» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
الدرس الرابع من دورة الفرائض العلمية
الكاتب : الشيخ محمد الحسن ولد الددو



هذا هو الدرس الاول من سلسلة دروس دورة الفرائض العلمية اللتى قام الشيخ بتدريسها فى المركز العلمى



 بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد فكان من خطة مركز تكوين العلماء أن تكون له دورات مفتوحة يشارك فيها طلابه وبعض أساتذته، وتكون مفتوحة للمجتمع كذلك للانتفاع العام في مختلف العلوم وقد سبق أن نفذ دورتين تامتين وجزءا من دورة، وهو اليوم ينفذ دورته الرابعة على بركة الله وهي في علم الفرائض أي علم التركات.

وكان من المفروض أن تكون هذه الدورة كسوابقها مفتوحة للجميع، ولكن ظروف المركز لم تمكن من ذلك، فليعذرنا من لم يجد مكانا، وبالأخص من الأخوات اللواتي ما استطاع المركزفي هذه الأيام أن يوفر لهن مكانا مناسبا للجلوس ولا شاشات مناسبة للعرض على غرار ما سبق في الدورات الثلاث السابقة، ولكن العزاء في ذلك أن هذه الدورة بحول الله سيتولى الأخ عبد الله نشرها على الموقع، فبالإمكان الحصول عليها مباشرة منه، وكما تتعهد إدارة المركز أيضا باستقبال أسئلة الجميع المتعلقة بهذا الدرس، فيكون الجواب عليها في الدرس اللاحق إن شاء الله، فمن شاهد ما استشكله في درس من الدروس في الموقع وقدم سؤالا يتعلق به سواء كان إلى إدارة المركز أو إلى الأخ المشرف على الموقع فإنه سيجاب بحول الله وقوته على حسب ما يتيسر في الدرس الموالي.

أما طريقتنا في هذه الدورة فهي أننا نفضل دائما في الدورات العلمية الارتباط بكتاب من الكتب يحفظه الطلاب، ويتنافسون في حفظه ليكون أصلا لديهم في هذا الفن، ويكون ما يسمعونه من خارجه شرحا له وبيانا، فإذا طالعوا أي كتاب يتعلق بهذا العلم كان بمثابة الشرح والتوسع في هذا الفن الذي يدرسونه، والكتاب الذي اختارته إدارة المركز هو منظومة الرحبية للشيخ محمد بن علي بن محمد بن الحسن الرحبي الشامي، وهو من فقهاء الشافعية، وهو نظم على مقتضى المذهب الشافعي، ولذلك لم يأت بفرائض الإقرار والإنكار وهي مختصة بالمذهب المالكي تقريبا، ولم يأت أيضا بميراث ذوي الأرحام، وترك مسائل من هذا الفن لعلنا نعرج عليها ونكمل بها إن شاء الله تعالى، وطريقة الشرح لا تختص بالكتاب، بل  ربما نعرج على غيره لأننا ملزمون بالتحدث في المذاهب الأربعة كلها وبيان ما نراه راجحا مع الدليل، أو ذكر الدليل ولو لم نرجح.

وهذا العلم هو من العلوم المهمة، فإن الله سبحانه وتعالى تولى تفصيله في كتابه، وأنتم تعرفون أن أهم فرائض الله سبحانه وتعالى وعباداته بعد التوحيد الصلاة، ولا تجدون أركانها مفصلة في القرآن، كما لا تجدون أسماء الصلوات الخمس في القرآن، ومع ذلك تجدون تفاصيل أنصباء أهل الفرائض في كتاب الله مفصلة، وهذا يدل على أهمية هذا العلم العناية به، فقد أورد الله فيه في كتابه أربع آيات.

الآية الأولى جاءت في التقعيد له وبيان أن الرجال والنساء فيه سواء، وهذا هو نظام الإرث الاجتماعي وهو رد لنظام الجاهلية الذي كان يحرم النساء من الإرث، فقد قال الله في هذه الآية: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا}، وهذه الآية تقعيد لهذا النظام وبيان لأهميته وإلغاء لحكم الجاهلية بالكلية، فأهل الجاهلية إنما كان الترابط بينهم على أساس المنافع والمصالح المشتركة، ولذلك يتقاتل فريقان من الأقارب لمدة طويلة تصل إلى أربعين سنة بسبب أن فرسا سبقت أخرى كما هو الحال في حرب داحس والغبراء كانت بين قبيلتين من غطفان وهما عبس وذبيان، بسبب أن فرسا سبقت أخرى.

ويقتتل الحيان أيضا ثلاثين سنة بسبب أن ناقة كسرت بيضة كما هو الحال في حرب البسوس التي دارت بين بني بكر بن وائل وتغلب لمدة ثلاثين سنة، وبكر بن وائل وتغلب بن وائل أخوان من بني ربيعة.

وكان الأقارب تقطع أرحامهم وتشل بسبب الاختلاف في المصالح، ومن أشهر ما حصل من ذلك في العصر السابق للتشريع ما حصل لعنبسة بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف فقد جاء يقود ولده الوحيد إلى إخوته العشرة في مجالسهم وكل واحد منهم له عشرة من الولد، فعرض عليهم أن يكفلوا ولده هذا ويترك لهم بطن مكة، فلم يجبه أحد منهم، فهام به على وجهه حتى مات، فكانت الأرحام تقطع، والصلات تنقطع بمجرد الاختلاف في المصالح، ولذلك قال الله تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم}.

ومن هنا شرع الله سبحانه وتعالى نظام الإرث، وهو نظام اجتماعي يقتضي الترابط والتكافل والتعاون واستمرار الرحم في الحياة وبعد الممات، وقد كنت قبيل أحداث الحادي عشر من سبتمبر زرت مدينة نيويورك ودخلت في وقت العمل إلى برج التجارة العالمي، فرأيت كثرة الداخلين والخارجين، فاستغربت لما سمعت نتائج الحادث وعدد القتلى، فأخبرت أن الذين عرفت أعدادهم إنما هم الذين طالب بعض الناس بميراثهم فليس لهم نظام الإرث المعروف في الإسلام، وإنما يرث الزوج زوجته والزوجة زوجها ولا يرث الوالد ولده ولا الأم ولدها ولا الأخ أخاه ولا الأخت أخاها، فليست بينهم تلك الصلات، فمن ليس له زوجة أو من ليس لها زوج فإنه لا يسأل عنها، لأن ماله يرثه بيت المال، فهذا هو النظام السائد لديهم، فلذلك لم يذكر في القتلى إلا من كان له مطالب بميراثه، كالمرأة إذا ماتت ولها زوج أو الزوج إذا مات وله زوجة، فعرفت حكمة التشريع العظيمة، فما من أحد على وجه الدنيا من البشر إلا له وارث شرعا، سواء كان قريبا أو بعيدا، ولذلك يتوارث الناس بالقعدد على أساس القبائل التي جعلها الله أساسا للتعارف كما قال الله تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} وقد ذكر أهل التفسير وجهين في هذه الآية أحدهما لتعارفوا أي ليعرف بعضكم بعضا بالانتساب، فيقال: فلان القرشي أو فلان التميمي حتى يعرف نسبه بذلك، أو لتعارفوا أي ليبذل بعضكم إلى بعض العرف وهو العطاء والصلة، فذلك من أسباب إقامة النظام القبلي وإقامة نظام التوارث، فلهذا قرر الله في هذه الآية أصل هذا النظام فقال: {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} وترون عموم الوارثين وعموم الموروثين، فإنه قال: للرجال وهذا جمع محلى بأل الجنسية فهو يشمل جميع الرجال، وكذلك النساء فهو اسم جمع محلى بأل الجنسية فهو يشمل جميع النساء، للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون، فالموروث أيضا عام لأنه قال: والأقربون زيادة على الوالدين، وهذه القرابة نسبية تختلف باختلاف حال الإنسان الوارث والموروث كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر. لأولاه أي لأقربه ولاية.

وبعد ذلك جاءت الآية الثانية وقد سمعتموها، وهي في ميراث الفروع والأصول، أي في ميراث الأولاد والآباء والأمهات، فقد قال الله فيها: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين، فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك، وإن كانت واحدة فلها النصف} انتهى ما يتعلق بالفروع، وبدأ في الأصول فقال: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد، فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث، فإن كان له إخوة فلأمه السدس من بعد وصية يوصي بها أو دين، آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا، فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما}.

والآية الثالثة ذكر الله فيها ميراث كل واحد من الزوجين من الآخر، وميراث الإخوة والأخوات لأم فقال فيها: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين، ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد، فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين} وهذا فيما يتعلق بميراث كل واحد من الزوجين من الآخر، ثم ذكر ميراث الإخوة والأخوات لأم فقال: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله} فهذا ميراث الإخوة والأخوات لأم.

ثم في الآية الرابعة ذكر ميراث الإخوة الأشقاء أو لأب سواء كانوا ذكورا أو إناثا، فقال: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين، يبين الله لكم أن تضلوا والله بكل شيء عليم}.

فاحتوت هذه الآيات الأربع على هذا النظام إجمالا وتفصيلا، ولم يبق من أحكامه إلا بعض الجزئيات التي تناولتها بعض الآيات الأخر أو بعض الأحاديث، فمن الآيات المكملات لهذه الآيات الأربع في تفصيل بعض الأحكام قوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا}، فقد كان المهاجري يرث الأنصاري والأنصاري يرث المهاجري بأخوة الإسلام، حتى نزلت هذه الآية فجعل الله حق الإسلام محصورا في الوصية وليس في الإرث، فجعل ذلك مختصا.

وكذلك من الآيات المكملة ما يتعلق بالولاء فقد قال الله فيه: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} والذين عقدت أيمانكم وفي القراءة الأخرى: عاقدت أيمانكم، فآتوهم نصيبهم فهم المعتقون إجماعا، فالمولى الأعلى وارث من لا وارث له من الرحم، والمعتقون أيضا على قول سنتعرض له أيضا عند بعض الفقهاء أن العتيق أي المولى الأسفل يرث من معتقه إذا لم يكن له وارث سواه، والآية في أصل دلالتها تتناول الجميع، الذين عاقدت أيمانكم هذا يشمل المعتق والمعتق.

أما الأحاديث فمنها الحديث السابق الذي أخرجاه في الصحيحين وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فلأولى رجل ذكر. الفرائض فصلت في القرآن ولم يبق منها غير ما نص عليه في القرآن إلا ثلث الباقي، وسنذكره إن شاء الله وحده.

ثم بعد ذلك قال: فما بقي فلأولى رجل ذكر، وهذه الولاية تتسلسل حتى تصل إلى أقرب من هو حي من الأولياء ولو بعد، فقد ورث بعض البطون من قريش ومن الأنصار بالقعدد على أساس النسب، فآخر من مات من بني ظفر ورث بالقعدد في أيام عبد الملك بن مروان، وكذلك ما قيل في ذرية خالد بن الوليد فقد ورثوا بالقعدد، أي ورثهم بنو عمهم بالقعدد حين انتفوا ولم يبق منهم أحد، فهذا الميراث بالقعدد.

وقد حصل ذلك لذرية صيفي بن هاشم وهو أخو عبد المطلب فقد انتفت ذريته فورثوا بالقعدد، يرثهم أكبر رجال بني هاشم الأحياء، وهذا العلم من العلوم المهمة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حض على تعلمه، فقد أخرج ابن ماجه في سننه والبيهقي والدارقطني وغيرهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: تعلموا الفرائض وعلموها، فإنها نصف العلم وهو ينسى.

وهذا الحديث صححه السيوطي وأشار له بالصحة في الجامع الصغير، وهو يدل على أن هذا العلم نصف العلم، ولأهل العلم أوجه في ذلك، فمنهم من قال: إنما كان نصف العلم لأن العلم منه ما يتعلق بحال الحياة ومنه ما يتعلق بحال الممات، فما يتعلق بحال الحياة نصف ولو كان أكثر، والنصف الثاني ما يتعلق بحال الممات، ومعنى النصف هنا بعض أو جزء لا النصف الذي هو حجم محدد، لأن النصف يقتضي المساواة، بخلاف البعض فالبعض يطلق على الأقل والأكثر، ومن ذلك قول الشاعر:

داينت سلمى والديون تقضى

 

فمطلت بعضا وأدت بعضا

فإما أن يكون الممطول مساويا للمقضي وإما أن يكون زائدا عليه، فإن كان مساويا له كان البعض هنا نصفا، وإن كان الممطول أقل كان المدفوع أكثر وإن كان الممطول أكثر كان المدفوع أقل، فلا بد حينئذ من حصول إطلاق البعض على الأقل والأكثر، فمطلت بعضا وأدت بعضا.

وقوله: وهو ينسى، أي أن هذا العلم سينسى فيقل أهله والعارفون به، والعلم كله سيرفع، كما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لا يقبض هذا العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبضه بموت أهله، حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسا جهالا فاستفتوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا»، وكذلك أخرجا أيضا في الصحيحين من حديث أنس وأبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن بين يدي الساعة أياما يظهر فيها الجهل ويرفع فيها العلم، فالعلم سيرفع فيقل في الناس.

فنحن نشاهد ذلك بموت العلماء وعدم خلافتهم في الأرض، وهذا حض من النبي صلى الله عليه وسلم على تعلم هذا العلم لأنه بمثابة المهدد بالانقراض، وترون في العالم اليوم أن الحيوان المهدد بالانقراض يوضع في عناية خاصة ويعتنى به عالميا، فكذلك هذا العلم مهدد بالانقراض لأنه قال: إنه ينسى، فهو أول علم ينسى من العلوم، وذلك من حكمة الله جل جلاله، فالله سيرفع هذا القرآن فيسرى عليه فيمحى من القلوب والمصاحف كما قال الله تعالى: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك} وذلك من أشراط الساعة الكبرى، والعلوم المتعلقة به تابعة له، فإذا محي القرآن من الصدور والمصاحف لم يبق لها وجود على الأرض، فلذلك لا بد من التشبث بهذا العلم قبل ذهابه، وكثير منكم يعرف ما قال محمد بن يعقوب الفيروزابادي في مقدمة القاموس في ذكر لسان العرب فقال إنه قد وقف بثنية الوداع، وهم قبلي مزنه بالإقلاع، قد وقف بثنية الوداع، وهم قبلي مزنه بالإقلاع، وهذا حض على تعلمه قبل فواته ومزايلته ومغادرته.

وجاء في أحاديث أخرى فضل هذا العلم، فقد جاء في سنن أبي داود وابن ماجه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: العلم ثلاثة وما سوى ذلك فضل: آية محكمة، وسنة قائمة، وفريضة عادلة". وهذا الحديث رمز له السيوطي أيضا بالصحة في الجامع الصغير، وقد حصر فيه النبي صلى الله عليه وسلم العلم في ثلاثة أي ثلاثة علوم، هي أساس العلم وأصله، وما سواها فضل، والمقصود بالفضل النافلة، الفضل يطلق على النافلة ومنه الفضلة لدى النحويين وهي ما يسوغ حذفه من الكلام لغير دليل، فهي زائدة على أصل الجملة، وهذه الثلاثة آية محكمة، والمحكمة الآية أصلا في اللغة معناها العلامة، والمقصود بها وحدة من وحدات القرآن، فهي حجة على ما هي حجة عليه مطلقا، وهي أيضا آية على وحدانية الله جل جلاله وانفراده بالملك.

وإطلاق الآية على العلامة مشهور في استعمال العرب، ومنه قول الشاعر:

ألا أبلغن قومي الكرام رسالة

 

بآية ما كانوا ضعافا ولا عزلا

وكما قال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:

بآية ما قالت غداة لقيتها

 

بمدفع أكنان أهذا المشهر

والآية المحكمة موصوفة بالإحكام، والإحكام يطلق على معنيين، فيطلق على اتضاح الدلالة، فيقال: محكم بمعنى واضح الدلالة، ومقابله المتشابه أي خفي الدلالة.

كما يطلق المحكم على المثبت ومقابله المنسوخ، فيقال: هذا حكم محكم، أي مثبت غير منسوخ باق على تشريعه، ومقابله المنسوخ أي الذي قد نسخ، والآية المحكمة تشمل محكمة المعنى ومحكمة اللفظ، فالمحكم في مقابل المنسوخ منه ما يكون محكم اللفظ منسوخ المعنى، كما تقرؤون في سورة البقرة قول الله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج} فهذه الآية محكمة اللفظ منسوخة المعنى فالحكم منسوخ، بالآية السابقة عليها في ترتيب المصحف وهي لاحقة لها في النزول، لأن الناسخ لا بد أن يكون متأخرا عن المنسوخ متراخيا عنه، فهذه الآية محكمة اللفظ منسوخة المعنى، ومثلها قوله تعالى في سورة البقرة: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين} فالجزء المتعلق بالوالدين من الآية منسوخ، وهو محكم اللفظ منسوخ الحكم.

ومثل ذلك في سورة النساء قول الله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما} فهاتان الآيتان منسوختان وفي حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم، وهذا مما تكرر فيه النسخ، فنسخت الآية وقد كانت العقوبة فيها دون ما ذكر في الحديث، ثم جاءت العقوبة في الحديث فيما يتعلق بالثيب جامعة بين الجلد والرجم، وقد نسخ ذلك بآية الرجم فأقرت الرجم ولم يأت فيها جلد، فدل ذلك على أنه لا جمع بين عقوبتين، فإذا زنى المحصن فإنه يرجم ولا يجلد، فتكرر النسخ، وهذا هو مذهب الجمهور خلافا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فقد جلد شراحة يوم الجمعة ورجمها يوم السبت، وقال: جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا مذهب له هو، ولكن لعله جلدها في البداية عندما كان يرى عليها رقا، ثم ظهرت له حريتها فأقام عليها الحد الذي هو الرجم، وذلك للفصل بين اليومين فقد جلدها في يوم الجمعة ورجمها في يوم السبت.

وهذا من تكرر النسخ في المسألة الواحدة، وهو في مسائل متعددة وقد نظم الحافظ ابن حجر رحمه الله أربعا منها في قوله:

النسخ ذو تكرر في أربع

 

جاءت بها الكتب والأخبار

في قبلة ومتعة وحمر

 

كذا الوضو مما تمس النار

 وهو يقصد هنا النسخ في الحديث، فذكر التكرر في هذه الأربعة، وهي القبلة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يصلي إلى البيت الحرام، فلما هاجر مكث سبعة عشر شهرا يصلي إلى بيت المقدس ثم نسخ ذلك بالآية فأمر بالتوجه إلى البيت الحرام فتكرر النسخ.

والمتعة نكاح المتعة حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول الهجرة ثم أذن فيه في سفر من أسفاره ثم حرمه إلى الأبد فتكرر فيه النسخ.

والحمر الأهلية حرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة، ثم أذن في أكل لحومها في سفر من الأسفار ثم حرمها بعد ذلك فاستمر تحريمها.

كذا الوضو مما تمس النار، فقد كان آخر الأمرين منه ترك الوضوء مما مست النار، فالمطبوخ أو المشوي من الطعام وبالأخص إذا كان لحما فقد تكرر فيه النسخ، فجاء الوضوء منه ثم جاء ترك الوضوء منه، فأول ذلك ترك الوضوء منه ثم الوضوء منه ثم ترك الوضوء منه.

واختلف هل النسخ الأخير شامل لكل ما مسته النار أو يختص بغير لحوم الإبل، أو فتي الإبل بالخصوص، ومذهب الحنابلة أن أكل لحوم الإبل ناقض، فيعدون أكل لحم الجزور من النواقض، وبعض أهل العلم يرون اختصاص ذلك بالفتي من الإبل وحده، والحديث الذي يستدل به الحنابلة شامل للفتي وغيره، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: أأتوضأ من لحوم الغنم، قال: إن شئت، قال: أفأتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم. ولكن الحديث بالمقتضى الأصولي لا يقتضي الوجوب وإن كان السؤال مقدرا في الجواب، لأن الفعل في الأصل لا يقتضي الوجوب، وهو قال: أنتوضأ، هذا يقتضي أن يتوضأ لكن لا يقتضي ذلك وجوبا، لأنه يشمل المسنون والمندوب والواجب فكل ذلك يتناوله الفعل، فلهذا قال: "كذا الوضو مما تمس النار".

وبعد ذلك قال: أو سنة قائمة، والسنة في اللغة كما تعلمون هي الطريقة والصغير من كل شيء، فالطريقة منها قول الله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن} أي طرائق وهي الملل السابقة خيرها وشرها، داخلان في ذلك، والصميم من كل شيء، ومن ذلك قول غيلان:

تريك سنة وجه غير مقرفة

 

ملساء ليس بها خال ولا ندب

 تريك سنة وجه أي صميمه فما عدا ذلك يجب ستره، تريك سنة وجه غير مقرفة، أي لا يظهر عليها هجانة في النسب ولا ضعف في الجينات، فالنسب إذا كان فيه طعن فإنه يظهر القرف فيه على الوجه، فلذلك قال:

تريك سنة وجه غير مقرفة

 

ملساء ليس بها خال ولا ندب

 والخال هو الشام المرتفع عن ظاهر الجسد، والندب هو الحفر التي تكون مكان البثور، أو الحبوب أو الجروح في داخل الجسد، والسنة هنا المقصود بها ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام، فإنه متمم لما جاء في القرآن ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: ألا إني أوتيت القرآن ومثله معه، ولهذا عد السنة القائمة مع الآية المحكمة، ومعنى القائمة أي التي صح إسنادها ولم تعلل، فالقائم هذا الوصف يوصف به القوي من كل شيء، فيقال: جذع قائم أي قوي، ويقال: طريق قائم أي مستقيم ليس فيه عوج، والسنة إذا حصل ضعف في إسنادها أو انقطاع فإنها ليست قائمة أي ليست مستقيمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، بل حصل الاعوجاج فيما دون ذلك، سنة قائمة، أو فريضة عادلة، هذا القسم الثالث من أقسام العلم فريضة عادلة، والفريضة معناها التركة أو المسألة من مسائل التركة، عادلة غير عائبة غير جائرة، والمقصود بها التي فيها عدل في توزيعها وليس فيها ظلم ولا حيف، ولا يقصد بها نفي العول في اصطلاح أهل الفرائض، فالعول في اصطلاح أهل الفرائض وإن كان عولا في اللفظ هو عدل في المعنى، لأن القدر المعقود والمنقوص من كل سهم من السهام متساو، فكان عدلا لا جورا، فهو يسمى عولا فهو عول في اللفظ ولكنه عدل في الحكم، فهذا الوصف هو قوله فريضة عادلة غير مخرج له.

وبعض أهل العلم يتوسع في شرح هذا الحديث فيرى أن قوله: فريضة عادلة لا يختص بعلم الفرائض بل هو يشمل كل ما عرف حكمه وأن معنى عادلة أنها قائمة الدليل من الكتاب أو السنة، ولكن هذا المعنى غريب فالمعنى الأول وهو اختصاص هذه الجملة بعلم التركة هو الواضح من دلالة اللفظ.

وهذا العلم اعتنى به رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه أصحابه واشتهر منهم زيد بن ثابت الأنصاري به، وقد أخرج الترمذي في سننه والحاكم في المستدرك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أقضاكم علي وأقرؤكم أبي وأفرضكم زيد وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل.

وهذا الحديث فيه بيان فضل هؤلاء الأربعة في العلم ومزيتهم فيه، فهم من المجتهدين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الذين كان يرجع إليهم في الفتوى في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذين بلغوا مرتبة الاجتهاد من الصحابة اختلف الناس في عدهم، فعد ابن حزم منهم ثمانية عشر، وقال: لم يزد المجتهدون من الصحابة على ثمانية عشر، وعدهم النسائي فأوصلهم إلى اثنين وعشرين، ولكن لم يزد أحد بعد النسائي، فلا يتجاوزون اثنين وعشرين من الذين روي عنهم الاجتهاد ومنهم هؤلاء الأربعة، فأبي بن كعب أقرأ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدراهم بحروف القرآن التي أنزل عليها، وعلي بن أبي طالب أدراهم بالقضاء، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن واليا قال: رجع إليه فقلت: يا رسول الله بعثتني على اليمن وأنا شاب حدث وهم يرفعون إلي القضاء وما أدري ما القضاء، فضرب في صدري أو دفع في صدري ودعا له فما شك في قضية بعد ذلك، ما شك في قضية بعد ذلك، ما عرضت عليه مسألة فشك فيها، يستبين له وجه الصواب فيها بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفرضكم زيد أي أعلمكم بعلم الفرائض أي التركات وأعلمكم بالقسمة والحساب زيد بن ثابت، وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، فإنه أيضا كان من قضاة النبي صلى الله عليه وسلم ومن الذين وكل إليهم الإفتاء في مناطق، فهؤلاء اشتهروا بتخصصهم في هذه المسائل.

وهذا العلم داخل في البداية في أصل التأليف في علم الحديث وفي علم التفسير، ثم أفرد علما مستقلا وأدخل في الفقه، فأصل العلوم كلها علم السنة لأن علم التفسير كان كتابا من كتب أهل السنة، والكتب الأولى المؤلفة في الحديث فيها كتب التفسير، مثل كتاب صحيح البخاري وصحيح مسلم، آخر كتاب صحيح مسلم كتاب التفسير، وفي صحيح البخاري كتاب التفسير، وكتاب فضائل القرآن، وفي السنن كذلك.

فقد كان علم التفسير من علوم الحديث، ثم بعد ذلك انفصل علم التفسير علما مستقلا، وأول من فصله يزيد بن هارون فهو أول من ألف فيه كتابا مستقلا، وفصل الفقه أيضا عن السنة فهو في الأصل من علوم السنة، ولذلك إذا قرأتم صحيح البخاري تجدون نفس الأبواب الموجودة بكتب الفقه، كتاب البيوع كتاب الأنكحة، كتاب القراض كتاب الرهن إلى آخره تجدون نفس الكتب تماما، كتاب الوضوء كتاب الصلاة كتاب الزكاة كتاب الحج، فهذه الكتب موجودة في كتب الحديث ثم فصلت في كتب الفقه، وفصل معها علم الفرائض فكان كتابا من كتب الفقه، ثم بعد ذلك استقل هذا الكتاب فألف فيه عدد من المؤلفين من مختلف المذاهب كتبا مستقلة، وسبب ذلك الحاجة إلى التوسع فيه في مجال الحساب، فقد أصبح مجالا لرياضة العقول وزيادة الفهم، ولذلك توقعوا إن شاء الله في نهاية هذه الدورة أن تمتحنوا امتحانا عقليا فيعرف منكم من زاد عقله من خلال هذه الدورة، فهو فعلا يزيد العقل، ولذلك روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: إذا تحدثتم فتحدثوا في الفرائض، وإذا لهوتم فالهوا بالرمي، وهذا الأثر يدل على أن التحدث الذي يقصد به رياضة العقول أصله علم الفرائض، فينبغي أن يشتغل الناس بذلك.

والرياضة الأخرى أهمها رياضة الرمي لأنه القوة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ألا إن القوة الرمي، {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} فعمر أمر إذا تحدثتم أي أردتم رياضة العقول بالحديث فتحدثوا في الفرائض، وإذا لهوتم أي رياضة البدن فالهوا بالرمي، ولذلك يحتاج فيه إلى جزء كبير من معرفة الحساب وقواعده، ومن هنا أدخل علم الحساب العددي في علوم الشريعة للحاجة إليه في علم التركات.

وقد ألف فيه عدد من المؤلفين وكان له مصطلحات مثل مصطلحات الفقه.

وهذا العلم ينبغي قبل الشروع في مسائله أن نلم ببعض مقدماته، فنبدأ أول بتعريفه فنقول:

أحسن تعريف لهذا العلم أنه علم يعرف به الوارثون وما لكل منهم، علم يعرف به الوارثون ونصيب كل واحد منهم، أو ما لكل واحد منهم، فهذا التعريف شامل للأحكام وللحساب، فمعرفة الوارثين هذا من الأحكام التي جاءت في القرآن والسنة، ومعرفة ما لكل واحد منهم هذا هو قسمة التركة، وهي في علم الحساب، فهذا أحسن تعاريف هذا العلم، علم يعرف به الوارثون وما لكل منهم وما لكل واحد منهم، وموضوعه التصرف في مال الميت بعد موته، التصرف أي المطلوب شرعا في مال الميت بعد موته، فالميت بعد موته يترتب في ماله خمسة حقوق، هي مؤن تجهيزه بالمعروف، ثم حق تعلق بعين كالمرهون أو عبد جنى، ثم الدين المطلق، ثم الوصية، ثم التركة.

فهذه خمسة حقوق تتعلق بمال الميت.

وهي عند المالكية على خلاف هذا الترتيب، فعند المالكية يبدأ بحق تعلق بعين كما قال خليل: يخرج من تركة الميت حق تعلق بعين، كالمرهون وعبد جنى، وعند الجمهور أنه يبدأ بمؤن تجهيزه بالمعروف قبلها، هذا الحق الثاني، فإذن الحقوق خمسة، فمؤن تجهيزه بالمعروف، ثم ما تعلق بعين من التركة، ثم الدين المطلق الذي لا يتعلق بعين مخصوصة، ثم الوصية من الثلث، ثم التركة فيما بقي.

أما واضع هذا العلم فهو الله جل جلاله في كتابه، فهو الذي فصل أحكامه وبينه.

والذين ألفوا فيه بعد ذلك إنما هم ناقلون، ولهذا تقل الخلافات المذهبية فيه، فأي كتاب درسته في علم الفرائض لأي مذهب من المذاهب لا تجد فيه اختلافا إلا في مسائل يسيرة محصورة، وهي ما يتعلق بالعدد الذي يحجب الأم حجب نقل صارم، من الثلث إلى السدس من ألإخوة، هل أقل الجمع اثنان أو ثلاثة، هذا خلاف محصور جدا في هذه المسألة، وكذلك مسائل قليلة جدا من التفصيلات فيما يتعلق بالأحكام.

أما نسبته إلى سائر العلوم فهو جزء من علم الفقه، ونسبته إليه نسبة العموم والخصوص المطلقين، ونسبته إلى علم الحساب وعلم الحديث وعلم التفسير وعلم الأصول هي نسبة العموم والخصوص الوجهي، فيشترك مع هذه العلوم في بعض مسائلها، وينفرد هو بمسائل، وتنفرد تلك العلوم بمسائل أخرى.

أما مستمده فهو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، واجتهاد المجتهدين من أهل العلم.

أما فضله فقد بينه النبي صلى الله عليه وسلم حين جعله نصف العلم، وحين حض على تعلمه، وبينه عمر بن الخطاب حين أمر بالحديث فيه، إذا تحدثتم فتحدثوا في الفرائض.

وحكمه أنه فرض كفاية، فإذا كان في البلد من يستطيع تقسيم التركات وفض النزاع فيها، لم يأثموا وإن لم يكن فيهم من يعرف ذلك أثموا جميعا، ومحل هذا قبل أن ترد النوازل، فإذا حصلت النازلة فصاحبها يجب عليه تعلم حكمها بخصوصه، فيكون حينئذ فرض عين، فيكون من الفروض الكفائية التي تتعين في بعض الحالات.

أما اسمه فهو علم الفرائض وعلم التركة، فالتركة معناه ما تركه الإنسان وراءه من أهل ومال، كما في حديث إبراهيم فآن لإبراهيم أن يراجع تركته، تركته أي ما تركه عند البيت الحرام وهو جاريته هاجر وابنه إسماعيل، هذه تركة إبراهيم أي ما ترك بواد غير ذي زرع، وتسمى أيضا بالفرائض وهي جمع فريضة، والفرض في اللغة معناه التقدير فيقال: فرض الناجل في السهم أي قدر فيه مكانا في نهايته وهو الذي يسمى بالفوق، وفوق السهم معناه آخره الذي يثبت في الخيط، الذي يربط بين سيتي القوس، كما يطلق الفرض أيضا على التقدير، بمعنى الإثبات في الأحكام، فمن ذلك قول الله تعالى: {وقد فرضتم لهن فريضة} قد فرضتم أي قدرتم لهن فريضة، أي مهرا محددا، ويطلق الفرض على الإنزال ومنه قول الله تعالى: {إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد} إن الذي فرض عليك القرآن معناه أنزل عليك القرآن لرادك إلى معاد، ومنه قول الله تعالى: {سورة أنزلناها وفرضناها} قيل: هذا من عطف التفسير عطف التفسير معناه أن يعطف الأجلى على الأخفى، ولكن يستشكل ذلك بأن الأجلى هو الأول وأن الأخفى هو المعطوف عليه، سورة أنزلناها وفرضناها، ولكن يجاب عن ذلك بأنه قد يكون أجلى في وقت من الأوقات، كوقت النزول مثلا لدى الصحابة، ولا يكون أجلى لدينا نحن لأن الاستعمال يختلف باختلاف العصور.

ويطلق الفرض أيضا على الضريبة التي تؤخذ في المال، وقد كان أهل الجاهلية يسمون المغانم التي يأخذها الملوك بالفرائض، ومن ذلك قول صاحب بني أسد:

فقولا لهذا المرء ذو جاء ساعيا

 

هلم فإن المشرفي الفرائض

فإنك دون المال ذو جئت تبتغي

 

ستلقاك بيض للنفوس قوابض

فإن المشرفي الفرائض معناه أن الضرائب التي تأخذها سيأتيك بدلها السيف.

وبما أن الأنصباء في التركة مقدرة شرعا ومنزلة من عند الله، وبما أنها جزء من المال حتمي لا يمكن أن يرده الإنسان، لأن المستحق منه قد مات فخربت ذمته، فلا يملك، سمي هذا العلم بعلم الفرائض، فكان ذلك مأخوذا من المعنى اللغوي، المعنى اللغوي سواء كان بالتقدير أو الإنزال أو الفرائض، فكل ذلك مرجع لعلم الفرائض بمعنى علم التركات.

أما فائدة هذا العلم فهي معرفة أحكام الله عز وجل فيما يتعلق بتفاصيل الحق في المال بعد موت صاحبه، فالله تعالى هو المالك للأموال كلها، ولن يملكها أحدا من خلقه، لكنه استخلفهم فيها، فجعل الإنسان مستخلفا فيما تحت يده مدة حياته، فإذا مات ترك ما خوله الله وراء ظهره، وحينئذ يستحقه غيره، وقد خلق الله أرزاق أهل الأرض فيها في الأيام الأربع الأول من خلق العالم، كما قال الله تعالى: {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين، وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} والأيام الأربعة الأول من العالم قدر الله فيها أقوات الأرض، فما فيها من الأرزاق كان مقدرا منذ ذلك الوقت، والناس يجمعون منه ويستخرجون ويبحثون عن الخيرات والمعادن ويزرعون، وكل ذلك مما كان مقدرا في الأيام الأربع الأول.

فينال الإنسان حظه من ذلك فإذا مات تركه لمن يأتي وراءه.

والمقدمة العاشرة من هذه المقدمات هي مسائل هذا العلم، ومسائله أهمها ذكر الوارثين وتعريفهم، وهم ينقسمون إلى قسمين، إلى الوارثين بالفرض والوارثين بالتعصيب، وبيان أنواع الفرائض ومن يستحق كل فريضة منها، فالفرائض ستة عن سبعة، فستة منها قرآنية وواحد اجتهادي، فالستة هي الثلثان ونصفهما ونصف نصفهما، أي الثلثان والثلث والسدس، والنصف ونصفه ونصف نصفه، أي نصف الربع والثلث، الثلثان ونصفهما ونصف نصفهما، والنصف ونصفه ونصف نصفه، فهذه الستة هي الفرائض، ويضاف إليها ثلث الباقي سنذكره مستقلا، فهو تابع للثلث في الواقع لكن الفرائض كلها هي هذه، الثلثان ونصفهما ونصف نصفهما والنصف ونصفه ونصف نصفه، وكذلك من المسائل المهمة ذكر الحجب وهو ينقسم إلى قسمين، إلى حجب إسقاط وحجب نقصان، وسيأتي تفصيلهما، وكذلك ذكر التعصيب وهو ينقسم إلى ثلاثة أقسام، لأن العاصب إما أن يكون عاصبا بنفسه وإما أن يكون عاصبا مع غيره، وإما أن يكون عاصبا بغيره، فالعاصب ثلاثة أقسام عاصب بنفسه وعاصب بغيره وعاصب مع غيره، وكذلك المسائل المسميات أي التركات التي سميت باسم مشتهر مخصوص، مثل الأكدرية ومثل المالكية، ومثل شبه المالكية، ومثل الدينارية الكبرى والدينارية الصغرى، ومثل اليمية أو الحجرية، والمشتركة، هذه مسائل مسميات اشتهرت في علم التركة.

وكذلك من مسائل هذا العلم أيضا المناسخات، وهي عندما يموت ميت فلا تقسم تركته حتى يموت بعض وارثيه، وهذه لها حالات سنبينها إن شاء الله.

وكذلك فرائض الإقرار والإنكار وهي إذا أقر أحد الوارثين بوارث وأنكره الباقون، وتأثير ذلك على التركة، وكذلك من هذه المسائل ما يتعلق بقسمة التركة في الجزئيات، فهي ينظر فيها بالأنظار المعروفة لدى أهل الفرائض، وهي التباين والتوافق والتداخل والتماثل وهي تسمى الأنظار الأربعة، وسيأتي المكان الذي ينظر فيه بالأنظار الأربعة، والمكان الذي ينظر فيه بنظرين فقط، سيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.

فهذه أهم مسائل هذا العلم، ويضاف إليها مسائل ميراث ذوي الأرحام، والرد على ذوي القربى، ومسائل الهدمى والغرقى، الذين ماتوا في وقت واحد لا يرث بعضهم بعضا، ومسائل ميراث الخنثى المشكل، ومسائل ميراث الحمل، فكلها مسائل على الاحتمال والتردد، فكلها من مسائل هذا العلم المهمة التي ستروضون فيها عقولكم إن شاء الله تعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم:

يقول المؤلف رحمه الله:

أول ما نستفتح المقالا

 

بذكر حمد ربنا تعالى

بعد البسملة افتتح كتابه بما افتتح الله به كتابه اقتداء بكلام الله جل جلاله، فإن الله افتتح القرآن بعد البسملة بقوله: الحمد لله رب العالمين، فهو كذلك أول ما يستفتح به مقاله، والاستفتاح معناه طلب الفتح، والمقصود به ابتداء الكلام، بذكر حمد ربنا تعالى، معناه بأن نحمد ربنا جل جلاله، وذكره يشمل ذكر القلب وذكر اللسان، فذكره بالقلب بمعنى تذكر أن الله يستحق الحمد والتفكر في ذلك، بمحامده كلها فمنها صفات ذاته ومنها ما أسداه إلى خلقه من المعروف والجود والكرم، فهو يستحق الحمد لذاته جل جلاله لأنه اتصف بكل كمال، وتنزه عن كل نقص وهو عليه محال، ويستحق الحمد لنعمه، فإن نعمه لا تحصى، {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} {وما بكم من نعمة فمن الله} وحمد الله معناه الثناء عليه بما هو أهله وذكر محامده جل جلاله. بذكر حمد ربنا تعالى، وهو ربنا أي مربينا وموصلنا إلى كمالنا بالتدريج، شيئا فشيئا، والرب أصل هذه الكلمة راب، فاعل، فحذف منها الألف لكثرة الاستعمال، وهذا نادر وله أمثلة في اللغة، ومن ذلك قول ابن مالك رحمه الله:

وينحذف بقلة

 

مضاعفا منه ألف

فإذا كان فاعل مضاعفا فإنه ينحذف منه الألف بقلة في لغة العرب فيقال: رب وشت وفذ، بمعنى راب وشات وفاذ، والعرب يستعملون من هذه المادة أربعة أفعال، فيقولون: ربه يربه إذا ترأس عليه وتأمر، ومن ذلك قول صفوان بن أمية بن خلف يوم حنين: فلأن يربني رجل من قريش خير من أن يربني رجل من هوازن. أي أن يتأمر علي ويترأس علي رجل من قريش خير من أن يترأس علي رجل من هوازن، وقد كانت بين قريش وهوازن حرب تسمى حرب الفجار، كانت بين قريش وهوازن في الجاهلية حرب تسمى حرب الفجار، وقد حضر النبي صلى الله عليه وسلم أحد أيامها، ويقال: رباه يربيه ومن ذلك قول الشاعر:

وربيته حتى إذا تم واستوى

 

كمخة ساق أو كمتن إمام

قرنت بحقويه ثلاثا فلم يزغ

 

عن القصد حتى بصرت بدمام

وقول الآخر:

وربيته حتى إذا ما تركته

 

أخا القوم واستغنى عن المسح شاربه

وبالمحض حتى آض نهدا عمطمطا

 

إذا قام ساوى غارب الفحل غاربه

ويقال أيضا: رببه يرببه ومن ذلك قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:

بيضا مرازبة غلبا أساورة

 

أسدا ترببن في الغيضات أشبالا

وتقلب إحدى الباءين تاء فيقال: ربته يربته ومن ذلك قول الشاعر:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة

 

بجمهور حزوى حيث ربتني أهلي

بلاد بها نيطت علي تمائمي

 

ومزقن عني حين تم بها عقلي

فهنا قال: حيث ربتني أهلي بمعنى رباني أهلي، والرب اسم من أسماء الله جل جلاله وإن كان غير معدود في الأسماء التسعة والتسعين كما حديث أبي هريرة الذي قيل بإدراجه، ولكن الله سبحانه وتعالى تمدح به في كتابه، فأبلغ ثناء على الله ربوبيته للعالمين، وأبلغ ثناء على المخلوقين عبوديتهم لله، فأبلغ ما يثنى به على الله ربوبيته للعالمين، ولذلك كان ذلك أول ثنائه على نفسه في القرآن: الحمد لله رب العالمين، وأبلغ ثناء على المخلوق عبوديته لله كما قال الله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى} فهذا مقام إجلال وإكرام لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يوصف بالخلة ولا بالنبوة ولا بالرسالة في هذا المقام، وإنما وصف بالعبودية لله جل جلاله، فلهذا قال: بحمد ربنا تعالى، تعالى بمعنى علا، فتفاعل تأتي موافقة لفعل في المعنى، وتعالى بمعنى علا، وهو العلي على عباده جل شأنه، وهذا الذكر جسده بقوله:

فالحمد لله على ما أنعما

 

حمدا به يجلو عن القلب العمى

 (فالحمد لله على ما أنعما) معناه وفاء بأننا نذكر حمد ربنا تعالى فنقول: الحمد لله، وهذه جملة اسمية تفيد الدوام والاستمرار، وهي قاعدة الجملة الاسمية أنها تفيد الدوام والاستمرار، وأن الجملة الفعلية تفيد التجدد والحدوث، فمن دلالة الجملة الاسمية على الاستمرار قول الشاعر:

قالت أمامة ما تبقى دراهمنا

 

وما لنا سرف فيها ولا خرق

إنا إن اجتمعت يوما دراهمنا

 

ظلت إلى طرق المعروف تستبق

لا يألف الدرهم المضروب سرتنا

 

لكن يمر عليها وهو منطلق

حتى يصير إلى نذل يخلده

 

يكاد من صره إياه ينمزق

فقوله وهو منطلق، جملة اسمية فهي تدل على الاستمرار، فكذلك الحمد لله معناه: كان محمودا في الأزل قبل خلق الكون، وهو محمود مع الكون في وقت خلقنا، وسيبقى محمودا بعدنا فهو المحمود على كل لسان في كل أوان، فلم يكتسب من خلقه للخلق صفة، فهو الخالق ولا خلق وهو الرازق ولا رزق، وهو على ما عليه كان قبل خلق الكون كله، جل شأنه.

الحمد لله، وأل في الحمد إما أن تكون جنسية وإما أن تكون عهدية، فإن كانت جنسية فالحمد أربعة أقسام حمدان قديمان وحمدان حادثان، فالحمدان القديمان حمد الله لنفسه وثناؤه على نفسه جل شأنه مثل ما نقرؤه في كتابه، {الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم} {الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم} ونحو ذلك من الثناء مثل قوله: {وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد} ومثل قوله في ثنائه على نفسه: {سبح لله ما في السماوات وما في الأرض} ونحو ذلك، كل ذلك من ثنائه على نفسه جل شأنه، فهو من الحمد القديم.

والقسم الثاني من الحمد القديم ثناؤه على بعض خلقه، فإن الله جل جلاله أثنى على بعض خلقه، كثنائه على محمد صلى الله عليه وسلم: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم} وقوله: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما} ومثل قوله: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم} ومثل قوله: {والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى} ومثل قوله: {ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم} ومثل قوله: {إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين} ومثل قوله: {والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى وللآخرة خير لك من الأولى ولسوف يعطيك ربك فترضى} ومثل قوله: {ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك ورفعنا لك ذكرك}.

أما الحمدان الحادثان فهما حمدنا لله جل جلاله، فكل حمد يصدر منا لله جل جلاله فهو مستحق له، هذا الحمد الحادث، والقسم الثاني من الحمد الحادث حمد بعضنا لبعض، وحينئذ إذا قدرنا أن أل جنسية فاللام في لله يختلف معناها باختلاف أنواع الحمد، ففي حمد الله لنفسه اللام للاستحقاق، وفي حمده لبعض عباده اللام للاختصاص، وفي حمدنا لله اللام للاستحقاق، وفي حمد بعضنا لبعض اللام للملك فهو مالك الحامد والمحمود، فاللام تختلف إذن باختلاف أنواع الحمد، وإذا قدرنا أن أل عهدية فالمقصود بالحمد ثناؤه على نفسه، فنحن عاجزون عن الثناء الذي يستحقه، فلا نثني عليه إلا بثنائه على نفسه، ولذلك أخرج مسلم في الصحيح ومالك في الموطأ في دعاء السجود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وبك منك، في رواية: وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك.

والحديث فيه احتمالان، أحدهما: لا أحصي ثناء عليك أنت، كما أثنيت على نفسك، أي لا أحصي ثناء عليك أنت "أنت" ضمير مؤكد للكاف، لا أحصي ثناء عليك أنت، كما أثنيت على نفسك أي ثناء كثنائك على نفسك، فكما، كما إعرابها هنا ما هو، ما ناب عن المطلق لأنها بمثابة المصدر معناه ثناء كثنائك على نفسك.

الاحتمال الثاني في التفسير لا أحصي ثناء عليك وتقف هنا، ثم تبدأ الجملة وتقول: أنت كما أثنيت على نفسك، أنت مبتدأ كما أثنيت على نفسك خبر المبتدأ معناه أنت صادق فيما أخبرت به عن نفسك وهذا يقتضي إثبات كلما أثبته الله لنفسه من الأسماء والصفات وأن كل ذلك من الكمال والثناء عليه جل شأنه.

فتكون أل حينئذ عهدية معناه الحمد المعهود الذي عرفناه في حمده لنفسه هو الذي نثني عليه به، الحمد لله.

والله اسم للباري جل جلاله وهو اسم يشمل جميع الأسماء والصفات، فغيره من الأسماء لا يتناول إلا صفة واحدة، فالرحمن لا يتناول صفة الانتقام ولا صفة الجبروت ولا صفة الكبرياء، والمتكبر لا يتناول صفة الرحمة مثلا، لكن الله هذا الاسم يتناول جميع الصفات، يتناول المنتقم المتكبر الجبار الرحيم وجميع ما له من الصفات يتناولها هذا الاسم الكريم، وقد قال كثير من أهل العلم هو اسم الله الأعظم.

وهذا الاسم مختلف فيه هل هو من اللغة العربية أو هو من اللغات كلها، اللغات التي تطلقه هي اللغات السامية أي لغات ذرية سام بن نوح، وإذا كان من العربية فقد اختلف فيه أيضا هل هو مشتق أو مرتجل، فالأسماء تنقسم إلى قسمين إلى مشتق له مادة وإلى مرتجل وهو ما ليست له مادة، كسعاد و هدى فعلى القول بأنه مشتق فقيل هو إله عرف بأل، وهذا مشكل لأن الإله إذا عرف بأل قيل فيه الإله، ولم يقل فيه: الله، لكن يقال: حذفت الهمزة وحصل الادغام تخفيفا لكثرة الاستعمال، وهذا كثيرا ما يقع في اللغة فاللفظ الذي يكثر استعماله يغير وبالأخص إذا كان فيه همزة، وبالأخص إذا اجتمعت معها الهاء، فهما حرفان من آخر الحلق.

والهمز في النطق به تكلف

 

.................

 كما تعرفون، فلذلك يحذف، لكثرة الاستعمال كقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:

يقول لي المفتي وهن عشية

 

بمكة يجررن المفوفة السحلى

تق الله لا تنظر إليهن يا فتى

 

وما خلتني في الحج ملتمسا وصلا

تق الله معناه اتق الله، لكن لكثرة الاستعمال حذفت الهمزة. فقال: تق الله، وإذا حذفت ذهب الادغام بالكلية.

وحينئذ إما أن يكون من لاه بمعنى احتجب لأنه لا تدركه الأبصار ومن ذلك قول الشاعر:

لاهت فما عرفت يوما بخارجة

 

يا ليتها برزت حتى عرفناها

أو من أله إلهة كعبد عبادة وزنا ومعنى، ومنه قيل للشمس إلهة، لأن بعض الناس كان يعبدها، أو من أله بمعنى ارتفع لارتفاعه على خلقه فهو العلي، جل جلاله، وقد تكون تسمية الشمس إلهة من ذلك لارتفاعها، ومن هذا الإطلاق قول الشاعر:

تروحنا من الدهناء عصرا

 

وأعجلنا الإلهة أن تغيبا

أي أعجلنا الشمس أن تغيب.

أو من أله إليه بمعنى اشتاق لاشتياق قلوب العارفين به إليه، أو من أله إليه أي قصده في أموره وحوائجه ومن ذلك قول الشاعر:

ألهت إليكم في أمور تهمني

 

فألفيتكم فيها كراما أماجدا

ألهت إليكم أي قصدتكم فهو المقصود المصمود جل جلاله، فلا يستحق أحدنا أن ترفع إليه الحوائج إلا هو، وقد شهر كثير من أهل العلم عدم الاشتقاق فيه، ولذلك يقول اشريف بن موف التندغي رحمة الله عليه:

وشهروا عدم الاشتقاق

 

في علم الرب العزيز الباقي

الأشهر عدم الاشتقاق.

(على ما أنعما) هذا الحمد قيده بأنه حمد على النعم، وقد ذكرنا من قبل إطلاقه، فهو حمد على الفضائل والفواضل، فالفضائل صفات النفس، والفواضل النعم الواصلة إلى الغير، فهو يستحق الحمد على كل ذلك، يستحق الحمد على فضائله أي صفات ذاته، ويستحق الحمد على فواضله أي النعم الواصلة منه جل شأنه، على ما أنعما، أي على ما أنعم به علينا من أنواع النعم.

(حمدا به يجلو عن القلب العمى) أي حمدا به يكشف الله جل جلاله عن القلب العمى أي ينوره به، فإن من أثنى على الله جلاله وحمده ينور الله بصيرته بحمده لله جل جلاله، فالذاكرون لله يذكرهم الله، ومن ذكره الله لا يموت قلبه، ولذلك في الحديث القدسي الصحيح أن الله جل جلاله يقول: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه، وإن تقرب إلي شبرا تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا.

والمقصود بالقلب هنا قلب الحامد. والمؤلف يكني بذلك عن قلبه هو، والقلب هو الجارحة التي هي محل الإدراك، وسميت قلبا لتقلبها، فمحل الإدراك في الإنسان لا يهدأ، منذ يقظته إلى منامه وهو يتقلب إما أن يتذكر الماضي وإما أن يفكر في المستقبل، ويسمى عقلا لأنه يعقل صاحبه عن المعاطب، ويسمى بصيرة لأنه يبصر به الإنسان المستقبل يتبصر به في المستقبل.

وهو محل الإدراك لأن الله سبحانه وتعالى يقول: فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، والآية فيها مجاز في اللفظ لأن النفي هنا لا يقصد به انتفاء الماهية، وهذا ما يخفى على كثير من الناس، فكثير من الذين يرسخوا بعد في العلم إذا وجدوا نفيا في الشرع حملوه على نفي الماهية مطلقا، فتزل الأقدام بعد ثبوتها، فهنا لو كان المعنى لا تعمى الأبصار، لكان المعنى أنك لا ترى أحدا أعمى البصر أبدا، وهذا غير صحيح، فالمقصود أن عمى الأبصار ليس مهما، فإذا كان القلب مبصرا فلا يضر عمى البصر عمى العين، {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}، أي عماها هو المهم وهو المضر، والقلوب التي في الصدور هي محل الإدراك، وإن كان العلم الحديث يذكر أن كثيرا من القوى إنما هي في الدماغ، لكن الحياة كلها محلها القلب لأنه محل الأذينين اللذين بهما حركة الدم، ولا يتغذى الدماغ بدونهما أبدا، ولذلك إذا سكن القلب قطعا مات الدماغ وغيره، وماتت الجوارح كلها، فلا يمكن أن يقع الاختلاف في هذه المسألة، والخلاف الطويل العريض في محل الإدراك هل هو الدماغ أو القلب، وتجدونه مفصلا في كتب التفسير وكتب علم الكلام وكتب الجدل لا طائل من ورائه، لأنه لا خلاف أن القلب إذا مات ذهب الجميع، لكن التيار الموجود الذي فيه الإدراك حتى لو تغير القلب فأزيلت المضغة وزرع للإنسان قلب آخر حتى لو كان قلب بهيمة أو قلب كافر فإنه لا يكفر بذلك، لأن التيار موجود مثل تيار الكهرباء إذا أزيلت هذه النجبة وجعلة مكانها نجبة أخرى فليس الضوء في ذات النجبة إنما هو تيار تستمدها النجبة فتضيء، فإذا أزيلت ووضعت مكانها نجبة أخرى استمر التيار كما هو، فكذلك إذا نزعت عضلة القلب وزرعت مكانها عضلة أخرى لكافر أو لبهيمة لا يقتضي ذلك كفر الإنسان ولا يقتضي نقصا في معلوماته ولا زوالا لمدركاته، سيبقى ممتعا بما كان ممتعا به.

والعمى المقصود به هنا الضلال، فهو العمى الحقيقي أي الضلال عن منهج الله جل جلاله وعدم اتباع سبيله.

ثم الصلاة بعد والسلام

 

على نبي دينه الإسلام

(ثم) للعطف بانفصال، فبعد حمد الله جل جلاله، بعد استفتاح الكتاب بحمد الله جل جلاله والثناء عليه بما هو أهله نؤدي حق رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو آكد الحقوق علينا بعد حق الله جل جلاله، فلا بد من تحقيق الشهادتين، شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله، ولا يمكن التفريق بينهما، فمن شهد أن لا إله إلا الله ولم يشهد أن محمدا رسول الله غير مسلم، فلا بد من الجمع بين الشهادتين معا، فلذلك نؤدي حق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أداء حق الله جل جلاله فنقول:

(ثم الصلاة بعد) أي بعد حق الله بعد الثناء على الله الصلاة، وهي الرحمة المقرونة بالتبجيل، وصلاتنا نحن معناه طلبنا من الله أن يصلي، فهذه الرحمة المقرونة بالتبجيل لا تكون إلا من الله جل جلاله، ونحن عاجزون عن إسدائها وأدائها، فهي من الله وحده ومثل ذلك صلاة الملائكة فهي دعاء أيضا، {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} فهذه الآية فيها ثلاثة أنواع من أنواع الصلاة، صلاة الله جل جلاله وصلاة ملائكته وصلاتنا نحن، التي فرضت علينا.

فصلاة الله جل جلاله هي رحماته وبركاته مع التوقير والتبجيل، وصلوات الملائكة وصلاتنا نحن هي الدعاء بذلك، أي سؤال الله ذلك.

(والسلام) السلام معناه الأمان، وهو يطلق على التحية عند القدوم، فكل قادم على أحد من الأدب أن يحييه ويستأنس في حديثه قبل بداية الشروع في الكلام، فالسلام قبل الكلام ولذلك قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها} وقد كان أهل الجاهلية يحيون المقدوم عليه بحسب حاله ومستواه، وكل ملك يختار تحية لنفسه، يخاطب بها، فمن الملوك من يحيا بأبيت اللعن، أي أبيت كل نقص ولعن وذم، ومنهم من يحيا بعم صباحا، وهي تحايا الملوك، وهي في أغلبها أو في كلها دعاء للمقدوم عليه، والله جل جلاله لا يمكن أن ندعو له أصلا، فهو المالك للسلام والتحايا كلها، فلذلك نقول في التشهد: "التحيات لله" ولا يمكن أن نحييه بمثل ما يحيا به أهل الدنيا من الدعاء.

فلذلك قال: "السلام" فالسلام من التحية. والرسول صلى الله عليه وسلم بين لنا تحية الإسلام وهي السلام، أن يقول القادم السلام عليكم ورحمة الله، وإذا زاد وبركاته فقد تم الفضل ولا زيادة بعد ذلك، فإذا قال السلام عليكم حصل عشر حسنات، فإذا قال ورحمة الله حصل عشرون حسنة، فإذا قال: وبركاته حصلت ثلاثون حسنة، وهذه هي تحية الإسلام المشروعة، وقد عرفها أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلال السلام، فالسلام مما علمهم إياه وعودهم إياه فلذلك في حديث كعب بن عجرة: أما السلام عليك فقد عرفناه، فعلمنا كيف نصلي عليك، والسلام تحية، وهو في بداية اللقاء، وبداية القدوم، والنبي صلى الله عليه وسلم ذكره كأنه قدوم عليه لأنه ما من أحد يصلي عليه أو يسلم في أي وقت ولا أي مكان إلا كلف الله ملكا يوصل إليه التحية ويرد الله عليه روحه حتى يرد على المصلي عليه.

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما. والسلام معناه الأمان من معاطب الدنيا والآخرة.

(على نبي دينه الإسلام) على نبي دينه الإسلام وهو محمد صلى الله عليه وسلم، فهو النبي الذي جاء بالإسلام من عند الله، والنبي فعيل قد تكون بمعنى فاعل وقد تكون بمعنى مفعول، فإذا كانت بمعنى فاعل فهو المنبئ أي المخبر عن الله جل جلاله، وإذا كانت بمعنى مفعول فهو المنبأ عنه أي الذي يأتيه خبر السماء يتنزل عليه الوحي.

وهي أيضا إما أن تكون من النبإ أو من النبوة، فالنبأ الخبر، كما ذكرنا، أو من النبوة وهي الارتفاع لعلو منزلته ورفع مقامه.

ولا اختلاف على المعنيين في القراءة فقراءة الجمهور تصحيح الهمزة بالواو في النبوة والنبيين والأنبياء في القرآن كله، وقراءة نافع انفردت من بين القراءات العشر كلها بالهمزة، النبوءة النبيئين النبيء، وتعرفون أن كلمتين فقط في سورة الأحزاب أدغم فيهما قالون عن نافع، وما سوى ذلك كله لنافع فيه همز هذه المادة كلها، ولذلك قال الشيخ أحمد بن محمدا رحمة الله عليهما في نظمه في مفردات القرآن العشرة:

همز النبيء نافع مع بابه

 

مما به انفرد عن أصحابه

همز النبيء نافع مع بابه، النبوة والنبيئين والأنبئاء، مما به انفرد عن أصحابه انفرد به عن بقية القراء العشرة.

وعرف النبي بأنه دينه الإسلام أي دينه هذا الدين الذي هو الدين عند الله، والدين في اللغة الطبع، والجزاء، فيطلق على الطبع والعادة، ومن ذلك قول امرئ القيس:

كدينك من أم الحويرث قبلها

 

وجارتها أم الرباب بمأسل

كدينك أي كعادتك وطبعك.

ويطلق على الجزاء ومن ذلك قول الشاعر:

لاه ابن عمك لا أفضلت في حسب

 

عني ولا أنت دياني فتخزوني

لا أنت دياني أي محاسبي ومجازي، فتخزوني، ومنه قول الله تعالى ملك يوم الدين أي يوم الجزاء.

والدين المقصود به الملة بكل تشريعها، فيشمل ذلك التكليف وجزاءه، كل ذلك من الدين، التكليف وما رتب عليه من الجزاء، ما رتب على الامتثال والاجتناب من الثواب وما رتب على الإخلال من العقاب سواء كان دنيويا أو أخرويا كل ذلك داخل في لفظ الدين، والإسلام مصدر أسلم بمعنى سلم، فيقال: أسلم وجهه لله بمعنى سلمه له ولم يعاند شيئا من أمره ولم يخالف شيئا من منهجه، وأسلم نفسه لله بمعنى أودعها عنده، سلمها إليه، اللهم أسلمت نفسي إليك في دعاء النوم، معناه أودعتها عندك فهي أمانة لديك.

والإسلام في الاصطلاح هو هذا الدين الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومذهب جمهور السلف أن الإسلام هو الإيمان وأن دلالتهما واحدة، فيدخل في ذلك عمل القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح فكل ذلك إيمان وإسلام.

وذهب بعض السلف إلى أن الإيمان مختص بعمل القلب وأن الإسلام مختص بعمل الجوارح إذا اجتمعا، أما إذا افترقا فأطلق الإسلام وحده فسيشمل الدين كله، أو أطلق الإيمان وحده فسيشمل الدين كله، ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله، هذا يشمل الإسلام كله، بني الإسلام على خمس.

وإذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا على الراجح، فإذا اجتمعا افترقا مثل حديث جبريل سأله عن الإيمان وسأله عن الإسلام وبين كل واحد منهما وحده، وإذا افترقا اجتمعا مثل حديث عبد القيس: أن وفد عبد القيس أتوا النبي صلى الله عليه فقالوا يا رسول الله إنا نأتيك من شقة بعيدة ولا نصل إليك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، فائمرنا بأمر فصل، ندخل به الجنة ونأمر به من وراءنا، فقال: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، فبين لهم أعمالا من أعمال الجوارح، شهادة أن لا إله إلا الله وتقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وأن تؤدوا الخمس من المغنم، وأنهاكم عن أربع عن الدباء والحنتم والمزفت والمقير أو ربما قال النقير. فبين لهم هذه الأمور وهي من عمل الجوارح وسماها الإيمان بالله.

محمد خاتم رسل ربه

 

وآله من بعده وصحبه

هذا النبي هو محمد، فبعد أن أتى به وعرفه بدينه أراد تعريفه باسمه فقال: محمد صلى الله عليه وسلم وهذا اسمه الذي سماه الله به في كتابه في عدد من المواضع، وقد ألهم الله جده عبد المطلب أن يسميه به فقيل: لم تسمي ابنك هذا الاسم الذي ليس في أحد من أجدادك ولا آبائك، فقال: أردت أن يحمده أهل السماء وأهل الأرض فحقق الله رجاءه.

(خاتم رسل ربه)، أي هو الذي ختم الله به الرسائل إلى أهل الأرض، فالله يختار من الملائكة رسلا ومن الناس، وقد ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم فلا يأتي أهل الأرض بعده رسول من عند الله، لأن الله قال: وخاتم النبيين، خاتم النبيئين، خاتم النبيين، فهو الخاتم للرسل جميعا. خاتم رسل ربه، أي رسل الله جل جلاله.

(وآله) أي والصلاة والسلام أيضا على آله وهم أقاربه المؤمنون به، فيشمل ذلك بني هاشم ومواليهم إجماعا، وبني المطلب أيضا على الراجح، فالمطلب أخو هاشم ولهما أخوان آخران وهما عبد شمس ونوفل، ولكن عبد شمس ونوفلا انفردا في مقابل بني هاشم وبني المطلب في أول البعثة، ولذلك قال أبو طالب:

أيا أخوينا عبد شمس ونوفلا

 

أعيذكما بالله أن تحدثا حربا

وقال:

لقد حالفوا قوما علينا أظنة

 

يعضون غيظا خلفنا بالأنامل

فانفردوا ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما أتاه عثمان بن عفان وجبير بن مطعم يريدان نصيب بني عبد شمس وبني نوفل من الخمس، ذكر لهما أن الخمس مختص ببني هاشم وبني المطلب، فذكرا قرابتهما فقال: نحن وبنو المطلب سواء ما افترقنا في جاهلية ولا في إسلام، فهؤلاء هم آله، ويدخل فيهم أزواجه أيضا فهم من آله.

والمسلمون من بني هاشم وبني المطلب فيتناول ذلك من حرموا الصدقة بعده وهم بنو العباس وبنو علي وبنو جعفر وبنو عقيل، فهؤلاء الذين بقو، وأما بنو أبي لهب وإن كانت فيهم بقية فليسوا من آله لأن الله قطعهم عنه حين أنزل: {تبت يدا أبي لهب وتب} ولذلك في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن آل أبي فلان ليسوا لي بأولياء. آل أبي فلان أي آل أبي لهب، ليسوا لي بأولياء.

وآل لا يضاف إلا إلى العاقل الشريف، فلا يضاف إلى غير العاقل أصلا، ومن النادر أن يضاف لغير العاقل إلحاقا له بالعاقل كقول الشاعر:

من الجرد من آل الوجيه ولاحق

 

تذكرنا أوتارنا حين تصهل

ولا يضاف إلا إلى الشريف وقد يعترض على ذلك بقول الله تعالى: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} ويجاب عن ذلك بأن لهم شرفا باعتبار الحياة الدنيا، لأنه قال: {أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي} هذه من بعده، أي بعد أن يصلى ويسلم عليه هو، فآله وصحبه أيضا يستحقون ذلك، وصحبه هم الذين صحبوه وآمنوا به ولقوه على الوجه المتعارف في الدنيا وماتوا على دينه ولو تخلل ذلك ردة على الصحيح.

ونسأل الله لنا الإعانه

 

فيما تقفينا من الإبانه

نقف هنا وأحاول بسرعة الإجابة على بعض أسئلتكم.

هذا السؤال كيف أكون خبيرا في الفرائض وما هي وسيلة ذلك؟

الجواب أن وسيلة ذلك الدراسة فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنما العلم بالتعلم، وهذا الحديث علقه البخاري في الصحيح ووصله ابن أبي عاصم في السنة، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم.

سؤال: تسمية التركة التي توقف حتى يموت بعض الوارثين؟

الجواب: لعله يقصد السؤال عن المناسخات، المناسخات هي أن يموت ميت فلا تقسم تركته حتى يموت ميت آخر من الورثة وستأتي تفصيلاتها، وتسمى المناسخات لأن التركة الأولى نسخت القسمة الأولى نسخت بقسمة ثانية.

سؤال: ذكرتم أن أهل العلم ذكروا أوجها في كون علم المواريث نصف العلم، وعند التفصيل ذكرتم وجها واحدا فما هي الأوجه الباقية.

ذكر بعضهم أوجها أخرى غير الوجه الذي ذكرته، ولكنها غير متضحة، فمنها أن بعضهم رأى أن العلم منه ما هو قياسي ومنه ما هو نصي، وعلم الفرائض نصي لا يدخله القياس، وبقية العلوم يدخلها القياس، لكن يجاب عن هذا بأن بقية العلوم أيضا فيها نصي، وهذا الوجه هو الذي اختاره عدد من شراح هذا الحديث، ولهم وجوه أخرى منها أن كون علم الفرائض نصف العلوم علم التركات نصف العلوم أن العلوم إما أن تكون في حال يتعلق بالعبادات أو تتعلق بالمعاملات، فما تعلق منها بالعبادات نصف وما تعلق بالمعاملات نصف، وأهم ذلك النصف أن الإنسان يمكن أن لا يبيع وأن لا يشتري طيلة حياته، لكن إذا مات لا بد أن ينتقل ماله إلى غيره، فيكون ذلك حتميا لكن هذه الوجوه غير جيدة في مقابل الوجه الذي ذكرناه.

سؤال: العلوم ثلاثة فريضة عادلة ألا تكون التركة ثلث العلم ويكون ذلك معارضا لما سبق من أنها نصفه؟

الجواب: لا الجواب أن هذه الثلاثة ليست متساوية حتى يقال إنها أثلاث، أن العلم أثلاث منقسم إلى ثلاثة بالضرورة.

سؤال: ماذا عن نتائج دورة التجويد ولم يتم تكميل دورة شرح الأربعين؟

الجواب أن نتائج دورة التجويد يمكن أن يطالب بها القائمون على المركز، وأظن أنها صححت جميعا وأنها موجودة، وأن أهلها يستحقون الإفادات وبعضهم يستحق الجوائز أيضا، أما فيما يتعلق بدورة الأربعين فقد كمل بعضها لكن في بلد آخر، قد كمل بعضها في السعودية وهو موجود أظن أو يوجد ما وصل إلينا، لكن المهم أنه سينشر وستطبع إن شاء الله.

سؤال: هل تجب قسمة التركة فورا أم لا؟

الجواب لا تجب لأن القسمة المقصود بها تمييز حق، فإذا تنازل بعضهم عن حقه لم تلزم القسمة كما إذا مات ميت وترك ولدين فتنازل أحد الولدين للآخر عن نصيبه، فلا تلزم القسمة أصلا.

سؤال: وما مقدار ذلك؟

الجواب: أي مقدار الفورية؟ الحق للوارثين فإذا طلب أحدهم تمييز حقه لم يجز التأخير بحسب المستطاع.

سؤال: ما معنى القعدد؟

الجواب: القعدد هم بنو العم الأقعد منهم أي الأقرب إلى الإنسان أي الميت، وهنا قاعدة أن كل نسب ذكرناه في علم الفرائض فإنما هو إلى الميت، إذا قيل زوجة أو قيل: ولد، أو قيل أخ أو ابن فالمقصود إلى الميت دائما، فكل نسب يذكر في هذا العلم فهو للميت دائما.

سؤال: هذا السؤال عن توضيح قولنا النصف ونصفه ونصف نصفه؟

الجواب: النصف معروف ونصفه هو الربع ونصف نصفه هو الثمن والثلثان معروفان ونصفهما الثلث، ونصف نصفهما السدس.

سؤال: الأخوان التوأمان من اللعان هل يتوارثان؟

الجواب نعم يتوارثان توارث الإخوة لأم لأنهما لأم قطعا، ولكن ليس أبوهما معتبرا شرعا، فيرث أحدهما من الآخر الثلث إن كان وحده، وإن كان معه غيره ورث السدس.

سؤال: هذا يسأل عن التخلص من الرق هل يجوز بمقابل؟

الجواب: الجواب أن السؤال عن حكم الكتابة لعله عن حكم الكتابة، والكتابة أمر الله بها في كتابه، فقال تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم}، فمن كان مملوكا وله مال أو يستطيع إنتاجه فله أن يتخلص من الرق بدفع المال لمالكه، حتى يتخلص من ذلك كما أمر الله بهذا في كتابه.

سؤال: حقوق الميت على الورثة؟

الجواب: هذا بحسب حاله هو وأهمها الدعاء والبر الذي يبقى لوالديه، فالدعاء كقول الله تعالى: {وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا} والصدقة عنهما ووصل أرحامهما ووصل ذوي صلتهما، ومثل ذلك الوفاء بوصيتهما، ونحو ذلك كإنفاذ وصيتهما وقضاء ديونهما.

سؤال: للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون هل معنى ذلك أن الوالدين لا يوصفان بوصف القرابة؟

الجواب لا هما من القرابة لكن هذا من عطف العام على الخاص، فالوالدان لا يمكن أن يحجب الإنسان عن الميراث منهما، والأقارب يمكن الحجب بحسب القرب، لكن من مات وله ولد أو بنت لا يمكن أن لا ترث منه أبدا إلا بالمانع، إذا حصل مانع من موانع الإرث التي نذكرها إن شاء الله.

سيأتي إن شاء الله تعريف الغراوين وسيأتي تعريف بقية المسائل المسماة في علم الفرائض.

سؤال: ما هو تفسير الحمد اصطلاحا؟

الجواب الحمد اصطلاحا بحسب اصطلاح العلم الذي يذكر فيه، فكثير من الناس يعرف الحمد اصطلاحا بأنه فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما، وهذا اصطلاح للفقهاء لا لمن سواهم، فأهل التفسير مثلا في اصطلاحهم الحمد اصطلاحا هو الوصف بالجميل على الجميل الاختياري أو القديم سواء كان من باب الإحسان أو من باب الكمال وإن شئت قلت: سواء كان من باب الفضائل أو من باب الفواضل، أو سواء كان لمكافأة نعمة أو لا؟ والحمد اصطلاحا عند كثير من الناس موافق للشكر لغة، الشكر لغة أيضا هو فعل ينبئ عن تعظيم المنعم بسبب كونه منعما، وهذا الذي يقول فيه علي الأجهوري:

إذا نسبا للحمد والشكر رمتها

 

بوجه له عقل اللبيب يوالف

فشكر لدى عرف أخص جميعها

 

وفي لغة للحمد عرفا يرادف

عموم لوجه في سوى ذين نسبة

 

فذي نسب ست لمن هو عالم

....

لا ليست خمسة شروط للميت، ذكرت أن الحقوق المترتبة في مال الميت بعد موته خمسة، وهي مؤن تجهيزه بالمعروف، ثم حق تعلق بعين بذاتها من متروكه، ثم الدين، ثم الوصية من ثلث الباقي، ثم ما بقي لوارثه وهو التركة.

سؤال: ذكرتم أن أول من فصل علم التفسير عن الحديث هو يزيد بن هارون فأريد أن تذكر أسماء الذين فصلوا الفقه والتركة.

الجواب: بالنسبة للفقه والتركة، الفقه من أوائل من فصله أصحاب أبي حنيفة، وبالأخص محمد بن الحسن الشيباني، ثم بعد ذلك سحنون أو أسد بن الفرات المالكي، هؤلاء أوائل من فصل الفقه عن الحديث.

سؤال: هذا السؤال عن أثر عمر إذا تحدثتم فتحدثوا في الفرائض وإذا لهوتم فالهوا بالرمي.

الجواب: هذا هو المعنى.

سؤال  هل رد النبي صلى الله عليه وسلم على من سلم عليه مقيد بكون المسلم عليه عند قبره أو سواء في أي مكان كان؟

الجواب لا لا يختص بالقائم عند قبره، بل إذا سلم عليه الإنسان في أي مكان رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام صلى الله عليه وسلم.

سؤال: هذا سؤال عن أنواع الحمد قد ذكرنا أنها أربعة، حمدان قديمان وحمدان حادثان، فالقديمان حمده لنفسه وحمده لبعض عباده، والحمدان الحادثان، حمدنا لله وحمد بعضنا لبعض، وقد قال في ذلك العلامة أحمد فال بن محمذن فال:

وأل بحمد ربنا الرزاق

 

محتمل العهد والاستغراق

فالعهد أن الله لما علما

 

بعجزنا عن حمده الذي سما

حمد نفسه تعالى في الأزل

 

ثم دعا لحمده بذاك جل

ومعنى الاستغراق عند العلما

 

أن جميع الحمد لله انتمى

معنى جميعه الضروب الأربعه

 

أي حادثاه وقديماه معه

أما القديمان فحمد الحق

 

لنفسه ولصفات الخلق

والحادثان حمدنا للوالي

 

وحمد بعضنا لبعض تال

سؤال: هذا السؤال عن الكلمات التي في وفد عبد القيس الأربعة التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم.

الجواب:  وهي من الأوعية التي يوضع فيها الشراب، فقد كانوا أهل نقي ويكثر في بلادهم شرب الخمر والسكر، فنهاهم عن أربعة من الأوعية، وهي الدباء، وهو النبات المعروف الذي يشبه البطيخ وهو كبير، فوعاؤه يسرع التغير لكل ما وضع فيه، فالدباء هو الذي يسمى بالقرع، ويسميه الناس في العامية إشغلان، شغل، فهذا وعاء يسرع التغير لما جعل فيه، والحنتم هي الجرار الخضر التي تتخذ من الطين فتطبخ، يطبخ الطين فتكون جرارا تصنع منه الجرار، وهي القدور التي تشبه قلال هجر، وهذه يسرع التغير لما وضع فيها.

وأما المزفت أو المقير فهو الإناء الذي طلي بالزفت أو بالقار، والقار هو الزفت، وهو الذي تسمونه أنتم اليوم بالإسفلت، الذي تبلط به الشوارع، فهذه المادة إذا طلي بها الإناء يسرع التغير لما فيه لأنه تتغلق مسامه فيسرع التغير لما فيه، وهو الذي يسمى بالمزفت والمقير.

وأما النقير فهو أصل النخلة إذا قطع وانتزع قلبها فمكان قلبها إذا اتخذ إناء فيسرع التغير لما خمر فيه، وقد كان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ فأبيح استعمال جميع الأواني بما فيها هذه الأربعة، فالحكم فيها منسوخ.

سؤال: هل من أسلم من آل أبي لهب لا يدعى من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؟

الجواب: الجواب نعم قد أسلموا ولم يكونوا من آل بيته، لكنهم كغيرهم من قريش؟

سؤال: إذا كانت أل عهدية فما هي حالات اللام في الله.

الجواب: إذا كانت عهدية فالمقصود بالثناء اللام تكون للاستحقاق فقط، الحالة واحدة، لأن الحمد المعهود هو حمده لنفسه في الأزل.

سؤال: ما يفعله بعض الناس من عدم تقسيم تركة الميت فتبقى بين الأولاد يتصرفون فيها كل على حدة، وقد يختص به الأكبر عن إخوته ما حكم هذا؟

الجواب أن هذا مما لا يجوز إلا إذا حصل فيه التراضي، ويصعب حصول التراضي ويكثر في مثل هذا الحياء، فيستحيي الإنسان أن يطالب بنصيبه، ومع ذلك يجد في صدره على إخوته حين يتصرفون في ماله، فالأفضل لهم أن يقسموه، ثم بعد ذلك من أراد منهم أن يعطي إخوته من ماله فله الحق في ذلك.

سؤال: عبد شمس ونوفل هل هما من العرب العاربة أم العرب المستعربة؟

الجواب: عبد شمس ونوفل من قريش من بني عبد مناف بن قصي بن كلاب، بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر، وقد قال البدوي رحمه الله:

عبد مناف قمر البطحاء

 

أربعة بنوه هؤلاء

مطلب وهاشم ونوفل

 

وعبد شمس هاشم لا يجهل

سؤال: هل يمكن لمن لا يعرف الحساب أن يعرف علم الفرائض؟

الجواب: نعم، قد يكون الإنسان لا يعرف الحساب ولكنه إذا تعلم علم الفرائض كان عالما من الحساب ما يحتاج إليه فقط، ولا يحتاج إلى أكثر من ذلك.

سؤال: ذكرتم أن الذكر اسمان فما هما؟

الجواب: ذكر لساني وذكر القلب، وقد يجتمعان معا.

سؤال: ما معنى قوله: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة}

الجواب: سيأتينا البحث في الكلالة وكلام الصحابة فيها.

أما بقية الأسئلة فهي خارج الموضوع وسيحتفظ بها الأخ إن شاء الله، لعلنا نجد لها وقتا في الدرس القادم، وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا إيمانا ويقينا وصدقا وإخلاصا وعلما، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.


عدد مرات القراءة : 56496    عدد مرات التحميل : 2997



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22513222
المتواجدون الأن       8
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو