وألا يتعداه ، فكيف يتم ذلك؟ إنما يتم بالانتخاب والاختيار، أن يختار المناسب له وهذا الاختيار في العادة لا يكون إلى الطالب وإنما يكون لشيخه ، الشيخ الذي يدرس التفسير في المسجد لا بد أن يختار لأهل المسجد الكتاب الذي يعرف أنه مناسب لمستواهم ولوقتهم، ولا يجبرهم على كتاب ليس على مستواهم أصلا ويوقعهم في إشكالات وحرج كبير ، ومن هنا فالعادة أن طلاب العلم على ثلاثة مستويات ، فالمستوى الأول المبتدئون وهؤلاء ينبغي أن يأخذوا من التفاسير ما سهل وخف مثل تفسير الجلالين وتفسير السعدي وتفسير ابن جزي  وتفسير النسفي ، فهذه التفاسير المختصرة السهلة وهي متكاملة فيما بينها، فمثلا المقدمات أحسن شيء في مقدمات التفسير ما لخصه ابن جزي في مقدمة تفسيره ، وهذا يغنيهم عن الخوض في المقدمات الطويلة مثل ما ذكره ابن جرير الطبري والقرطبي في تفسيريهما ، فالمقدمات التي ذكرها ابن جزي هي فوق العشرة ، ينبغي لكل مشتغل بعلم التفسير أن يثبتها في دماغه لأنها تعينه كثيرا على هذا العلم ، ومثل ذلك مقدمة التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية ، مقدمة في أصول التفسير ، هذه ذكر فيها بعض القواعد المهمة في التفسير يفهم بها الإنسان كثيرا من الأمور مثل قوله : إن تفسير السلف ليس تفسيرا لكامل المعنى وإنما هو تفسير جزئي ، وهذه قاعدة ركز عليها شيخ الإسلام في هذه المقدمة ، وأتى عليها بكثير من الأدلة ، قال إن تفسير السلف هو بمثابة من قال لك ما الخبز ؟ فأخذت خبزة فرفعتها وقلت هذا الخبز ، فليس معناه أنك تزعم أن ما في الدنيا من الخبز محصور فيما في يدك ، بل المعنى أنك تريد أن تفهمه ، وقد فهم هو الخبز بمجرد رؤيته ، مثل الذي لا يعرف لغة العرب فسألك ما التمر فأخذت تمرة فرفعتها ، قلت هذا التمر يفهم بهذا التمر وليس معناه أنك أنت تقصد انحصار التمر فيما رفعت ، ولذلك فقول عائشة ـ رضي الله عنهاـ في تفسير قول الله تعالى :(ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين) هو المؤذن ، هذا تفسير جزئي ولا تقصد به أن هذا معنى الآية مطلقا ، معناه من هؤلاء المؤذنون فهم يدعون إلى الله ويقولون أحسن القول ، وهو دعا إلى الله حين قال حي على الصلاة حي على الفلاح، وعمل صالحا حين كبر : الله أكبر الله أكبر ، وقال إنني من المسلمين حين قال : أشهد ألا إله إلا الله أشهد أن محمد رسول الله ، فالمؤذن فعلا دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ، لكن لا يقتضي هذا انحصار  معنى الآية في مثل هذا المثال.

المستوى الثاني هو المستوى المتوسط ، فبعد أن يقرأ الإنسان هذه الكتب المختصرة الملخصة لا بد أن يتجاوز هذا الحد ويصل إلى الحد الأوسط ، وهذا يحسن فيه تفسير الشوكاني فتح القدير وإذا جمع الإنسان معه تفسير ابن كثير ، ونحو ذلك فهذا مفيد له ولو ضم إلى ذلك أيضا تفسير البيضاوي أو أبي السعود فإن ذلك مما ينفعه كثيرا ، وهذه المرتبة يقصد بها الزيادة في الاستيعاب وفهم توجهات المفسرين ومدارسهم المختلفة ، وكذلك تحفيز الهمم للازدياد من العلم .

 المرحلة الأخيرة وهي التي يكون الإنسان فيها مستعدا للتأليف في التفسير ، هذه يركز فيها الإنسان على تفسير الطبري وتفسير القرطبي ، وتفسير ابن عطية ، وتفسير أبي حيان ، فهذه الكتب الجامعة الكبرى ، وهذا المستوى الأعلى للتفسير ، وإذا كان الإنسان يريد أن يهذب لسانه وأقواله فليختر مع هذه بعض كتب المتأخرين لأسلوبهم السهل ، مثل كتاب الشيخ محمد طاهر ابن عاشور التحليل والتنوير ، فأسلوبه أسلوب عصري رصين ، وهو ميسر مسهل ،  وإذا أراد كذلك أن يجعل نفسه مستوعبا للجانب الفكري في القرآن فلا غنى به عن كتاب في ظلال القرآن ليسد قطب ـ رحمه الله ـ والذي يريد أن يجعل مقدمات للسور ـ كما ذكرنا أنه ينبغي أن يكون من شأن المفسر دائما ـ لا بد أن يرجع لهذا الكتاب.

فإذن هذه هي المستويات الثلاثة المعتادة في التفسير.

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم .

.......................................................................................

 

السؤال: ماذا عن تفسير الثعالبي؟

 الجواب : بالنسبة لتفسير الثعالبي هذا التفسير تفسير أدبي ، يعتني بالأسلوب لأن المؤلف كذلك أديب ، فهو من مشاهير الأدباء ، وهو مؤلف كتاب يتيمة الدهر ، ومؤلفاته كثيرة ، وكتبه المطبوعة الآن تقريبا ستة عشر كتابا في الأدب فقط ، بالإضافة إلى أنه مؤلف فقه اللغة ، وله كتب كثيرة مطبوعة الآن في علوم شتى ، له المثل السائر ، وله أحسن ما سمعت ، وله الإنكات ، وله التعمية ، وله كثير من الكتب المطبوعة .

والثعلبي تفسيره يقول شيخ الإسلام ابن تيمية إنه بالغ فيه في تأويل الصفات حتى كاد يصل إلى مستوى الاعتزال ، وأنا ما طالعت كتابه هذا.

 

السؤال: ماذا عن تفسير سلطان العلماء والواحدي؟

الجواب: بالنسبة لتفسير سلطان العلماء العز ابن عبد السلام فهو مخطوط والآن ويحقق في رسائل دكتوراه، وتفسير الواحدي الكبير كذلك موجود مخطوط .

وتفاسير المتقدمين لا حصر لها، أعداد هائلة جدا ، مثلا تفسير أبي الليث السمرقندي ، والليث تفسيره مطبوع في مجلد واحد .

 

السؤال: نريد نبذة عن كتب معاني القرآن؟

الجواب: كتب معاني القرآن هذه مختصة بالألفاظ ، مثل غريب القرآن الكريم ، منها معاني القرآن للفراء ، وغيرها ، فهذه تعتني بالنحو والصرف .

 

السؤال: هل هناك تفسير اختص بعلم أصول الفقه؟

الجواب: ما فيه تفسير اختص بأصول الفقه فقط ، لكن كتاب الفخر الرازي ذكر فيه كثيرا من المسائل الأصولية ، والمناظرات الجدلية الأصولية ، واعتنى بهذا الجانب، وفي مجال الأصول أحسن الكتب هذا الكتاب، بالإضافة إلى أن القرطبي يعتني كثيرا بمسائل الأصول ، وكذلك ابن العربي في أحكام القرآن يقسم المسائل ، المسائل العقدية ، المسائل الفقهية ، المسائل الأصولية.


 بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعامين ، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

وصلنا إلى علوم السنة ، وهذه العلوم المتعلقة بالسنة  أهمها : علم الحديث رواية ، ثم علم الحديث دراية ، ثم علم شروح الحديث ، أو شرح الحديث ، ثم علم الرجال والجرح والتعديل ، ثم علم العلل.

أما علم الحديث رواية ، فالمقصود به رواية كتب الحديث ، وهو العلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لأن ما يتعلق بالرواية هو أن تروى الأحاديث الواردة عن رسول الله عليه وسلم ، بطرقها من أوجهها المعروفة ، وهو أول علم ظهر في الإسلام ، فأول علم ألفت فيه الكتب هو علم الحديث رواية ، فلنبدأ أولا بتعريف هذا العلم.

فنقول الحديث في اللغة ضد القديم ، ويطلق  على الكلام سواء كان مفيدا أو غير مفيد ، فمن إطلاقه على المفيد قول الله تعالى : (فبأي حديث بعده يؤمنون) ، (أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون) ، (ومن أصدق من الله حديثا) ، كل هذا بمعنى الكلام المفيد ، ومن إطلاقه على غير المفيد قول الشاعر :

*وحديثها السحر الحلال لَوَان٦amp;#39;َه** لم يجن قتل المسلم المتحرز*

*إن طال لم يملل وإن هي أوجزت ** ود المحدث أنها لم توجز*

وهو في الاصطلاح لهم فيه ثلاثة أقوال .

القول الأول : أن الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذا الموافق للمعنى اللغوي، فالمعنى الاصطلاحي فيه قريب من المعنى اللغوي ، لأن الحديث في اللغة الكلام كما ـ ذكرنا ـ فيطلق اصطلاحا على كلام الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالخصوص ، فتكون \"أل\" فيه خلفا عن الضمير ، أو تكون عهدية ، معناه حديثه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو الحديث المعهود الذي هو حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهذا القول يضيق مفهوم الحديث حيث يقصره على أقوال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون أفعاله وتقريراته، ودون أوصافه الخلقية والخلقية ، ودون كلام غيره من أصحابه ـ عليه السلام ـ ومن دونهم .

القول الثاني : أن الحديث مرادف للسنة ، وهذا يحوجنا إلى التعرف على السنة ، فالسنة في اللغة الطريقة ، خيرا كانت أو شرا ، فمن إطلاقها على طريقة الخير قول الله تعالى : (سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا) ، ومن إطلاقها على الشر قول الله تعالى : (قد خلت من قبلكم سنن) ، وتطلق على الطريق في الجبل ، فيقال : اسلك هذه السنة أي الطريق في الجبل ، وتطلق على الصميم من كل شيء ومنه سنة الوجه أي صميمه، قال غيلان :

       *تريك سنة وجه غير مقرفة ** ملساء ليس بها خال ولا ندب *

وتطلق كذلك على العادة ، (سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا) أي لعادة الله في خلقه ، أي ما أجراه الله مما يعود ويتكرر في الخلق ، هذا معنى السنة ، كأنها على طريقة موحدة ، ومنه أيضا العادة لأنها تبدأ وتعود ، فهي مشتقة من العود للذي يتكرر ، فكذلك سنة الله بمعنى عاداته المتكررة في خلقه .

والسنة في الاصطلاح يختلف إطلاقها باختلاف المصطلحين ، فهي عند أهل الحديث : ما أثر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خَلقي أو خُلقي ، سواء صلح ذلك دليلا لحكم شرعي أو لم يصلح ، فكل ما روي عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أو ذكر فيه اسمه ، وهو مروي فهو حديث عندهم ، فيدخل في ذلك قوله وفعله وتقريره ووصفه الخلقي ووصفه الخلقي كذلك ، إذا كان الواصف ممن رآه أو عرفه ، وهذا القيد لا بد منه ، ولا يذكره أهل الحديث ، لكن إطلاق هذا اللفظ دون القيد يقتضي أن مدح الشعراء للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكون من السنة ، وليس ذلك سنة قطعا ، فهم يصفونه ويمدحونه بأشعارهم ولم يروه ، فذلك غير داخل في السنة فلا بد أن نأتي بهذا القيد وهو \"شريطة أن يكون الواصف ممن رآه أو عرفه\" .

وفي اصطلاح الأصوليين : ما أثر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح دليلا لحكم شرعي ، ويخرج من ذلك الأوصاف فلا تصلح دليلا لحكم شرعي ، والذي يستدل به في الأحكام الشرعية من السنن ثلاثة أقسام ، الأقوال ويستدل بها في جميع أقسام الخطاب التكليفي الخمسة كلها ، والأفعال ويستدل بها في قسمين : في الجائزات والمندوبات ، والتقريرات ويستدل بها في قسم واحد وهو : المباحات فقط.

فهذه هي السنة عند الأصوليين.

أما عند الفقهاء ، فالسنة عندهم هي : وصف المأمور به شرعا أمرا غير جازم ، فالمأمور به شرعا إما أن يكون جازما أو غير جازم ، فإن كان جازما فاسمه الواجب ووصفه الوجوب، وإن كان الأمر به غير جازم يصفونه بالسنة، فيطلقون عليه \"سنة\"، فيقولون الرواتب سنة ، وصلاة الاستسقاء سنة ، صلاة العيدين سنة ، وهكذا ، فالسنة هنا معناه وصف المأمور به شرعا أمرا غير جازم ، ولهم في ذلك تفصيلات فمنهم من يرى أن السنة تختص من ذلك بما فعله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأظهره في ملئ وواظب عليه ودل الدليل على عدم وجوبه ، فهي أعلى من المندوب والمستحب ، والرغيبة والنفل ، والتطوع ، وهذه مراتب دونها ، والخلاف هنا لفظي اصطلاحي فقط ، فمن يطلق السنن على الجميع قد وسع الاصطلاح ، ومن يخص السنن بما فعله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ملئ وواظب عليه ودل الدليل على عدم وجوبه ، يخص بعض ذلك.

والسنة عند أهل العقائد: الهدي الأول المعروف في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه، ولهم في ذلك إطلاقان: إطلاق عام تقابله البدعة، وإطلاق خاص تقابله الشيعة، فيقال هذا سني وهذا شيعي في المقابل، فهذا الإطلاق خاص ، ويقال هذا سنة وهذا بدعة في إطلاق عام أعم من ذلك ، واشتهر لقب أهل السنة لقبا منتشرا بين الناس ، وهو يطلق هذين الإطلاقين، يطلق على كل من عدا الشيعة من فرق الإسلام ، رغم كل ما يحصل في هذه الفرق من انحرافات ، ويطلق كذلك على مقابل المبتدعة ، ولكن الناس في هذا الإطلاق ساروا وراء فوضى الاصطلاحات ، فيكثر أن تسمع من يسأل هل فلان من أهل السنة ، حتى إنك تسأل عن أعلام أهل السنة الذين ما روي الحديث إلا من طريقهم كالحافظ ابن حجر ، يقال لك هل الحافظ ابن حجر من أهل السنة ؟ ولا يوجد اليوم على وجه الدنيا سنة إلا عن طريق الحافظ ابن حجر ، لا تعرف رواية للحديث اليوم على وجه الدنيا إلا من طريق الحافظ ابن حجر، كل الأسانيد الموجودة اليوم على وجه الدنيا ـ أو إن لم نقل كلها ـ فغالبها من طريق هذا الحافظ ـ رحمه الله ـ يندر جدا أن توجد أسانيد من غير طريقه ، وهي ـ فقط ـ أسانيد المحب الطبري المكي ، وهذه كثير منها من طريق الحافظ ابن حجر عن ابن فهد ، وابن فهد المكي من أصحاب الحافظ ابن حجر سمع عليه صحيح البخاري في يومين بالحرم المكي ، فأكثر السنن كلها من طريق هذا الرجل فكيف يسأل هل  هو من أهل السنة ! أهل السنة منه هو ، أهل السنة اليوم منه هو فلا يقال هل هو من أهل السنة ، ومثل ذلك إطلاقات هذا على المذاهب فلو قلنا : المذهب الحنفي من مذاهب أهل السنة ، ليس معناه أن كل من تمذهب بهذا المذهب ملتزم بالسنة تماما لم يبتدع في أي شيء ، وكذلك إذا قلنا المذهب الأشعري من مذاهب أهل السنة ليس معنى هذا أن كل من انتسب إلى هذا المذهب التزم بالسنة ولم يبتدع في أي شيء  ، بل هذه مذاهب في حد ذاتها غير مخالفة للسنة ، وأتباعها منهم المتسنن الملتزم  ومنهم من دون ذلك كما قال تعالى : (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها)، منهم ظالم لنفسه، ومع ذلك فيهم المقتصدون، وفيهم السابقون بالخيرات، وأهل السنة لهم أربعة مذاهب في الفقه ـ كما سيأتي ـ ولهم ثلاثة مذاهب في الاعتقاد ـ كما سيأتي ـ .

وإطلاق أهل الحديث ـ هذا الإطلاق الثاني ـ على ما يرادف السنة يفهم منه أنه ما أثر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأقوال والأفعال والتقريرات والأوصاف الخلقية والخلقية فيكون أعم من القول السابق ، لأن القول السابق يقصر الحديث على أقوال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقط ، وبالقول الثالث أن الحديث هو المروي بإسناد مطلقا ، كل ما روي بإسناد من العلم يسمى حديثا ، لكن يقال حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وحديث أصحابه وحديث التابعين وحديث فلان من الناس ، قالوا هذا حديث ابن جريج ، وهذا حديث عطاء ، وهذا حديث ابن عباس ، وهذا حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيدخل في ذلك المرفوع والموقوف والمقطوع هذه الأنواع الثلاثة ، المرفوع المنسوب إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والموقوف على صحابي ، والمقطوع الموقوف على من دون الصحابي ، فكل هذه الأنواع تسمى حديثا على هذا القول الذي هو أوسع الأقوال الثلاثة ، وهذا القول به أخذ كثير من أهل الحديث ، ولذلك تجد في كلامهم السؤال عن حديث فلان وعن حديث فلان وهي أحاديث موقوفة أو مقطوعة ، ويطلقون عليها الحديث .

وبالإطلاق الأول أخذ المتقي الهندي حين جمع الأحاديث القولية المروية عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم يجمع معها الأحاديث الفعلية ولا التقريرية ولا الوصفية ، فاختص الحديث عنده ـ فقط ـ بالأحاديث القولية ، وقد كان الحديث في زمان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منهيا عن كتابته وتدوينه ، فقد قال : لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ، ومع ذلك أذن لبعض أصحابه، فمنهم من أذن له إذنا مطلقا في كتابة ما سمع منه، ومن هؤلاء عبد الله بن عمرو بن العاص فقد أذن له في الكتابة عنه فكان يكتب ما سمع من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأحكام ، فقال له رجال من قريش : إنك تكتب عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإنه يتكلم وهو غضبان ، فأتاه فقال إن قريشا نهوني أن أكتب عنك وقالوا إنك تتكلم وأنت غضبان ، فقال : \"اكتب فوالذي نفسي بيده لا يصدر منه إلا الحق ـ أشار إلى فمه ولسانه ـ \" ، ولذلك قال أبو هريرة رضي الله عنه : لم يكن أحد من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكثر مني حديثا إلا ما كان من عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب، والواقع أن عبد الله ابن عمرو ليس أكثر حديثا من أبي هريرة بل أبو هريرة أكثر منه، ولذلك فإن مروياتهما إذا قورنت تجد البون الشاسع فيها ، فمرويات أبي هريرة في مسند بقي ابن مخلد خمسة آلاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثا ، ويليه في الإكثار ابن عمر ، ثم عائشة ، ثم ابن عباس ، ثم بعد ذلك أنس ابن مالك ، ثم جابر ابن عبد الله ، ثم يأتي عبد الله ابن عمرو في هذه المرتبة ، لكن عموما هو معدود في المكثرين الذين رووا أكثر من ألفي حديث ، وكذلك فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمر بالكتابة لأبي شاه ، وهو رجل من أهل اليمن حضر خطبته بمكة فلم يحفظها ، فسأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يأمر بأن يكتب له ، فقال : \" اكتبوا لأبي شاه \" ، وكذلك كتب كتابا لعمرو ابن حزم الأنصاري أرسله به حين ولاه على جمع الصدقات ، وفيه كثير من الأحكام منها ما يتعلق بالجنايات والدماء والقصاص ومنها ما يتعلق بالزكاة والأروش وغير ذلك ، واستمر الأمر على هذا الحال في حياة الخلفاء الراشدين فلم يكتب في زمانهم شيء من السنن ، فلما ذهبت الخلافة الراشدة بدأ بعض الصحابة يكتب أو يكتب عنه بعض الأحاديث ، فقد صح في صحيح البخاري أن معاوية ابن أبي سفيان ـ رضي الله عنه ـ كتب إلى المغيرة ابن شعبة أن يكتب إليه حديثا سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ فكتب إليه الذكر الذي سمع منه بعد نهاية الصلاة ، وكذلك فإن أبا هريرة ـ رضي الله عنه ـ كتب صحيفة مما سمعه من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يسميها الصادقة ، وهي التي رواها عنه همام ابن منبه ، يسميها الصادقة لأن كل ما فيها سمعه من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد رواها همام ابن منبه ، ورواها عن همام معمر ابن راشد ، ورواها عن معمر ابن راشد عبد الرزاق ابن همام الصنعاني.

كذلك فإن أبا بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ من قبل كتب لأنس كتابا فيه تفصيل الزكاة حين ولاه عليها ، لكن لم يرفع ذلك إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد عملت الأمة على مقتضى رفعه لأنه لا يأخذ إلا من طريق التوقيف  ، كتاب أبي بكر لأبي حمزة أنس ابن مالك ـ رضي الله عنه ـ في شأن الزكاة ، ولكن الغالب في هذه الكتب الانقطاع في الأسانيد ، لأن الناس يتكلون على أنها موجودة مكتوبة لديهم فلا يعتنون بحفظها ـ في الغالب ـ بخلاف ما كان محفوظا لديهم ، فيبقى الإسناد فيه متصلا بالتحديث ، ولذلك فإن أحاديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده كانت من هذا القبيل لأنها من مكتوبات عبد الله ابن عمرو ابن العاص ـ الذي كان يكتب ـ  وما كتبه سيفرط أولاده في حفظه لأنه موجود لديهم مكتوبا فلا يهتمون بحفظه مثل ما يهتمون بحفظ المرويات ، فلذلك كل الكتب في صدر الإسلام ـ في الغالب ـ في روايتها انقطاع ، حتى كتاب عمر إلى أبي موسى الذي عليه مدار القضاء ، وحتى أقضية علي ابن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ التي رواها الشعبي وزر ابن حبيش وعبيدة السلماني كل هذه فيها انقطاع في الأسانيد ، والسبب هو أن ما كتب يثق الشخص بأنه موجود لديه فيقل حفظه لديه ، وقد زال هذا في أيام أتباع التابعين حينما بدأ العلماء يحدثون من كتبهم ، ولذلك قال مكي ابن إبراهيم ـ شيخ البخاري ـ قال كتبت بإصبعي هاتين عن ستين من التابعين ، ولو علمت أني يحتاج إلي لكتبت عن أكثر ـ مكي له خصائص عجيبة تزوج مائة امرأة ، وكتب عن ستين من التابعين ، وحدث عنه مائة من الأعلام ، وعنه روى البخاري ثلاثياته ولذلك ما دمنا في الحديث نحدث بها أو ببعضها أو بأول حديث منها على الأقل ـ وهي أربعة وعشرون حديثا ـ بالإسناد فقد حدثني شيخي محمد عال ابن عبد الودود عن شيخه يحظيه ابن عبد الودود عن محمد ابن محمد سالم المجلسي الأموي، عن حامد ابن عمر، عن الفقيه الخطاط، عن القاضي ابن علي مم السباعي، عن شيخ الشيوخ الحسني، عن علي الأجهوري، عن البرهان العلقمي، عن الجلال السيوطي، عن زكريا الأنصاري، عن الحافظ ابن حجر، عن إبراهيم البلخي، عن أحمد ابن أبي طالب الحجار، عن أبي الوقت عبد الأول ابن عيسى الس٦amp;#39;َج٦amp;#39;زِي٦amp;#39;ُ، عن الحسيين ابن المبارك، عن عبد الرحمن ابن محمد الداودي، عن عبد الله ابن أحمد الس٦amp;#39;َرخسي، عن محمد ابن يوسف ابن مطر الفِرَب٦amp;#39;ري، عن محمد ابن إسماعيل ابن إبراهيم ابن المغيرة البخاري، قال حدثنا مكي ابن إبراهيم ، قال حدثنا يزيد ابن أبي عبيد، عن سلمة ابن الأكوع، عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار.

هذا أول حديث من ثلاثيات البخاري ، بين البخاري فيه وبين رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثلاثة هم : مكي ابن وإبراهيم ، ويزيد ابن أبي عبيد ، وسلمة ابن الأكوع.

 ثم لما انتهى عهد الصحابة ، وتحقق الوعد الذي أخبر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد كان فيهم ذات ليلة ـ كما في حديث ابن عمر في الصحيحين ـ فقال أرأيتكم ليلتكم هذه ، فإنه لا يبقى على وجه الأرض بعد مائة سنة منها ممن هو عليها أحد \" وفي رواية \"فإنه لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها بعد مائة سنة منها ذو نفس منفوسة\" فلم تتم مائة سنة بعد تلك الليلة وعلى وجه الأرض أحد من الصحابة ، بل ماتوا جميعا قبل تمام المائة من الهجرة، وآخرهم موتا أبو الطفيل عامر ابن واثلة المكي وقد توفي في عام ثمانية وتسعين من الهجرة .

فلما تولى عمر ابن عبد العزيز الخلافة في عام مائة كتب، إلى علماء الأمصار وأمرهم بتدوين السنن ،فكان من المنتدبين لذلك محمد بن مسلم بن شهاب الزهري وكذلك أبو بكر بن محمد بن عمر بن حزم الأنصاري ، والزهري كان يمتنع من قبل عن كتابة الحديث عناية بالحفظ وكان يمتحن الناس في حفظ الحديث فمن أتقن الحديث أهدى إليه هدايا ووصله بصلة دائمة ، فكان ينفق على المتميزين البارزين في حفظ الحديث ، ولذلك فإنه أتى المدينة في حجة من حجاته فاجتمع عليه أهل المدينة يسألونه الحديث فحدثهم في مجلسه بستين حديثا بأسانيده، فكأنه تعب فقالوا زدنا فقال لا أزيد كم حتى تعيدوا علي ما حدثتكم به ، فقال له ربيعة بن أبي عبد الرحمن ـ وهو ربيعة بن فروخ المشهور بربيعة الرأي ـ قال :إن في مجلسك من حفظ ما قلت منذ اليوم ولم يكن يحفظ شيئا منه، فقال : من هو ؟ فأشار إلى مالك بن أنس ، فدعاه فسأله ، فأعاد عليه حديثه بترتيبه الذي قال لم يخطئ في حرف منه ، فقربه الزهري وكان بعد ذلك يهدي إليه ويصله ، ويعتني به ،وقد امتحن هشام بن عبد الملك الزهري ـ رحمه الله ـ في حفظ الحديث امتحانا عجيبا ، دعاه وأجلسه معه على سريره ، وأجلس رجالا وراء الستر ، وأمرهم أن يكتبوا الأحاديث التي سيحدثه بها ، وامسك بيده وقال : حدثني بأربعمائة حديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأسانيدك فيها ، فأمسك بيده فحدثه بأربعمائة حديث يعدها والرجال يكتبونها والزهري لا يشعر بذلك ـ في مجلس واحد ـ فلما كان بعد عام ، دعاه فأجلسه في نفس المجلس فقال: أعد علي الأحاديث التي  حدثتني بها العام الماضي كما هي على ترتيبها ، وأمر رجالا بكتابتها من وراء الستر، فأعادها كما هي بترتيبها دون أن يخطئ في شيء منها ، فدعا هشام بالأوراق فطابقها فجاءت متطابقة متقابلة ، ولكن الزهري وأبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ومن كان في طبقتهما من صغار التابعين لم يدونوا هذه السنن على أساس تبويب وترتيب ، فكل علم في بداية نشأته لا بد أن يمر بكثير من التجارب ولهذا فتجارب أهل الحديث فيه جاءت على أوجه كثيرة ، فمن أحسنها :

-       الترتيب على الأساس العلمي ـ على أساس أبواب العلم ـ وهذا الذي انتهجه مالك ، ومن بعده أصحاب المصنفات والسنن والكتب الصحيحة ، فيرتبون الحديث على أساس أبواب العلم .

-       النهج الثاني الذي انتهجه أصحاب المسانيد ، وهو الترتيب على أساس حديث الرجال ، أحاديث الصحابة ، يبدأ أولا بحديث أبي بكر ثم بحديث عمر ثم بحديث عثمان ثم بحديث علي، ثم يرتب الصحابة حسبما بدا لواضع المسند بعد ذلك بحسب الفضل والسبق في الإسلام ، أحاديث العشرة ، يبدأ بها قبل غيرهم ، ثم أحاديث من دونهم ، ومن أول من ابتكر هذه الطريقة أبو داوود الطيالسي، وتبعه عليها أحمد بن حنبل ومسدد وأبو بكر بن أبي شيبة ، وشاعت وانتشرت بعد ذلك ، فأصحاب المسانيد سلكوا هذا الطريق .

-       الطريقة الثالثة : هي الترتيب المعجمي على أسماء الشيوخ ، فيبدأ الإنسان بشيوخه الذين روى عنهم ويرتبهم على الحروف الأوائل ، وعادتهم في ذلك أن يبدءوا بالأحمدين ، ثم بالإبراهيمين ، فيعكسون الترتيب فقط في الأحمدين يقدمونهم على الإبراهيمين وإن كان الترتيب المعجمي يقتضي سبق إبراهيم على احمد ، لكن أحمد اسم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو أفضل من اسم إبراهيم فيقدم ، ومن الذين رتبوا هذا الترتيب الإمام الطبراني ، فقد وضع عليه معاجمه الثلاثة ، الكبير والأوسط والصغير.

ثم منهم من يفرد كل علم بكتاب مستقل أو يؤلف في بعض العلوم ، فمن العلوم التي أفردت علم العقائد ـ أي ما يتعلق بها من الأحاديث والآثارـ وهذا الذي كان يسمى في صدر الإسلام بالسنن وبالإيمان أيضا، فقد ألف عدد كبير من الأئمة بهذا الاسم، مثل كتاب السنة للإمام أحمد بن حنبل، وكتاب السنة لأبي داوود السجستاني، وكتاب السنة لابن أبي عاصم ، وكتاب السنة للخلال ،وكتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد ، وأصول السنة للحميدي ، وشرح أصول أهل السنة للالكائي ، والشريعة في السنة للآجري ، والمختار في السنة لابن البنا، فكل هذه لخدمة هذا العلم وحده ، ومثلها الكتب المترجمة بالإيمان كالإيمان لأبي بكر بن أبي شيبة ، والإيمان لأبي خيثمة ، زهير بن حرب ، شيخ مسلم بن الحجاج ـ كلاهما شيخ مسلم بن الحجاج ـ والإيمان لابن منده ، وكذلك التوحيد، ككتاب التوحيد لابن خزيمة، فهؤلاء أفردوا ما يتعلق من الحديث بالعقائد في كتب مستقلة .

-        ثم منهم من أفرد ما  يتعلق بالزهد والرقائق في كتب مستقلة ، فمنها كتاب الزهد لعبد الله بن وهب صاحب مالك ، وكتاب الزهد والرقائق لعبد الله بن المبارك صاحب مالك ـ أيضا ـ وكتاب الزهد لوكيع بن الجراح ، وكتاب الزهد لأسد السنة ، وكتاب الزهد للإمام أحمد بن حنبل، وكتاب الزهد لابن أبي عاصم النبيل، وغيرها من الكتب الموسومة بهذا الاسم ، مثل كتاب السنة لهناد بن السري شيخ أبي داوود وغيره.

-  كذلك ما يتعلق بأبواب أخرى من العلم كالعلم ـ مثلا ـ فقد ألف فيه عدد منهم ، بعنوان العلم ـ أي ما يتعلق بالعلم من الأحاديث ـ ومن الذين أفردوا ذلك بالتأليف ابن أبي شيبة ، وابن أبي عاصم ، وبعدهم عدد من المؤلفين المتأخرين كالخطيب البغدادي (اقتضاء العلم العمل وتقييد العلم)  وغير ذلك من كتبه .

-  ومنهم من أفرد كذلك أبوابا أخرى من أبواب الحديث بالتأليف، وقد اشتهر من الذين أكثروا المؤلفات المستقلة ابن أبي الدنيا فقد ألف في عنوانين كثيرة تتصل بالزهد والرقائق وغير ذلك ، كالمنامات والأهوال والعيال وذم الهوى، وغير ذلك من كتبه الكثيرة.

-   ومثل ذلك ما يتعلق بالقدر فقط ، فقد ألف فيه عدد كبير منهم وكتب ملك رسالة القدر ، وكتب الليث بن سعد كتاب القدر ، وكتب عبد الله بن وهب كتاب القدر، وكذلك كتب الإمام أحمد كتاب الورع ، وكتب ابن أبي عاصم كذلك كتاب الأمثال في الحديث وكتاب الورع ـ كذلك ـ فأفردوا كثيرا من الأبواب العلمية بكتب حديثية مستقلة ، ولذلك فإن المتأخرين ـ أيضا ـ أفردوا أدلة الأحكام من الحديث في كتب مستقلة ، فمن أول من سعى لذلك أبو داود ـ رحمه الله ـ فإن كتابه السنن  ، لم يرد فيه جمع الأحاديث وإنما أراد فيه جمع أدلة الأحكام ، ولذلك كتب في رسالته إلى أهل مكة هذا كتاب السنن جمعت لكم فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كلها في الأحكام ، وجاء بعده ابن الجارود فألف كتابه المنتقى من أدلة الأحكام ثم بعد هذا جاء الحافظ المقدسي فألف عمدة الأحكام ، وجاء الحافظ عبد الحق الإشبيلي بن الخراط فألف كتب الأحكام الثلاثة : الأحكام الكبرى ، والأحكام الوسطى ، والأحكام الصغرى ، ثم جاء الحافظ أبو الفضل زين الدين العراقي فألف كتابه تقريب الأسانيد وجامع المسانيد ، أو بترتيب المسانيد ، أراد به تسهيل حفظ الأسانيد على ولده أبي زرعة عند ابتداء الطلب ، وابتكر فيه طريقة عجيبة لحفظ الأسانيد فكل حديث ذكر معه الصحابي أو ذكر من دون الصحابي والصحابي فإن ذلك يرمز لإسناد من أسانيده التي دونها في مقدمة الكتاب ، فلا يحتاج إلى أن يعيد هذه الأسانيد ، بل إذا قال عن أبي هريرة بالإطلاق حفظت الإسناد لأنه إسناد واحد قد حفظته في المقدمة ، وإذا قال عن سالم بن عبد الله عن أبيه حفظت الاسناد لأنه إسناد متقدم ،  وإذا قال عن ابن عمر عرفت الاسناد وهكذا ، فهذا يسهل حفظ الاسانيد جدا ، ثم جاء بعده الحافظ ابن حجر فألف كتابه بلوغ المرام ، وجاء قبله ـ أيضا ـ عبد السلام بن تيمية فألف كتابه منتقى الأخبار ، وكذلك ابن عبد الهادي الذي ألف كتابه المحرر بأدلة الأحكام ، وغير هؤلاء كثير ، من الذين أفردوا هذا النوع في كتب .

-  وعموما كانت بداية التدوين على طريقة المجاميع ، أي الطريقة التي تجمع أبواب العلم على ترتيبها ، ولا يعرف من ابتدأ هذا التأليف ، وعموما لو عرفناه لقلنا هو واضع علم الحديث رواية ، لكننا لا نعرفه ، فقد ألف عدد من الأئمة في وقت واحد منهم مالك بن أنس بالمدينة ، وعبد الملك بن جريج بمكة ، وعبد الملك بن صُبيح بالبصرة ، ويزيد بن هارون كذلك، وهشيم بواسط ، وهؤلاء كانوا في عصر واحد ، فألفوا كتبهم وكذلك ابن أبي ذئب ، وأبو يوسف  ـ صاحب أبي حنيفة ـ ألف كتاب الآثار ، ومحمد بن الحسن الشيباني ألف كتاب الآثار ، وإن كان هذان أنزل طبقة من الطبقة السابقة ، وعموما فتلك الطبقة لم يصل إلينا من كتبها إلا موطأ مالك بن أنس، فلهذا يزعم بعض الناس أن الإمام مالك بن أنس هو واضع علم الحديث رواية لأن كتابه أول كتاب وصل إلينا ، وإلا فلا يمكن الجزم بذلك من ناحية التاريخ بالضبط ، لكن عموما كتب الله له أجرا كثيرا لأنه بهذا الكتاب كان سببا لابتكار هذه الطريقة ، وحين ابتكرها تبعه عليها الناس فقيل له يا أبا عبد الله كثرت الموطآت فقال ما كان لله فسيبقى ، فلم يبق  شيء من تلك الموطآت غير موطأ مالك ، وكان ينتقي فيه ويجتهد ، فيحذف كثيرا مما يجمع فيه ، ففي كل سنة وفي كل عرضة يعرض عليه يحذف بعض ما فيه ويأمر بإسقاطه وما ذلك إلا تحرزا  واحتياطا لحديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فالموطآت التي رويت عنه اشتهر منها ستة وعشرون موطأ ، والمطبوع منها اليوم ـ تقريبا من الموطآت الكاملة ـ موطأ يحيى بن يحيى المصمودي الليثي ، وموطأ محمد بن الحسن الشيباني ، وموطأ سويد بن سعيد ، وموطأ أبي مصعب  الزهري ، هذه أربعة هي التي طبعت كاملة، وطبعت قطعة من موطأ عبد الله بن مسلمة القعنبي ، وقطعة من موطأ علي بن زياد القيرواني، وطبع ـ كذلك ـ مسند وموطأ عبد الرحمن بن القاسم العتقي ، هذه سبع موطآت هي التي طبعت ، إما بالكمال وإما بالنقص ، ويوجد موطأ يحيى بن يحيى التميمي وموطأ عبد الرحمن بن القاسم و القعنبي وموطأ بن وهب ، كل هذه توجد مخطوطة في مكتبات العالم متفاوتة الوجود ، ثم بعد مالك ألف أصحابه في الحديث كتبا كثيرة من أشهرها في ذلك العصر مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني ، وسنن سعيد بن منصور ، وجامع عبد الله بن وهب ، وجامع سفيان الثوري ، ومسند سفيان بن عيينة ، ومسند عبد الله بن المبارك ، وكتاب السنن للشافعي ، ثم بعد هذه الطبقة أصحابهم ومن أشهرهم : أبو بكر بن أبي شيبة الذي ألف المصنف ، وألف المسند كذلك ، والحميدي صاحب الشافعي وصاحب سفيان بن عيينة الذي ألف المسند كذلك ، ومسدد الذي ألف المسند ، وأبو داود الطيالسي الذي ألف المسند ـ كذلك ـ وأحمد بن حنبل الذي ألف المسند ، وأبو يعلى الموصلي الذي ألف مسنده ـ كذلك ـ ويعقوب بن شيبة وأحمد بن منيع ، والإمام البزار .

-   ثم بعد هذا جاء الذين رتبوا على الصحة ، ولا شك أن واضع ما يختص بالصحة من الحديث ـ من مؤلفات الحديث ـ هو محمد بن إسماعيل البخاري ـ فهو أول من أفرد الصحيح بالتأليف دون خلاف ، فلا خلاف في هذا بين أهل العلم ، ولذلك فأول ما ينبغي للمشتغل بعلم الحديث رواية أن يدرسه من الكتب ،هذا الكتاب الصحيح ـ صحيح البخاري ـ فهو أشرف هذه الكتب وأكثرها نقلا فقد رواه عن الإمام البخاري في مجلس واحد تسعون ألفا ببغداد ، وألقى الله عليه القبول فسارت به الركبان في حياة مؤلفه ، وتناقله الناس ، واليوم لا ينتشر من رواياته إلا رواية واحدة وهي رواية محمد بن يوسف بن مطر الفربري عن البخاري ، وينتشر رواية جزء منه من طريق المحاملي ، وروايته عن البخاري غير كاملة فلم يرو عنه الصحيح كاملا ، وعلى صحيح البخاري ـ كما سيأتي ـ ثمانية وثمانون شرحا اليوم معروفة ، ثم يليه صحيح مسلم ، لأبي الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري ، وقد أحكم صحيحه وأتقنه ، وهو مع البخاري في رتبة فهما الصحيحان ، ويشتغل به المشتغل بالحديث مع صحيح البخاري أو بعده ، وكذلك ألقى الله عليه القبول وقد رواه عدد كبير من الناس عن مسلم ، وانتشرت في الدنيا رواية ابن سفيان عنه من طريق الجلودي ، وهي الرواية المعروفة اليوم من روايات صحيح مسلم ـ رواية الجلودي عن ابن سفيان ـ وقد وضع الله عليه القبول ـ كذلك ـ  فشرحه عدد كبير من الناس ،واختصره عد كبير ، واستخرج عليه عدد كبير ، كما سيأتينا.

ثم بعد هذين الكتابين أفرد رجال الصحيح ولكن لم تكن شروطهم على قدر مستوى دقة هذين الرجلين ، فمن أولئك الإمام ابن حبان الذي ألف كتابه التقاسيم والأنواع وسماه الصحيح ، وكل ما فيه فهو صحيح على الشرط الذي وضعه هو للصحيح ، ولكن تصوره ـ هو ـ عن الصحيح لا يوافقه عليه أكثر أهل الحديث ، فهو يرى أن رواية المستور داخلة في ضمن الصحيح ، وأن رواية الصدوق تعتبر صحيحة كذلك.

ثم بعده الإمام ابن خزيمة ألف صحيحه ـ كذلك ـ وكان شرطه دون شرط ابن حبان، ثم جاء بعدهما أبو عبد الله أحمد بن البيع الحاكم النيسابوري فألف كتابه المستدرك على الصحيحين ، وهو يداني الكتابين السابقين ـ من ناحية الشرط ـ ثم بعد هؤلاء بزمان جاء الحافظ المقدسي فألف كتابه المختارة في الأحاديث الصحيحة ، فإذا قيل الكتب التي تلتزم الصحة ما هي ؟ فقل الصحيحان وصحيح ابن حبان ،وصحيح ابن خزيمة ، ومستدرك الحاكم ، والمختارة للمقدسي ، فهذه هي الكتب التي تلتزم الصحة.

ثم كتب السنن ، وأشهرها سنن الإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني الذي سبق ذكره، وهو كتاب من دواوين الإسلام الحافلة ، وقد ألقى الله عليه  القبول كذلك فتنافس الناس ـ قديما ـ في حفظه وروايته ، واشتهر منه في الدنيا رواية اللؤلئي التي طبقت الآفاق وانتشرت، وله روايات كثيرة سواها  فللحافظ أبي القاسم بن عساكر ـ وحده ـ عشرة أسانيد إلى أبي داود في السنن ، يخرج منها في تاريخه ـ تاريخ دمشق الكبيرـ لكن رواية اللؤلئي هي التي انتشرت في الدنيا كلها ، ثم يليه سنن الإمام أبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي ، ولم يشترط فيه الصحة ، وإنما سماه الجامع ومع ذلك فهو ملحق بكتب الصحة كسابقه ـ سنن أبي داود ـ وقد التزم فيه الحكم على الأحاديث ، ويذكر أهل العلم بالحديث أنه من أنفع الكتب لطالب العلم.

 


عدد مرات القراءة : 7958



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22275002
المتواجدون الأن       4
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو