» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر الشريط الرابع




 

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله و أصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد فيقول الحافظ رحمه الله: \" الخبر إما أن يكون له طرق بلا عدد معين أو مع حصر بما فوق الإثنين أو بهما أو بواحد\" بدأ رحمه الله هنا تقسيم الحديث باعتبار عدد الناقلين، وقد سبق أن هذا التقسيم ينقسم به الحديث تقسيمين التقسيم الأول باعتبار عدد الناقلين في كل طبقة، والتقسيم الثاني باعتبار عدد الطبقات، فبدأ بتقسيم الحديث باعتبار عدد الناقلين في كل طبقة فقال إما أن يكون له طرق والمقصود بالطرق الأسانيد وهي جمع طريق والطريق في الأصل السبيل المسلوك والمقصود به في الاصطلاح الناقلون للحديث الذين رووه حتى وصلوه إلى منتهاه، ومنتهاه إن كان مرفوعا هو النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان موقوفا هو الصحابي وإن كان مقطوعا هو التابعي ومن دونه، والجميع له طرق وهذه الطرق قد تتعدد وقد تنفرد، فإن كان الراوي في طبقة من الطبقات واحدا فإن الطريق واحد وإن تعدد الناقلون في طبقة من الطبقات فباعتبارهم تتعدد الطرق، ومن هنا فإذا حدثتكم الآن بحديث فسمعه جميع الحاضرين فلهذا الحديث مثلا مائتا طريق لأن كل جالس هنا هو طريق للرواية وسيروي عنه مثلا واحد فيكون الجميع يرجع إلى مائتي طريق، أما إذا سمع الحديث فقط عدد يسير منكم فإن عدد الطرق نقَصَ، وكذلك إذا سمعه واحد فإن للحديث طريقا واحدا، وإذا سمعه اثنان فإن للحديث طريقين، وإذا سمعه ثلاثة فللحديث ثلاث طرق، \"إما أن يكون له طرق\" أي أسانيد \"بلا عدد معين\" أي غير محصورة في عدد معين وهذا هو الاحتمال الأول وهو الذي يسمى بالمتواتر، بلا عدد معين أي غير محصورة، \"أو مع حصر\" أي كانت محصورة \"بما فوق الإثنين\"، أي بثلاثة فصاعدا، \"أو بهما\" أي بالاثنين \"أو بواحد\" فقط، \"فالأول\" وهو الذي لا يحصر عدد طرقه \"المتواتر\"، والمتواتر له حكمان حكم من جهة العلم وحكم من جهة العمل أما حكمه من جهة العلم فهو أنه يفيد العلم اليقيني القطعي، فالمتواتر إذن لا يحتاج فيه إلى البحث في تراجم الرواة ولا في تزكيتهم وعدالتهم لأنه يحصل العلم بذاته فتوقن أنه صحيح فلذلك لا يحتاج فيه إلى البحث فلهذا قال: \"المفيد العلم اليقيني\"، هذا حكمه من ناحية العلم أنه يفيد العلم اليقيني، أما من ناحية العمل فإنه يوجب العمل كذلك، فإذن يجب العلم به ويجب العمل به، فالعلم به يقيني والعمل به واجب، فهذا هو حكم المتواتر \"المفيد العلم اليقيني بشروطه\" أي بشروط التواتر \"والثاني وهو الذي انحصرت طرقه فيما فوق الاثنين المشهور\" فالمشهور انفرد به ثلاثة فصاعدا ولو في طبقة واحدة من الطبقات، فلذلك قال: \"أو مع حصر بما فوق الاثنين\" وقال والثاني المشهور، أي المنحصر طرقه بعدد محصور فوق الاثنين فهو الذي يسمى بالمشهور، \"وهو المستفيض على رأي\" معناه وقد ذهب بعض أهل الحديث إلى أن المشهور والمستفيض على السواء فيكونان مستويين أي أن المشهور اسم للمستفيض وعلى هذا فالمشهور والمستفيض قسم واحد، ومقابل هذا القول قول الجمهور بالتفريق بينهما وأن المشهور أكثر طرقا من المستفيض، وأن المستفيض دونه، \"وهو المستفيض على رأي\" \"والثالث العزيز\" والثالث وهو الذي انحصرت طرقه في اثنين ولو في طبقة واحدة من الطبقات، إذا انفرد بروايته اثنان في طبقة من الطبقات فهو العزيز وقد سبق أن العزيز في اللغة يطلق على أمرين يطلق على النادر ويطلق على القوي، فإذن العزيز له معنيان النادر لندرة هذا في الحديث والقوي لأن الراوي قد عزز بثان آخر، \"وليس شرطا للصحيح على الصحيح خلافا لمن زعمه\" وليس أي العزيز أي ليس أن يكون للحديث في كل طبقة راويان شرطا للصحيح على الصحيح، فلا يشترط في الصحيح التعدد في رواته جميعا من أول الإسناد إلى آخره، لماذا\" للفرق بين الشهادة والرواية، فقد سبق أن الرواية إذا حصل فيها الاتصال والعدالة ولم يقع فيها الشذوذ ولا التعليل وكان الرواة جميعا أهل ضبط فهي صحيحة كحديث عمر إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فتصح الرواية وهذا بخلاف الشهادة فالشهادة لا بد فيها من التعدد، لا بد فيها من خبر اثنين في كل طبقة من الطبقات، \"خلافا لمن زعمه\"، وهو الحاكم النيسابوري أبو عبد الله، وقد سبق ذكر ذلك أن الحاكم شرط أن يكون الصحيح له طريق أخرى، أي لا ينحصر في طريق واحد وهذا القول الذي قاله مردود فلذلك قال: \"خلافا لمن زعمه\" أي خلافا للحاكم النيسابوري، \"والرابع الغريب\" والرابع وهو الذي انفرد به واحد فانحصرت طرقه بواحد، قال: \"أو بهما أو بواحد\" إذا انحصرت طرق الحديث في درجة من درجات الإسناد ورتبة من رتبه في واحد يسمى هذا الحديث؟ غريبا، \"وسوى الأول آحاد\"، الأول وهو المتواتر ليس من خبر الآحاد، والأقسام الأربعة الأخرى المشهور والمستفيض والعزيز والغريب تسمى آحادا، وفيها المقبول والمردود، بالنسبة للمتواتر كله مقبول لأنه قد سبق أنه يفيد العلم اليقيني، فذلك كله مقبول لا يستطيع أحد أن يرد منه شيئا وأما غير المتواتر وهو الآحاد جميعا سواء كانت مشهورة أو مستفيضة أو عزيزة أو غريبة فيها المقبول والمردود، فالمقبول يشمل قسمين يشمل الصحيح والحسن والمردود هو الضعيف بجميع أقسامه، \"وفيها المقبول والمردود\"، فالمقبول قد يفيد العلم اليقيني لكنه ليس بذاته بل بالقرائن المحتفة به، ويفيد العمل قطعا فهو دائما يفيد العمل لكنه قد يفيد العلم وقد لا يفيده والمتواتر سبق أنه يفيدهما معا دائما، أما الآحاد فإنه يفيد العمل إذا كان مقبولا وقد يفيد العلم أيضا إذا احتفت به القرائن المقتضية لذلك، وأما المردود و هو الضعيف فلا يفيد علما ولا عملا، \"لتوقف الاستدلال بها على البحث عن أحوال رواتها\" أي سبب انقسام الآحاد إلى مقبول ومردود أن العلم الذي تفيده يتوقف على البحث في أسانيدها فالإسناد نسب الحديث ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، فلذلك يتوقف التصحيح والتضعيف في الآحاد على البحث عن ناقليها وصفتهم، \"لتوقف الاستدلال بها\" أي بالآحاد بأقسامها الأربعة \"لتوقف الاستدلال بها\" على البحث عن أحوال رواتها وهذه الأحوال ستحيلنا إلى ثلاثة أقسام إلى صحيح وحسن وضعيف فإن كانت أحوال الرواة على أكمل الوجوه فهذا الصحيح وإن كانت على أوسطها فهذا الحسن، وإن كانت نازلة فهذا الضعيف بأقسامه المختلفة، \"دون الأول\" أي بخلاف الأول وهو المتواتر فلا يحتاج إلى البحث في إسناده فأنت الآن إذا حدثك عدد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب بأمر من الأمور فإنك ستقتنع به ولو كان المخبرون نصارى أو يهودا أو كفارا فسيحصل لديك العلم، فلذلك فإن العلم حاصل لديكم الآن بوجود البيت الأبيض الأمريكي مثلا وهو متواتر لديكم جميعا هل رأيتموه؟ أبدا، أكثركم لم يره لكن كيف حصل هذا العلم إنما هو بخبر العدد الذين تحيل العادة تواطؤهم على الكذب ولو كان فيهم غير العدول وغير المسلمين أصلا، \"وقد يقع فيها ما يفيد العلم النظري بالقرائن على المختار\" وقد يقع فيها أي في هذه الأقسام المذكورة وهي المشهور والمستفيض والعزيز والغريب، ما يفيد العلم النظري، فالمتواتر يفيد العلم الضروري، والضروري هو ما لا يحتاج فيه إلى البحث، والنظري هو ما يحتاج فيه إلى البحث، فالنظري يحتاج صاحبه إلى التأمل، والضروري لا يحتاج صاحبه إلى التأمل، وهذا اصطلاح منطقي وهو التفريق بين الضروري والنظري، فالضروري لدى المناطقة هو ما لا يحتاج فيه إلى التأمل، والنظري هو ما احتاج إلى التأمل:

وغيره هو الضروري الجلي

 

والنظري ما احتاج للتأمل

فعند أهل المنطق الضروري مثلُ: أن الواحد نصف الإثنين، فإن العلم الحاصل بذلك لا يحتاج فيه إلى تأمل لسبق الذهن إليه، لأنه من مبادئ العقول وهي الأوليات، ومثلها المشاهدات إذا رأيت إنسانا قائما فإنك لا تفكر هل فعلا فلان قائم لأنك أنك أنأنك تراه مباشرة إذا سمعت صوته فإنك تعلم أن هذا صوت فلان ولا تحتاج إلى التأمل، فالمحسوسات كلها من الضروريات التي لا تحتاج إلى التأمل، ومثلها الأوليات ونحو ذلك، بخلاف النظريات وهي ما يحتاج فيه إلى التأمل مثل كون الواحد ربع عُشُر الأربعين، وهو صحيح كما أن الواحد نصف الإثنين تماما، لكنه يحتاج صاحبه إلى التأمل، لا تستطيع أن تفهمه وتستوعبه إلا بالتأمل، فتفهم أن الأربعين ربعها عشرة وأن الواحد عشر العشرة، ومثل ذلك أن الواحد نصف سدس اثنا عشر فاثنى عشرة سدسها اثنان، ونصف الاثنين واحد، فهذا أيضا نظري والنظري يتفاوت بتفاوت درجات العلم، فالواحد نصف سدس اثني عشر هذا يمر بمرتبتين فقط المرتبة الأولى أنك عرفت أن سدس اثني عشر اثنان، والمرتبة الثانية أن الواحد نصف اثنين، أما المثال السابق وهو أن الواحد ربع عشر الأربعين فهذا يحتاج إلى ثلاث مراتب كما سبق، فإذن الفرق بين هذين المثالين يرجع إلى اختلاف درجات النظري في التأمل، \"وقد يقع فيها ما يفيد العلم النظري بالقرائن\"، كيف يكون العلم الحاصل بأخبار الآحاد نظريا؟، كيف يحصل بها العلم النظري؟ إذا احتفت بالقرائن، فمثلا إذا أخرج الحديث مالك في الموطإ عن نافع عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا الحديث مجزوم بصحته، ومع ذلك هو من أخبار الآحاد، لكنه مجزوم بصحته لأنه احتف بالقرائن المقتضية لحصول الثقة به، فهذا الإسناد هو سلسلة الذهب، ولذلك قال يحيى بن يحيى التميمي رحمه الله لأبي زرعة رحمه الله حين سأله عن حديث عمن هذا الحديث؟ قال يا أبا زرعة ليس هذا زعزعة عن زوبعة، إنما هو مالك عن نافع عن ابن عمر ليس بينك وبين النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن ترفع الستر فتراه، فهذا يحصل به العلم النظري، ومثل ذلك ما أخرجه البخاري و مسلم في الصحيحين إذا كان الحديث متفقا عليه فقد تجاوز القنطرة كما قال أهل الحديث، والقنطرة هي الجسر الذي يكون على النهر، وما تجاوزه أي عبر إلى جهة الصحة لا يُحتاج بعد ذلك إلى البحث فيه، فما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحن احتفت به قرائن تقتضي الثقة به، فيكون محصلا للعلم النظري بسبب القرائن التي احتفت به، فلذلك قال: \"بالقرائن على المختار\" هذا هو مذهب جمهور أهل الحديث وأهل الأصول وخلافه هو ما ذهب إليه بعض المتكلمين من أن أخبار الآحاد لا يؤخذ بها في العقائد لأنها عندهم لا تفيد العلم مطلقا، ولو احتفت بالقرائن، لكن ذالك القول ضعيف و لهذا قال على المختار، فالقول المختار هو مذهب الجمهور وأنه يحصل بها العلم، \"ثم الغرابة إما أن تكون في أصل السند أو لا\" والغرابة هي الانفراد، أن تكون طرق الحديث محصورة في واحد، فهذا الواحد الذي ينحصر فيه إسناد الحديث إما أن يكون في أول الحديث، وذلك بالصحابي فلم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا صحابي واحد، فهذا الانفراد في أصل السند أصل السند معناه بدايته، انحصرت طرق الحديث في واحد وهو أول الإسناد أي أصله الراوي عن النبي صلى الله عليه وسلم فهذا يسمى بالفرد المطلق، وإذا حصلت الغرابة دون ذلك فرواه عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنان لكن رواه عن الاثنين واحد مثلا، أو رواه عنهم عدد لكن انفرد بعد ذلك به واحد فهذا يسمى بالفرد النسبي، فأصل الإسناد غير منفرد ولكنه حصل الانفراد فيه فيما بعد، فهذا يسمى بالفرد النسبي، فلذلك قال: \"ثم الغرابة إما أن تكون في أصل السند أو لا، فالأول الفرد المطلق\"، فالأول أي ما انفرد به صحابي واحد عن النبي صلى الله عليه وسلم هو الفرد المطلق \"والثاني الفرد النسبي\"، والنسبي منسوب إلى النسبة أي بالنسبة لغيره، فالمقصود بذلك أنه غريب بالنسبة لغيره، وإن كان قد رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم عدد لكن رجع العدد إلى واحد في طبقة من الطبقات، فالتعدد قد يقع متأخرا وقد يقع في أول الإسناد، حديث عمر الذي سبق ذكرنا أنه انفرد به بشرط اللفظ والصحة عمر بن الخطاب وانفرد به عن عمر بالشرطين السابقين علقمة ابن وقاص، وانفرد به بالشرطين السابقين عن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي وانفرد به بالشرطين السابقين عن محمد بن إبراهيم التيمي يحيى بن سعيد ثم رواه عن يحيى سبعمائة نفس كما قال الحفاظ، فإذن كان الانفراد في الطبقات الأولى من الإسناد ثم تعدد بعد ذلك، والعكس صحيح قد يكون الحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنان مثلا، ثم يرجع إسناده إلى واحد رواه عنهما معا، قال: \"ويقل إطلاق الفردية عليه\" يقل إطلاق الفردية على الفرد النسبي، فأكثر إطلاق الفردية والغرابة على الفرد الحقيقي الذي انفرد به صحابي واحد، أما ما دون ذلك فيقل إطلاق الفرد عليه لقلة وجوده أصلا في كتب الحديث، ومع هذا فلديهم أنواع أخرى من الأفراد مثل أفراد القبائل وأفراد الأمصار فمثلا حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيما يرويه عن ربه عز وجل: [يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه]، هذا الحديث من أفراد أهل الشام، فلم يروه إلا الشاميون عن أبي ذر، فقد انفرد به أبو إدريس الخولاني ورواه عنه عدد من أهل الشام، فكان من أفراد أهل الشام، فروايته إذن محصورة في أهل الشام أبو إدريس الخولاني إمام من أئمة أهل الشام، يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا، هذا أول الحديث فهذا الحديث من أفراد أهل الشام، ومثله أحاديث غرائب القبائل مثل الحديث الذي أخرجه الحاكم في علوم الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للعباس بن عبد المطلب أن يخرج زكاة ماله على فقراء بني هاشم، فهذا الحديث رواته كلهم من بني هاشم، فهو من غرائب القبائل، فهو غريب ليس لما سبق، بل لأنه انفردت به قبيلة واحدة وإن كان هذا الحديث ضعيف بسبب بعض الرواة فيه لكن هو مثال لمفردات القبائل، \"وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل مسند غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته\" بدأ هنا في أقسام الحديث باعتبار صفة الناقلين، فقال وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط، لأن المتواتر يفيد العلم اليقيني فلا يحتاج فيه إلى البحث في صفة الناقلين، الذي يحتاج فيه إلى البحث في صفة الناقين خبر الآحاد، قال: \"وخبر الآحاد بنقل عدل\" و هو العدل\" لدى أهل الحديث عدل الرواية، هو الذي جمع ثلاثة شروط أن يكون مسلما وأن يكون غير فاسق وأن يكون بالغا، عند الأداء، بنقل عدل تام الضبط، والمقصود بتمام الضبط تمام الحفظ أي أن يكون حافظا لما رواه، سواء كان ذلك بقلبه أو بكتابه، وقد سبق أن الضبط ينقسم إلى قسمين إلى ضبط في الصدر أو ضبط بالكتاب، \"متصل\"، فالاتصال هنا معناه أن يكون كل راو لقي من روى عنه بحيث لم يقع انقطاع في إسناد الحديث فهذا شرط وهو الشرط الثالث من شروط الصحة، والشرط الرابع هو قوله
\"
غير معلل\"، هو المتصل اشتراط الإسناد فيه أي أن يكون إسناده متصلا فقط حتى لو كان حتى لو كان عن غير النبي صلى الله عليه وسلم فالمسند هو ما نسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما رفع إليه، لكن ليس ذلك شرطا للصحيح لأن الحديث قد يصح عن الصحابي فيكون موقوفا صحيحا، وقد يصح عن التابعي فقط فيكون مقطوعا صحيحا، \"غير معلل\" والمقصود هنا العلة القادحة كما سبق، قد بينا أن العلة في الأصل هي ما يغير حال الشيء كالمرض ونحوه، وأنها عند أهل الحديث هي أمر خفي يكتشف في الحديث فيمنع قبوله، \"ولا شاذ\" هذا الشرط الخامس من شروط الصحة وهو عدم الشذوذ،و المقصود بعدم الشذوذ؟ أن لا ينفرد به ثقة في مقابل من هو أوثق منه أو أكثر \"هو الصحيح لذاته\" هذا هو الصحيح، والصحيح ينقسم إلى قسمين صحيح لذاته وهو ما جمع هذه الشروط، وصحيح لغيره وهو ما حصل فيه نقص في الضبط كالحسن إذا كان له طريق أخرى بنفس الدرجة يتقوى بها فيكون صحيحا لغيره، وغيرُه وهو الحسن إذا كان له طريق أخرى حسنة فخف ضبط إحدى الطريقين ثم خف ضبط الأخرى لكن مع ذلك حصل الاتصال وعدم التعليل وعدم الشذوذ مع العدالة فهذا يسمى الصحيح لغيره، \"وتتفاوت رتبه بسبب تفاوت هذه الأوصاف\" وتتفاوت رتبه أي رتب الصحيح بحسب تفاوت هذه الأوصاف، فهذه الأوصاف أهلها يتفاوتون فالعدالة درجات كثيرة والضبط درجات كثيرة وكذلك العلل والسلامة منها درجات متعددة، فلذلك قال: \"وتتفاوت رتبه\" أي رتب الصحيح بسبب تفاوت هذه الأوصاف، \"ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم ثم شرطهما، ومن ثم أي من أجل هذا قسم أهل الحديث الحديث إلى سبع مراتب ما هي؟ المرتبة الأولى ما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين، والمرتبة الثانية ما انفرد به البخاري، والمرتبة الثالثة ما انفرد به مسلم والمرتبة الرابعة ما كان على شرطهما ولم يخرجاه، والمرتبة الخامسة ما كان على شرط البخاري ولم يخرجه، والمرتبة السادسة ما كان على شرط مسلم ولم يخرجه، والمرتبة السابعة ما كان على شرط غير البخاري ومسلم من الذين يشترطون الصحة، \"فإن خف الضبط فالحسن لذاته\" إن خف الضبط معناه إن حصل نقص في الضبط ولكنه لم يعدم، فكان الرجل ضابطا ولكن ضبطه فيه خفة، فوصفه لدى أهل الحديث أن يكون صدوقا ولا يوصف بأنه ثقة، فإذا كان في الإسناد واحد يوصف بأنه صدوق فهذا الحديث يسمى حسنا، فلذلك قال فالحسن لذاته، الحسن أيضا مثل الصحيح منه حسن لذاته وحسن لغيره، فالحسن لذاته هو الذي جمع هذه الشروط الأربعة، فكان رواته جميعا أهل عدالة وضبط لكن كان الضبط خفيفا، ومع ذلك حصل فيه الاتصال ولم تقع فيه علة قادحة ولم يقع فيه شذوذ، فاجتمعت فيه هذه الشروط الأربعة فهذا يسمى حسنا لذاته، فإن تعددت طرقه ولو كانت الطرق بعضها ضعيفا لكن ذلك يقوي حصول العلم بأن أصل الحديث صحيح سمي حسنا لغيره، أما إذا كانت طرقه متساوية كلها حسنة فجاء من مخرجين فأكثر فهو الصحيح لغيره، لكن إذا كانت الطرق المقوية له غير واصلة إلى مرتبة الحسن يكون حسنا لغيره، الضعيف إذا تعدد مخرجه وكثرت طرقه فإنه يكون حسنا لغيره،
الضعيف المنجبر الضعيف الذي ينجبر إذا تعددت طرقه فإنه يكون حسنا لغيره، مثل حديث من جمع على أمتي أربعين حديثا من أمور دينها فهذا الحديث كل طرقه ضعيفة، من جمع على أمتي أربعين حديثا من أمور دينها هذا الحديث مشهور لكن كل طرقه ضعيفة، ومع ذلك فقد أصبح حسنا لغيره لكثرة طرقه، فإننا وجدناه مثلا في حديث المشارقة يرويه أهل بلخ وأهل هراة، ووجدناه لدى المغاربة ولو كانت أسانيده لا تخلو من ضعف لكن مع ذلك حصل الاطمئنان إلى أن للحديث أصلا، \"فالحسن لذاته\" وبكثرة الطرق يصحح\" بكثرة الطرق يصحح الحسن فيكون صحيحا لغيره، \"فإن جمع\" إذا وصف الحديث الواحد بأنه حسن صحيح فجمع له بين الوصفين بين الصحة والحسن فما معنى ذلك؟ أولا هذا الاصطلاح مختص بالترمذي محمد بن عيسى بن سورة رحمه الله، فأبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة وحده هو الذي يصف الحديث بأنه حسن صحيح، وقد يضيف إليها غريب أيضا، فيكون الحديث حسنا صحيحا غريبا، فيقول هذا حديث حسن صحيح غريب، ولم يبين لنا الترمذي مراده بالجمع بين الصحة والحسن، فاختلف أهل الحديث في مراده بذلك، فقالت طائفة منهم المقصود بذلك التردد في الناقل أنه تردد في بعض نقلته، هل هم على تمام الضبط فيكون الحديث صحيحا أو هم من أهل نقص الضبط فيكون الحديث حسنا، وهذا التردد أدى به إلى الوصف بالوصفين معا، أي أن رواة الحديث حصلت بهم ثقة ولكن تلك الثقة لم تصل إلى أعلى الدرجات فيكون صحيحا مسكوتا عنه، ولم تصل أيضا إلى أدنى الدرجات فيكون حسنا مسكوتا عنه فكان بين الصحيح والحسن، فذلك للتردد في حال الناقلين له، فلذلك قال: \"فللتردد في الناقل\" وهذا محله \"حيث التفرد\" معناه إن كان الناقل قد انفرد، فلم يكن له متابع، \"وإلا فباعتبار إسنادين\" إلا بأن تعددت الطرق فباعتبار إسنادين أي له إسنادا صحيحا وإسنادا آخر حسنا، فهو بالإسناد الأول صحيح وبالإسناد الثاني حسن، لكن هذا الوجه الأخير غير مقبول أصلا لأن الترمذي كثيرا ما يجمع مع ذلك الغرابة فيقول حسن صحيح غريب، والغريب ما انفرد، فإذن لا يمكن أن يكون هذا الوجه صحيحا، فلذلك قال وإلا فباعتبار إسنادين، \"وزيادة راويهما مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق\" الزيادة إما أن تكون في المتن أو في الإسناد فالزيادة في المتن بأن روى أحد الرواة عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا وروى آخر عنه نفس الحديث فزاد فيه جملة ليست موجودة في رواية الأول أو كلمة ليست موجودة في رواية الأول فهذا يسمى بزيادة الثقة إن كانوا ثقات فهذا يسمى بزيادة الثقة، وزيادة الثقة مقبولة، لا ترد لأن مجرد الانفراد لا يقتضي المخالفة فليس هذا شذوذا لأن الشذوذ له ركنان قد سبق ذكرهما وهما الانفراد والمخالفة وقد حصل أحدهما فقط وهو الانفراد، ولم يحصل الثاني وهو المخالفة، فلذالك كانت زيادة الثقة في المتن مقبولة، أما القسم الثاني فهو الزيادة في الإسناد وهذا الذي يسمى لدى أهل الحديث المزيد في متصل الأسانيد، والمزيد في متصل الأسانيد إنما يقع بالاعتبار فيكون الشخص روى هذا الحديث عن شيخ له، ثم بعد ذلك لقي شيخ شيخه فروى عنه الحديث، فيكون يحدث به بروايته الأولى بالإسناد النازل، ويحدث به بروايته الثانية بالإسناد العالي، والسبب أنه قد يكون وصوله إليه عن طريق الإسناد النازل بالسماع، ويكون وصوله إليه من طريق الإسناد العالي بمجرد الإجازة أو الوجادة أو غير ذلك من طرق التلقي النازلة فيتورع عن التحديث به بالإسناد العالي، فيحدث به بهما معا فيكون هذا من المزيد في متصل الأسانيد، ومن أمثلته حديث عبيد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم قال تذاكر أبي وعروةُ بنُ الزبير يوما ما يجب منه الوضوء فذكر عروة وذكر حتى ذكر مس الذكر فقال أبي ما أعرفه فقال عروة حدثني مروان عن بُسرة بنت صفوان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من مس ذكره فليتوضأ، فهذا الحديث بهذا الإسناد رواه عروة بن الزبير عن مروان بن الحكم عن بسرة بنت صفوان وهي أم زوجة مروان بن الحكم، فكان الإسناد نازلا، ثم إن عروة سمعه من بسرة فحدث به عن بسرة بنت صفوان مباشرة، فقد أخرجه أصحاب السنن عن عروة بن الزبير عن بسرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الحديث فيه المزيد في متصل الأسانيد، لأن عروة سمعه من مروان وفي رواية أخرى أنهما أرسلا إلى بسرة حرسيا أي من حرس مروان فحدثته به فيكون الحديث له ثلاث طرق لدى عروة بينه وبين بسرة مروان فقط، وبينه وبين بسرة مروان والحرسي مثلا، وسمعه من بسرة مباشرة فيكون هذا من باب المزيد في متصل الأسانيد، فلذلك قال: \"وزيادة راويهما\" وراويهما أي راوي الصحيح والحسن وهو المتصف بالعدالة سواء كان معها الضبط التام وهذا راوي الصحيح أو كان معها الضبط الناقص وهذا راوي الحسن، \"وزيادة راويهما مقبولة ما لم تقع منافية لمن هو أوثق\" ما لم تقع أي هذه الزيادة منافية وهي المخالفة \"لمن هو أوثق\" أي لرواية من هو أوثق، \"فإن خولف بأرجح\" فإذا حصلت المخالفة مع الانفراد \"فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ و مقابله الشاذ، إذا روى ثقة حديثا ثم رواه ثقة آخر ولكنه دونه في المنزلة وزاد فيه ما يخالف ما رواه الأول، فالأول هو المحفوظ والثاني هو الشاذ لأنه انفرد به ثقة في مقابل من هو أوثق منه وخالفه حصلت المخالفة، فلذلك قال: \"فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ\" أي رواية من هو أوثق أو أكثر عددا هذه تسمى بالمحفوظ، ومقابلها وهو ما انفرد به ثقة وخالفهم خالف من هو أوثق منه أو أكثر فهذا يسمى بالشاذ، \"ومع الضعف فالراجح المعروف ومقابله المنكر\" إذا كان الراوي الذي انفرد بما يخالفه فيه غيره غير ثقة أصلا فحديثه يسمى منكرا ومقابله يسمى معروف، فالمعروف هو الذي رواه الناس واشتهر بينهم، فلذلك قال: \"فإن خولف بأرجح فالراجح المحفوظ ومقابله الشاذ، ومع الضعف\" أي إن خولف بأرجح لكن مع الضعف بأن انفرد به غير الثقة \"فالراجح المعروف ومقابله المنكر\" فالراجح إذن هو المعروف، ومقابله أي الذي انفرد به ضعيف في مقابل من هو أكثر منه ومن هو أوثق هذا يسمى بالمنكر، والمنكر من الألفاظ التي استعملت لدى أهل الحديث في عدد من المصطلحات، فلذلك سيأتي إطلاقها على أقسام أخرى من أقسام الضعيف، فلاحظوا معي أن المنكر يستعمله أهل الحديث لعدد من الألقاب، فلذلك لا تنزعجوا إذا ذكرنا أن المنكر يطلق على رواية المطعون في عقله، الذي حصل اختلال في عقله مثلا أو في ضبطه، فكل ذلك يسمى بالمنكر، المنكر يطلقه أهل الحديث على عدد من أنواع الضعيف، فمنها ما انفرد به غير الثقة في مقابل من هو أوثق منه أو أكثر حيث حصلت المخالفة، وهو عكس الشاذ فالشاذ ما انفرد به الثقة، وحصلت المخالفة لكن في مقابل من هو أوثق منه أو أكثر، والمنكر انفرد به الضعيف في مقابل من هو أوثق منه أو أكثر وحصلت المخالفة أيضا، لكن يطلق المنكر أيضا على أمور أخرى ستأتينا إن شاء الله، \"والفرد النسبي إن وافقه غيره فالمتابع\" البحث عن الأسانيد وتقصيها يسمى بالاعتبار والاعتبار نتيجته إما أن تكون متابعة أو شاهدا، فالمتابعة هي أن يوجد للحديث الذي رواه صحابي مثلاً واحدّ متابع لراويه الأول، فلم يقع به الانفراد في طبقة من الطبقات، فهذا يسمى بالمتابعة، أما الشاهد فهو إذا وجد للحديث ما يشهد له من حديث صحابي آخر، إذا اختلف الراوي فهذا يسمى بالشاهد، وإن اتفق الراوي من الصحابة يسمى بالمتابعة، فالمتابعة ما كان من حديث صحابي واحد، إذا تعددت طرق حديث صحابي واحد فهذا يسمى بالمتابعة، إذا تعددت طرق الحديث، هذا الحديث مثلا رواه مالك عن نافع عن ابن عمر، ورواه عبيد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر فهذا الحديث يسمى متابعا لأنه وجد متابع لمالك فيه لم ينفرد به مالك، وكذلك إذا رواه سالم عن أبيه فإن نافعا لم ينفرد به عن ابن عمر، بل رواه عنه ابنه سالم أيضا، هذا يسمى بالمتابعة، أما الشاهد، فإذا كان الحديث له ما يشهد له من رواية صحابي آخر مثل ما سبق في العزيز، فقد سبق أن بينا أن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده] وأن أنس ابن مالك روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا، فلا يقال تابع أبا هريرة أنسُ بنُ مالك في هذا الحديث لأن الصحابي لا يكون متابعا بل هذان حديثان فيقال: لهذا الحديث شاهد آخر من رواية فلان من الصحابة، فلذلك قال: \"والفرد النسبي إن وافقه غيره\" أي إن وافق الراوي فيه في الطبقة التي ظُن فيها الانفراد غيره \"فهو المتابعة\" فهو أي ذلك الفرد المروي المتابَع، والذي يتابعه يسمى بالمتابِع،  \"وإن وجد متن يشبهه فهو الشاهد\" إن وجد متن أي حديث آخر يشبهه أي يشهد له في معناه ولو كان لفظهما مختلفا وكان من رواية صحابي آخر فهذا يسمى بالشاهد، \"وتتبع الطرق لذلك\" أي البحث عن الطرق في كتب الحديث جميعا لذلك أي لحصول الشاهد أو لحصول المتابعة \"يسمى بالاعتبار\" {هو الاعتبار}، فإذن الاعتبار هو عملية يقوم بها المحدث للبحث عن المتابع أو عن الشاهد، فأنت مثلا وجدت حديثا في سنن أبي داود يرويه أبو داود سليمانُ بنُ الأشعث عن أحمد بن حنبل عن وكيع بن الجراح عن سفيان الثوري عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم،مثلا فأردت الاعتبار بالبحث عما يقويه مثلا فوجدت عبد الله بن أحمد أخرجه عن أبيه فقد تقوى أبو داود هنا بعبد الله بن أحمد فوجدت إذن اثنين من أصحاب أحمد روياه عنه، فهذا درجة من المتابعة، و إن وجدت آخر رواه عن وكيع بن الجراح غير أحمد بن حنبل فوجدته عن إسحاق بن راهويه في مسنده عن وكيع فإن لأحمد متابعا وهو إسحاق بن راهويه، وإن وجدت لوكيع أيضا متابعا فيه فوجدته رواه عن سفيان الثوري مثلا أبو داود الطيالسي في مسنده مثلا فيكون هذا متابعا أيضا لوكيع بن الجراح، فإن وجدته عن منصور بن المعتمر من غير طريق سفيان الثوري فيكون ذلك أيضا متابعا لسفيان، وهكذا حتى ينتهي الإسناد، فإن كانت المتابعة في كل طبقة من الطبقات كانت متابعة تامة، وإلا كانت متابعة ناقصة، وذلك إذا وجدت للحديث طرقا متعددة من أول الإسناد من الصحابي إلى أن يصل إلى المؤلف، كل طبقة من الطبقات وجدت هذا الحديث قد نقله فيها عدد من الرواة فهذه متابعة تامة، وهذا الذي يتمرن به أهل الحديث على التخريج والتخريج علم من علوم الحديث ، فمثلا إذا أعطيتكم حديثا أخرجه الدارقطني مثلا في السنن وذكرت لكم أن لهذا الحديث عشر طرق مثلا فابحثوا عنها فستأتون بهذه الطرق تبحثون عنها في كتب السنن والمسانيد والأجزاء حتى تأتوا بهذه الأسانيد العشرة مثلا، وهذا هو تمام المتابعة، وإذا كان الحديث من رواية صحابي آخر مثل حديث: لا نكاح إلا بولي فهذا الحديث أخرجه أصحاب السنن من حديث إسرائيل بن يونس عن جده أبي إسحاق السبيعي عن أبي بردة عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وله متابعات كثيرة، فقد رواه عن أبي إسحاق السبيعي تسعة من الأئمة، منهم ابنه يونس وحفيده إسرائيل كما سبق، وأبو عوانة، ومطرف بن عبد الله بن الشخير، وشعبة بن الحجاج، وعدد من الأئمة رووه جميعا عن أبي إسحاق السبيعي، وأبو إسحاق رواه عن أبي بردة، فتارة يذكره مرسلا عن أبي بردة عن النبي صلى الله عليه وسلم وتارة يذكره متصلا عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم لكن له شواهد كثيرة فقد قال الحاكم روى هذا الحديث عشرون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الحديث إذن له شواهد، فالشواهد هي رواية غير أبي موسى له عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواية الصحابة الآخرين لهذا الحديث هي شواهد تشهد لرواية أبي موسى، مثل حديث عائشة الذي أخرجه أصحاب السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أيما امرأة نَكَحَت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل، فإن اختلفوا فالسلطان و لي من لا ولي له، هذا الحديث شاهد لحديث أبي موسى السابق وهو لا نكاح إلا بولي، لكن لا يعتبر متابعة له لأنهما قد اختلف مخرجهما فأصل الإسناد مختلف وهو الصحابي فيكون هذا شاهدا لا متابعا، وبهذا تعرفون المقصود بالاعتبار وبالشاهد وبالمتابع، الاعتبار هو البحث في الأسانيد لتقصي الطرق، لتجد متابعة أو شاهدا، سواء كان ذلك لحصول الثقة التامة بحديث أنت وجدته صحيحا، كما سبق حديث مالك عن نافع عن ابن عمر، هذا صحيح لكن البحث عن زيادة الطرق له لحصول الثقة وأيضا لعلك تجد ألفاظا زائدة عن الألفاظ التي رواه بها مالك، وهذا يسمى بالاستخراج كالمستخرجات التي ألفت على الصحيحين، فمستخرج أبي عوانة مثلا ومستخرج الإسماعيلي وغيرهما هذه مستخرجات على الصحيح أراد أصحابها أن يأتوا بالأحاديث التي أخرجها البخاري ومسلم في الصحيحين من طرق غير طرق البخاري ومسلم، ولها فوائد أولا حصول التعدد في كل إسناد، وثانيتها أن هذه المستخرجات كثيرا ما تأتي بألفاظ غير ألفاظ الصحيح وهي في قوتها في درجتها في القوة فتكون تلك الألفاظ فيها علم زيادة على ما ذكر في الصحيحين.

والفرد النسبي إن وافقه غيره فهو المتابَع وإن وجد متن يشبهه فهو الشاهد وتتبع الطرق لذلك هو الاعتبار، ثم المقبول إن سلم من المعارضة فهو المحكم، وإن عورض بمثله فإن أمكن الجمع فهو مختلف الحديث، أو ثبت التأخر فهو الناسخ والآخر المنسوخ، هذا بحث فيما يتعلق بالمتن ولا صلة له بالإسناد هنا، فقال: \"ثم المقبول\" أي الصحيح أو الحسن إن سلم من المعارضة فلم يوجد حديث آخر يعارضه فهو المحكم، فهذا يسمى بالمحكم، والمحكم يطلق على أمرين يطلق على واضح الدلالة ويطلق على السالم من المعارض، فالمحكم إذن لدى أهل الحديث يطلق على أمرين يطلق على واضح الدلالة ويطلق على السالم من المعارضة، فواضح الدلالة معناه الذي يفهم الناس معناه دون اختلاف فيه، لا يختلف الناس في معناه كالنص مثلا، والمفسر والمبين فهذا واضح الدلالة، يسمى محكما، والقرآن فيه الإحكام وفيه ضده وهو التشابه، فقد جاء وصف القرآن جميعا بالإحكام القرآن كله محكم، كما في قوله تعالى: {الر كتاب أحكمت آياته} فكل آياته محكمة، ما معنى الإحكام العام؟ معناه الإتقان، فالإحكام بمعنى الإتقان، وأصله من أحكم الفرس إذا جعل لها لجاما قويا يمسكها بحيث لا تتحرك، فهذا الإحكام و منه أحكم السفيه أي حال بينه وبين الحركة كما قال جرير:

إني أخاف عليكمُ أن أغضبا
أدع اليمامة لا تواري أرنبا

 

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم
أبني حنيفة إنني إن أهجكم

فهنا قال أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم، والحَكَمَات هي ما يمسك الفرس كما قال زهير بن أبي سلمى:

قد أحكمت حكمات القد والأبقا
من بعد ما
جنبوها بدنا عققا

 

القائد الخيل منكوبا دوابرُها
غزت سمانا فآضت ضمرا خدجا

فما يمسك الخيل من اللُجُم هو الذي يسمى بالحكمات، فإذن إطلاق المحكم على القرآن جميعا معناه الإتقان أنه جميعا متقن لا اختلاف فيه ولا تباين كما قال الله تعالى: {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} وفي مقابله التشابه العام، فالقرآن كله متشابه أيضا، كما في قول الله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها} والتشابه العام معناه أن بعضه يصدق بعضا ويفسره، فليس فيه هذا التناقض أبدا، بل بعضه يفسر بعضا ويصدقه، فإذا قرأت قصة موسى مثلا وفرعون، في سورة القصص وقرأتها في سورة طه، وقرأتها في سورة الشعراء فستجد ما طوي في بعض الأماكن مشروحا منشورا في غير ذلك المكان، وتجده مصدقا له ملتئما معه ليس بينهما أي تناقض ولا اختلاف، فما وقع لديك فيه نقص في الفهم ستجده مفصلا في مكان آخر، وكذلك قصة آدم وهبوطه من الجنة تجدها كذلك في سورة البقرة وفي سورة الأعراف وفي سورة طه وغير ذلك وكل موضع طوي فيه بعضها فسيفصل في موضع آخر وهكذا، فهذا النوع هو التشابه، العام، ومثل ذلك التشابه بين القراءات، فالقراءة قد تكون خفية في المعنى فتفسرها القراءة الأخرى، فمثلا قراءة ابن كثير: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتمُ إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكمُ وأيديكمُ إلى المرافق وامسحوا برءوسكمُ وأرجلِكمُ إلى الكعبين} بالجر قراءة الجر هنا تفسرها قراءة النصب، فقراءة الجمهور وأرجلكم إلى الكعبين بالنصب، وهي تقتضي وجوب غسل الرجلين، وقراءة ابن كثير إما أن تكون من باب الجر بالمجاورة، فيكون المعنى هو نفس المعنى المعروف في قراءة النصب، أو أن يكون المقصود بها المسح على الخفين، إذا لبسهما الإنسان على طهارة، ومثل ذلك قراءة حمزة: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحامِ إن الله كان عليكم رقيبا} والأرحام بالجر، إما أن يكون المعنى الذي تساءلون به وتساءلون بالأرحام أيضا فأنت تقول أنشدك الله والرحم، أي أذكرك الله وأستعطفك بالرحم بيني وبينك، أو أن يكون المعنى أن هذا من باب الجر بالمجاورة، لأن مجاوره مجرور فجر تبعا لذلك، وهذا من باب تحسين الألفاظ فلا يكون مؤثرا في المعنى، ومثل هذا إذا قرأت مثلا بقراءة نافع وهي التي تقرءون بها هنا في سورة المؤمنون: {قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين} من كل زوجين اثنين، كيف تأخذ من كل زوجين اثنين وهما زوجان فقط، يقع لديك الإشكال فإذا رجعت إلى قراءة الجمهور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين من كل أي من كل نوع من الأنواع زوجين اثنين تكون هذه القراءة مفسرة للأخرى فيزول عنك الإشكال، فإذن هذا هو التشابه العام أي أن القرآن بعضه يفسر بعضا ويصدقه، ثم بعد ذلك الإحكام الخاص والتشابه الخاص وهما المذكوران في آية آل عمران في قول الله تعالى: {منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} منه آيات محكمات أي من القرآن آيات محكمات متضحات الدلالة واضحات الدلالة، هن أم الكتاب أي جمهوره ومعظمه، وأخر أي منه أخر أي آيات أخر متشابهات أي خفيات الدلالة لحكم علمها الله تعالى، ومنها أن يفهم كل أهل عصر من القرآن ما لم يفهمه من سبقهم من العصور، فلو جاء القرآن جميعا محكما واضح الدلالة لفهمه الصحابة ولم يبق لنا نحن فيه نصيب، أو فهمه التابعون بعدهم ولم يبق لنا نحن منه نصيب، وكان الذين سبقوا إلى التأليف في التفسير قد استوعبوا ما أمروا به، من التدبر وبقي أمرنا نحن ناقصا حين لم نقم بما أمرنا به من التدبر، لكن أراد الله تعالى بحكمته البالغة أن تكون أساليبه متنوعة فتشمل كثيرا من المعاني، وتجدون لدى السلف كثيرا من التفاسير الكلمة الواحدة، فيفسرها هذا بكلمة وهذا بكلمة وآخر بكلمة ثالثة دون أن يقع التناقض بين هذه التفسيرات ولذالك قال ابن تيمية رحمه الله تفاسير السلف هي من جنس ما إذا سألك إنسان عن الخبز ما هو فرفعت خبزة فقلت هذا الخبز، فليس معنى هذا أنك تزعم أن ما في علم الله من الخبز محصور فيما رفعت، بل المقصود أنك بينت له ما يصدق عليه الخبز ليفهم به اللفظ، فقط ولا تقصد به الحصر، فمثلا قول عائشة رضي الله عنها في تفسير قول الله تعالى: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} إنه المؤذن لا يقصد بذلك الحصر، لكن المؤذن يصدق عليه هذا، فإنه دعا إلى الله حين قال حي على الصلاة حي على الفلاح، وعمل صالحا حين قال الله أكبر الله أكبر، وقال إنني من المسلمين حين قال أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله، فهو دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، لكن ليس هذا محصورا في المؤذن بل المقصود أنك تفهم تحقق ذلك في فرد من أفراده وهو المؤذن، ويبقى من سواه أيضا يصدق عليه هذا اللفظ، فلهذا قال: \"ثم المقبول إن سلم من المعارضة فهو المحكم، وإن عورض بمثله\" بأن ورد حديثان في المسألة أحدهما آمر مثلا والآخر ناه مثلا، أحدهما يأمر بالشيء والآخر ينهى عنه، \"فإذا أمكن الجمع\" إذا أمكن الجمع بينهما من غير تعسف فهذا الذي يسمى بمختلف الحديث، ومختلف الحديث هو ما ظاهره التعارض ولكن أهل العلم توصلوا إلى جمع بينه،

 

 

يتبع


عدد مرات القراءة : 5835



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22883558
المتواجدون الأن       17
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو