» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
حسن الخلق




بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى جعل الإنسان مؤلفا من ثلاثة عناصر هي العقل الذي به شرفه على سائر الحيوانات، والجسم الذي هو من تراب والروح التي هي نفخة غيبية من أمر الله، وكل واحد من هذه العناصر الثلاثة قابل للتربية والنماء والزكاء، والروح نماؤها وزكاؤها إنما هو باكتسابها للأخلاق الحميدة ومجانبتها للأخلاق السيئة وحسن أخلاق الإنسان دليل على تهذيب روحه وصفاء طبعه، وسوء أخلاقه دليل على خبث طويته وعلى خبث روحه نسأل الله السلامة والعافية.

والخلق خلقان خلق فطري وخلق مكتسب، فمن الأخلاق ما هو فطري يفطر عليه الإنسان ويتعود عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقدم عليكم أهل اليمن هم أصفى أفئدة وأرق قلوبا، الإيمان يمان والحكمة يمانية.

والمكتسب هو ما يتعود الإنسان عليه فيجاهد نفسه حتى يحصل له الخلق، وحسن الخلق مطلوب شرعا ومن المهمات العليا، ولذلك أثنى الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، بحسن الخلق، فقال:

فمن كان حسن الخلق فإنه لا بد أن يوفق للطاعات العلى، وكذلك يختار لجوار النبي صلى الله عليه وسلم في الدرجات العلى من الجنة، ومن كان سيء الخلق نسأل الله السلامة والعافية لا يوفق للطاعات الكبرى، ولا يستطيع كذلك أن يكون من العابدين لأن سوء خلقه مقتض منه للنفرة والطرد عن الحضرة والمقام الرفيع، واكتساب الإنسان للخلق الحسن إنما يتم بمعرفته بأخلاق المؤمنين وبما يقابلها من أخلاق الكفار والمنافقين فيحاول الاتصاف بأخلاق المؤمنين، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فبين ما يكون من الأخلاق مجتمعا يمثل النفاق، فإذا اجتمع في الإنسان كان منافقا خالصا، وذلك في حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر.

وكذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم صفات المنافق، فقال: آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان، ففي مقابلها صفات أهل الإيمان فمنها الصدق فهو صفة من صفات الإيمان لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا، وكذلك بين النبي صلى الله عليه وسلم أن خلق هذا الدين هو الحياء، فقال: لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء، وقال: للأنصاري الذي سمعه يعظ أخاه في الحياء، قال: دعه فإن الحياء من الإيمان.

وكذلك ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: الحياء شعبة من شعب الإيمان.

وحض النبي صلى الله عليه وسلم على كثير من الأخلاق الرفيعة، كالحلم والأناة، فبين أنهما محبوبان لدى الله جل جلاله، فقد قال لأشج عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة، وكذلك بين أن المؤمن لا يكذب أي لا يكون كذابا بطبعه، لما سئل: المؤمن يسرق: قال: نعم، قيل: المؤمن يزني قال: نعم، قيل: المؤمن يكذب: قال: لا، والمقصود بذلك أنه لا يكون كذابا، كثير الكذب، فذلك ليس من صفات المؤمنين وإنما هو من صفات المنافقين،

فيغري بفعل المكرمات انبساطه            ويحميك أن تأتي القبيح احترامه

وكذلك فإن من فوائد حسن الخلق أنه مقتض أيضا لإحسان العشرة واستمرارها، فالعلاقات يمكن أن يبنيها الإنسان لكنها كثيرا ما تتقطع بسبب اختلاف المصالح وبسبب سوء الخلق أو غير ذلك، فإذا كان الإنسان حسن الخلق فإن علاقته التي بناها ستستمر سواء كان ذلك في داخل أسرته وعائلته أو في محيطه من حوله، فكل من كان حسن الخلق ستستمر علاقته بمعاشريه، وكل من كان سيئ الخلق فلن يصبر عليه أحد وسيشق التعامل معه، وحسن الخلق كذلك دليل على وفرة العقل وتمامه، فالإنسان الذي لديه عقل وافر لا يمكن أن يكون سيء الخلق مع الناس، لأن له من التفكير ما يستطيع به الوصول إلى ما يحبه الناس، وبذلك يؤثر عليهم، ولا يحتاج إلى إساءة الخلق في التعامل معهم لأنه ينال بالرفق ما يريد نيله الناس بما سواه.

وكذلك فإن حسن الخلق أيضا يقتضي من الإنسان اجتناب كثير من الرذائل والسمو بنفسه عنها، وبذلك تعلو منزلته ويرتفع قدره، فالإنسان إذا كان سيء الخلق سينغمس في كثير من الرذائل بسبب سوء خلقه وسوء معاملته للناس، وإذا انغمس فيها فإنها تدعوه للانخفاض وهي منافية لرفع الدرجات، أما إذا حسن أخلاقه فإنه سيرضي الجميع، ولذلك فقد جاء: إنك لن تسع الناس بمالك فلتسعهم بحسن خلقك، يستطيع الإنسان أن يوزع حسن خلقه على الناس، فيكتسبهم جميعا ولو كان ماله قليلا، ولو كان ضعيف ذات اليد، فحسن خلقه كفيل بإرضاء الناس عنه، وحسن الخلق كذلك أهمه حسن الخلق مع الله جل جلاله، فالإنسان إذا

ومن ما جرب أن الإنسان إذا كان له أصدقاء من أهل الصدق والنصح والإخلاص، فإنهم بالإمكان أن يعينوه على حسن الخلق وأن يهذبوا أخلاقه بإزالة الكلفة والتعود على الألفة، وهم بمثابة المرآة ينظر فيها فيرى ما في وجهه من الأوساخ وقد قال الحكيم:

الخل كالماء يبدي لي ضمائره             مع الصفاء ويخفيها مع الكدر

وقراءة الإنسان لصفات الصالحين وما جاء في قصص الأنبياء في القرآن وما جاء أيضا في السنة من أحاديث الأنبياء و

فمن كان بخيلا أو جبانا فهو متصف بسوء الخلق، ولذلك لا يصلح لسيادة الناس، ولا لرعاية التكاليف قبل علاجه من هذا الداء العضال الذي أصيب به، والإنسان إذا أورث أولاده هذا الخلق السيء فقد أساء إليهم إساءة مستمرة، وإذا عودهم على حسن الخلق ورباهم عليه فإنهم سيكونون امتدادا في عمره واستقامته، وقد أخرج مالك في الموطإ أن المسيح بن مريم عليه السلام مر من زقاق ضيق فاستقبله خنزير فقال: انفذ بسلام، فقيل: يا نبي الله أتقول هذا لخنزير؟ قال: أردت أن أعود لساني قول الخير.

ومر هو وحواريون على جيفة كلب قد أنتن فقال: الحواريون ما أنت رائحته، فقال المسيح بن مريم ما أحسن بياض أسنانه، فقيل له في ذلك، فقال: ذكرته بأحسن ما فيه، وهذا هو تعويد النفس على أحسن الأخلاق وأتمها، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ما ارتضاه من الأخلاق في نساء قريش فقال: عليكم خير النساء صلح نساء قريش أحناه على ولد في صغره وأرعاه على زوج في ذات يده وأرضاه بالقليل، وهذه القناعة صفة حميدة، وقد أثنى الله كذلك على الأنصار بخلق حميد وهو الكرم، فقد قال الله تعالى: {والذين تبؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا  ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}.

أي من وقي البخل فإنه سيكون من المفلحين لا محالة، لأن كرمه سيسعى به للتوفيق لأن الله آخذ بيد السخي فلا بد أن يوفق لكل الطاعات.

وعندما وقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه على طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يوم الجمل وهو قتيل بكى وأنشأ يقول:

فتى كان يدنيه الغنى من صديقه           إذا ما هو استغنى ويبعده الفقر

فتى لا يعد المال ربا

وهذا الخلق الكريم الذي ذكره علي رضي الله عنه في طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه كان الناس يعرفون أنه من الأخلاق الحميدة حتى في الجاهلية ولذلك يقول رجل من بني م

يعاتبني في الدين قومي وإنما       ديوني في أشياء تكسبهم حمدا

ألم يدر قومي كيف أوسر مرة             وأعسر حتى تبلغ العسرة الجهدا

فما زادني الإقتار منهم تقربا               ولا زادني فضل الغنى منهمُ بعدا

أسد به ما قد أخلوا وضيعوا

وإن الذي بيني وبين بني أبي              وبين بني عمي لمختلف جدا

أراهم إلى نصري بطاء وإن همُ            دعوني إلى نصر أجبتهمُ شدا

ولا أحمل الحقد القديم عليهمُ               وليس زعيم القوم من يحمل الحقدا

لهم جل مالي إن تتابع بي غنى            وإن قل مالي لم أكلفهمُ رفدا

وإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم            وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا

إلى آخره..

وقد كان العرب في جاهليتهم يتحلون ببعض الأوصاف الحميدة، التي أقرها الشرع وهي من حسن الخلق، فكرم الضيافة والشجاعة والعفة هي من الأخلاق الحميدة، ولذلك فإن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يأمر بتحفظ أشعار العرب لما فيها من المروءة فمثلا قول عنترة بن شداد العبسي في وصف نفسه وعفته:

إني امرؤ سمح الخليقة ماجد               لا أتبع النفس اللجوج هواها

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي       حتى يواري جارتي مأواها

أبني إن أباك كارب يومه                  فإذا دعيت إلى المكارم فاعجل

والله فاتقه وأوف بنذره                    وإذا حلفت مباليا فتحلل

واستغن ما أغناك ربك بالغنى

وهكذا وقد كان كثير من الحكماء يوصون بكثير من الأخلاق الحميدة حتى في العصر الجاهلي وقد أقر ذلك الإسلام، ولا شك أن وصايا زهير بن أبي سلمى ولبيد بن ربيعة العامري رضي الله عنه محفوظة لدى كثير من المستمعين، وهي كلها تدل على أن الأخلاق الحميدة محبوبة لدى جميع الناس من مسلمهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم، فكلهم يحبون الخلق الحسن ويكرهون الخلق الذميم، وذلك فطرة فطر الله الناس عليها جميعا، فكل من كان سيئ الخلق كان بغيضا لدى الناس حتى لو كان مسلما، وكل من كان حسن الخلق يحبه الناس في تعاملهم معه حتى لو كان كافرا، وقد كان عدد من المتصفين بالكفر على خلق فأحبهم الناس من أجل ذلك، فهذا عبد الله بن جدعان التيمي من بني تيم بن مرة من قريش كان كريم الخلق فأحبه الناس حبا شديدا، وقد أثنوا عليه ثناء عطرا، ومن ذلك ثناء أمية بن أبي الصلت الثقفي عليه وقد سمع النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا منه، وكذلك

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لأحسن الأخلاق وأرضاها وأن يصرف عنا سيئها لا يهدي لأحسنها ولا يصرف سيئها إلا هو وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 


عدد مرات القراءة : 6600



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22513245
المتواجدون الأن       1
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو