» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
أحكام الصيام




بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد فإن الله تعالى افترض الصيام على عباده وبين حكمة افتراضه فقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون}.

ومن حكمة الله سبحانه وتعالى أنه حين افترضه ذكر في بداية افتراضه أنه أيام معدودات فقط، ليكون ذلك تسهيلا على الصائمين وتخفيفا للصيام على نفوسهم، وبعد أن بين الحكم ورغب فيه قال: شهر رمضان، فجعله شهرا كاملا، ولم يذكر ذلك في بداية الافتراض وإنما ذكر في نهاية المقطع، وحكمة هذا الصيام هي التي بينها بقوله: كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، فهو معين على التقوى وتدريب على ترك الإنسان لشهواته وملذاته، مما يعينه كذلك على الالتزام بذلك في غير شهر الصوم، فإذا استطاع الإنسان أن يفطم نفسه عن الملذات المباحة في غير الصيام فذلك تدريب له على أن يفطم نفسه عن الملذات المحرمة مطلقا، والصوم فعل تركي أي تكليف تركي، وهو مخصوص بوقت، والتروك إذا خصت بوقت تحتاج إلى النية في أصل الامتثال، بخلاف التروك التي لا تختص بوقت فإنها لا تشترط فيها النية في أصل الامتثال وإن كانت النية تزيد الثواب، فمثلا ترك شرب الخمر وترك الزنا وترك الربا هذه تروك غير مخصصة بوقت، ويمكن أن يمتثلها المكلف بلا نية، لكن إذا نوى ازداد الأجر وكان ذلك زيادة في الحسنات، أما التروك المخصصة بالأوقات كالصيام فهو ترك للأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فلا بد فيه من النية، وهذه النية إذن هي أول واجبات الصوم، والنية هي توجه القلب إلى الشيء وقصده، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، وثبت عنه كذلك من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له، وهذه النية هي أساس العمل، فإذا نوى الإنسان أن يصوم رمضان فاختلف أهل العلم هل رمضان كله عبادة واحد أو هو ثلاثون عبادة، فإذا كان رمضان عبادة واحدة فتكفي فيه نية واحدة من أوله، وهذا مذهب مالك رحمه الله، فيرى أن الصوم الواجب التتابع تكفي فيه نية واحدة لبدايته كالصلاة فيها كثير من الفرائض والسنن والمندوبات ومع ذلك تكفيها نية واحدة في بدايتها ولا يلزم أن ينوي الإنسان عند كل ركن منها أو عند كل فرض أو عند كل سنة أو مندوب أداء ذلك الركن بخصوصه أو السنة أو المندوب، فعلى هذا لو نوى من أول الشهر أنه سيصومه فذلك كاف ولو غفل عن النية في ليلة من الليالي فإنه يصبح صائما على تلك النية السابقة، وهذه النية محلها إذا استمر التتابع، فإن انقطع التتابع فإنه لا بد من تجديد النية كمن سافر في أثنائه سواء أفطر في سفره أو لم يفطر، لأن السفر مبيح لقطع التتابع، فلذلك إذا سافر فأفطر فقد انقطعت تلك العبادة كما لو سلم من الصلاة فلا بد من نية أخرى للصلاة الجديدة التي يستأنفها، وكذلك لا بد من نية جديدة لباقي الصوم، ومثل ذلك إذا لم يفطر في السفر بل استمر، فإنه لا بد أن يجدد النية في كل ليلة، وإذا قدر أنه نسي النية في ليلة من الليالي فإنه يصبح مفطرا فلا بد من تجديد النية في كل ليلة من الليالي، لأن السفر مبيح للفطر، وكذلك السبب الموجب للفطر كما لو حاضت المرأة في أثناء الشهر ثم طهرت فإنها لا بد بعد طهرها من أن تنوي نية جديدة للصيام ولا تجزؤها النية التي كانت في أول الشهر، لأن التتابع قد انقطع بموجب للقطع، وهذه النية ينوي فيها الإنسان امتثال أمر الله سبحانه وتعالى ولو زادها بتنمية النية بمشابهة الملائكة الكرام وبالانقطاع عن ملذات الدنيا وشهواتها، وبتطهير قلبه فهذه نيات إضافية تزيد الأجر ولكنها غير مشروطة ويتحقق الصوم بدونها، وهذه النية عقدها وقته متسع من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، فلو لم يعقد النية إلا عند طلوع الفجر فكانت محاذية لأول العمل فلا حرج، ولو عقدها في أول الليل انعقدت، لكن إذا تذبذبت النية فعقدها وعزم على الصيام ثم تردد بعد ذلك في الليل ونوى أنه لن يصبح صائما ثم تجددت له النية من جديد فأصبح صائما فقد اختلف أهل العلم في ذلك، ومذهب جمهورهم أن العبرة بآخر ما عقده لأنه ناسخ لما سبقه، فإذا نوى أول الليل أنه سيصوم ونوى في وسطه أنه لن يصوم ثم نوى في آخره الصوم فالصيام منعقد لازم، ويلزمه حينئذ أن يكمل صيامه، وهذه النية منسحبة على أجزاء العمل كله، فالصوم عبادة تتحقق في حال اليقظة وفي حال المنام وفي حال الانشغال بكل ما سواه، ولذلك كانت تشبها بالملائكة، لأن الملائكة عبادتهم لا تنقطع والصائم كذلك مستمر على عبادته فهو يعبد الله في منامه ويعبده في دخوله للخلاء، ويعبده في سوقه وفي عمله وفي سفره وإقامته، فهي عبادة غير منقطعة طيلة اليوم، فلذلك كانت تشبها بالملائكة من هذا الوجه، وهذه النية هي الركن الأول من أركان الصيام، ثم بعدها الركن الثاني هو الإمساك عن شهوتي البطن والفرج وما يقوم مقامهما، فيلزم أن يمسك الإنسان عن إدخل أي شيء إلى بطنه مما يشتهى مثله، فيقتضي ذلك كفه عن شرب كل السوائل وعن أكل كل الجوامد كذلك وسواء كانت مما ينفع الجسم ويغذيه أو لم تكن كذلك، وسواء كان إدخالها من المنافذ العالية أو من المنافذ السافلة، وسواء كان إدخالها من منفذ متسع أو من منفذ ضيق، فإذا شرب من أنفه فكما إذا شرب من فمه، وكذلك من أذنه على الراجح، وهذا مذهب الجمهور، وقالت طائفة، إذا شرب من غير فمه فإنه قد انقطع  صيامه ولكنه لا تلزمه الكفارة، لأنه غير منتهك، إذ لو كان منتهكا لشرب من فمه، فدل هذا على عدم الانتهاك، واختلف في المواد التي لا تنفع في التغذية كذلك، إذا ابتلع حجرا مثلا أو شرب دخانا نعوذ بالله فهل يبطل صيامه أم لا، فمذهب الجمهور إبطال الصيام بكل ما وصل إلى الجوف من ذلك، ومذهب الحنفية أن ما لا نفع فيه لا ينقطع به الصيام كما لو ابتلع حجرا أو شرب دخانا فوصل إلى جوفه، وأهل العلم يفصلون فيما يتعلق بالدخان فيذكرون أن ما يشتهى منه مبطل، وما لا شهوة فيه لا تحصل به الشهوة لشاربه لا يبطل كما إذا شرب الإنسان دخان الحطب أو دخان النفايات من غير قصد فارتوى منه ووصل إلى حلقه ووصل إلى جوفه فإنه لا يبطل عليه، سواء كان ذلك باستنشاق متعمد أو كان من غير تعمد لأنه لا يشتهى، أما دخان البخور وكذلك بخار القدر بخار الطعام فإنه إن وصل للحلق من غير استنشاق لم يبطل صومه، وإذا وصل باستنشاق استنشقه فإنه مبطل للصوم لأنه مما يشتهى مثله، ومثل ذلك تدخين التبغ وغيره من أنواع ما يشربه الناس من الدخان فإنه من ما يشتهى مثله، فإذا شربه الإنسان باستنشاق فإنه يفسد عليه وإذا وصل لجوفه من غير استنشاق كما إذا أوقد حوله أو شرب شارب للدخان حوله فوصل إلى حلقه منه شيء فإنه لا ينقض عليه ولا يبطل صيامه، وكذلك ما يصعب الاحتراز منه، لأن الروائح تدخل من خلال الأنف والأنف لا يتحكم الإنسان في إطباقه فليس مثل الفم وليس مثل العين، فالأنف والأذن لا يتمكن الإنسان من إطباقهما بأنفسهما، وهو مجرى النفس فيشق إطباقه ليس مثل الأذن فلذلك إذا كان الإنسان في مكان فيه غبار كغبار الطرق أو نحو ذلك فإنه لا ينقض عليه ولو وصل إلى جوفه، وكذلك ما لا يصل إلى الجوف ولكنه يصل إلى مكان الذوق، كما إذا ذاق الطباخ قدره فعرف نسبة الملح فيه فغمس لسانه فيه فعرف نسبة الملح ولكن لم يبتلع منه شيئا فإنه لا ينقض ذلك عليه ولا يبطل عليه الصيام، لكن إن كان هو صاحب مهنة ووظيفة كالمرأة التي تطبخ في بيتها وكالطباخ الذي هو أجير وكالتاجر الذي يبيع فهؤلاء يجوز لهم مثل ذلك ولا يكره في حقهم، أما من سواهم فيكره لهم استعمال ذلك ولا يبطل على الجميع، ومثل ذلك إذا دخل إلى الجوف ما يكره من غير قصد كالذباب إذا ابتلعه الإنسان من غير قصد بهواء النفس أو دخل في الفم من غير قصد فإنه لا ينقض الصيام، وكذلك ما يخرج من الفم أو الأنف فإنه لا ينقض الصيام كالريق والمخاط إذا لم يجتمع منه شيء يمكن طرحه فريق الإنسان عادة يجري مع المريء ويصل بعضه إلى الجوف، ولكنه في داخل الجسم فهو مثل دورة الدم في داخل الجسم فلا ينقض عليه، وكثير من الناس لا يعرف ذلك فتراه في حال صيامه يبصق دائما بشكل مستمر وهذا عناء وهو غير مكلف به، ومثل ذلك المخاط لو ابتلع شيئا منه لم ينفصل فهو بلغم في أصل طبيعة الإنسان ينزل من الخياشيم ولا يستطيع الإنسان التحكم فيه غالبا ولذلك لا ينقض عليه صيامه، وهكذا أيضا ما يصل إلى محل الذوق من الفنتولين الذي يستعمله أهل الربو فإنه في الأصل يذهب مع قصبة الهواء إلى الرئة ولا يصل إلى الجوف لكن إذا ذاق الإنسان طعمه فمعنى ذلك أنه قد تأخر قليلا إلى جهة المريء، ومع ذلك لا ينقض الصوم، ومن كان من أهل استعماله ومعرفة طريقة الاستعمال فإنه لا ينقض عليه غالبا لأنه يبخه في أول الحلق فيذهب في القصبة الهوائية إلى الرئة والرئة ليس لها منفذ على البطن، ومن لا يعرف استعماله قد يدخل بعضه في حلقه فيذهب مع المريء فيبتلعه فيدخله ما ذكر فيكون مثل الدخان.

وكذلك التغذية عن طريق الوريد كالإبر المغذية فإنها مبطلة للصيام إذا احتاج إليها الإنسان فإن عليه أن يفطر لأنها لا تستعمل عادة إلا في الضرورات والضرورات تبيح له الفطر أصلا، وأما الإبر غير المغذية كالمضادات الحيوية وما لا يذاق طعمه من العلاجات التي تكون عن طريق العضلات أو عن طريق الأوردة ونحو ذلك فما كان منها لا يعد من جنس الطعام فإنه لا ينقض الصيام، ويمكن أن يستعمل في حال الصيام، وأما الإخراج فإنما هو متعلق بشهوة الفرج فإذا تعمد الإنسان إخراج المني أو إخراج المذي ووجد اللذة واستمر فيها حتى أنزل فإن ذلك ناقض لصيامه مبطل له، والمني مبطل بالإجماع وإخراجه موجب للكفارة  بالإجماع كذلك، وأما المذي فإن خرج من دون استدامة لذة فإنه على الراجح لا يبطل الصيام، وإن خرج مع الاستدامة فإن أحس الإنسان باللذة فاستمر على موجبها فإنه مبطل للصيام، وهذا الإخراج محله إذا كان متعمدا، فإن كان الإخراج غير متعمد كما إذا احتلم الإنسان في منامه فأنزل منيا أو مذيا فإنه لا يلزمه انتقاض صومه بذلك بل صومه صحيح مستمر، والمقصود بشهوة الفرج ما يقتضي إنزالا أما الشهوة التي لا يحصل بها إنزال كاللذة الخفيفة بمجرد النظر أو نحوه فهذه المقدمات كلها مكروهة، فإن خشي منها الإنزال حرمت، والمرجع في خشيته إلى ما يتعود عليه الإنسان في غير الصيام من حال نفسه، فالإنسان يعرف حال نفسه ويعرف ما يؤثر فيه، وهذا الصيام مستمر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وطلوع الفجر إنما يعرف بالخبرة، فإذا كانت الشمس تحت الأفق بثماني عشرة درجة على الراجح، وقيل باثنتي عشرة درجة، وقيل بما بين ذلك، فهذا الوقت هو الذي يطلع فيه الفجر، والذي يكلف الناس به هو ما يدرك بالعين المجردة، ما يراه الناس من طلوعه، ولا عبرة بناقص البصر وناقص التجربة، ولا عبرة بحديد البصر جدا أو بمستخدم الآلات فالعبرة بما يتبين أي يتضح لأن الله تعالى يقول: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر}، وكذلك إذا شك الإنسان في طلوع الفجر فإنه لا يحل له الأكل ولا الشرب ولا الجماع، ولكنه إن فعل فهو متلبس بمبيح لأن الليل مستمر حتى يثبت خلافه، وقد ثبت الليل بيقين فلا يرتفع إلا بيقين، والشك في طلوع الفجر هو شك في مانع فلذلك لا تلزمه الكفارة بالاتفاق، وما ذكرناه من حرمة تناول المفطرات مع الشك في طلوع الفجر هو المشهور عند أهل العلم، وقد قالت طائفة بإباحة المفطرات حتى يتبين، حتى لو حصل الشك في طلوع الفجر يحل له تناول المفطرات وحتى يوقن أن الفجر قد طلع، ويستمر الصوم إلى غروب الشمس، والمقصود بغروبها اختفاؤها تحت الأفق، فإذا كان بين الإنسان وبين الشمس جبال أو تلال أو مرتفعات، فغربت وراء تلك التلال أو تلك المرتفعات أو الجبال فلا يعتبر ذلك غروبا حتى تغرب تحت الأفق فتختفي تماما، وهذا الاختفاء يشهده من هو على الشاطئ ومن هو في أماكن مستوية في الصحراء المستوية، فإذا شك في غروبها بسبب ضباب أو غيم أو نحو ذلك لم يحل له استعمال المفطرات لم يحل له الفطر بالاتفاق، ولكن اختلف في تكفيره هل تلزمه الكفارة أم لا، لأن الكفارة هي ردع وهو إنما تصرف حيث يمكن أن تكون الشمس قد غربت، ولكن لا يحل له الفطر اتفاقا لأنه متلبس بمانع وهو النهار، فالأصل ثبوت النهار حتى تغرب الشمس، حتى يتحقق الغروب، وقد تحقق وجود النهار، فلا يرتفع ذلك إلا بمحقق وهذا شك في مبيح وليس شكا في مانعا، أي شك في سبب، وهذا الصيام المذكور لا بد أن يدرك الإنسان فيه أنه مرتبط بالنية، فإذا رفض نيته ونوى الفطر ولو لم يستعمل أي مبيح لم يأكل ولم يشرب ولم يستعمل ما فيه لذة أو شهوة فإن الصوم يرتفع بذلك لأن أساسه النية كما ذكرنا، فهي الركن الأول منه، ومن أحكام الصيام أنه يسن للصائم أن يتسحر في آخر الليل، وذلك ليتقوى على الصوم ولئلا يدعوه الشيطان للإفطار أو التفكر فيه فينقص أجر صيامه، والسحور هو استعمال الأكل والشرب في آخر الليل، ومن السنة تأخيره، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتسحر فيبقى قبل أذان الفجر قدر ما يقرأ القارئ خمسين آية، كما في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وهذا السحور بحسب حال الإنسان فمن الناس من يستطيع التسحر بالأكل ومنهم من يشق ذلك عليه لضعف في معدته فاستعمال أي مفطر في هذا الوقت تحصل به السنة، وكذلك هو الغداء المبارك كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تسحروا فإن في السحور بركة، وقال في السحور هو الغداء المبارك، ففيه بركة للجسم ومنفعة له، وكذلك من السنن للصائم الإقبال على العبادة والدخول في خشوعها لأنه في عبادة مستمرة، كأنما يصلي طيلة النهار، فلذلك ينبغي أن يظهر عليه أثر صيامه وأن يبدو عليه الخشوع والإقبال على الله سبحانه وتعالى لينتفع بصيامه، وكثير من الناس لا ينتفع بصيامه بسبب ذلك، فلا يستشعر خشوع العبادة، وإذا رآه الإنسان لا يشعر أنه في عبادة لله سبحانه وتعالى، فلذلك لا بد أن يستشعر هذا، ويظهر ذلك بتقليل الكلام والكف عن الهذر واللغط وبالإقلال من مخالطة السفهاء وكذلك من التقلل من الأماكن التي يرتادها أهل السفه، فلا بد أن يحرص الإنسان في صيامه على تجنب كل ما هو مناف للصيام والابتعاد عنه، وقد كان كثير من السلف الصالح إذا كانوا في صيامهم لا يدخلون على أهليهم، ليلا يقذف الشيطان في قلوبهم شيئا، وكذلك من سنن الصيام تعجيل الفطر بعد تحقق الغروب، فإذا تحقق الإنسان غروب الشمس سواء سمع الأذان أو لم يسمعه فمن السنة أن يبادر للإفطار، وتأخير الإفطار للظلام أو لاشتباك النجوم من عمل اليهود، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم كراهة ذلك، وهذا التعجيل إنما هو بعد تحقق الغروب كما ذكرنا، ويسن أن يكون الإفطار على رطب إن وجد وإلا فعلى تمر فإنه يرد ما زاغ من البصر، وكذلك إذا لم يجده فينبغي أن يحسو حسوات من ماء، فالماء أيضا أسهل للمعدة في البداية، والسنة في الإفطار إنما هي بحسب ما يناله الإنسان فلا تكلف فيها، إذا كان الإنسان لا يجد تمرا أو لا يجد رطبا فلا ينبغي له التكلف، فقد أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول: {وما أنا من المتكلفين}.

وكذلك من سنن الصيام أن يصوم الإنسان في السفر إذا كان لا يشق به، فقد قال الله تعالى: {وأن تصوموا خير لكم} فإذا كان يشق به الصيام في السفر فليس من البر الصيام في السفر، ويسن له حينئذ الفطر، وقد جاء في الحديث الطاعم الشاكر له أجر الصائم الصابر وذلك إذا كان يشق به، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في الجهاد أن يفطروا ليتقووا لأعدائهم، وقد صام هو في السفر وأفطر، وفي حديث أنس أنهم كانوا يسافرون مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فلا ينكر المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر، فمن كان قويا فمن السنة أن يصوم ويستمر على صومه، ومن كان يشق عليه ذلك فإنه يفطر، ولذلك جاء في الحديث أيضا أنهم كانوا في سفر في وقت شدة الحر ولم يكن يصوم منهم في السفر إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة، وكان كل إنسان منهم يستظل بيده من شدة الحر أو يجعل يده على رأسه من شدة الحر، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة وأفطر باقي الجيش.

وكذلك من السنن في الصوم أن يتعود الإنسان فيه على تحسين خلقه وإمساك جوارحه عن المعصية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، وقد قال أحد العلماء:

لا تجعلن رمضان شهر فكاهة             تلهيك فيه من القبيح فنونه

واعلم بأنك لن تقوم بحقه                  حتى تكون تصومه وتصونه

ويقول آخر:

إذا لم يكن في السمع مني تصامم           وفي بصري غض وفي منطقي صمت

فحسبي إذن من صومي الجوع والظما      وإن قلت إني صمت يوما فما صمت

وكذلك من أحكام الصيام أن الصائم ينبغي أن يحافظ على صيامه، فتعريضه لنفسه للشمس والحر إذا كان ذلك مؤثرا على الصوم فهو مما لا ينبغي لأنه مخاطرة بعبادة، ومن أحكام الصيام كذلك أنه يقطع للضرروة، وللحاجة التي تنزل منزلة الضرورة، فإذا أشفق الإنسان على نفسه أو خشي فقد إحدى الحواس الخمس أو نحو ذلك وجب عليه الإفطار، وإذا خشي مرضا دون ذلك كالصداع الشديد والحمى ونحو ذلك جاز له الإفطار، وموجبات الفطر هي ما يخشى منه هلاك أو شديد أذى، ومبيحات الفطر هي ما يخشى منه ضرر دون ذلك، أي ضرر أقل من ذلك، وإذا أحس الإنسان بالمرض وهو صائم فلا بد من مراجعة طبيب أو معتاد مجرب فإذا أخبره بأن مستوى ما وصل إليه مبيح للفطر أو موجب له فله أن يفطر حينئذ، وإلا فعليه أن يستمر، وكثير  من الناس يتجاسرون على الإفطار حيث وجدوا أدنى مرض أو أدنى دوخة أو نحو ذلك، وكذلك في هذا المجال إذا أحس الإنسان بالمرض قبل أن يطلع الفجر فإنه ينبغي أن يصبح صائما فإذا زال عنه المرض استمر على صيامه، وإذا اشتد به أفطر، وكذلك إذا سافر الإنسان في الليل فخرج من محلته فله أن يصبح مفطرا، أما إذا سافر في النهار فإنه لا يستبيح الفطر لأنه قد أصبح صائما وينتظر الغروب إلا إذا شق عليه الصيام فله أن يفطر.

 


عدد مرات القراءة : 7125



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22883773
المتواجدون الأن       15
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو