» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
ما ذا يعني انتمائي للإسلام




بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 أحمد الله تعالى على نعمة اللقاء بهذه الوجوه الخيرة النيرة في هذا البلد المبارك، الذي طالما اشتقنا إلى اللقاء فيه والاجتماع بالأحبة فيه، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا أجمعين من المتحابين فيه الذين يظلهم بظله يوم لا ظل إلا ظله، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه.

وأخرج مالك في الموطإ ومسلم في صحيحه من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى يوم القيامة، أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي.

وأخرج مسلم في الصحيح كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: يقول الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في، وأخرج البخاري في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن لله ملائكة سيارين في الأرض بغيتهم حلق الذكر، فإذا وجدوهم حفوهم بأجنحتهم إلى سماء الدنيا وتنادوا أن هذه طلبتكم، فيرتفعون إلى ربهم فيسألهم وهو أعلم ماذا يقول عبادي، فيقولون: يحمدونك ويكبرونك ويهللونك، فيقول: وهل رأوني، فيقولون لا، فيقول: فكيف لو رأوني فيقولون وعزتك وجلالك لو رأوك لكانوا لك أشد ذكرا، فيقول: وماذا يسألونني، فيقولون: يسألونك الجنة، فيقول: وهل رأوها فيقولون لا، فيقول: فكيف لو رأوها، فيقولون: وعزتك وجلالك لو رأوها لكانوا لها أشد طلبا وعليها أشد حرصا، فيقول: ومماذا يستعيذونني، فيقولون يستعيذونك من النار فيقول: وهل رأوها، فيقولون لا، فيقول: فكيف لو رأوها، فيقولون: وعزتك وجلالك لو رأوها لكانوا منها أشد خوفا، فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم، فيقول ملك: يا رب فيهم عبدك فلان ليس منهم إنما جاء لحاجته، فيقول: هم الرهط أو هم القوم لا يشقى بهم جليسهم.

وأخرج مسلم في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه.

ونحن الآن ينبغي أن نستحضر نياتنا وأن نخلص لله سبحانه وتعالى، وأن نحرص على أن يكون مجلسنا هذا الذي قلما سمح الزمان لنا بالاجتماع في مثله أن يكون حلقة من حلق الذكر التي تحفها الملائكة وتتنزل عليها السكينة ويغفر الله تعالى لأهلها جميعا ولكل من حضرها ولو لم تكن نيته خالصة، ولا يكون ذلك إلا بالنية الخالصة لقصد التعبد لله سبحانه وتعالى والإخلاص له، وطلب العلم الذي جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم من عنده، والعمل بما يسمعه الإنسان مما بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنتم تعلمون أن هذه الأمة لها رسول واحد هو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب صلى الله عليه وسلم، وأنه جاء بالبينات والهدى من عند الله، وأننا جميعا رضينا به نبيا ورسولا، فيكفينا هذا الرسول صلى الله عليه وسلم من القدوات والإسوات، والذي ينقص هو أن نتعلم ما جاء به ثم أن نبادر للعمل به، فليس لنا الخيار بعد مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس أحد معذورا في الإعراض عما جاء به، فإنه صلى الله عليه وسلم قامت به حجة الله جل جلاله على الثقلين الإنس والجن، فقد بلغ رسالات الله إلى من يقومون بتبليغها إلى من وراءهم، فكل إنسان منكم الآن بلغه شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قامت عليه الحجة ويجب عليه تبليغ من وراءه، ويكون الوقت الذي يمضيه في التبليغ امتدادا لعمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وزيادة في أمد رسالته، وأنتم جميعا رسل رسول الله صلى الله عليه وسلم للتبليغ إلى من وراءكم، فقد جاء بهذا الدين فتركه في أصحابه وهم نقلوه إلى التابعين ونقله التابعون إلى أتباعهم وهكذا حتى وصل إلينا الليلة، ونحن في القرن الخامس عشر من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله هو مصلحة الإنسان في الحياة الدنيا وفي البرزخ وفي الدار الآخرة، فهو يكفل كل المصالح، لا يحتاج الإنسان معه إلى أي شيء آخر، إذا طلب أية مصلحة فسيكفلها هذا الدين ويحققها، فقد جاء فيه من التشريع ما ينظم علاقات العباد بربهم جل جلاله، وجاء فيه من التشريع ما ينظم علاقات العباد فيما بينهم، وجاء فيه من الأخلاق أكرمها وأفضلها، وجاء فيه كذلك من الحوافز والترغيب والترهيب ما يقتضي من الإنسان المبادرة إلى الطاعة والنجاح في الامتحان، ونحن جميعا في هذه الدار أي الدار الدنيا ممتحنون بامتحان من عند الله سبحانه وتعالى، والناجحون فيه قليل، ولكنهم يحرزون من الفضل والسبق ما لا يخطر على بال كما روى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل أنه قال: أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وقد قال الله تعالى: {فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون}.

فرق شاسع بين من نجح في هذا الامتحان فكان من الذين آمنوا وبين من رسب فيه فكان من الذين فسقوا، فرق شاسع بينهم في مقامهم عند الله ومنزلتهم عنده، لأن كل عمل يعمله الإنسان اليوم في هذه الحياة إنما هو وظيفة يوظفه الله فيها والناس جميعا عباد له، وكل يزين له ما يعمله، فمن زين الله له العمل الصالح ويسره للطاعة، فهو ميسر لما خلق له، وأولئك هم الموظفون الذين اختار الله لهم أسمى الوظائف وأرقاها، فكانوا من نعمة إلى جنة، يعيشون في هذه الدار ما عاشوا، وهم مشغولون في الطاعة وما يرضي الله جل جلاله، فإذا ماتوا أعد الله لهم من النعيم المقيم ما لا يمكن أن يخطر على قلب أحد، والآخرون قذرهم الله جل جلاله، فوظفهم في أخس الوظائف، وشغلهم بشر الأعمال، فسلطهم على أنفسهم بمعصية الله، ولا يضرون الله شيئا، وإنما يضرون أنفسهم، وأعد لهم بعد ذلك الجزاء الوفاق، فالسيئة هي أسوأ ما يمكن أن يقع على وجه الدنيا، وجزاؤها هو أسوأ ما يمكن أن يقع في الآخرة، ولذلك فإن الإنسان لا بد أن يدرك أنه ذو قيمة، وأن له مزية، وأنه موظف وظيفة حقيقية، وعليه أن يبادر للقيام بوظيفته، وأن يعمل بها قبل أن يأتي أجله، فله مدة محددة يمكثها في هذه الحياة إذا عمل ما أمر به نجح وكان من الفائزين، وكانت حياته الدنيا منزلة عالية له، لأنه اتخذها مطية إلى الدار الآخرة، فاستغل أيامه ولياليه وأوقاته الخالية فيما يقربه من الله سبحانه وتعالى، فإذا جاء يوم القيامة أوتي كتابه بيمينه ونودي ذلك النداء الشريف: {كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية}،

وإذا ضيع الوقت فإنه سيندم غاية الندم، فكل يوم مضى أو شهر أو سنة أو عقد من الزمن لم يقرب الإنسان من الله ولم يزده من الطاعات والخيرات، إنما هو وبال عليه وحسرة وخصومة يوم القيامة، لأن الله تعالى يقول لأهل النار: {أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير}.

وللإنسان خمسة أعمار، العمر الأول منها عمره في عالم الذر، عندما مسح الله ظهر آدم بيمينه فأخرج منه ذرية، فقال آدم: أي رب من هؤلاء، قال: خلق من ذريتك خلقتهم للجنة وبعمل أهل الجنة يعملون، ثم مسح ظهره أخرى فأخرج منه ذرية، فقال آدم: أي رب من هؤلاء، قال: خلق من ذريتك خلقتهم للنا وبعمل أهل النار يعملون، ثم خلطهم حتى ما يتميزون فناداهم فقال: ألست بربكم قالوا: بلى،  قالها مؤمنهم وكافرهم وبرهم وفاجرهم، كلهم أقروا له بالربوبية، فأخذ عليهم العهد المؤكد أن يعبدوه وأن لا يشركوا به شيئا، قال الله تعالى: {ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم}، وذلك الوقت أصبح فيه الإنسان كائنا موجودا لأنه ألجئ إليه الخطاب وصدر منه الجواب وأخذ عليه العهد ووافق عليه، وهذه أمور لا تحصل إلا من الأحياء، لكن بعد نهاية أخذ العهد عليهم، حبست الأرواح جميعا وهي نسمات بني آدم في سماء الدنيا، ولما مات آدم رفع إليها فجعل أهل السعادة عن يمينه وأهل الشقاوة عن شماله، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليلة المعراج لما فتح له باب السماء الدنيا قال: فإذا آدم وعن يمينه أسودة وعن شماله أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى، فسألت جبريل ما هذه الأسودة فقال: أما الذين عن يمينه فأهل السعادة إذا نظر إليهم ضحك لكثرة أهل السعادة من بنيه، وأما الذين عن شماله فأهل الشقاوة، إذا نظر إليهم بكى لكثرة أهل الشقاوة من بنيه.

والعمر الثاني هو عمر الإنسان فوق الأرض في هذه الحياة الدنيا وهو مجزأ إلى أيام وليال وشهور وسنوات، والامتحان فيه يبدأ من وقت التكليف عندما يكلف الإنسان فيكلف به ملكان ملك عن يمينه يكتب حسناته وملك عن شماله يكتب سيئاته، وكلاهما مطلع على كل ما يصدر منه من العمل كما قال الله تعالى: {ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد}، وقال تعالى: {وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون}، وهو ممتحن بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من عند الله، فأول ذلك حق الله جل جلاله، وهو أولا توحيده وأن لا نشرك به شيئا، فلا بد من تعلم حقوق الله سبحانه وتعالى وأن يحرص الإنسان على أدائها فالإسلام إنما يدخل بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وهذه الشهادة العظيمة تقتضي من الإنسان الإقرار بأن لا نافع ولا ضار إلا الله جل جلاله، وأن الأمور كلها بيده، {ألا إلى الله تصير الأمور}، {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون}، وكذلك تقتضي هذه الشهادة الإيمان بأنه وحده الذي يستحق العبادة، فصرف أي شيء من العبادة لغيره إنما هو خسارة، فالإنسان الذي يرائي أو يسمع إذا كان بحضرة الناس أحسن عبادته فإذا خلا بنفسه لم يؤدها على الوجه الصحيح، أو يترك المعصية بحضرة الناس فإذا خلا بنفسه عصا الله سبحانه وتعالى، هذا شهادته مدخولة، فهو يشهد أن لا إله إلا الله، ومع ذلك لا يعمل بمقتضى هذه الشهادة، فهذه الشهادة تقتضي منه أن لا يخاف إلا الله، وأن لا يطمع إلا في الله، وأن لا يقدم أي شيء من العبادة إلا لله، جل جلاله، فهو مستحق العبادة وحده، ولذلك قال الله تعالى في سورة فاطر: {ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير}.

وكذلك من حقه ومن مقتضى شهادة أن لا إله الله الإيمان بأنه لا يحل ولا يحرم إلا هو جل جلاله فهو وحده الذي يستحق التشريع لعباده، فكل الأوامر الشرعية هي من عند الله سبحانه وتعالى فهو الذي يأمر بمأموراتها وهو الذي ينهى عن منهياتها، وذلك حق من حقوق الألوهية، وليس لأحد سواه أن يشرع للناس، فكل من أحل ما حرم الله أو حرم ما لم يحرمه الله        فقد نازع الله في حقه في الألوهية، ولذلك قال الله تعالى: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله}، وكذلك من حقوق الله سبحانه وتعالى ومن مقتضى هذه الشهادة العظيمة محبة الله حبا شديدا، فكل من آمن بالله لا بد أن يحبه حبا شديدا، وللمحبة أسباب، فمنها الكمال والجمال والجلال، فالله سبحانه وتعالى هو المتصف بكل الكمال، وهو المنزه عن كل نقص، فكل كمال واجب له، وكل نقص محال عليه، فلذلك يستحق المحبة لذاته ولواجب صفاته، وكذلك من أسباب المحبة الإحسان، ولا أحد ينعم علينا بأية نعمة إلا الله جل جلاله، {وما بكم من نعمة فمن الله}، فقد أنعم علينا بأنواع النعم التي لا تحصى، {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها}، فإذا راجعنا نعمته علينا اقتضى منا ذلك محبته.

ثم إن من أسباب المحبة أيضا الرجاء، فمن ترجو منه نفعا تحبه ولو لم يكن جميلا ولو لم يكن قد أسدى إليك معروفا في الماضي، ولكن لتعلقك بمعروفه في المستقبل، ونحن جميعا نرجو ثواب الله نرجو أن نبيض وجوهنا يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، وأن يعطينا كتبنا بأيماننا تلقاء وجوهنا وأن يجوزنا على الصراط أجمعين كالبرق الخاطف وأن يدخلنا جنته وأن يرزقنا مجاورة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا الرجاء العظيم يقتضي منا تمام المحبة والتعلق به جل جلاله، والمحبة محبة الله سبحانه وتعالى قاضية على محبة من دونه، فمن أحب الله جل جلاله أحب كل من يحب الله، فنحن الآن نحب محمدا صلى الله عليه وسلم وإبراهيم وموسى وعيسى ونوحا والنبيين أجمعين لأنهم يحبون الله ويعبدونه، ونحب جبريل وإسرافيل وميكائيل لأنهم يحبون الله ويعبدونه، وكل من أحب الله وعبده فإننا نحبه حبا شديدا، لحبه لله جل جلاله، وذلك من تمام محبتنا لله.

وهذه المحبة كما ذكرت قاضية على كل حب سواها، فمن أبغض الله وخالفه وحاده في ملكه فلا بد أن يكون بغيضا علينا ولا بد أن نكرهه كراهة شديدة ولو كان أقرب الناس إلينا كما قال الله تعالى: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}، وهذه المحبة هي أعظم محبة كما قال الله تعالى: {ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله}، فأشد أفعل تفضيل، وهي تقتضي أنه لا يمكن أن يوجد شيء من المحبة أشد من ذلك، وهذا المقام هو من الإيمان، ومن لم يجده في نفسه عامل الله بمعاملة الإنسان في البيع والشراء، وذلك خطأ في التعبد، فلا بد أن يكون الإنسان يعامل الله مع رغبته فيما عنده من الخير، ورهبته لما عنده من العذاب يعامله أيضا بمحبة شديدة له جل جلاله، ليكون في تعبده مؤديا للحق الواجب لله سبحانه وتعالى لا يطلب حظا نفسيا فقط، وهذا يقتضي من الإنسان أن يراجع نفسه دائما فيما يتعلق بتعبده هل هو محب لله، فكثير من الناس يؤدون العبادات ويتركون المحرمات طمعا في الجنة وخوفا من النار، ولكن لا يخطر على بالهم ما يتعلق بحب الله جل جلاله، وحب الله سبحانه وتعالى مقام كبير يزداد به الإنسان قربا، ولو كان قليل التعبد، فمحبته لله سبحانه وتعالى ترفع منزلته وتعلي قدره، ومن حقه إحسان عبادته، فهذه العبادة التي يؤديها المسلمون لله سبحانه وتعالى متفاوتة هم درجات عند الله، وهم متفاوتون فيها تفاوتا عظيما، ومن كان منهم أحسن للعبادة وأوفى بحقها كان مقامه أعلى عند الله سبحانه وتعالى، والعبادة تبنى كما تبنى البيوت، لها تأسيس وهو صحة الاعتقاد والتوجه إلى الله جل جلاله وحده، ثم بعد ذلك أداء الفرائض ثم بعد ذلك السنن ثم بعد ذلك المندوبات كما ثبت في الحديث القدسي الصحيح: وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذ بي لأعيذنه.

وبعد ذلك يأتي حقوق المخلوقين وأعظمها حق محمد صلى الله عليه وسلم فهو الذي هدانا الله به من الكفر، وأنقذنا به من الضلالة والجاهلية، وهو الذي ندخل الإسلام بشهادة أن محمدا رسول الله، ونذكره في أذاننا وإقامتنا وفي تشهدنا في الصلاة، وهو الذي نسأل عنه في قبورنا، فكل إنسان منا يقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل، فأما المؤمن فيقول: هو محمد هو محمد هو محمد ثلاثا، جاءنا بالبينات والهدى فآمنا واتبعنا، وأما المنافق فيقول: هاه هاه، لا أدري كنت سمعت الناس يقولون شيئا فقلته.

وهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم هو الذي نرجو أن ندعى به يوم القيامة، {يوم ندعو كل أناس بإمامهم}، ونرجو الدخول في شفاعته وأن نحشر تحت لوائه، ونرجو الشرب من حوضه شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدا، وكل ذلك يقتضي منا أداء حقه، وحقه صلى الله عليه وسلم التوقير والإجلال وتعلم ما جاء به، والحرص على اتباع سنته، والائتساء والاقتداء التام به، فليس لأحد أيا كان العذر في مخالفة سنته، فقد قال الله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}، وقال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما}، وهذا يقتضي من الإنسان أن لا يوازن أي رجل آخر بمحمد صلى الله عليه وسلم فهو الذي لا يعدل عن قوله، ولا يمكن أن يعدل عنه لأي إنسان آخر، فهو أفضل الخلق وأزكاهم وأطهرهم، وهو المعصوم من هذه الأمة وحده، فلذلك لا هداية ولا وصول إلى مرضاة الله إلا عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم، وما جاء به من عند الله، ومن حقه صلى الله عليه وسلم نصرته، وأنتم تعلمون أنه منذ جاء بالبينات من عند الله والناس مختلفون فيه، فقد ناصبه المشركون العداء وقاتلوه وأخرجوه من داره التي ولد فيها وعاش فيها، وبعد ذلك قاتلوه وقاتله اليهود، وحاربه النصارى، وتمالأت عليه الأمم، ولم يزالوا يتمالؤون على دينه فيما بعد، وهذه الحرب التي قامت على النبي صلى الله عليه وسلم لا شك أن كل إنسان منكم الآن يتمنى لو كان حاضرا يوم بدر، لو كنت حاضرا يوم بدر ماذا كنت تصنع، كنت تدافع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقوم بالحق، ويتمنى لو كان حاضرا يوم أحد فيكون من الذين ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم فيفعل مثل ما فعل طلحة بن عبيد الله أو يفعل مثل ما فعلت نسيبة في الدفاع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكل إنسان منكم يتمنى لو كان حاضرا يوم الحديبية فلا يسبقه أحد إلى بيعة الرضوان، فيضع يمينه في يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم يبايعه على الموت في سبيل الله.

إذا كان الحال كذلك فالأمر ما زال كما كان، فكل يوم من أيام الدنيا هو يوم بدر ويوم أحد ويوم الحديبية لأن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالفرقان بين الحق والباطل، والناس لم يعادوه على أساس شخصه، فما عرفت البشرية أحدا أحسن منه خلقا ولا أحسن خلقا ولا أكرم نسبا ولا أخدم للناس، فلماذا عاداه الناس، لم يعادوه قطعا طعنا في نسبه، ولم يعادوه قطعا طعنا في خلقه، ولم يعادوه لأنه منعهم ماله، بل قال للأعراب يوم أوطاس: إليكم عني فلو كان عندي مثل سمر تهامة نعما لقسمته بينكم ثم لم تجدوني جبانا ولا بخيلا ولا كذابا، فإذن لماذا عاداه الناس، لم يعاده الناس ولم يقاتلوه إلا على أساس الملة التي جاء بها، وهذه الملة باقية كما أنزلت، فأنتم جميعا تشهدون أن القرآن كما أنزل، وأن الدين كما شرع وأن الله هو الحق المبين، فإذن محور الخلاف والصراع قائم باق، وأنتم فاتكم صحبة شخص النبي صلى الله عليه وسلم فهي مزية وفضل، اختص الله بها الصحابة، ولكن لكم الحق في أن تكونوا من إخوانه، وإخوانه تمنى لو رآهم، فقال: وددت لو رأيت إخواننا قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله، قال: بل أنتم أصحابي، وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني، للواحد منهم أجر خمسين، قالوا يا رسول الله منا أو منهم، قال: بل منكم، إنكم تجدون على الحق أعوانا ولا يجدون على الحق أعوانا، وقد خفف الله عنكم كثيرا من التكاليف والأعباء التي كانت على الصحابة، فالصحابة رضوان الله عليهم لما قام عليهم من الحجة  بالصحبة، وحضور نزول الوحي، ورؤية الرسول صلى الله عليه وسلم لا بد أن يكملوا ما أمروا به جميعا، ومن ترك عشر ما أمر به هلك، وأنتم اليوم فتح لكم كثير من أبواب التضعيف والخير، فمن أتى منكم بعشر ما أمر به نجا، كما أخرج الترمذي في السنن بإسناد صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنتم في زمان من ترك فيه عشر ما أمر به هلك، وسيأتي على الناس زمان من أتى فيه بعشر ما أمر به نجا.

وما نفعله نحن اليوم وما نقوم به من الدين في أغلب الأحيان لا يصل إلى عشر الدين، فمع كل هذا الترغيب ومع كل هذا الفضل العظيم مع ذلك لو قاس الإنسان منا عمره وما يبذله من نصرة الدين منه، فإنه لا يصل إلى 1%، لينظر كل واحد منا في عمله اليومي، هذا العمل اليومي كثير منه يتجه إلى أمور الدنيا، ولا بأس إذا كان في الحلال، وكثير منه يذهب في اللغو والأمور التي لا طائل من ورائها، لا تزيد الإنسان في دين ولا تزيده في دنيا، وكثير منه كذلك يكون حسرة ووبالا على الإنسان لأنه انشغال بما لا يرضي الله جل جلاله، وقليل جدا منه هو الذي يكون خدمة لهذا الدين ونصرة لهذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

 وليتذكر كل إنسان منا ذكرا كان أو أنثى كبيرا كان أو صغيرا، هل قام بحق هذا الرسول الكريم في النصرة، هل نصره في موقف أو مواقف، هل يستشعر أن في هذه الدنيا صراعا موجودا بين حزبين هما حزب الله وحزب الشيطان، وهل بحث عن محله هو من أي الحزبين هو، فحزب الشيطان الانتساب إليه سهل جدا، هو ترك نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مجرد تعطيل العمل، ينتسب به الإنسان لحزب الشيطان، وحزب الله الانتساب إليه ليس بمجرد النسب ولا بالاسم ولا بالجنسية، لا يكفي فيه النسب، حزب الله الانتساب إليه لا بد فيه من العمل، وذلك أن الانتساب لحزب الله هو تحقيق بيعة بينك وبين الله جل جلاله، فما منكم أحد إلا وبينه وبين الله صفقة وبيعة، وعليه دين تحمله لله، هل أنتم جميعا من أهل الدين والمروءة، ولا يرضى أحد منكم أن يكون من المفلسين ومن الذين لا يوثق بهم، ولو أن أي إنسان منكم تحمل دينا لإنسان فمضى عليه عشر سنوات أو عشرون سنة أو ثلاثون سنة أو أربعون سنة، وهو لم يفكر يوما من الأيام في قضاء ذلك الدين، هل يكون صاحب دين ومروءة، هل هو صاحب أمانة، هذا الإنسان مفلس، الذي يمضي عليه عشرات السنوات وعليه دين موثق لا يفكر في قضائه ولا يسعى لتسديده، أبدا وهو غير معذور هذا إنسان مفلس لا خير فيه، هذا الدين في رقابنا جميعا لله جل جلاله، ببيعة أكدها في التوراة والإنجيل والقرآن ولذلك قال فيها: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم}، أينا كان يفكر في هذه البيعة في الماضي، فإذا مضى عليه يوم أو أسبوع أو شهر أو سنة فكر فقال: أنا علي دين لله ماذا بذلت فيه في هذه المدة، ماذا قدمت لنصرة هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، هل دعوت أحدا إلى ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، هل بذلت شيئا من أجل نصرة هذا الدين وانتشاره بين الناس هل بذلت وقتا أو شيئا من عقلي الضافي الكبير، أو شيئا من جاهي أو شيئا من مالي في سبيل تعزيز هذا الدين والتمكين له في الأرض، إذا لم يجد الإنسان موقفا مشرفا في أي يوم من الأيام فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون فذلك اليوم قد ذهب سدى وطويت صحائفه ولم يؤد فيه الإنسان الحق الذي لله فيه عليه، وعليه أن يبادر وأن يتدارك ما بقي من عمره وهو لا يدري كم بقي من عمره، {وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم}، لا بد أن يحاول فيما بقي من عمره أن يؤدي هذا الحق وأن يفي بهذه البيعة وأن يؤدي هذا الدين، وليعلم أنه هو الرابح، فالله سبحانه وتعالى يكفر عن عباده المؤمنين السيئات باجتنابهم للكبائر، ويكفر عنهم الكبائر بالتوبة والحسنات يذهبن السيئات ويضاعف لهم الحسنات أضعافا مضاعفة والسيئة لا تكون إلا بمثلها والحسنة أقل ما تكتب به عشرة أمثالها، إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، {والله يضاعف لمن يشاء}، فلذلك إذا عمل الإنسان عملا يسيرا لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه ولو لم يترتب عليه أية فائدة فإنه يضاعف له عند الله سبحانه وتعالى وينجح به في الامتحان ويكون وافيا لله بصفقته ويكون من الصادقين وهم حزب الله جل جلاله، وينجو من أن يكون من المنافقين، فالمنافقون هم الذين أخلفوا الله ما وعدوه، لم يفوا لله ببيعة، ولذلك قال الله تعالى: {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم}، وهذا يقتضي منا أن يحرص كل إنسان منا على أن يعالج النفاق من نفسه وأن يتوب منه وأن يفي الله ببيعته وأن يقوم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالحق، فقد دعانا الله لنصرته، وبين أننا إذا لم نفعل فلن يكله إلينا، سيخرج أقواما آخرين ينصرونه، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا مالكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السلفى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم}، وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم}، وقال تعالى: {ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}، والموظف أبلغ الحوافز التي تدعوه لإتقان العمل إذا قال له موظفه إما أن تقوم بهذا العمل على أحسن الوجوه أو سأعزلك وآتي بمن هو خير منك يقوم به ويؤديه على أحسن الوجوه، ونحن جميعا موظفون لدى الله كما سمعتم، فإذا لم نقم بهذه الوظيفة فسيعزلنا ويأتي بمن هو خير منا، وعنده من الخلائق والعباد ما لا يخطر لنا على بال، {فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين أولئك الذين هدى الله}، وهذا العهد الذي بيننا وبين الله في هذه الحياة الدنيا إذا مات الإنسان وحمل إلى القبور ولم يقدم فيه شيئا فإن موقفه بين يدي الله مخجل جدا، مخجل في غاية الخجل أن ينزل إلى هذه الأرض ويكرم بأنواع الإكرام فيتمم الله له عقله وسمعه وبصره وحواسه ويعطيه من أنواع النعم ما لا يحصي، فيمكث ما مكث ويمضي عليه هذا العدد من السنوات ثم يحمل على الرقاب إلى الدار الآخرة ويوارى في مدفنه فيعرض على الله ويسأله ماذا عمل في كل ما استخلفه فيه، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة نفر هم أول من تسعر بهم النار يوم القيامة، نسأل الله السلامة والعافية، رجل آتاه الله العلم فعلمه من أنواع العلم فقامت عليه الحجة بما تعلم فدعاه فعرفه نعمته عليه فعرفها، قال: فما عملت فيها قال: تعلمت فيك العلم وعلمته، فيقول الله كذبت ويقول الملائكة كذبت إنما تعلمت ليقال عالم فقد قيل، فيؤمر به فيجر على وجهه فيرمى في النار، ورجل آتاه الله من أنواع المال ما آتاه فدعاه فعرفه نعمته عليه فعرفها، قال فما عملت فيها، قال: ما تركت وجها تحب أن ينفق فيه المال إلا أنفقته فيك، فيقول الله كذبت ويقول الملائكة كذبت إنما أنفقت ليقال جواد فقد قيل، فيؤمر به فيجر على وجهه فيرمى في النار، ورجل قواه الله سبحانه وتعالى وأتم عليه نعمته وخلقته فقاتل حتى قتل فدعاه فعرفه نعمته عليه فعرفها، فقال: فما عملت فيها، قال: جاهدت فيك يا رب حتى قتلت، فيقول الله كذبت ويقول الملائكة كذبت، إنما قاتلت ليقال شجاع فقد قيل، فيؤمر به فيجر على وجهه فيرمى في النار، وهؤلاء على الأقل فعلوا شيئا في الحياة الدنيا يستطيعون ذكره، كثير لا يستطيعون الجواب أصلا، يعرفهم نعمته عليهم ولا يقدمون أي شيء، لا يستطيعون أن يذكروا أي عمل، هل يسر أحدا أن يوقف بين يدي الله فيعرفه نعمته عليه ألم أكمل لك خلقتك ألم أقذف في قلبك الإيمان ألم أحببه إليك ألم أكره إليك الكفر ألم أمتعك بعقلك ألم أمتعك بحواسك ألم أمتعك بقوة بدنك، ألم أوتك مالا وأهلا ألم أجعلك في نسب محترم في أهل الأرض، ألم أوفر لك الأمن والأمان في الأرض فماذا عملت، فيقول: لم يبق نوع من الملذات والشهوات في الدنيا إلا اتبعته، هل هذا الجواب مرضي لدى أحد من الناس؟ هذا الجواب مخز جدا ومخجل في موقف الصدق بين يدي الله جل جلاله، لذلك لا بد أن نحرص جميعا على جواب مقنع مرض ولا يكون ذلك إلا بالصدق والعمل الصالح المرضي لله سبحانه وتعالى، وهو نصرة دينه وإعلاء كلمته، وبالأخص إذا عرفنا أن هذا العمر هو أقصر أعمارنا، فالعمر السابق هو عمرنا في عالم الذر مديد طويل ليتذكر كل إنسان منكم أنه دخل الوجود في أيام آدم، وسئل وأجاب وأخذ عليه العهد في ذلك الوقت، ومنذ ذلك الوقت ونسمته موجودة في السماء، من أيام آدم حتى نفخت روحه وهو جنين في بطن أمه فيه فالعمر الأول عمر مديد جدا آلاف آلاف السنين، والعمر الثاني وهو عمرنا فوق الأرض مدته يسيرة قصيرة، أطولنا عمرا من يدعى له أن يعيش قرنا أي أن يعيش مائة سنة، ومائة سنة تمضي الآن بسرعة هائلة، وإذا تذكرتم أياما مضت تستغربون سرعة الزمان في أيامنا هذه، إذا أصبح الإنسان في أي يوم من الأيام ولديه مشاريع وأمور يريد إنجازها إذا أوى إلى فراشه بالليل يتعجب كيف مضى هذا اليوم ولم ينجز شيئا من أعماله، فالأوقات نزعت منها البركة، وهذا العمر القصير لنا فيه ثلاث فرص للنجاة من عذاب الله، فالفرصة الأولى فرصة الحياة الدنيا فهي دار العمل، وإذا نفخ في الصور لم يبق العمل ممكنا، عندما تنشق القبور عن أهلها فيخرجون من الأجداث إلى ربهم ينسلون حينئذ ليس الوقت وقت عمل، الناس حينئذ مسخرون مذللون كأنهم جراد منتشر، يساقون إلى الساهرة، ليس لأحد منهم طاعة ولا معصية، لا يستطيع أن يخالف الخطة المرسومة له في سيره، وهذه الحياة الدنيا قطعا قد آذنت بالنهاية، فأنتم تعرفون أن آخر أمم الدنيا هي أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وتعرفون أن هذه الأمة مضى منها أربعة عشر قرنا، وأننا في آخرها قطعا، مضى منها ما لم يبق، فإذا أدركنا ذلك فإننا في كل يوم جمعة نتوقع قيام الساعة أو الأشراط الكبرى، ونتوقع طلوع الشمس من مغربها، وفي هذا العام قد طلعت الشمس من مغربها على المريخ، استدار في فلكه حتى كان طلوع الشمس عليه من الجهة التي كانت جهة الغرب له، ولذلك فالأشراط كل يوم نرى ما يدل عليها، وأعظم ما يدل عليها الموت من انتقال فإذا مات ابن آدم فقد قامت قيامته، كم كان معنا من الرجال الأقوياء الذين كنا نثق بهم ونكل إليهم كثيرا من الأمور وهم الآن تحت التراب، ليتذكر كل واحد منا آباءه وأعمامه، وإخوانه الذين ماتوا وخلائق لا يحصون من الأقوياء الأشداء الذين أصبحوا تحت التراب، وهذا مؤذن قطعا بنهاية هذه الحياة الدنيا.

 ثم الفرصة الثانية هي فرصة العمر الشخصي للإنسان، فهذا العمر ما هو إلا أيام وليال، وما لم ينفذه الإنسان فيه فإنه لا يناله ولا يجده في عمله {يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه}. والفرصة الثالثة هي ما مكننا الله فيه من أنواع النعم فإنها لا تدوم، الشباب ونضارته والقوة هذه نعمة من نعم الله، لكن من المجزوم به أنها لا تدوم، ومن ظن دوامها وانخدع بها من الشباب فلينظر إلى أبيه وجده وأعمامه والشيوخ الذين هم أسن منه فقد كانوا بنفس الحال الذي هو فيه، مضى بهم ما يمكن أن يكون أكثر مما لديه هو من النشاط والقوة، ونضارة الشباب، وقد تغيرت أحوالهم، وذلك مؤذن بتغير أحوالك أنت، ولهذا قال الماوردي رحمه الله:

أقبل على صلواتك الخمس          كم مصبح وعساه لا يمسي

واستقبل اليوم الجديد بتوبة          تمحو ذنوب صحيفة الأمس

فليفعلن بوجهك الغض البلى         فعل الظلام بصورة الشمس

فهذه النعمة لها أجل مسمى فانتهزوه، ما لديك من القوى جميعا له أجل مسمى، أنت الآن تتحرك تستطيع أن تقوم تستطيع أن تجلس بحسب ما أردت، ولكن لذلك أجل مسمى تمنع فيه الحركة، لسانك الآن يمكن أن يقول لا إله إلا الله وسيحال بينك وبينها، تستطيع أن تستغل ما لديك من الجاه وما لديك من المكانة وما لديك من المال في طاعة الله، وسيحال بينك وبين ذلك، كم قد شاهدتم من الأغنياء الذين كانوا يملكون الكثير فافتقروا، أو أجيحت أموالهم وهم أحياء يمشون على وجه الأرض، وكم قد شاهدتم كذلك من الأقوياء الذين كان يضرب المثل بقوتهم وقد أصبحوا يحملون ولا يقضي أحد منهم حاجته إلا بمساعدة غيره، كل ذلك مقتض لأن نعلم أن النعم لا تدوم، وأن هذه النعم لها آجال محددة، وإذا لم نستغلها فإن الوقت يفوت، وقد حدثني أحد الأصدقاء اليوم في هذا اليوم الذي غربت شمسه أن أحد الوزراء كان وزير المالية فحدثه أنه جعل تحت يده خمسمائة قطعة أرض في انواكشوط، وأراد أن يوزعها ولكنه جعل يسوف ويقول: عددها يسير والطلبات كثيرة، فلم يزل يحتفظ بها حتى جاء انقلاب وعزل هو عن وظيفته فاستلمها من سواه فندم هو غاية الندم أنه لم يقدم شيئا في هذه الوظيفة، فقلت له: هذا درس نأخذه في هذا اليوم وعبرة من العبر فكل صاحب وظيفة مدة جلوسه على كرسيه هي مثل جلوسه على كرسي الحلاق ينتظر الحلاقة ويقوم ويترك مكانه لغيره، أو مثل اضطجاعه على النعش ليحمل عليه إلى قبره ثم يرجع بالنعش، فكل وظائف الدنيا شغلها مثل شغل الإنسان لنعشه أو شغله لكرسي الحلاق:

هو الموت ما منه ملاذ ومهرب            إذا حط ذا عن نعشه ذاك يركب

ثم بعد هذا لا بد أن نعلم أن ما نحن فيه من الوظائف التي وظفنا الله فيها لم يكن لنا فيها تدبير ولا تفكير، {ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا}، لم يستشر أحد منا عند خلقه هل يكون طويلا أو قصيرا، هل يكون أبيض أو يكون أسود، هل يكون جميلا أو يكون دميما هل يكون قويا أو يكون ضعيفا ما شاورنا الله في خلقتنا، {في أي صورة ما شاء ركبك}، فلذلك علينا أن نعلم أن هذا إنما هو بتدبير من الله جل جلاله، فهو قيوم السماوات والأرض، ولذلك فأنت موظف فسر على الخطة التي رسمت لك وأدها على الوجه الصحيح، وإلا فاعلم أنك لن تعجز الله في أي شيء، لم تشاور على أصل خلقتك فكيف بما دون ذلك.

 وبعد هذا يأتي العمر الثالث وهو عمر الإنسان في البرزخ تحت الأرض، وبداية هذا العمر عندما يرسل ملك الموت إلى الإنسان إذا حان أجله، فإن كانت نفسه طيبة محسنة جاء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي}، فتتهوع إليه نفسه كما تتهوع القطرة بفي السقاء، القربة المليئة بالماء إذا فتح فمها يخرج منه الماء هكذا كذلك تخرج النفس الطيبة عندما يناديها ملك الموت بهذا الآية، فتخرج إليه، فلا تمكث في كفه طرفة عين، حتى يسلمها إلى ملائكة قد جلسوا مد البصر كأن وجوههم الشموس، فيجعلونها في كفن من أكفان الجنة، ويجعلون عليها من عطر الجنة وطيبها، ويرتفعون بها إلى سماء الدنيا فيستأذنون فيقال: مرحبا بالنفس الطيبة، فتفتح لها أبواب السماء، حتى تخر ساجدة تحت العرش، يرحب بها أهل كل سماء ثم يؤذن لها في الرجوع إلى القبر لسؤال الملكين، وإن كانت النفس خبيثة جاء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: يا أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وعقوبة، فتتفرق في بدنه، فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول في تقطع وشدة، فلا تمكث في كفه طرفة عين، حتى يسلمها إلى ملائكة قد جلسوا مد البصر {وهم باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون}، فيجعلونها في سفط من أسفاط النار، ويجعلون عليها من قطران النار، ثم يرتفعون بها إلى السماء فيستأذنون فيقال: لا مرحبا بالنفس الخبيثة {لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط وكذلك نجزي المجرمين لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين}.

 وهذا الموت حتم لا محالة وهو آت، ونحن قد مررنا قبله بأطوار كثيرة، {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون}، فكل المراحل قد مررت بها وأنت الآن قد وصلت إلى مرحلة الموت، لأن كل المراحل الأخرى مررت بها، فلذلك لا تنتظر الآن مرحلة جديدة إلا الموت، وهي المرحلة التي أمامنا جميعا، وهذا الموت ليس فناء كما يزعم بعض الناس، بل هو انتقال من دار إلى دار وتحول من حال إلى حال يبدو فيه للإنسان من الله ما لم يكن يحتسب، ويزول عن عينيه ما كان فيهما من الغشاوة، ولذلك قال الله تعالى: {وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد}، وهو يأتي بكثير من الأسباب، قد شاهدنا موت الإنسان على فراشه وقد نام صحيحا ليس به أي مرض، وشاهدنا الناس يموتون بالأمراض وشاهدناهم يموتون بحوادث السير، وشاهدناهم يموتون بالعلل الخفيفة والأمراض الضعيفة، وشاهدناهم يموتون بالأمراض المخوفة الشديدة، كل هذا نشاهده، وهو كله من تدبير الله جل جلاله فليس لنا فيه أية مشاركة، وبعد قبض الروح من البدن أول ما يأتي من مشاهد ذلك العمر الثالث هو تلك الضجعة ضجعة الإنسان في قبره، عندما يوضع في تلك الحفرة الموحشة المظلمة ويرد الناس عليه التراب، ويضعون عليه الجنادل والخشب ثم ينطلقون ويتركونه مع عمله، هذه الضجعة عظيمة جدا وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج في جنازة فلما وضع الميت في قبره نظر إليه وأشار بيده أن كفوا، فقال: أي إخواني أعدوا لمثل هذه الضجعة، هذه الضجعة يعرض على الإنسان فيها عمله ويمتحن فيها بفتنة القبر العظيمة، ثم بعدها ضمة القبر التي تختلف منها الأضلاع وتزول منها الحمائل، يضم القبر الإنسان ضمة شديدة، تختلف منها الأضلاع وتزول منها الحمائل، وإذا كانت هذه الضمة بهذا المستوى من الشدة، فهي تهيئة لسؤال الملكين منكر ونكير، يأتيانه في أفظع صورة وأشدها فيجلسانه إلى ركبتيه، فيقولان له ما ربك وما دينك وما كنت تقول في هذا الرجل، فهذا امتحان شاق عظيم، لكن الله تعالى يثبت الذين يرتضيهم من عباده كما قال تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء}، ثم بعد ذلك يأتيه عمله فيعرض عليه إن كان محسنا جاءه عمله الصالح في أحسن صورة، وأحسن رائحة، فيقول له: أبشر بخير، فيقول له: وجهك الوجه الذي يبشر بخير فمن أنت، ما عرفه، فيقول: أنا عملك الصالح وأنا أنيسك في غربتك، وإن كان مسيئا فرجحت كفة السيئات على كفة الحسنات جاءه عمله في أقبح صورة وأنتن رائحة، وما ظنكم بعمل هو سيئة تجسمت، والسيئات المتجسمة فيأتي في أقبح صورة وأنتن رائحة، فيدخل عليه في ذلك القبر الضيق، فيقول: أبشر بسوء، فيقول: وجهك الوجه الذي يبشر بسوء فمن أنت، فيقول: أنا عملك السيء وأنا صاحبك في غربتك، فالعمل هو الصاحب في هذه الظلمة والوحشة، فعلى الإنسان قبل أن يبدأ السفر أن يختار الرفيق الذي هو مناسب لرحلته:

وعمل المرء رفيقه غدا             قبل الطريق اختر رفيقا جيدا

ثم بعد ذلك يأتي العمر الرابع وهو عمر الإنسان فوق الساهرة في المحشر، وهو عمر القيام يوم يقوم الناس لرب العالمين، ليس فيه اتكاء ولا اضطجاع ولا ارتفاق ولا جلوس، يوم يقوم الناس لرب العالمين، يحشرون جميعا إلى الساهرة، حفاة عراة غرلا مشاة كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين، عندما يؤذن للملك بالنفخ في الصور ينفخ فيه النفخة الأولى نفخة الفزع، فيصعق لها الخلائق جميعا من كان حيا يصعقون جميعا فيمكثون أربعين سنة ثم يؤذن له بالنفخ أخرى، فينفخ فيه فإذا هم قيام ينظرون، يحيون جميعا ثم يقومون ثم ينادي المنادي فيهم هلموا إلى ربكم فيخرجون من الأجداث إلى ربهم ينسلون، وهم يرون الأرض تبس بسا وترج رجا، وتنفض كما ينفض الجراب فيخرج كل ما فيها، من الموتى وما فيها من المعادن وما فيها من الأموال وما فيها من الكنوز يخرج منها كل ذلك وتستوي استواء مطلقا ليس فيها جبال ولا أودية، فالجبال تكون كالعهن المنفوش، تفيئها الرياح يمينا وشمالا، والأودية تستوي ثم بعد ذلك تطوى الأرض طيا وتكون يوم القيامة خبزة يتكفؤها الجبار بيمينه كما يتكفأ أحدكم خبزته نزلا لأهل الجنة، ويرون السماء وهي تشقق بأصوات مروعة مفظعة، نحن الآن نرتاع لصوت الرعد، وهو صوت خفيف وصوت تشقق السماء صوت لا يتصور، هذه السماء القوية التي سمكها سمك كل سماء خمسمائة عام للمنحدر الصلب الهاوي، ومع ذلك تشقق والملائكة على أرجائها، وهم يطوونها طيا كما يطوى الكتاب، مثل طي الورق، كطي السجل للكتاب، وعندما تطوى السماء والأرض يجتمع الخلائق جميعا في الساهرة، وهي أرض مستديرة كالكرسفة البيضاء يقف الواقف على طرفها فيرى طرفها الآخر، يجتمع فيها الخلائق جميعا، وتدنو الشمس فوق رؤوسهم حتى تكون كالميل، ويشتد بهم العرق، حتى يسيح في الأرض سبعين ذراعا، ثم يرتفع بعدها فمنهم من يصل إلى كعبيه، ومنهم من يصل إلى ركبتيه ومنهم من يصل إلى حقويه، ومن يصل إلى سرته ومنهم من يصل إلى ثدييه، ومنهم من يصل إلى ترقوتيه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، ويطول هذا الموقف طولا غير معتاد، فالإنسان لا يجد مكانا يجلس فيه ولا مكانا يضطجع فيه ولا نوم في عينيه ولا راحة له فهو واقف وقوفا واحدا، وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون، ومن كان من أهل الخير في هذه الحياة الدنيا فإنه يستظل بظل صدقته يوم القيامة، فمن مستقل أو مستكثر، كل تتبعه صدقه في ذلك اليوم، فمن الناس من يأتي بالدرهم الواحد قد تصدق به في الحياة الدنيا فيحول بين جزء يسير من رأسه وبين الشمس، ومنهم من تأتي صدقته فتظله وتظل معه بعض أقاربه أو بعض الذين يمونهم فكل يستظل بظل صدقته فمن مستقل ومن مستكثر، ويطول هذا الموقف بالناس طولا غير معتاد، ثم يلجؤون إلى الشفاعة، فيشفع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلائق وهو المقام المحمود الذي أعد الله له. وبعد هذا العمر العمر الخامس، وهو عمر البقاء إما في جنة وإما في نار، فإن كان الإنسان من أهل الجنة فإنه عندما يعرض على الله جل جلاله وسنعرض عليه جميعا يبيض الله وجهه حتى يخترق في النور مسيرة خمسمائة عام، ويعطيه كتابه بيمينه وقد طيب من طيب الجنة، يعطى هذا الكتاب يفرح فرحا شديدا فيصيح في الناس: {هاؤم اقرؤوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه فهو في عيشة راضية في جنة عالية قطوفها دانية كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتهم في الأيام الخالية}، وبعد ذلك يقرأ كتابه فيمر بكثير من المواقف المشرفة والأعمال الصالحة، وكتابه مبوب فيه باب فيما يتعلق بحقوق الله وتوحيده وعبادته، باب الصلاة وباب الزكاة باب الصوم باب الحج، وكل يأتيه ما قدم فيه، باب ما تعلم من العلم ما قرأ من القرآن ما ذكر الله تعالى من الذكر، ما تصدق به من الصدقات، ما جاهد به في سبيل الله، ما بذله من ماله لإعلاء كلمة الله، ما بذله من وقته وجاهه لإعلاء كلمة الله ونصرة دينه والتمكين له، فيقرأ ذلك ويستره الله بستره الجميل، وما كان من أعماله السيئة يغطيه الله بكنفه وستره، فلا يرى شيء من أعماله السيئة، يقابله الله بالتجاوز والمغفرة ويكبر أعماله الصالحة فالشيء اليسير جدا يكبره الله، وقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وما تصدق امرؤ بصدقة من كسب طيب إلا كان كأنما يضعها في يمين الرحمن، فلا يزال ينميها له كما ينمي أحدكم فلوه أوفصيله حتى تكون كالجبل، فهذه الصدقة ينميها الباري كما ننمي نحن حيواناتنا، الفلو ولد الفرس والفصيل ولد الناقة حتى تكون كالجبل، فلذلك تزداد حسناته فإذا وقف بين يدي الميزان وله كفتان ولسان رأى أعماله الصالحة وهي توضع في كفة الحسنات، فترجح هذه الأعمال فيفرح برجحان كفة حسناته فرحا شديدا، ثم بعد ذلك يمر على الصراط مرورا سريعا، ثم بعد ذلك يشرب من حوض النبي صلى الله عليه وسلم، شربة لا يظمأ بعدها أبدا، ثم يدخل الجنة فيفوز بما فيها من أنواع النعيم المقيم، إذا تجاوز أهلها الصراط رأوا شجرة عظيمة، فيدعون إليها فيأتونها فإذا فيها نهران نابعان من جذعها نهر داخل ونهر خارج، فيؤمرون فيشربون من النهر الداخل، فإذا شربوا منه زال كل ما في داخلهم من الأدواء والأمراض والتعب والنصب وأغلقت بطونهم فلا يخرج منها شيء، لا يخرج منها بول ولا غائط ولا مخاط ولا بصاق تزول الأقذار جميعا بمجرد شربهم من ذلك النهر، ثم يؤمرون فينغمسون في النهر الخارج فإذا انغمسوا فيه زال كل ما في أبدانهم من الوصب والتعب، فكل ما فيه من الجروح من كان منهم جرح على الصراط، فالصراط يخدش عليه بعض الناس، فمن الناس من يسقط شدقه ومنهم من تسقط أذنه ومن تسقط عينه ومن تسقط يده ومن تسقط رجله ومن يبقر بطنه كل ذلك بكلاليب الصراط، فيأتون وهم جرحى، كثير هم الجرحى يوم القيامة، ولكنهم عندما ينغمسون في ذلك النهر، يرجع إليهم ما فقدوا من أبدانهم، والإنسان الذي كانت خلقته ناقصة في الدنيا تكمل خلقته فتتم له يداه ورجلاه ويزول ما فيه من الشيب وما فيه من الشام وما فيه من آثار الجروح والخدوش وما فيه من الوسخ، فيكونون جميعا على صورة آدم عليه السلام ستين ذراعا في السماء وسبعة أذرع في العرض كأن وجوههم القمر ليلة البدر، وعندما تكمل خلقتهم يكسون من حرير الجنة، وأول من يكسى إبراهيم عليه السلام يكسى من الديباج الأبيض، ثم يكسى الأنبياء والصالحون ثم بقية الخلائق، فيكسون بتلك الكسى التي هي هدية الله لهم، ثم بعد هذا يستقبلهم ولدان الجنة، كل إنسان منهم وحده يأتي الولدان يرحبون به ويغنون له وينشدون بين يديه الترحيب الكامل به، لا يلتبس عليهم صاحبهم بمن سواه، ولهو أدل بمنزله من الجنة من أحدكم بمنزله في الدنيا، فيرجع الولدان أمامه إلى الجنة فيأتون أهله فيدخلون قصوره فيقولون جاء أهل الجنة وفيهم فلان، فيقول نساؤه للأولاد أنتم رأيتموه فيقولون نعم وهو على الأثر، وإذا دخل قصره تستقبله إحدى نساء الجنة، ونساؤها خلقهن الله عز وجل فجملهن وكملهن فلو سفرت إحداهن عن وجهها في الليلة الظلماء لأشرق لها ما بين المشرق والمغرب، ولو بصقت في البحر لصار عذبا من بصاقها، ويرى مخ ساقها من خارجه، وأهداب عينيها كجناح النسر، وحاجبها مثل الهلال في الاستقواس والسعة، فتأتي وقد لبست سبعين حلة من حلل الجنة، فيضع يده بين كتفيها فيرى أصابعه بين ثدييها، ويجد الإنسان فيها من النعيم المقيم ما لا يخطر له على بال، فجدران الخارجية مجرد الجدران لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وترابها المسك والكافور، وفيها الأنهار التي تجري ليست مثل أنهار الدنيا، أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى، ماؤها وحده مجرد الماء لو قطرت منه قطرة واحدة بالأرض لم يبق فيها ملح ولم يبق فيها أذى ولم يبق فيها مرض، وأبلغ ما فيها من النعيم لذة النظر إلى وجه الله الكريم، بينما أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع عليهم نور من فوقهم فإذا الرب جل جلاله يناديهم من فوقهم سلام قولا من رب رحيم، فلا ينظرون إلى شيء مما هم فيه ما داموا ينظرون إلى وجه الله الكريم، وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، يحييهم الله جل جلاله بالتحية والسلام، فيقول: {سلام قولا من رب رحيم}، ويناديهم المنادي يا أهل الجنة: إن لكم أن تشبوا فلا تهرموا وان تصحوا فلا تسقموا وأن تنعموا وتكرموا، فهم يشبون دائما ولا يهرمون يمضي عليهم آلاف السنين لا يخافون من شيب ولا هرم، وأن تصحوا فلا تسقموا، لا يصيبهم أي داء ولا أي مرض، وهم دائما في صحة كاملة في جميع قواهم، كذلك متعهم وملذاتهم ليست مثل ملذات الدنيا بوجه من الوجوه، فلذة الجنة لا تنقطع، نعيم الجنة لا يزول، اللذة الأولى التي ينالها الإنسان عندما يصل إليه شيء من روحها وريحانها تبقى معه ولو جاء بعدها مليارات اللذات، كل لذة تأخذ مكانها من قلبه ومن تصوره وتأتي عليها اللذة الأخرى واللذة الأخرى وهكذا لا يزول شيء من لذاتها، بخلاف لذات الدنيا فلذات الدنيا لا يستطيع الإنسان الجمع بين اثنتين منها غالبا، كذلك لا يمل شيء مما فيها، فالفواكه دانية، لا يحتاج الإنسان إلى أن يصعد إلى الشجرة حتى يأخذ فاكهتها بل تأتيه الفاكهة، وإذا انتزعها مباشرة نبتت في مكانها فاكهة مثلها تماما، وفي فواكهها تنوع عجيب كل فاكهة لها رائحة هي أشهى الروائح، يظن الإنسان أنه لا يشم رائحة أطيب منها، فإذا أخذ الفاكهة الأخرى إذا هي أطيب منها بآلاف المرات، {كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها}، لا يشبعون مما فيها، فقد أتوا من القوة على شهواتهم ولذاتهم ما لا يتصور ولا يوصف، ولا يسكرون من خمرها ولا يصدعون عنها، لا يصدعون عنها ولا ينزفون معناه لا يسكرون، وهم في ذلك النعيم المقيم يستزيرهم الباري جل جلاله أي يدعوهم لزيارته، وذلك بحسب خشوعهم في الصلاة وإخلاصهم لله، فمن كان من الخاشعين كانت زيارته لله سبحانه وتعالى في كل يوم، ومن كان أقل خشوعا كانت زيارته في كل أسبوع أو في كل شهر أو في كل سنة أو في كل مائة ألف سنة يزور مرة واحدة وهكذا، وانظروا البون الشاسع بين من تكون زيارته في كل مائة سنة مرة واحدة، ومن تكون زيارته في كل يوم يزور الباري جل جلاله، ويقيم الله لهم أسواقا في الجنة، لا يحتاجون إلى شراء شيء مما فيها، بل لهم فيها ما يدعون، كلما أرادوا شيئا وجدوه في تلك الأسواق فأخذوه بدون ثمن، يرجعون إلى أهليهم فإذا رأوهم وقد أرسل الله عليهم نسيما طيبا يحسن صورهم ويزيدهم عطرا يقول لهم أهلوهم إذا أتوهم والله لقد ازددتم حسنا بعدنا، فيقولون: وأنتم والله لقد ازددتم حسنا بعدنا، هذا النعيم المقيم هو في مقابل إيمانهم بالله سبحانه وتعالى هو جزاء إيمانهم بالله سبحانه وتعالى وعملهم الصالح ونصرتهم لله جل جلاله.

 أما من رسب في هذا الامتحان ولم يؤد الحق الذي عليه فإنه عندما يخرج من المحشر يخرج منه خاسئا ذليلا وهو يرى المؤمنين والنور يجري أمامهم مسيرة خمسمائة عام، فينادي أصحابه من أهل الإيمان الذين هم أقاربه وإخوانه والذين عاشوا معه فيقول: {انظرونا نقتبس من نوركم}، معناه انتظرونا حتى نسير في نوركم، فيقال لهم: {ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا}، فيلتفتون وراءهم فيضرب بينهم وبين أهل الإيمان {بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير}، فأولئك يسود الله وجوههم، كما قال الله تعالى: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة}، وكما قال الله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون}، وبعد ذلك تغل أيمانهم إلى رقابهم بسلاسل عظيمة من النحاس طول كل سلسلة سبعون ذراعا فيسلك فيها عندما ينادي الله ملائكته: {خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين فليس له اليوم هاهنا حميم ولا طعام إلا من غسلين}، فتغل يمينه إلى رقبته فلا يستطيع التصرف، ثم يؤتى بمثقاب فيقب به ما بين ثدييه حتى يخرج الثقب من بين كتفيه، وهو يصيح ويتمنى أن لو مات بهذا الثقب يقول: {يا ليتها كانت القاضية}، ثم بعد ذلك، تدخل يده اليسرى من بين ثدييه، حتى تخرج من بين كتفيه فيعطى بها كتابه بشماله وراء ظهره، فينتزعها من صدره انتزاعا وهو يصيح يقول: {يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه}، ثم بعد ذلك توزن أعماله بين يديه في الميزان، فيرى رجحان كفة السيئات نسأل الله السلامة والعافية، {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا}، ثم بعد ذلك يعقد طائره في عنقه وهو نتيجة الوزن يعقد في عنقه فيأتي يحمله، {وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}، فيقف على رؤوس الملإ فيقرأ كتابه بأعلى صوته يقول: فعلت كذا يوم كذا وتركت كذا يوم كذا وفعلت كذا ليلة كذا وتركت كذا ليلة كذا وهو يصيح بأعلى صوته، وأنتم تعرفون أن الإنسان في الحياة الدنيا يكره الفضيحة، يكره أن تعلن فضائحه على الملإ اليسير هذا العدد اليسير منا الآن كل إنسان منا لا يرضى أن تذكر عيوبه وينادى به على رؤوس هذا العدد من الناس، فكيف وهو يصيح بها بأعلى صوته يوم القيامة بحضرة الملك الديان جل جلاله وبحضرة آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، والأنبياء جميعا والملائكة والخلائق، وهو يصيح فيعلن مخازيه وفضائحه نسأل الله السلامة والعافية، ثم بعد ذلك ينصب الصراط والناس يستبقونه فيزدحمون عند أسفله {فاستبقوا الصراط}، فمن كان قد ابيض وجهه فإنه يخترق في النور فيصعد على الصراط ومن كان قد اسود وجهه فهو في ظلام وشدة قد طمس على بصره من شدة السواد في وجهه، فلا يرى موطئ قدمه، وهو يزدحم مع الناس على الصراط لا يرى، والصراط أرق من الشعر وأحد من السيف وعليه كلاليب كشوك السعدان، يدخل بالكلوب الواحد سبعون ألفا في قعر جهنم، الكلوب الواحد يسقط به سبعون ألفا في النار، ثم يصعد على الصراط وهو يظن أنه سينجو حتى إذا توسط الصراط هوى على وجهه نسأل الله السلامة والعافية في النار، وقد ابتعد عنها فيراها من بعيد ويسمع أصواتها وغضبها {إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا}، ويجعل فيها في غاية المذلة والهوان، وهو كل يوم يتجدد له من أنواع البلاء فيها والعذاب ما لا يخطر له على بال، ففيها الزمهرير البرد الشديد، وفيها الجحيم الحر الشديد، وفيها السعير النار الموقدة، وكل ذلك يقوى الإنسان عليه فيضخم جسمه حتى يكون مقعده في النار كما بين مكة والمدينة، مقعد الإنسان الواحد من أهل النار فيها كما بين مكة والمدينة، وضرسه في النار مثل جبل أحد، مجرد الضرس مثل جبل أحد، وأقدامهم فيها في السلاسل كالجبال السود المتراكمة، ويطول عليهم الزمان فيها كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب، {وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل}، والحجة قائمة عليهم لله وهم ينادون مالكا فيمكثون أربعين سنة ينادونه يقولون: يا مالك نضجت منا الجلود، يا مالك أخرجنا منها فإنا لا نعود، ينتظرون جوابه أربعين سنة فيكون جوابه: {إنكم ماكثون}، بعد كل هذا الانتظار وهذه المدة يبدؤون شوطا جديدا من أنواع العذاب فيمكثون أيضا أربعين سنة أخرى وهم ينادونه فيقول: إنكم ماكثون، فيأتيهم أشد مما كانوا فيه من أنواع العذاب، وأبلغ ما فيها من العذاب والهوان والمذلة أنهم لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم نسأل الله السلامة والعافية.

 وقد رأيتم البون الشاسع بين حال هؤلاء وأولئك والنتيجة إنما هي في العمل في هذه الحياة الدنيا وأنتم الآن في فسحة من أعماركم وأوقاتكم، فمن كان منكم لا يرتضي أن يكون من أهل النار ولا يرتضي السقوط من فوق الصراط، ولا يرتضي أن يسود الله وجهه، ولا يرتضي أن يثقب صدره فيأخذ كتابه بشماله وراء ظهره، فعليه أن يجتهد للنجاة من ذلك، والنجاة من ذلك لا تكون إلا بطاعة الله سبحانه وتعالى بتعلم ما جاء به هذا الرسول من عنده والاستسلام لحكمه والانقياد لأمره، والعمل بنصرته وإعلاء كلمته.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا أجمعين لكل خير وأن يجعل عملنا خالصا لوجهه الكريم، وأن يختم لنا بخاتمة السعادة، وأن يجعلنا أجمعين من الذين سبقت لهم من الله الحسنى، وأن يغفر لنا ولآبائنا ولأمهاتنا، ولأشياخنا ولمن ولدوا إلى منتهى الإسلام، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 


عدد مرات القراءة : 13612



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              21122846
المتواجدون الأن       6
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو