» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر الشريط الثانى




الشريط الثانى

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى ءاله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين أما بعد فسنبدأ إن شاء الله تعالى بهذه المصطلحات الأربعة السنة الحديث الخبر الأثر هذه المصطلحات متقاربة لدى أهل الحديث، فيحتاج الطالب إلى التمييز بينها ومعرفة مقتضياتها ودلالاتها، أولا المصطلح الأول السنة السنة في اللغة الطريقة والصميم من كل شيء، فتطلق على الطريقة سواء كانت خيرا أم شرا فمن إطلاقها على الخير قوله تعالى: {سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا} أي طريقة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا، ولا تكون طريقة الرسل إلا خيرا، ومن إطلاقها على الشر قوله تعالى: {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} فسنن المكذبين لا تكون إلا شرا، فعلم بهذا أن السنة في اللغة تطلق على الطريقة سواء كانت للخير أو للشر، وتطلق على الصميم الخالص من كل شيء، ومنه قول غيلان:

ملساء ليس بها خال ولا ندب

 

تريك سنة وجه غير مقرفة

فالسنة هنا معناه الصميم من الوجه وهو وسطه، سنة وجه.

والسنة في الاصطلاح يختلف إطلاقها باختلاف العلم المصطلح عليها فيه، فهي لفظ يستعمل في كل العلوم الشرعية، فلذلك تجدون إطلاقها لدى أهل الحديث يختلف عن إطلاقها لدى أهل العقائد عن إطلاقها لدى أهل الفقه عن إطلاقها لدى أهل الأصول، ولا بد من التمييز بين هذه الإطلاقات، لأن من لم يميز بين هذه الإطلاقات سيأخذ اصطلاح أهل الفقه فيركبه على اصطلاح أهل العقائد مثلا أو على اصطلاح أهل الحديث أو غير ذلك، ومن هنا فإن اصطلاح أهل الحديث يقتضي أن استعمال العمامة سنة، واصطلاح الفقهاء يقتضي أن السنة هي ما يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، وهذا يقتضي ـ إذا لم يميز الإنسان هذا المصطلح ـ أن يظن أن المقصود بالسنة لدى أهل الحديث هو نفس المصطلح لدى الفقهاء فيقول استعمال العمامة يثاب فاعله، وهذا غير صحيح، فلذلك لا بد من التمييز بين هذه المصطلحات باختلاف هذه العلوم.

فأولا نبدأ بمصطلح أهل الحديث: فإنهم يطلقون السنة على ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو وصف خَلقي أو خُلقي، سواء صلح دليلا لحكم شرعي أو لم يصلح.

 وبعض أهل الحديث يطلقها على كل مروي، فتكون بهذا أعمَ من الحديث والخبر والأثر، فتشمل المروي عن الصحابة والمروي عن التابعين، والمروي بالإسناد عن الأئمة من أتباع التابعين، فكل ذلك يسمى سنة، وهذا الإطلاق الأخير يدل عليه بعض النصوص الشرعية كقول النبي صلى الله عليه وسلم فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة فقول النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخلفاء الراشدين، يدل على أن السنة تطلق على غير المرفوع، على ما رفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعلى ما نقل عن أصحابه، لأنه قال: وسنة الخلفاء الراشدين، وهذا يترتب عليه أمر لدى أهل الأصول فإذا قال الصحابي مثلا: من السنة كذا أو كان من السنة كذا هل هذا في قوة المرفوع، أو ليس كذلك، الراجح أنه ليس في قوة المرفوع بل يشمل سنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعلى هذا فقد يكون من عمل النبي صلى الله عليه وسلم و قد يكون من عمل أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي، مضت السنة بكذا وهذا اللفظ كثير جدا في كلام محمد بن شهاب الزهري، كثيرا ما يقول: مضت السنة بكذا، والراجح أنه لا يقصد بذلك كلام النبي صلى الله عليه وسلم أو المرفوع إليه، بل يقصد ما كان لدى الخلفاء الراشدين المهديين، إذن هذا مصطلح أهل الحديث أن السنة ما أثر، والمقصود بما أثر أي ما روي ما نقله الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول فتشمل أقواله التي هي الحديث، أو فعل فتشمل أفعاله التي هي الأخبار الخبر عنه، أو تقرير وهذا أيضا من أخباره، والتقرير معناه ما لم يقله ولم يفعله لكن فعل أو قيل بين يديه فأقره، فالتقرير سكوت النبي صلى الله عليه وسلم أو رضاه عن أقوال في مجلسه أو عن أفعال في مجلسه أو علم بها تحت سلطته فلم يغيرها، فهذا إذن هو التقرير فالتقرير يشمل الأقوال والأفعال، وما سبقه قسمان فقط أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، أو وصف، والوصف المقصود به وصف غيره له، ولا بد من تقييد ذلك بأن يكون قد رآه، لأن المتأخرين أكثروا من وصف النبي صلى الله عليه وسلم في مدائحهم، وبعضهم بالغ وخرج عما أذن فيه، حتى إن بعضهم أطرى النبي صلى الله عليه وسلم ببعض صفات الألوهية وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال: [لا تطروني كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم] فليس ذلك الإطراء وحتى المدائح التي لم يقلها الصحابة ليست من السنة بالمعنى الاصطلاحي لأنها وإن كانت وصفا للنبي صلى الله عليه وسلم لكن الواصف لم يره، فمثلا قول مولود بن أحمد الجواد رحمه الله:

عينا ولو كان عينا كنت إنسانه

 

لو كان ذا الكون إنسانا لكنت له

هذا وصف صحيح للنبي صلى الله عليه وسلم لا إشكال فيه وهو كذلك، لكن هذا الوصف لا يعد من السنة، لأن واصفه لم يره، وكذلك قول زروق رحمه الله:

من البدر بل من شمسه هو ألهب
بهي بهيج الوجه ليس يقطب
كأن ثناياه بروق تلهب
ذكي الحجا سبط العظام مطيب

 

لقد كان خير الخلق أبهر طلعة
جميل المحيا أبهر اللون أبلج
إذا افتر ريء النور من فيه خارجا
حكى ثغره حب الغمام إذا بدا

هذا وصف للنبي صلى الله عليه وسلم لكنه لا يدخل في السنة اصطلاحا، لأن واصفه لم يره، وإن كان الوصف صحيحا، لكن واصفه لم ير النبي صلى الله عليه وسلم، فليس هذا من السنة في الاصطلاح، إذن لا بد أن يكون الواصف قد رآه، والوصف قسمان: وصف خَلقي يتعلق بشكله وذاته، ووصف خُلقي يتعلق بما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الخلق العظيم الذي وصفه الله به، فالوصف الخلقي إذن هو ما يتعلق بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من الأخلاق العظيمة التي أثنى الله عليه بها في كتابه في قوله: {وإنك لعلى خلق عظيم} وكلاهما من السنة، لكن الوصف لا تؤخذ منه الأحكام الشرعية، فالوصف يؤخذ منه التمام والحسن، فهو أحسن ما يكون عليه الإنسان، لكن ليس لك أنت مثلا أن تغير خلقتك حتى تحاكي بها ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من اللون مثلا أو من القامة أو غير ذالك فلا تستطيع هذا، فإذن الوصف الخلقي نعم يدل على أحسن الهيآت وأحسن الأخلاق وأتمها، وإن كان ذلك إنما عرف الحكم فيه بالاقتداء به بنص آخر وهو قول الله تعلى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} لكن مجرد اتصافه هو بذلك الخلق لو لم يأت النص بالاقتداء به فيه لما عرف منه الحكم، أما الأقوال فتؤخذ منها الأحكام الخمسة، التي هي الوجوب والندب، والتحريم والكراهة والإباحة، فمثلا تدل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم على الوجوب وذلك كثير كقوله صلى الله عليه وسلم: [في كل خمس من الإبل ضائنة] هذا يدل على وجوب إخراج الزكاة عن كل خمس من الإبل، ولم يأت ذلك في نص القرآن، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم [فيما سقت السماء العشر] فهذا الحديث يقتضي وجوب إخراج العشر من الزرع إذا وصل إلى خمسة أوسق وكان مما تسقيه السماء، فلم يتكلف الإنسان في سقيه، فإذن هذه الأقوال تدل على الوجوب، وتدل الأقوال على الندب كذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم: [صلوا قبل المغرب ركعتين] وكقوله: [بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء] فهذا في الأصل للندب وليس للوجوب لأن الواجب من الصلاة لا يتعدى الخمس، [هن خمس وهن خمسون ما يبدل القول لدي] فلم يوجب الله على عباده من الصلاة إلا الخمس، ما زاد على ذلك من الأوامر النبوية بأداء صلوات معينة فهي للندب كلها، لأن الله لم يفرض أكثر من الخمس، خمس صلوات فرضهن الله على العباد في اليوم والليلة.

كذلك يدل قول النبي صلى الله عليه وسلم على التحريم، كقوله صلى الله عليه وسلم: [كل ذي ناب من السباع فأكله حرام] وكقوله صلى الله عليه وسلم: [يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب] فهذه أحاديث قولية عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على التحريم.

ويدل قول النبي صلى الله عليه وسلم كذالك على الكراهة كقوله صلى الله عليه وسلم: [إن ربكم حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال] فهذا يدل على الكراهة، فقيل وقال اللغو من الكلام، الإكثار منه مكروه، ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: [وكره لكم قيل وقال] ومثل ذلك نواهيه صلى الله عليه وسلم التي تقترن بما يدل على عدم التحريم، كنهيه صلى الله عليه وسلم أن ينتعل الرجل قائما، أن ينتعل أي: يلبس نعله قائما، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن ذلك، لكن دلت أدلة أخرى على أن هذا النهي ليس للتحريم، فكان للكراهة.

كذلك تدل السنن القولية على الإباحة كإذن النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من المسائل، فدل ذلك على إباحتها، مثل قوله صلى الله عليه وسلم: [كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا] وكإذنه صلى الله عليه وسلم بالأقوال كذلك في عدد من الأمور التي كانت ممنوعة فأحلها، كدخول المحرم لبيته من بابه فقد كان ذلك محرما، ثم أذن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بدخول البيوت من أبوابها، فإذن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم تؤخذ منها الأحكام الخمسة.

أما أفعاله فلا يؤخذ منها إلا حكمان فقط هما: الإباحة والندب، فالفعل لا يدل على الوجوب، لو فعل النبي صلى الله عليه وسلم فعلا، فقد ثبت عنه أنه وضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره في الصلاة، لكن هذا فعل والفعل لا يدل على الوجوب، وثبت عنه أنه كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام، وهذا فعل لكنه لا يدل على الوجوب، وثبت عنه أنه كان إذا أراد أن يقوم من السجدة الثانية جلس جلوسا خفيفا، ينتقل به إلى القيام في الأوتار، أي بعد الركعة الأولى و بعد الركعة الثالثة، لكن هذا فعل والفعل لا يدل على الوجوب، فالفعل دائما لا يدل على الوجوب، إنما يدل على الندب أو على الإباحة، فدلالة الفعل على الندب كالقبض في الصلاة و رفع اليدين، هذا فعل يدل على الندب، ودلالة الفعل على الجواز، كجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الصلوات بوضوء واحد، كما في حديث عمر: [لم أر النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الصلوات بوضوء واحد حتى كان يوم الفتح فجمع بين الصلوات بوضوء واحد فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيتك فعلت شيئا لم تكن تفعله، فقال: إني عمدا فعلت ذلك يا عمر، فهذا فعل ويدل على الجواز، أن الإنسان ما دام على طهارة يجوز أن يصلي صلاة أخرى بذلك الوضوء، وأن يجمع به بين عدد من الصلوات، والأصل أن كل قائم للصلاة عليه الوضوء، لقول الله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم] هذا يقتضي أن كل قائم للصلاة عليه أن يتوضأ، لكن لما جمع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بين الصلوات بوضوء واحد دل ذلك على إباحة الجمع بالوضوء الواحد، ولهذا فإن ابن الجارود في مقدمة كتابه المنتقى في أدلة الأحكام أول باب فيه: باب ما جاء في قول الله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}، الدليل على أن هذا ليس على كل قائم للصلاة ما حدثناه عبد الله بن هاشم فساق الحديث، فهذا هو الدليل على أن هذا ليس على كل قائم للصلاة، إذن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم إما أن تدل على الندب وإما أن تدل على الإباحة، لكن لا تدل على الوجوب ولا تدل على التحريم ولا تدل على الكراهة.

إذن عرفنا بهذا أن الأوصاف لا تؤخذ منها الأحكام مطلقا سواء كانت خلقية أو خلقية إلا أن الأخلاق الأوصاف الخلقية دل نص آخر على الاقتداء به فيها، وأن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم تؤخذ منها الأحكام الخمسة، وأن أفعاله يؤخذ منها حكمان فقط، وأن تقريراته يؤخذ منها حكم واحد وهو الإباحة فقط، فتقرير النبي صلى الله عليه وسلم لا يؤخذ منه إلا حكم واحد وهو الإباحة فقط، فإن أكل خالد بن الوليد للضب على مائدة النبي صلى الله عليه وسلم يدل على جواز أكل الضب، لأنه في سلطانه وفي بيته وتحت يده ولم ينههه عنه، ولو كان أكل الضب حراما لنهاه، لأنه هو المبلغ عن الله ويجب عليه تغيير المنكر، فلما أكل الضب على مائدته وسكت دل ذلك على إباحة أكل الضب، والتقرير كما سبق ينقسم إلى قسمين: تقرير بالاستحسان وتقرير بالسكوت، فالنوع الأول: التقرير بالاستحسان كحديث مجزز المدلجي حديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يتهلل فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله ما يضحكك؟ فقال: [أما علمت أن مجززا المدلجي دخل على زيد وأسامة وقد لبسا كساء غطيا رؤوسهما وبدت أرجلهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض] فأسامة بن زيد كان شديد السواد لأن أمه بركة أم أيمن كانت سوداء، وكان أبوه زيد شديد البياض، فكان المنافقون يطعنون في نسب أسامة إلى زيد، فجاء هذا الرجل وهو من القافة أي الذين يعرفون الأثر، ويعرفون علاقات الناس بمجرد الرؤية، ووجد أسامة وزيدا وقد لبسا كساء فغطيا به رؤوسهما، وقد بدت أرجلهما، فوقف مجزز فنظر إلى الأقدام فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك سرورا عظيما، فهذا الحديث يدل على تقرير النبي صلى الله عليه وسلم للقيافة والاعتماد على القرائن وأنه أقر ذلك فكان ذلك دليلا على الجواز، وهذا التقرير بالاستحسان هنا، ومثله تقريره لإضاءة المساجد فإنه لم يكن يضيء في المسجد شيئا، حتى جاء تميم الداري من الشام ومعه غلمان له فأمرهم أن يجعلوا القناديل في المسجد فلما أظلم الليل أمرهم فأوقدوا القناديل فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى الضوء خارجا من المسجد فقال: من فعل هذا غفر الله له، فكان هذا استحسانا لما فعل تميم بن أوس الداري، وقد دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم سرورا بما فعل فدل هذا على إقرار الفعل وأنه جائز.

النوع الثاني من التقرير هو التقرير بالسكوت، أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم أو يسمع فعلا فيسكت عنه، لا يمدحه ولا يرده، فهذا يدل على الجواز، وذلك مثل أكل الضب على مائدته أكل خالد للضب على مائدته فقد سكت عنه، ولما سئل عن أكله قال: [لم يكن في بلاد قومي فأجدني أعافه] فلم يستحسن أكله بل كان يعافه، ولكن مع هذا سكت عنه، فكان هذا تقريرا بالسكوت، هنا فائدة لا يذكرها أهل الحديث ولا أهل الأصول لكن لا بد من التنبيه عليها في هذا الموضع وهي أن التقرير أيضا ينقسم في الأصل إلى قسمين تقرير الله وتقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتقرير الله أن لا يأتي حكم شرعي من عند الله بتحريم أمر يفعل في وقت التشريع، أن يفعل فعل في وقت التشريع فلا يأتي نهي عنه من عند الله تعالى، إذا فعل الصحابة فعلا فلم يرد من عند الله وحي بتحريمه فهذا يدل على الجواز لأنه تقرير الرب جل وعلا، وإذا كان تقرير النبي صلى الله عليه وسلم يدل على الإباحة فتقرير الله من باب أولى، ومثال هذا حديث جابر [كنا نعزل والقرآن ينزل] فالعزل فعل كان الصحابة يفعلونه في وقت نزول الوحي قد لا يطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقال إنه أقره أو رفضه لأنه مما يفعله الإنسان في بيته مع أهله، ولا يمكن أن يفعله بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، لكن قال: كنا نعزل والقرآن ينزل معناه أن الله أقرهم على ذلك إذ لو كان حراما لنزل الله الوحي بتحريمه، كما أنزل الوحي من قبل بتحريم غشيان الأهل في ليلة الصيام بعد النوم، ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم، فهذا فعل لا يطلع عليه إلا الرجل وأهله، وقد جاء الوحي به، فكذلك العزل لما لم يأت الوحي بتحريمه دل ذلك على جوازه، بالنسبة للضب هو حيوان يسكن في الكدى، وهو من ذوات الأربع، وله ذنب طويل، وهو شديد الشكيمة والقوة، ويضرب به المثل في اجتناب الماء، لا يشرب أبدا، ولحمه شديد مثل لحوم الإبل وآكله يقوى من تعود كثرة أكله يقوى وأيضا يقسو قلبه، ويضرب به المثل في اجتناب الماء والصبر عنه ولذلك قال أبو الطيب المتنبي:

تذكره البيداء ظل السرادق
وأبدى بيوتا من أداحي النقانق
وآلف منها مقلة للودائق

 

توهمها الأعراب سورة مترف
فهاجوا كأهداف الفلا من نجومه
وأصبر عن أمواهه من ضبابه

وأصبر عن أمواهه من ضبابه، (ينكال الظب بالحسانية أسم الظب).

السنة في اصطلاح الفقهاء تطلق على صفة الحكم الشرعي المأمور به أمرا غير جازم بحيث يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه،

صفة الحكم فهي صفة للفعل يوصف بها الفعل فيقال هاتان الركعتان سنة وسجدتا السهو سنة، والسورة بعد الفاتحة عند المالكية سنة، وهكذا، هذا النوع يسمى سنة، ما معنى سنة، صفة لهذا الفعل، صفة للفعل الشرعي المأمور به أمرا غير جازم، وكون الأمر غير جازم يعرف بالقرائن الأخر وهي ثلاث وثلاثون قرينة تفصل في الأصول، فصفة الفعل الشرعي المأمور به أمرا غير جازم بحيث يثاب فاعله هذا معنى عدم الجزم، معنى عدم الجزم أنه يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، يثاب فاعله أي يستحق الثواب إلا لعارض خارجي كإن كان كافرا مثلا، أو ارتد عن الإسلام هذا لا يثاب، لكن ذلك لأمر عارض خارجي، بحيث يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه إذن هذه هي السنة عند الفقهاء، وتلاحظون الفرق الشاسع بين المصطلحين فالسنة لدى أهل الحديث كل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم.. كحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب عند الكعبة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر وعلى رأسه عمامة سوداء، على رأسه عمامة سوداء هذه سنة عند أهل الحديث لكن ليس معنى هذا أن اتخاذ عمامة سوداء يثاب فاعله لأن ذلك مصطلح الفقهاء، نعم لا ينوى الاقتداء به في هذا النوع لأن الاقتداء إنما يكون بما فيه تعبد، لكن فقط بنية المحبة أن يحب الإنسان ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا شيء آخر محبة النبي صلى الله عليه وسلم يثاب عليها الإنسان وهي شرط في الإيمان لقول النبي صلى الله عليه وسلم: [لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين]،

إذن هذا مصطلح الفقهاء، أما مصطلح الأصوليين فإنهم يطلقون السنة على ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير مما يصلح دليلا لحكم شرعي، ولاحظوا الفرق بين مصطلح أهل الحديث ومصطلح الأصوليين، فالأصوليون لا يطلقون السنة إلا على ما هو دليل لحكم شرعي لأنهم يعدون السنة في الأدلة الإجمالية، أهل الأصول عندهم أصول الفقه معناه أدلته الإجمالية، وأدلة الفقه الإجمالية هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال، فالكتاب المقصود به عندهم القرآن باقي التلاوة غير المنسوخ فالمنسوخ منه لا يصلح دليلا لحكم شرعي، المتواتر، فالشواذ لا تصلح عند أكثرهم دليلا لحكم شرعي، والسنة عندهم هي أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته التي تصلح دليلا لحكم شرعي، فلذلك لا يدخل في السنة عندهم ثناء النبي صلى الله عليه وسلم على أبي ذر: [ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر]، هذا سنة عند المحدثين، وليس سنة عند الأصوليين لأنه لا يؤخذ منه حكم شرعي، وكذلك حديث عائشة حديث أم زرع: جلس إحدى عشرة امرأة تعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبارأزواجهن شيئا فقالت الأولى: زوجي لحم جمل غث على جمل وعر لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل، هذا الحديث بطوله لا يؤخذ منه حكم شرعي من هذه القصة في أصلها، فلذلك لا يصلح هذا دليلا للأحكام الشرعية فلا يكون سنة عند الأصوليين إلا في آخره لما يتعلق بأصل التحديث بالقصص وما يتعلق بكشف أخبار الأزواج إذا كان ذلك في نطاق ضيق ولم تذكر أسماؤهم، يصلح دليلا لبعض المسائل لكن تفصيلات القصة ليست أدلة للأحكام الشرعية، إذن عند الأصوليين تختص السنة بالدليل، ما كان دليلا، فلا يدخل الأوصاف مطلقا، وصف النبي صلى الله عليه وسلم الخلقي أنه كان ربعة إلى الطول وكان أبيض مشربا ونحو ذلك من الأوصاف الخلقية {ما رأيت من ذي لمة سوداء في جبة حمراء أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم}، هذا الوصف الخلقي لا يصلح دليلا لحكم شرعي فلا يكون سنة عند الأصوليين، ومثل ذلك الوصف الخلقي: {خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي لشيء فعلته لم فعلت ولا لشيء تركته لم تركت} حديث أنس، كذلك حديث جابر {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس ما سئل شيئا قط فقال لا، إن كان عنده أعطى وإلا رد بميسور من القول}، وكذلك حديث ابن عباس {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن وكان يدارسه القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة}، هذا الحديث ليس سنة عند الأصوليين لأنه وصف للنبي صلى الله عليه وسلم، وأوصاف النبي صلى الله عليه وسلم كلها لا تدخل في السنة في  مصطلح الأصوليين إنما تدخل في السنة في مصطلح المحدثين،

هنا انتبهوا إلى أن كتاب أبي داود وهو السنن مختص بالسنة عند الأصوليين لأنه لم يورد فيه إلا أدلة الأحكام، فلم يورد فيه باب المناقب ولا فضائل الأنصار ولا فضائل المدينة ولا ما يتعلق بما أورده غيره ولا كتاب التفسير ولا كتاب التعبير تعبير الرؤى ولا كتاب الاعتصام بالسنة ولا كتاب التوحيد هذه تجدونها في صحيح البخاري وتجدونها في سنن الترمذي لكن لا تجدونها في سنن أبي داود، لماذا؟ لأن أبا داود ألف كتابه بقصد السنة عند الأصوليين، ولهذا كتب في رسالته إلى أهل مكة: هذا كتاب السنن جمعت لكم فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم كلها في الأحكام، كلها في الأحكام معناه كلها من أدلة الأحكام، بخلاف السنن الأخرى فسنن الترمذي كتاب الجامع كما سماه مؤلفه كتاب الجامع فيه كتاب الإيمان في أوله وبعد ذلك أبو داود أول ما بدأ به سننه دخول الخلاء، فأبو داود لا يتكلم في السنن إلا على أحاديث الأحكام، بخلاف الترمذي فأتى بأبواب الإيمان وأبواب العلم ثم بعد ذلك أبواب الطهارة حتى أتى على آخر ما أتى عليه في السنن، وفي آخره أتى بكتاب العلل يورد فيه الأحاديث التي فيها وقف أو انقطاع أو غير ذلك، فلاحظوا الفرق بين الكتابين، كتاب أبي داود سنن على مصطلح من؟ مصطلح الأصوليين، وكتاب الترمذي سنن على مصطلح من؟ على مصطلح المحدثين.

إذن هذا هو مصطلح الأصوليين.

المصطلح الرابع مصطلح أهل العقائد، فالسنة لدى أهل العقيدة تطلق إطلاقين، إطلاقا عاما وإطلاقا خاصا، فتطلق السنة في الإطلاق العام على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وما كان عليه الصحابة وما كان عليه التابعون في مجال الاعتقاد ويقابلها البدعة، فالبدعة هي ما أحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم وبعد الصحابة والتابعين في مجال الاعتقاد، كل قول في مجال الاعتقاد لم يكن لدى النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لهم بإحسان هذا يسمى بدعة وكل اعتقاد كان لديهم يسمى سنة، فمعناه مثلا نفي الرؤية الذين يزعمون أن الله لا يرى في الآخرة تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا قولهم سنة أو بدعة؟  بدعة، والقول مثلا أن القرآن ليس كلام الله أو أنه مخلوق هل هذا سنة أو بدعة؟ هذا بدعة، معناه إذن أن السنة هي ما كان لدى النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين من الاعتقاد، وكل أقوال الناس المحدثة هي البدعة، لأنها هي التي تقابل السنة بهذا الإطلاق، فالسنة إذن تقابلها البدعة كما أن الإيمان يقابله الكفر، وقد جمع بينهما حسان بن ثابت رضي الله عنه في قوله: 

قد بينوا سنة للناس تتبع
تقوى الإله وبالأمر الذي شرعوا
إن الخلائق فاعلم شرها البدع

 

إن الذوائب من فهر وإخوتهم
يرضى بها كل من كانت سريرته
سجية تلك منهم غير محدثة

فهنا أثنى حسان على السنة وذم البدعة فدل هذا على أن السنة تقابلها البدعة، وكذلك كان مالك رحمه الله كثيرا ما يقول:

وشر الأمور المحدثات البدائع

 

فخير أمور الدين ما كان سنة

فهذا جعل البدعة مقابلة للسنة، أما الإطلاق الخاص فإن السنة تطلق على غير الشيعة، ويقابل هذا الإطلاق الشيعة، فيقال أهل السنة إطلاق عام يشمل من كان ملتزما ومن كان فاسقا ومن كان صحيح الاعتقاد ومن كان فاسد الاعتقاد لكن يخرج أهل الشيعة، وهذا الإطلاق عند بعض الناس أيضا يخرج الخوارج، فيجعلها بهذا الاعتبار اصطلاحا سياسيا لأن المذاهب في الصدر الأول، المذاهب السياسية في الصدر الأول كانت ثلاثة: المذهب الأول الذين حصروا الخلافة في أسرة واحدة هي أسرة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهؤلاء هم الشيعة، هذا المذهب الأول، والمذهب الثاني الذين عمموا الخلافة في المسلمين جميعا وهذا مذهب الخوارج، والمذهب الثالث وهو المتوسط وهو الذي حصر الخلافة في قبيلة واحدة هي قريش وهذا مذهب أهل السنة، فإذن هذا الاصطلاح وهو اصطلاح السنة على ما يقابل الشيعة والخوارج بالخصوص اصطلاح سياسي لكن ينقله أهل العقائد، ولم يؤلف الناس قديما في السياسة تأليفا مستقلا حتى يقال: السنة في مصطلح أهل السياسة، فإذن هذا مصطلح عند أهل العقائد وهو غير المصطلح السابق، فالمصطلح الأول أن السنة تقابلها البدعة، والمصطلح الثاني أن السنة تقابلها الشيعة أو الخوارج.

الإطلاق الخاص يطلق أهل السنة على الذين يرون أن إمامة أبي بكر صحيحة وأن إمامة عمر صحيحة وأن إمامة عثمان صحيحة وأن إمامة علي صحيحة، من اعتقد أن إمامة الخلفاء الأربعة صحيحة فهو من أهل السنة بهذا الإطلاق، فالشيعة يرون أن إمامة أبي بكر وعمر وعثمان غير صحيحة وأن إمامة علي وحده هي الصحيحة، والخوارج يرون أن إمامة أبي بكر وعمر صحيحة، وأن إمامة عثمان وعلي غير صحيحة، عكس ما سبق،

إذن انتهينا من مصطلحات السنة الأربعة.

فيه أحد يذكرنا بالمصطلحات سريعا يقول لنا فقط كم هي المصطلحات، المصطلح الأول مصطلح من؟ أهل الحديث، المصطلح الثاني.. الفقهاء، المصطلح الثالث... مصطلح الأصوليين، المصطلح الرابع.. مصطلح أهل العقائد، بارك الله فيكم،

ما هو الحديث؟

الحديث في اللغة: هو الكلام سواء كان مفيدا أو غير مفيد، فمن إطلاقه على المفيد قول الله تعالى: {فبأي حديث بعده يؤمنون} وقوله تعالى: {ومن أصدق من الله حديثا} وقوله تعالى: {أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون} فالحديث هنا مفيد وهو كلام الله، ومن إطلاق الحديث على غير المفيد قول الشاعر:

لم يجن قتل المسلم المتحرز
ود المحدث أنها لم توجز

 

وحديثها السحر الحلال لو أنه
إن طال لم يملل وإن هي أوجزت

بالنسبة لطلاب الحديث أهم ما يخصصهم ويميزهم عن سواهم الحفاظ على الشكل والضبط، وذكرنا لهذه الشواهد اللغوية وإن كانت في ظاهرها غير مفيدة لكنه من سنة أهل الحديث وكانوا يسمونه الإحماض، فإذا حدث المحدث سردا بستين حديثا لا بد أن يقطع فيحدث بأبيات من الغزل أو النسيب أو نحو ذلك فيقولون أحمض لنا، أحمض لنا معناه حدثنا بما يزيل الملل حتى تقبل القلوب من جديد على الحديث،

فهنا قال: وحديثها السحر الحلال حديثها أي كلامها والمقصود به غير المفيد طبعا فهذا إذن هو الحديث في اللغة ويطلق أيضا الحديث في اللغة على غير القديم، فيقال هذا شيء قديم وهذا بعده حديث، فالحديث إذن تقابل القديم، فإذن هذا هو معنى الحديث في اللغة، أما معنى الحديث في الاصطلاح فهو يطلق على أمرين الأمر الأول أقوال النبي صلى الله عليه وسلم أي السنن القولية وحدها وهذا الذي يسمى لدى الآخرين بالأحاديث القولية، لأن الحديث في الأصل الكلام كما ذكرنا، فأفعال النبي صلى الله عليه وسلم وتقريراته وأوصافه ليست من كلامه، فإطلاق الحديث عليها مجاز، فالحديث بإطلاقه الأول يطلق على الحقيقة، والحقيقة أقوال النبي صلى الله عليه وسلم لأنها من حديثه الذي تحدث به إلى الناس أما وصف الناس له أو ذكرهم لأفعال فعلها: [قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم] ونحو ذلك فهذا من أفعاله وهو من حديث جابر وليس من حديثه صلى الله عليه وسلم، إذن الاصطلاح الأول أن الحديث يطلق على أقوال النبي صلى الله عليه وسلم فقط، في مصطلح أهل الحديث والثاني أيضا في مصطلح أهل الحديث، فالحديث هذا لفظ مختص بأهل الحديث لا تستعمله العلوم الأخرى، الإطلاق الثاني إطلاق الحديث على ما يرادف السنة، أي إطلاقه على كل ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم فيكون مرادفا للسنة، الإطلاق الأول يجعل الحديث أخص من السنة لأن السنة تشمل الأقوال والأفعال والتقريرات والأوصاف الخلقية والخلقية، والإطلاق الثاني يجعل الحديث مساويا للسنة، فيشمل الأقوال والأفعال والتقريرات والأوصاف،

الإطلاق الأول يختص بالأقوال، والإطلاق الثاني يشمل الأقوال والأفعال والتقريرات والأوصاف، نعم كلاهما لأهل الحديث، لكن الإطلاق الأول أخذ به القدماء ثم ترك لدى المتأخرين فأكثر الإطلاقات لدى المتأخرين هي الإطلاق الأخير، وهو الذي يجعل الحديث مرادفا للسنة فيشمل الأقوال والأفعال والتقريرات والأوصاف،

إذن نتجاوز الحديث ونصل إلى الخبر، الخبر في اللغة ما يقبل الصدق والكذب، وجمعه أخبار ومنه قول الشاعر:

وواش أتاها بي وواش لها عندي
بجد القوافي والمسومة الجرد
وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي

 

وإني على طول التجنب والنوى
لأحسن رم الوصل من أم جعفر
وأستخبر الأخبار عن نحو أهلها

وأستخبر الأخبار معناه أسأل عن الخبر حتى يقص علي، والخبر هو ما يقبل الصدق والكذب... الأخبار عن نحو أهلها عن جهة أهلها وأسأل عنها الركب عهدهم عهدي، أي الركب الذين جاءوا معه في نفس الرفقة يسألهم عن الخبر وهو عهده كعهدهم،

والخبر في الاصطلاح له إطلاقات الإطلاق الأول على ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأقوال والأفعال والتقريرات فكل ذلك يخبر به المخبر عنه، السنة كلها، الأقوال والأفعال والتقريرات والأوصاف أليس يخبر بها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فمثلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا هذا كله خبر عنه، فالخبر إذن يطلق على الأقوال لأن المحدث يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويطلق على الأفعال لأن المحدث يقول فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو نهى عن كذا أو قضى بكذا ويطلق على التقريرات سكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كذا أو فعل كذا بين يديه فسكت عنه، ويطلق على الأوصاف {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربعة القامة مائلا إلى الطول}، أو {كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حسن الخلق} أي وصف من الأوصاف سواء كانت خلقية أو خلقية، فهو داخل في الخبر، إذن الخبر يشمل كل ما يحدث به الإنسان عن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يخبر عنه، وهذا الخبر لا يختص بالصحيح عنه لأن الخبر قابل للصدق والكذب، إذن الخبر مرادف للسنة بهذا المعنى.

هذان الإطلاقان كلاهما لأهل الحديث، الإطلاق الثاني للخبر أعم من سابقه، فيجعله يشمل ما أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم وما أثر عن الصحابة وما أثر عن التابعين لهم بإحسان، فكل ذلك يسمى خبرا، وهذا الإطلاق هو المشتهر على الألسنة، فيكون الخبر أعم من السنة، لأن السنة مختصة في الإطلاق المشهور بما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم أما الخبر بهذا الإطلاق الثاني فكل ما أثر كل ما يرويه الناس يسمى خبرا كالتواريخ والقصص والغزوات والفتوحات التي جاءت بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأخبار بني أمية وأخبار العباسيين كل ذلك يسمى خبرا، لكن يميز الخبر الرواية أنه مروي، فما ارتبط بإسناد يسمى الخبر، أما ما ذكر من غير إسناد فلا يدخل في مسمى الخبر،

................................................................................

تفضل... أتباع التابعين هم من التابعين لهم بإحسان فهذه الطبقات سنذكرها إن شاء الله، سنذكر اثنتي عشرة طبقة للرواة، اصبروا الكتاب ما زال طويلا سنأتي بطبقات المحدثين وهي اثنتى عشرة طبقة وسنبينها إن شاء الله، وستمتحنون فيها إن شاء الله، تفضل أنس... والتقريرات والأوصاف، هو الحديث لكن على الإطلاق الثاني للحديث، نعم إذن الخبر هنا مثل الحديث والسنة في أمر واحد يجمع هذه المصطلحات الثلاثة ما هو؟ هو الرواية، أن الجميع فيه رواية، تفضل فيه أمر ثاني، الأمر الثاني أن الجميع منسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالسنة لا تكون إلا فيما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم والحديث كذلك والخبر كذلك، أما الأثر فهو خارج عن هذا،

فالأثر سبق البارحة أن شرحناه في اللغة، فما هو؟ ما يتركه الإنسان وراءه، فيشمل ذلك أثره في الأرض وما يتركه من الأعمال التي تكون أثرا له، {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم} آثارهم معناه ما تركوه وراءهم، فهمتم، فإذن الأثر في اللغة ما يتركه الإنسان وراءه فيشمل ذلك أفعاله وأملاكه وما يتعلق به، وهو في الاصطلاح ما روي عمن دون النبي صلى الله عليه وسلم ما روي عن الصحابة وما روي عن التابعين وما روي عن أتباع التابعين يسمى أثرا ولا يسمى خبرا ولا حديثا ولا سنة في الاصطلاح الأشهر، فإذن الآثار ما معناها؟ الآثار معناها ما روي عن الصحابة والتابعين وأتباعهم، ولذلك فأبو يوسف صاحب أبي حنيفة له كتاب اسمه كتاب الآثار، كل ما فيه أحاديث موقوفة عن الصحابة، أو آثار مقطوعة عن التابعين وليس فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك محمد بن الحسن الشيباني له كتاب الآثار وهو مشهور جدا وكل ما فيه كذلك آثار، وكذلك فإن ابن حزم سمى كتابه المحلى بالآثار معناه أنه ينقل مذاهب الصحابة والتابعين يحليه بها، فيذكر فيه الآثار وكذلك فإن الطحاوي ألف كتابا سماه شرح معاني الآثار شرح معاني الآثار ينقل فيه مذاهب الصحابة والتابعين وأتباع التابعين ويستدل لها من الحديث المرفوع، فإذن الأثر في الأصل منسوب إلى الصحابي أو إلى التابعي أو إلى أحد أتباع التابعين لكن بقيد الرواية، لا بد أن يكون مرويا، فالآثار إذن مرويات لكن لم ترفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، نعم.. أقوال الأئمة إذا جاءت بالإسناد، فمثلا إذا أخرج البخاري في الصحيح عن قتيبة بن سعيد عن مالك أنه قال كذا من قول لمالك فهذا يسمى أثرا وكذلك إذا أخرج البخاري في الصحيح عن ابن وهب عن الليث بن سعد، مثلا، هذا يسمى أثرا وكذلك إذا روى أحمد مثلا عن عبد الله بن لهيعة عن الليث بن سعد فهذا يسمى أثرا كذلك إذا روى النسائي في السنن عن الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس فهذا يسمى أثرا وهو موقوف على مالك، واضح الآن الكلام، إذن بهذا... نعم لا لا سيأتينا التعليق، التعليق مصطلح ثان يتعلق بالانقطاع وسيأتينا إن شاء الله، نحن فقط نتكلم في هذه المصطلحات الأربع، الليلة.

...............................................................................

هنا تقسيمات لا بد منها هي أولا: عرفتم هذه المصطلحات الأربع جملة وسنحاول الآن إلمامة خفيفة بتفصيلاتها، فأنتم تعرفون القرآن جملة، القرآن ما هو؟ كلام الله المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته باقي التلاوة، مفرده ما هو: السورة مثلا وداخل السورة الآيات، فهذا المصطلح الفردي للوحدات، السنة والحديث والخبر والأثر مفرداتها ما هي؟ بالنسبة للسنة، السنة فيها التاء والاسم إذا كان مختوما بالتاء فإنه لا يمكن أن تكون منه الوحدة لأن التاء تدل على الوحدة في الأصل، فلذلك يقال للجميع سنة ويقال للحديث الواحد سنة، عند فلان في الموضوع الفلاني سنة، أخرج فلان عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة في كذا، هذا يطلق على الحديث الواحد، وتطلق السنة أيضا على الجميع، والحديث اختلف فيه أهل الحديث فقالت طائفة يطلق الحديث على كثيره وقليله، فالحديث \"أل\" التي فيه جنسية فتشمل الكثير والقليل، وقالت طائفة أخرى بل مفرده أحدوثة، والراجح الأول أن الأحدوثة لا تطلق إلا على الكلام التافه، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم مصون عن ذلك، ولذلك يقول الشاعر:

إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها

 

من الخفرات البيض ود جليسها

فالأحدوثة هنا لا يقصد بها المفيد من الكلام إنما يقصد بها الكلام التافه، لأن أفعولة في اللغة تدل على الأمور التافهة، كأكذوبة وأعجوبة وأضحوكة ونحو ذلك، فأفعولة في الأصل تدل على التافه.

الخفرات المتصفات بالخفر وهو الحياء، أي من ذوات الحياء، فالخفر الحياء، فإذن الحديث الراجح فيه أن مفرده حديث لا أحدوثة، كذلك الخبر فإن مفرده كجمعه، إلا أنهم يجمعونه فيقال الأخبار، ومفردها خبر، وكذلك الأثر فجمعه آثار ومفرده أثر، هنا أمر آخر وانتبهوا له جيدا، كيف نعرف الواحد أو الجزء أو الوحدة من الحديث، الوحدات القياسية في القرآن لا تعرف السورة و لا الآية إلا بتوقيف من الله تعالى، في الحديث كيف نعرف أن هذا حديث واحد أو اثنين أو ثلاثة والمسألة فيها ثلاثة أقوال انتبهوا لها جيدا، القول الأول أن الحديث كل جملة قائمة بنفسها، ولو كانت داخل حديث في المسند تكون حديثا وحدها فتجوز روايتها وحدها، فمثلا أخرج البخاري في الصحيح من حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله المعطي ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك] هذا القول الأول يقتضي أن هذا ثلاثة أحاديث، الحديث الأول: {من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين} فيجوز لك أن تحدث به على أنه حديث كامل عن النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث الثاني: [إنما أنا قاسم والله المعطي] فيجوز لك أن تحدث بهذه الجملة على أنها حديث كامل عن النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث الثالث: [لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك] فتجعل هذا حديثا مستقلا،

القول الثاني: أن الحديث هو ما حدث به النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس واحد، فلو حدث في مجلس واحد بخطبة طويلة تعتبر حديثا واحدا، ومثلا بهذا يكون حديث معاوية السابق حديثا واحدا، ويكون حديث عمر هذا حديثا واحدا فلا يمكن الاختصار منه ، إذن هذا القول كسابقه يرجع تفصيل الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يتدخل فيعين لنا الحديث إما أن يعرف من كلامه إذا كان جملة قائمة بنفسها، أو يحدث به في مجلس واحد فإذا سكت كان ذلك حديثا وانتهى.

القول الثالث أن الحديث هو ما ساقه الراوي بإسناده، أي كلما اتفق مساقه ساقه الراوي فأتى به بسنده يكون حديثا، ولو كان ذلك في مجالس كثيرة من مجالس النبي صلى الله عليه وسلم ، فمثلا حديث جابر بن عبد الله في حجة الوداع شمل خمسة عشر يوما من حياة النبي صلى الله عليه وسلم روى جابر أكثر أفعال النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله فيها، هل هي جميعا في مجلس واحد؟ خمسة عشر يوما ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم فيها وما فعله ما تذكر منه جابر ساقه جميعا، وكذلك حديث إسلام أبي ذر الطويل في صحيح البخاري وكذلك حديث الإفك الذي حدثت فيه عائشة بخمسين يوما فتر فيها الوحي لم يأت فيها وحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، الحديث شمل فترة طويلة، حديث خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني المصطلق غزوة المريسيع وفيه حديث العقد وفيه التيمم، وفيه حديث الإفك وفيه قصة الإفك وفيه نزول سورة النور عشر آيات من سورة النور ببراءة عائشة إلخ هذا حديث واحد، على هذا القول، لأن الراوي ساقه مساق الحديث الواحد حين ذكر له إسنادا واحدا، هنا افهموا أن هذا القول الثالث يجعل تجزئة الحديث إلى الراوي لا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، القولان الأول والثاني يجعلان تجزئة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والقول الثالث يجعل تجزئة الحديث إلى الراوي، واضح الآن مفهوم، نعم هذا الآن افهموه جيدا فسيترتب عليه كثير من الأمور ولن تجدوه بهذا التفصيل في كتب الحديث أبدا، لن تجدوه في كتب المصطلح،

إن شاء الله  

يتبع


عدد مرات القراءة : 5867



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22883569
المتواجدون الأن       15
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو