» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر الشريط الأول




الشريط الأول

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد فإن طلب العلم من أهم ما يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى، فهو جهاد في سبيل الله وقد أخرج مالك في الموطإ عن أبي بكر بن عبد الرحمن من خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا علم يعلمه أو يتعلمه كان كالمجاهد في سبيل الله رجع غانما، وصح عن النبي الحض على تعلم سنته، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بتعليمها للناس فقال تعالى في خطابه لأمهات المؤمنين: {واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة} وإن تعلم الحديث الشريف كان سابقا على غيره من العلوم في تاريخ هذه الأمة، فإنما كان الأئمة يشتغلون بتعليم الحديث ونقله وروايته، ولم يعرف غيره من العلوم في الصدر الأول، لكن كان علم الحديث يشمل كل العلوم الأخرى، ولهذا فالمؤلفات الأولى التي ألفت في هذه الأمة إنما كانت مؤلفات في الحديث، وفي داخلها تجد التفسير والعقائد والفقه وغير ذلك من العلوم التي استقلت فيما بعد، فهذه العلوم جميعا وليدة لعلم الحديث فهو أصلها و أمها وهي جميعا متشعبة عنه، لكن في أواخر زمان هذه الأمة، تشاغل الناس عن علم الحديث، فقل المشتغلون به، وقل المشتغلون كذلك بنقله وروايته، ومن هنا فإن النصيحة في بداية هذه الدورة تقتضي الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والتهيؤ للتلقي عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالأدب معه حيا كالأدب معه ميتا، وقد قال الله تعالى: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم والله غفور رحيم} وقبل ذلك قال: {إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى لهم مغفرة وأجر عظيم} من هنا كان لزاما على الإنسان الدارس للحديث أن يتأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يلتزم الآداب الشرعية، في طلب، وقد كان الإمام مالك رحمه الله يهتم بمظهره لطلب الحديث وتدريسه، فكان لا يدرس إلا في مجلس العلم مجلس الحديث، وكان يأتي فيه بالطيب، ولا يجلس للناس للحديث إلا على طهارة، وكان يتخذ ثلاثة مستملين أي مسمعين للصوت، يقف أحدهم عند منقطع صوت القارئ على الإمام مالك ثم يقف الآخر عند منقطع صوت ذلك، وقد جرى في سنة السلف اتخاذ المستملي والمسمع ونحن نستعيض عنه الآن بهذه الأجهزة، ولا بد كذلك من إخلاص النية في قصد الرحلة في طلب العلم، فإن سلفنا الصالح كانوا يقطعون المسافات الشاسعة من أجل سماع حديث واحد، فقد سافر جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه من البصرة إلى المدينة مسيرة شهر في طلب حديث واحد، وسافر أبو أيوب الأنصاري من المدينة إلى مصر في طلب حديث واحد، وسافر عبد الله بن أنيس من المدينة إلى الشام في طلب حديث واحد، وكان كثير من السلف يجدون الحديث بنزول ثم يسافرون المسافات الشاسعة من أجل الوصول إليه بعلو، فأمير المؤمنين في الحديث الإمام البخاري رحمه الله روى حديث عبد الرزاق جميعا عن طلاب عبد الرزاق، كالإمام أحمد بن حنبل وغيره، لكنه سافر من العراق إلى مكة يقصد عبد الرزاق باليمن فلما وصل إلى مكة قيل له: مات عبد الرزاق، فخرج حتى وصل إلى البصرة، فقيل له: إن عبد الرزاق حي يرزق، فكر راجعا إلى مكة مرة أخرى على رجليه، وكل ذلك لطلب علو الحديث فقط، ليسقط عنه رجل واحد من الإسناد، وكذلك فإن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله كان يطلب العلو بالأسفار الشاقة، فكان يسافر على رجليه مسافة شاقة من أجل الوصول إلى علو حديث وهو موجود لديه يحفظه ويرويه لكن لكن يريد نقص الإسناد بعلوه، وقال: إذ فاتنا مالك فقد عوضنا الله بسفيان بن عيينة، فسفيان بن عيينة معاصر لمالك وروى عن أكثر أشياخ مالك، وأحمد بن حنبل رحمه الله لم يدرك الإمام مالكا وقد روى عن ستة عشر من أصحابه لكنه أدرك ابن عيينة فرأى ذلك غنيمة ونعمة من الله سبحانه وتعالى، وجد العلو في الإسناد، ونحن إن شاء الله سنفتتح هذه الدورات التي ستصل في المستوى الأول منها إن شاء الله إلى خمسة وأربعين دورة، كل دورة يأخذ فيها الطالب مبادئ علم من العلوم الشرعية، ومن نجح في الاختبار في هذه الدورات يوصف بأنه مثقف في العلم الإسلامي في العلوم الشرعية، وبعدها إن شاء الله ستكون دورة أقوى منها في كل علم من هذه العلوم الخمسة والأربعين ومن نجح فيها أيضا يصلح لأن يكون طالب علم متميزا، ثم بعدها دورة أقوى منها، ومن نجح فيها إن شاء الله يصلح أن يكون من العلماء، وأردنا الابتداء بمصطلح الحديثلأننا سنأتي بعده بسماع الحديث بمجالس الإملاء وقد انقطعت منذ فترة، وكانت تتقطع في تاريخ هذه الأمة، فالإمام الذهبي أحيا مجالس الإملاء في الشام وقد وجدها منقطعة، ثم أحياها طلابه بمصر كالحافظ ابن حجر رحمه الله فقد عقد مجلس الإملاء بمصر، ووجد الحديث قبل ذلك لا يسمع لا يروى سماعا وإنما يقرأه الناس في الكتب، ثم بعد هذا أحيا السيوطي رحمه الله بعد الحافظ بن حجر مجالس الإملاء وقد أنكر عليه بعض معاصريه فقال:

قد سعوا في الضلال سعيا حثيثا
لا يكادون يفقهون حديثا

 

عاب إملائي الحديث رجال
إنما ينكر الأمالي قوم

فسنحاول إن شاء الله إحياء مجالس الإملاء في البداية بصحيح البخاري وسأحدثكم به إن شاء الله بالإسناد المتصل سماعا من طريق سليمان بن خلف الباجي عن الإمام أبي ذر الهروي وقد كان الناس يسافرون إلى هراة في أفغانستان من أجل سماع رواية أبي ذر الهروي وقد جاءتكم هنا بفضل الله وتوفيقه، فلذلك سنحاول التحديث بها كاملة من المخطوطة التي لدينا، وكل من لديه نسخة من صحيح البخاري أو عدد من الطلاب يجتمعون على نسخة واحدة فهذا لا حرج فيه، فنقابل المطبوعات بالمخطوطة المروية لدينا، وتسمعون الكتاب كاملا ثم كذلك نقرأ صحيح مسلم ثم موطأ مالك إن شاء الله وهكذا في مجالس الإملاء لعلنا إن شاء الله نمر بالكتب الستة وزيادة عليها إن شاء الله تعالى، وافتتاح تعليم الحديث بالمصطلح لا بدع فيه، فكثير من الأئمة عندما يفتتحون كتبهم يبدؤونها بمقدمات عن المصطلح، كالإمام مسلم بن الحجاج، فإنه افتتح الصحيح بمقدمته المشهورة التي ذكر فيها كثيرا من علوم الحديث، كخبر الآحاد وما يتعلق به، وكثبوت اللقي مع عدم السماع، وكدرجات الرجال بين من هو من أهل الثقة والعدالة، غير مدفوع عن ضبط ولا عدالة، ومن هو دون ذلك، و كدرجات الضعفاء أيضا فكل ذلك أورده مسلم رحمه الله في مقدمة الصحيح كما ستسمعون بعد إن شاء الله، ومصطلح الحديث علم جليل، لم يكن يؤلف فيه في العصور الأولى، لكن اصطلح نقلة الحديث على بعض المصطلحات والآداب التي بعضها واجب نصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج مسلم في الصحيح من حديث أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [الدين النصيحة قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم] والنصيحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم تقتضي الحرص على سنته والتأدب معها وعدم المجازفة في النقل، وتحري الصدق إلى آخر الدرجات فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من يقل علي ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار] وقال: [من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار] وقال: [إن كذبا علي ليس ككذب على أحد فمن يقل علي ما لم أقل فليلج النار] فلذلك لا بد من الحرص على الدقة والصدق في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد اخترنا لهذه الدورة كتابا مختصرا سهلا لكنه حاو لأكثر المصطلحات وهو كتاب للحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، وهذا الحافظ قد اشتهر في بلاد الإسلام كلها بلقب الحافظ، لا يطلق أهل الحديث هذا اللقب إلا على من كان يحفظ مائة ألف حديث بأسانيدها ومتونها، وهو من الأئمة المبرزين المشهود لهم بالعدالة والاستقامة والحفظ والضبط، ومن مجددي الإسلام وأئمته، وقد ولد بعسقلان بالشام وهي مدينة قديمة قد هدمت، وانتقل بعد ذلك إلى مصر، فعاش بها وتعلم بها، وقد درس على كثير من الأئمة الكبار، كالإمام الذهبي، وكالإمام الهيثمي، وكالإمام الحافظ المزي، وكابن الملقن، وكالبلقيني، فهؤلاء من أشياخه المشاهير، ثم روى الحديث كذلك عن الأئمة الأعلام من أمثال الإمام سراج الدين إبراهيم التنوخي، الذي سنحدث إن شاء الله تعالى بروايته عنه، وعدد آخر من الأئمة، ثم تناقل علم الحافظ ابن حجر عدد كبير من الأئمة الأعلام ومن مشاهير تلامذته الإمام السخاوي الذي ورث الحلقة عنه فكان يدرس في مكانه، والإمام الديمي كذلك وهو من مشاهير أئمة الحديث النقلة، والإمام زكريا الأنصاري الذي كان من مشاهير العلماء بالجامع الأزهر، وكان شيخ إقراء الحديث فيه، وابن فهد المكي وهو من الأئمة الأعلام في الحرم الشريف، فهؤلاء مشاهير طلاب الحافظ بن حجر وتلامذته، وعنه تناقل الناس علمه.

كتابه هذا سماه نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، والنخبة معناه الشيء المنتخب المنقى، الذي أزيل عنه كل ما لا نفع فيه، فقد انتخبها انتخابا واختارها اختيارا، ولم يورد فيها كثيرا من الخلافات، إنما أورد فيها الأقوال الصحيحة التي سار عليها أهل الحديث، ولذلك سماها النخبة، والفكر جمع فكرة وهي ما يفكر فيه الإنسان، فعقل الإنسان هو فكرته، والمصطلح معناه الاصطلاح والاصطلاح افتعال للتكلف من الصلح، ويطلق على التواتر والتوافق، فيقال: اصطلح الماء أو اصطلح السيل إذا سار في اتجاه واحد، فالمقصود بالاصطلاح في اللغة التوافق والتتابع، والمقصود به في الاصطلاح ما اتفق عليه كل أهل علم من الألقاب، فأهل كل علم يتفقون على ألقاب وأسماء، يطلقونها على بعض الأمور، تميزها لديهم وأهل الحديث لديهم ألقاب اتفقوا على إطلاقها، على بعض المسميات فسميت اصطلاحا، فهذا هوا المصطلح، وأهل الأثر هم أهل الحديث، والأثر هو ما يتركه الإنسان وراءه كما قال الله سبحانه وتعالى: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم} فالأثر ما يتركه الإنسان وراءه، واتباع الأثر وتقصيه يسمى أيضا أثْرا فيقال أثَر فلان أثْرا أي اقتص أثَر غيره، وقد اصطلح أهل العلم على إطلاق الأثر على المروي وهو الذي يسمونه مأثورا، فكل ما روي وتلقاه الناس طبقة بعد طبقة يسمى أثرا، كأن الأقدمين تركوه وراءهم فهو بمثابة آثارهم، وأهل الأثر اسم أطلق على طائفتين فيطلق على أهل السنة والجماعة عند أهل العقائد الذين تمسكوا بما كان عليه السلف ولم يزيدوا ولم يتأثروا بالفلسفات المترجمة، فهؤلاء يسمون لدى أهل العقائد بأهل الأثر، والإطلاق الثاني إطلاقه على المشتغلين برواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم الذين يلقبون لدى أهل الحديث بأهل الأثر، ويلقبون أيضا بأهل الحديث، وهؤلاء إنما هم هدية الله لهذه الأمة وإكرام من الله لمحمد صلى الله عليه وسلم فهم الذين ينقلون أحاديثه ويؤدونها كما سمعوها إلى الناس، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن مسعود وغيره أنه قال: [نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه] وهذا الحديث محتمل لأمرين، الأمر الأول أن يكون المعنى أن الله تعالى قد فعل ذلك فيكون خبرا، وخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصدق فهو الصادق المصدوق، فمعناه أن الله فعلا قد نضر وجوه الذين ينقلون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه النضرة هي علامة النظر إلى وجه الله الكريم يوم القيامة كما قال الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة} والقول الثاني أن المعنى الدعاء، فمعناه أن النبي صلى الله عليه وسلم يسأل ربه أن ينضر وجوه الذين ينقلون حديثه و يروونه، وعلى كل فدعاؤه مستجاب وخبره صدق، فعلى كل الاحتمالين هذه النضرة متحققة للذين يرون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ويهتمون بنقله، فالذين ينقلون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تعهد لهم إذن بهذه النضرة وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم فضلهم ومزيتهم في أحاديث متعددة، منها ما أخرجه الحافظ الخطيب البغدادي في شرف أصحاب الحديث وحافظ المغرب أيضا أبو عمر بن عبد البر في مقدمة التمهيد من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين] يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، وهذا العلم المشار إليه هو علم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سنة، من كل خلف أي أهل كل طبقة وأهل كل قرن من أهل الأرض، عدوله وهم عدول الله الذين يشهدهم على الناس وتقوم بهم الحجة على الخلائق، ينفون عنه تحريف الغالين، ينفون عنه أي عن هذا العلم، تحريف الغالين والغالون هم المتشددون الذين يجاوزون بالأمور مواضعها فيضعونها في غير محالها، وانتحال المبطلين والانتحال معناه الكذب ونسبة ما ليس من الحديث إليه، والمبطلون هم الأفاكون الكذابون، وتأويل الجاهلين أي حمل النصوص على غير معناها، فهذه ثلاثة أمور ينفيها أهل الحديث عن الحديث، الأول: التشددات والتشنجات التي تخرج الحديث عن محله، والأمر الثاني التساهلات التي تقتضي كذبا وزيفا في النقل، والأمر الثالث الفهم الخاطئ وحمل الحديث على غير محامله، وهذا العلم الذي هو علم المصطلح أول من أفرده بالتأليف الحافظ الرامهرمزي فقد ألف فيه كتابا سماه المحدث الفاصل بين الراوي والواعي، وهذا الكتاب رتبه على أقسام سماها أقسام الحديث ولا يقصد بكونها أقساما أنها من ناحية المعنى ينقسم الحديث إليها بل المقصود بأقسام الحديث أن أغلبها أقسام كالصحيح والحسن والضعيف ونحو ذلك فهي أقسام وأورد فيها كثيرا من الروايات بأسانيده هو، ثم جاء بعده الحاكم النيسابوري مؤلف المستدرك فألف كتاب علوم الحديث وزاد فيه على الرامهرمزي وحسن ترتيبه وتنسيقه وكتاب الحاكم موجود كذلك مطبوعا ككتاب الرامهرمزي وقد اختصره الحافظ ابن كثير بكتاب سماه اختصار علوم الحديث، وهو مطبوع كذلك، وقد شرحه الشيخ أبو الأشبال أحمد شاكر بكتاب سماه الباعث الحثيث في شرح اختصار علوم الحديث، ثم جاء بعد الحاكم الخطيب البغدادي فلم يترك فنا من فنون الحديث إلا ألف فيه فألف في المصطلح كتابين أحدهما سماه الكفاية في علم الرواية والثاني سماه الجامع لآداب الراوي والمحدث والسامع، وبعد الحافظ الخطيب البغدادي جاء القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي المغربي فألف كتابا سماه الإلماع بآداب الرواية والسماع وهو مطبوع كالكتب السابقة، ثم جاء الحافظ ابن الصلاح فجمع بين كتاب القاضي عياض وكتابي الحافظ الخطيب البغدادي بكتاب سماه المقدمة ومقدمة ابن الصلاح هذه وضع الله عليها القبول فتناقلها الناس شرقا ومغربا، وألف عليها كثير من الكتب منها شرح لها ومنها نظم لها فمن شروحها شرح المؤلف لها، فقد شرحها المؤلف نفسه ابن الصلاح ولم يصل إلينا شرحه، وشرحها طلابه من بعده فقد شرحها الحافظ زين الدين عبد الرحيم بن الحسين العراقي بشرح سماه التقييد والإيضاح في شرح مقدمة ابن الصلاح، ثم نظمها بأرجوزته المشهورة التي لقبها التذكرة والتبصرة وهي ألفية الحديث للحافظ العراقي وهذه الألفية أيضا وضع الله عليها القبول فرواها الناس وتناقلوها شرقا ومغربا، وشرحها الحافظ نفسه الحافظ زين الدين العراقي بكتاب سماه فتح المغيث في شرح ألفية الحديث ثم شرحها الحافظ ابن حجر بكتاب سماه فتح الباقي على ألفية العراقي، ثم شرحها تلميذه زكريا الأنصاري بكتاب أيضا سماه فتح الباقي على ألفية العراقي، وشرحها تلميذه الآخر الحافظ السخاوي بكتاب سماه فتح المغيث على ألفية الحديث، وهو أحسن شروحها وأكبرها، ونحن قد حاولنا إخراجها وطبعها بتصحيحات لأن فيها بعض الأخطاء في القوافي أو في الأسماء أو الوزن أو نحو ذلك ستنزل للأسواق إن شاء الله تعالى في هذا الشهر تقريبا بهذا التحقيق الجديد، الذي فيه تغيير لبعض أبياتها طبعا مع الإحتفاظ بالرواية، فيوضع الأصل في أسفل الورقة الأصل الذي نظمه الحافظ في أسفل الورقة ويكتب مكانه بلون مغاير التعديل الذي عدلناه نحن، وقد روجعت على عدد كثير من المخطوطات جمعت من أماكن مختلفة من الشام ومصر والمغرب وبلاد أوروبا واليمن والمشرق العربي جمع كثير من نسخها وقابله الطلاب على هذه النسخ وهذه النسخ بعضها عليه خط الحافظ ابن حجر، وقطعا الكثير منها كتب في حياة المؤلف وقرئ عليه.

ثم جاء بعد هذا الإمام النووي فألف كتابا سماه التقريب في مصطلح الحديث، وهو الذي شرحه الإمام السيوطي بكتاب سماه تدريب الراوي على تقريب النواوي، وهذا الكتاب من أهم كتب الحديث القديمة، وبعد ذلك جاء المتأخرون فأكثروا من المؤلفات في المصطلح فمنهم الحافظ الذهبي الذي ألف كتاب الموقظة وهو كتاب مختصر أكبر قليلا من كتاب الحافظ الذي لدينا، ثم الحافظ ابن حجر وقد ألف هذا الكتاب الذي بين أيديكم، ثم بعده جاء عدد من المتأخرين الذين ألفوا كتبا كثيرة من أشهرها كتاب توجيه النظر للشيخ طاهر الجزائري، وكتاب قواعد التحديث للشيخ جمال الدين القاسمي الشامي، وهذان الكتابان أحسن كتب المتأخرين في المصطلح، ومن أحسن كتب المتقدمين كتاب شرح ألفية الحديث المسمى فتح المغيث للحافظ السخاوي، وكتاب \" تدريب الراوي للحافظ ابن حجر، وهذه الكتب الأربعة إذا جمعها الإنسان فإنها تكفيه في مصطلح الحديث، هي مكتبة متكاملة تكفي طالب العلم في مصطلح الحديث، والحافظ رحمه الله افتتح كتابه بقوله: \"بسم الله الرحمن الرحيم\" اقتداء بكتاب الله عز وجل فإن الله تعالى افتتح القرآن بالبسملة، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعرف ابتداء السورة حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم، وهذه الجملة العظيمة أثبتها الله سبحانه وتعالى في كتابه جزءا من آية في سورة النمل في قصة سليمان وكتابه إلى ملكة اليمن {إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم} وقد قيل إنها كانت تنزل على الأنبياء السابقين فترفع بموتهم إلا نبينا صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه وبقيت لأمته بعد، وقد كان أهل الجاهلية يجعلون مكانها باسمك اللهم كما في الصحيح في حديث صلح الحديبية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي: [اكتب بسم الله الرحمن الرحيم] فقال له سهيل بن عمرو: بل اكتب باسمك اللهم كما كنت تكتب، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فكتبه، وفيها ثناء على الله سبحانه وتعالى بصفتين هما الرحمن والرحيم، وهما مشتقتان من الرحمة، والرحمة قسمان: رحمة الله التي هي صفته ورحمة الله التي هي فعله، أما رحمة الله التي هي صفته فهي يشتق منها هذان الاسمان الرحمن الرحيم، فالرحمن ذو الرحمة العامة بجميع الخلائق في الدنيا، والرحيم ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين في الآخرة، ودليل هذا التفريق قوله تعالى: {سلام قولا من رب رحيم} في سلامه على أهل الجنة وأما رحمة الله تعالى التي هي فعله وخلقه فإنها مائة رحمة كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة فادخر عنده تسعا وتسعين رحمة لعباده المؤمنين في الجنة، وأنزل رحمة واحدة في الدنيا فبها يتراحم الخلائق فيما بينهم حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها، ثم قال: [الحمد لله الذي لم يزل عالما قديرا] افتتح الافتتاح النسبي بعد الافتتاح بالبسملة بحمد الله تعالى اقتداء بكتاب الله واقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفتتح كتبه وخطبه بحمد الله والثناء عليه و الله تعالى افتتح القرآن بعد البسملة بالحمد فقال: {الحمد لله رب العالمين} الحمد لله الذي لم يزل معناه أنه على ما عليه كان قبل أن يخلق الكون، فإنه تعالى لم يكتسب من خلقه للكون صفة فقد كان عليما ولا معلوم، و كان خالقا ولا مخلوق، وكان رازقا ولا مرزوق، فإنه سبحانه و تعالى هو المتصف بهذه الصفات في جميع الآماد لا يتغير، لا تأخذه سنة ولا نوم، فلذلك قال: لم يزل عالما قديرا، لم يزل عالما أي متصفا بالعلم، قديرا أي متصفا بالقدرة، وهاتان الصفتان من صفات التأثير، أي إن علمه محيط بجميع الكائنات، فلا يمكن أن تخفى عنه خافية، وقدرته كذلك يصدر عنها جميع الكائنات فلا يكون شيء إلا عن قدرته لأنه الخالق لكل شيء، {الله خالق كل شيء} \"وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا\" صلى الله هذا فعل ماض بمعنى الدعاء والفعل الماضي إذا جاء بمعنى الدعاء كان للمستقبل، معناه نسأل الله أن يصلي وهذا إنشاء وقد أمرنا الله به في قوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما} أمرنا الله بالصلاة عليه فنحن نمتثل ذلك فنقول صلى الله على سيدنا محمد، ولفظ سيدنا ثناء على النبي صلى الله عليه وسلم ببعض صفاته وهي سيادته للثقلين الإنس والجن، ومعنى هذه السيادة أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي يلجأ إليه الناس في حوائجهم، ففي الحياة الدنيا كانوا يلجؤون إليه في أمورهم كلها كما قال أبو طالب:

ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فهم عنده في نعمة وفواضل

 

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
يلوذ به الهلاك من آل هاشم

 

وقد صح في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجل وهو على المنبر فقال: يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فرفع يديه فاستسقى وما يرون في السماء من قزعة فثارت سحابة من فوق سلع فما نشبت أن أمطرت حتى امتلأت سكك المدينة بالماء فلما كان يوم الجمعة القابل و المطر مستمر أتاه رجل إما أن يكون ذلك الرجل أو غيره فقال يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فاستصح لنا، فرفع يديه جعل ظهورهما إلى السماء فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، فانجابت تلك السحابة، فخرجوا يمشون وليس في السماء منها شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أني رسول الله، ثم أخبر أن أبا طالب لو كان حيا لسر بذلك واستنشد شعره فأنشده أبو بكر هذه الأبيات

ثمال اليتامى عصمة للأرامل
فهم عنده في نعمة وفواضل

 

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه
يلوذ به الهلاك من آل هاشم

وكذلك هو سيد الثقلين في الآخرة، فإنهم يلجؤون إلى شفاعته عندما يلجؤون إلى آدم يعتذر ثم إلى نوح فيعتذر ثم إلى إبراهيم فيعتذر ثم إلى موسى فيعتذر ثم إلى عيسى فيعتذر يلجؤون إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الشفاعة إلى الله فيقولون: يا محمد أنت خاتم الأنبياء وإمامهم فاشفع لنا إلى ربنا إما إلى جنة وإما إلى نار فيقول صلى الله عليه وسلم: أنا لها، فيخر ساجدا تحت العرش، فيلهمه الله سبحانه وتعالى ثناء يثني به عليه فيقول له يا محمد ارفع رأسك واشفع تشفع واسأل تعطه، فيشفع رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفاعة الكبرى التي ادخرها الله له وهي المقام المحمود، الذي وعده الله به في قوله: {عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا} فيشفع للثقلين الإنس والجن في الخروج من الموقف إما إلى جنة وإما إلى نار، فلذلك وصفه بهذه السيادة فقال: على سيدنا محمد، وهذا اسمه الذي سماه به جده عبد المطلب، فقيل و لم تسميه باسم ليس في آبائك؟ فقال رجوت أن يحمده الأولون والآخرون، فحقق الله رجاءه، وقد سماه الله بهذا الاسم في القرآن أربع مرات، \"الذي أرسله الله\" هذا ثناء على النبي صلى الله عليه وسلم ووصف له فقال الذي أرسله الله إلى الناس كافة أي إلى الخلائق جميعا ومنهم الناس وهم البشر، كافة فتشمل رسالته الأبيض والأسود كما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [أوتيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي] وقال فيها: [وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة] وفي الحديث الآخر: [وبعثت إلى الأحمر والأسود، أي بعث إلى الناس كافة، ولذلك قال الله تعالى: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} إلا كافة للناس أي لعموم الناس، وهذا معنى كافة، بشيرا ونذيرا هذا بيان لبعض مهمات النبي صلى الله عليه وسلم في دعوة وذكر اثنتين من وظائفه وهما البشارة والنذارة، فالبشارة بتبشير الناس برضوان الله وجنته ونعيمه، والنذارة بتخوفيهم من عقابه وسخطه، والله سبحانه وصفه بذلك فقال: {إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا} ومن هاتين الوظيفتين سمي النبي صلى الله عليه وسلم بالبشير النذير وهما من أسمائه، [وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليما كثيرا] وعلى آل محمد وهم المؤمنون به، ويدخل فيهم دخولا أوليا المؤمنون من بني هاشم وبني عبد المطلب ومواليهم وهم الذين حرموا الصدقة بعده، وهم الذين منعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الصدقة فقال: [لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد] فقد اتفقت الأمة جميعا على أن بني هاشم ومواليهم تحرم عليهم الصدقة، واختلفوا في بني المطلب، فالمطلب أخو هاشم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [نحن وبنو المطلب سواء ما افترقنا في جاهلية ولا في إسلام] واتفقوا على أن بني عبد شمس وبني نوفل لا يدخلون في آله بتحريم الصدقة، \"وصحبه\": وهم الذين آمنوا به واجتمعوا معه على الوجه المتعارف في الدنيا وماتوا على ذلك كما سيأتينا إن شاء الله في تعريف الصحابة في هذا الكتاب، وسلم تسليما كثيرا، أي سلمهم جميعا من سخطه ومن كل ما لا يرضيه، فهذا دعاء لسلامتهم جميعا من كل ما لا يرضي الله سبحانه وتعالى، \"أما بعد\" هذه الكلمة كلمة فصل، وهي التي تسمى فصل الخطاب ويفصل فيها بين مقدمات الكلام وبين لبه وأصله، ويقال أول من قالها داود عليه السلام، وقد آتى الله تعالى داود فصل الخطاب كما قال تعالى: {وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب} وقد اشتهرت في ألسنة الخطباء كما قال الشاعر:

إذا قلت أما بعد أني خطيبها

 

لقد علم الحي اليمانون أنني

وأصلها أما ما يأتي بعد ما قلناه فهو كذا فأما بفتح الهمز والتشديد للشرط والتفصيل والتأكيد

للشرط والتفصيل والتأكيد

 

أما بفتح الهمز والتشديد

وبعد ظرف مبني لأن المضاف إليه محذوف، أي بعد ما ذكر، أي الذي بعد ما ذكر من حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم \"فإن التصانيف\" وهي جمع تصنيف وهو في الأصل جعل الأشياء مصنفة كل صنف منها مستقل، والمقصود بها المؤلفات والكتب في اصطلاح أهل الحديث، وقد سبق شرح ذلك، \"قد كثرت\" أي انتشرت في هذه الأمة، \"وبسطت واختصرت\" أي صنفت إلى نوعين نوع مبسوط وهو المطولات ونوع مختصر وهو الكتب الصغيرة التي منها هذا الكتاب، \"فسألني بعض الإخوان\" أي سأل الحافظ ابن حجر بعض إخوانه والأخ يطلق على الأخ من النسب والأخ في الصحبة، فالأخ  من النسب جمعه إخوة، والأخ في الصحبة جمعه إخوان، فالأخ الذي من النسب يقال: {إخوة يوسف} أي إخوته من النسب، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: [وددت لو رأيت إخواننا] وهم أصحابه وليسوا إخوانه من النسب هم الذين آمنوا به ولم يروه، كما قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: [بل أنتم أصحابي وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني للواحد منهم أجر خمسين] فالإخوان جمع الأخ الذي هو الصديق والمصاحب والملاطف، وإخوان رسول الله صلى الله عليه وسلم هم المؤمنون به الذين آمنوا به ولم يروه من هذه الأمة وهم الذين وعد الله بمجيئهم وبين انتفاعهم من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم فقد قسم الله المؤمنين في سورة الجمعة إلى قسمين، القسم الأول الذين لقوا النبي صلى الله عليه وسلم وهم أصحابه، والقسم الثاني الآخرون الذين يأتون من بعدهم، فقال تعالى: {هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم} آخرين منهم أي من الأمة، ومنهم يمكن أن تكون من هنا للابتداء معناه من ذرياتهم أو يبدأ ذلك منهم أي من الصحابة، فنازلا حتى يأتي على كل الأمة، لما يلحقوا بهم، ولما لنفي الماضي المنقطع معناه أنهم سيلحقون بهم في المستقبل، أي أنه بعثه في الأميين وهم الصحابة وآخرين منهم لما يلحقوا بهم بعثه فيهم أيضا يعلمهم الكتاب والحكمة، فكل تعليم في هذه الأمة هو من تعليم النبي صلى الله عليه وسلم للآخرين الذين يلحقون بالسابقين، كما وعد الله بذلك في سورة الجمعة، \"أن ألخص لهم\" هذا هو المسؤول أي سألني أن ألخص رغب إلي في أن ألخص، والتلخيص معناه الاختصار، فلخص الكلام أي جعله قليل الألفاظ كثير المعاني، والكلام ينقسم إلى ثلاثة أقسام، إما أن يكون اللفظ أكثر من المعنى، فهذا الذي يسمى بالإطناب والحشو، وإما أن يكون المعنى أكثر من اللفظ فهذا الذي يسمى بالاختصار والإيجاز والتلخيص، وإما أن يكون المعنى مساويا للفظ فهذا الذي يسمى بالمساواة، فالنوع الأول الذي فيه إطناب مثل ما حكى الله تعالى عن موسى عليه السلام: {وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها غنمي ولي فيها مآرب أخرى} فهنا قال: ما تلك بيمينك؟ هذا سؤال، والجواب في الأصل يكون على طبق السؤال فيكفي لو قال عصا، ما تلك بيمينك؟ لو قال عصا لحصل الجواب، لكن موسى استشعر أنه في مقام عال كبير يكلمه الله كفاحا دون ترجمان، فأراد أن يستمتع بذلك التذاذا بالكلام مع الرب جل وعلا، فأطال الجواب فقال: هي، حتى يأتي بالإسناد بالجملة الإسمية عصاي أتى بالإضافة أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى فذلك فوائد عصاه وحاجته إليها، فهذا النوع هو الذي يسمى بالإطناب، وأما النوع الثاني فهو الاختصار والتلخيص فمثل قول الله تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب} فإن الله تعالى جعل الحياة مظروفة في القصاص، وذلك أن الحياة تحصل بالقصاص للقاتل وللمقتول، فالقاتل إذا علم أنه إذا قتل سيقتل لن يقتل سيرتدع عن ذلك، والمقتول أيضا إذا علم القاتل أنه إذا قتله قتل به تركه، فالحياة إذن لهما معا، فكان المعنى أكبر وأكثر عددا من اللفظ فاللفظ: في القصاص حياة، جملة اسمية المبتدأ فيها حياة وهي نكرة، وسوغ الابتداء بها الجار والمجرور المختص المتقدم عليها، وهو في القصاص، فقد جعل الله هذه الحياة مظروفة في القصاص ونكرها في سياق الإثبات ليكون ذلك دالا على الإطلاق، أي لكم حياة مطلقة في القصاص، وهذا بيان لمنزلة القصاص وأهميته في حياة الناس، فاللفظ قليل والمعنى كثير، والقسم الثالث وهو المساواة كقول الله تعالى: {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون} فهذا اللفظ مساو للمعنى لو نقص شيء من اللفظ لسقط ما يقابله من المعنى، لو قال: لا يسأل عما يفعل ولم يقل وهم يسألون لسقط مقابل ذلك من المعنى، فاللفظ إذن والمعنى سواء، \"أن ألخص له\" المقصود بذلك له ولمن ينتفع معه من الطلبة ولا يقصد بذلك اختصاصه هو بهذا الكتاب، \"المهم من ذلك\" المهم هو الذي إذا فقده الإنسان أصيب بالهم، وهذا يدلكم على اهتمام السلف الصالح بالعلم، فإنهم كانوا إذا فقدوا مسألة من مسائل العلم الكبار أصابهم الهم والغم حتى يحرزوها وينالوها، فلذلك يسمون مسائل العلم النافع المهمات، أي التي فقدها يصيب الإنسان بالهم، والهم هو الحزن المتردد، فالحزن في الأصل أقل من الهم، لكن إذا تردد الحزن على الإنسان فمنعه نومه أو راحته سمي هما \"أن ألخص له المهم من ذلك\" واسم الإشارة هنا راجع إلى المصطلح، وقد سبق في اصطلاح أهل الحديث فلذلك قال أن ألخص له المهم من ذلك أي من اصطلاح أهل الحديث \"فأجبته إلى سؤاله رجاء الاندراج في تلك المسالك\" أجبته إلى سؤاله معناه أن الحافظ استجاب لدعوة هذا الطالب الذي سأله أن يلخص له المهم من ذلك، أجبته إلى سؤاله فلو قال أجبته فقط لكان المعنى تعهدت له بشيء لكن لا يقتضي ذلك أن يكون على شرطه وعلى وفق ما طلب، فلذلك قال: إلى سؤاله، معناه أن أقتصر فقط على المهم وأن يكون ملخصا قليل الألفاظ، فلذلك قال إلى سؤاله، أي إلى ما سأله، والسؤال في الأصل مصدر ويقصد به هنا المفعول، معناه إلى ما سأله، والمصدر يطلق على المفعول كثيرا في لغة العرب، \"رجاء الاندراج في تلك المسالك\"، أي حملني على إجابته إلى ما سأله أنني أرجو أن أندرج أي أدخل في تلك المسالك أي مسالك طلبة العلم ومؤلفيه، الذين بسطوا واختصروا في مصطلح الحديث، أي أن أكون منهم، فاندراج الإنسان مع الصالحين يجعله ملحقا بهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [أنت مع من أحببت] فإذا أحب الإنسان قوما بعث معهم، والاندراج الدخول، فاندرج في الشيء أي دخل فيه، ويقال درج فلان في الطريق أي سار عليها، والمسالك جمع مسلك وهي الطرق، والمقصود بها مسالك المؤلفين لهذا العلم بين اختصار وبسط، بعد هذا افتتح تقسيمه للسنة، وبشرحنا لهذه المقدمة نكون قد أتينا على ما أردناه وسأحاول إن شاء الله تعالى قبل شرحه إيراد مختصر نافع لعله يكون معتصرا من المختصر لتستوعبوا به هذه التقسيمات التي ستأتيكم هنا إن شاء الله، فذالك عليكم إذا استطعتم حفظ هذا المتن المختصر أن تفعلوا فإن العلم ما حفظ وقديما قال الشافعي رحمه الله:

قلبي وعاء له لا جوف صندوق
أو كنت في السوق كان العلم في السوق

 

علمي معي حيثما يممت يتبعني
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي

وقال الحافظ أبو محمد علي بن حزم الأندلسي رحمه الله:

تضمنه القرطاس بل هو في صدري
ويمكث إن أمكث ويدفن في قبري

 

فإن يحرقوا القرطاس لا يحرقوا الذي
يسير معي حيث استقلت ركائبي

فطلاب العلم النابهون المبرزون إنما يمتازون بحفظ المتون العلمية، ولذلك تكون معهم فلا يحتاجون فيها إلى مراجعة ولا إلى حمل الأسفار في الأسفار، فلذلك سيتميز إن شاء الله تعالى النابهون المتميزون في بداية هذه الدورة بأنهم الذين يحفظون وعند الامتحان يكرم المرء إن شاء الله، ولا نصل إلى بقية المثل، فأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد عبدك ورسولك ونبيك النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما وإخلاصا يا أرحم الراحمين، واجعلنا في قرة عين محمد صلى الله عليه وسلم.

 

يتبع


عدد مرات القراءة : 8105



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22883572
المتواجدون الأن       15
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو