» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر الشريط السادس




 

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد فقد سبق أن الحديث ينقسم باعتبار صفة الناقلين إلى ثلاثة أقسام إلى صحيح وحسن وضعيف، وقد ذكرنا أن الصحيح له خمسة شروط هي عدالة الراوي ثانيا ضبطه، ثالثا اتصال الإسناد رابعا عدم الشذوذ خامسا عدم العلة، وأن الحسن يشترط له أربعة شروط وهي عدالة الراوي واتصال الإسناد وعدم انقطاعه، وعدم الشذوذ وعدم التعليل، وذكرنا أن الضعيف هو ما عدى ذلك وهو ما اختلت فيه شروط الصحة والحسن، وعلى هذا فاليوم سيكون الحديث في أنواع الضعف، وأسباب الضعف ترجع إلى ستة، لأن الضعف إما أن يكون لشذوذ بأن يكون الحديث شاذا و هو مخالفة الثقة لمن هو أوثق منه أو أضبط، فإذن يشترط له ركنان أحدهما الانفراد والثاني المخالفة والشرط الثالث أن يكون المخالف المنفرد عدلا أي ثقة، إذن إذا حصل شذوذ فهذا سبب من أسباب الضعف وترك الاحتجاج بالحديث، وهو سبب للشك فيه هل قاله النبي صلى الله عليه وسلم أو لم يقله، وهذا الشك مقتض لنبذه وتركه، السبب الثاني للضعف هو العلة،(هي) أمر خفي يكتشف في الحديث يمنع قبوله، و معناه يقتضي رده، وهذا الأمر الخفي إما أن يكون بوقف المرفوع، أن يكون الحديث ظاهره الرفع ثم يكتشف أنه موقوف أنه من كلام الصحابي، أو أن يكتشف أنه مدرج، أو أن يكون ظاهر السند الاتصال ثم يتضح أنه منقطع، أو أن يكون ظاهر السند أن التابعي نسبه إلى الصحابي ويكون في واقع الأمر مرسل فهذه هي العلة الخفية، وهذه العلة إذا كانت قادحة فهي سبب للضعف وهي مانعة من قبول الحديث، والسبب الثالث هو الانقطاع، والانقطاع لا يتعلق بكل طبقة من طبقات الإسناد بل يتعلق بجميع الطبقات لأنه ليس وصفا لكل راو من الرواة إنما هو وصف للإسناد كله، فلا يقال فلان منقطع مثلا، هذا لا يوصف به الفرد إنما يوصف به الإسناد، فالإسناد بكامله هو الذي يقع في الانقطاع، لكن عموما الانقطاع هو من صفات الناقلين لأنه من صفات الإسناد، وهذا الانقطاع أنواع كثيرة، فمنه سقوط الصحابي من الحديث، وهذا الذي يسمى بالإرسال، إذا سقط أصل الحديث فروى التابعي حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم واتصل الإسناد إلى التابعي، لكن التابعي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قطعا لم يلقه ولم يسمع منه،(و) هذا النوع يسمى الإرسال الأصل فيه أن يكون الإسناد وقف عند التابعي والتابعي نسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم لكن قد يكون الإرسال أيضا من بعض الصحابة، فبعض الصحابة قد يحدثون بأمر لم يدركوه، كصغار الصحابة إذا حدثوا بأمر قبل الهجرة لم يدركوه فهذا مرسل لكن قد يحدثهم به النبي صلى الله عليه وسلم كأحاديث ابن عباس عن الغزوات التي لم يشهدها، فابن عباس كان بمكة مع أبيه العباس وقد ختمت الهجرة بالعباس بن عبد المطلب فخرج مهاجرا بأهل بيته في رمضان في العام الثامن من الهجرة، فلقي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق فرجع معه العباس وأرسل أهله إلى مكة، وذلك في غزوة الفتح غزوة فتح مكة فهو آخر من هاجر من مكة، ختمت به الهجرة كما ختمت بالنبي صلى الله عليه وسلم الرسالة، وعلى هذا فإن ابن عباس إذا حدث عن غزوة بدر أو أحد أو الأحزاب أو غير ذلك مما كان في صدر الإسلام قبل فتح مكة فهو لم يشهده ولم يحضره فإنما أرسل هنا هذا الحديث لكن مراسيل الصحابة حجة لأنهم لا يحدثون إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي آخر، ولذلك فالبخاري في ثاني حديث في الصحيح، ثاني حديث في صحيح البخاري قال حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن الحارث بن هشام سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي عنه ما يقول، قالت عائشة: و لقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا، فالحارث بن هشام هنا لم تحدث عنه عائشة، فلم تقل عائشة حدثني الحارث بن هشام أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فالحديث في صحيح البخاري إذن من مسند عائشة أي أنه من الحديث الذي روته عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن المحتمل أن تكون حاضرة وقت سؤال الحارث بن هشام، لكن أحمد أخرجه في مسند الحارث بن هشام، من رواية عامر بن عبد الله بن الزبير عن عائشة عن الحارث بن هشام أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم وعلى هذا لا يكون الحديث مسندا هنالك إنما يكون مرسلا لكن مرسل الصحابي حجة، لأن الصحابي لا يروي إلا عن صحابي أو عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة كلهم عدول من عرف منهم ومن لم يعرف، أما مراسيل التابعين فإن التابعين ثلاث طبقات الطبقة العليا كبار التابعين الذين لا يحدثون إلا عن الصحابة، ومراسيلهم حجة على الراجح، كمراسيل سعيد بن المسيب، وعبيدة السلماني، وطارق بن شهاب، وقيس بن أبي حازم، فهؤلاء مراسيلهم حجة لأنهم لا يحدثون إلا عن الصحابة، الطبقة الثانية هي أواسط التابعين الذين يحدثون أغلب حديثهم عن الصحابة وفي حديثهم بعض الحديث عن كبار التابعين وهؤلاء مراسيلهم محل خلاف، من أمثال محمد بن إبراهيم التيمي، وقتادة بن دعامة السدوسي، ومحمد بن سيرين، والحسن بن أبي الحسن البصري، هؤلاء أواسط التابعين يروون كثيرا عن الصحابة ويروون قليلا عن التابعين فمراسيلهم محل خلاف في الاحتجاج بها، أما الطبقة الثالثة فهي صغار التابعين الذين أغلب حديثهم عن التابعين ولكن في حديثهم بعض الأحاديث التي رووها عن بعض الصحابة فهؤلاء مراسيلهم غير حجة، وهؤلاء من أمثال محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الإمام، والإمام يحيى بن سعيد الأنصاري ومحمد بن كعب القرظي ومحمد بن علي،محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين، وأمثال هؤلاء فأغلب أحاديثهم إنما هي عن التابعين لكن بعضها عن الصحابة، فهؤلاء مراسيلهم ليست بحجة لأن الساقط منها من المحتمل جدا أن يكون تابعيا والتابعون ليسوا كلهم عدولا، بخلاف الصحابة فالصحابة كلهم عدول والتابعون فيهم العدول وغير العدول، فهذا النوع هو النوع الأول من أنواع الانقطاع.

النوع الثاني سقوط أول الإسناد، سواء استمر السقوط إلى نهايته أو كان في أول الإسناد فقط، كما إذا قال البخاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا  فأول الإسناد حذف وهو شيخ البخاري فيه، فإن البخاري لم يلق مالكا، فإذا نسب حديثا إلى مالك مثلا أو إلى أحد التابعين أو إلى أحد الصحابة، فهذا الحديث يسمى معلقا لأن إسناده من فوق شيخ المحدث مستمر، فكأنه معلق بالسماء بينه وبين الأرض فرجة ليس فيها شيء فأعلاه متصل الإسناد وأسفله حصل فيه الإنقطاع وهذا الذي يسمى بالتعليق، وهذا التعليق سواء استمر من المحدث إلى نهاية الإسناد كأن يقول البخاري وذكر عن ابن عباس أنه قال كذا، فالإسناد بين البخاري وابن عباس سقط جميعا، أو أن يكون الساقط شخصا واحدا، كما إذا حدث البخاري فقال عن مالك مثلا عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أو نحو ذلك، كما إذا حدث عن عبد الله بن المبارك مثلا، أو عن غيره من الأئمة من طريق عبيد الله عن ابن عباس فالإسناد لم يسقط منه إلا شخص واحد وهو الذي بين البخاري وبين عبد الله، بن المبارك وبين البخاري وبين مالك مثلا، فهذا النوع يسمى المعلق، كذلك إذا حصل الانقطاع في وسط الإسناد بأن سقط منه رجل واحد أو رجال على غير التوالي، إذا سقط من الإسناد رجل واحد من الوسط ليس من أوله ولا من آخره سقط منه رجل من وسط الإسناد فهذا يسمى منقطعا، وكذلك إذا سقط منه أكثر من رجل لكن على غير التوالي، سقط منه رجل ثم ذكر بعض الرجال ثم سقط رجل آخر ثم ذكر بعض الرجال، فهذا يسمى منقطعا أيضا، أما إذا سقط منه رجلان فأكثر على التوالي من الوسط فهذا يسمى المعضل،(و) المعضل من عضله إذا منعه، كأنه ممنوع من الاتصال لأنه سقط منه رجلان فصاعدا فالمعضل من شرطه أن يكون على التوالي واشتقاقه من العضل وهو منع المرأة من الزواج، وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} لا تعضلوهن أي لا تمنعوهن من الزواج، فكذلك هذا الإسناد إذا سقط منه رجلان على التوالي فإنه عُضل أي منع من الاتصال، كذلك من أنواع الانقطاع ما يسمى بالانقطاع الخفي والانقطاع الخفي هو التدليس، فأنت مثلا سمعت هذا الحديث من الحسن والحسن سمعه مني، لكن بما أنك أنت سمعت مني كثيرا فتحدث به عني مباشرة وأنت لم تسمعه مني، فمن لا يعرف أنك لم تسمع هذا الحديث مني يظن أنك سمعته مني لأنه يعرف أنك حضرت حديثي، فهذا، يسمى التدليس، و التدليس قسمان تدليس بالإسقاط وتدليس بالشيوخ، فالتدليس بالإسقاط هو ما ذكر أن تسقط من الإسناد شيخك الذي يليك وتحدث عن شيخ شيخك الذي حدثت عنه بالاتصال، فلا يطلع الناس على أنك لم ترو عنه هذا الحديث، و هذا من تدليس الإسقاط فإن كان الذي أسقطته غير ثقة فهذا الذي يسمى بتدليس التسوية، إذا كان الذي أسقطته ليس بثقة، وأنت تعلم أنه مجروح و أسقطته لتسوي الإسناد حتى يكون ظاهره الصحة فهذا يسمى تدليس التسوية وهو شر أنواع التدليس، قال فيه شعبة بن الحجاج: \"لأن أزني أحب إلي من أن أدلس\"، (و) تدليس الإسقاط وبالأخص تدليس التسوية حرام، (و)التسوية هي أنك حذفت المجروح في الإسناد فأصبح الإسناد مستويا عدولا جميعا، فيغتر به الناس يظنون أن الحديث صحيح، أما النوع الثاني من أنواع التدليس فهو تدليس الشيوخ، وهو أن تسمي شيخا باسم لا يعرف به، فأنت تريد أن تستكثر نظن أنك حدثت عن عدد كبير من الشيوخ، فمن كان محدثا فإنما يعرف حديثه بكثرة شيوخه، الإنسان الذي لم يرو إلا عن إنسان واحد أو شخصين ليس له شيخ إلا شيخا واحدا أو شيخين، هذا علمه محصور محدود، ورؤيته أيضا محصورة، لكن إذا كان روى عن كثير من الشيوخ وسمع عن كثير منهم فسيستفيد على الأقل طرقا في التدريس متباينة مختلفة، وسيستفيد تصحيح ما أخطأ فيه أحدهم من كلام الآخر، وما منهم أحد إلا ويؤخذ من قوله ويرد، ولذلك فشيوخ مالك الذين روى عنهم في الموطإ تسعمائة وعشرون شيخا، وشيوخ البخاري الذين روى عنهم ثلاثة آلاف وزيادة، والطبراني في معجمه الأوسط روى عن قريب من عشرة آلاف شيخ، فلذلك كثرة الشيوخ فيها دلالة على زيادة العلم وصحته، فإذا كنت أنت تريد أن تحدث فتحدثنا عن شيخ فتسميه باسم لا يعرف به، تنسبه إلى أبيه باسم غير مشهور، أو تنسبه إلى بلد نسبة غير معروفة مثلا، فهذا النوع يسمى تدليس الشيوخ وهو غير حرام لكنه ملبس، ملبس أي يقع به الإنسان في الإلباس، وقد حصل من بعض الأئمة الكبار كالإمام البخاري رحمه الله فإنه حصل خلاف بينه وبين الإمام الذهلي والإمام الذهلي هو محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد الذهلي، وهو إمام أهل نيسابور جميعا، شيخ مسلم بن الحجاج  وشيخ سلمة بن كهيل، وشيخ أئمة الحديث في نيسابور، والبخاري تلميذ له لكنه حصل بينه وبينه خلاف في العقيدة، في مسألة من مسائل العقيدة وهي المسألة اللفظية المشهورة لدى أهل علم الكلام، فكان البخاري إذا حدث عنه في الصحيح يقول حدثنا محمد، وتارة يقول حدثنا محمد بن خالد، وتارة يقول حدثنا محمد بن عبد الله، ولم يقل مرة واحدة حدثنا محمد بن يحيى، لأن نسبته المشهورة هي محمد بن يحيى، فهو نسبه تارة إلى جده وتارة إلى جد أبيه وتارة لم ينسبه، وإذا قال البخاري حدثنا محمد فالغالب أنه يقصد الذهلي، وقد روى البخاري عن ثمانية عشر من المحمدين في الصحيح، شيوخ البخاري الذين هم محمدون أي كل واحد منهم اسمه محمد ثمانية عشر رجلا، وقد يكون الإلباس بعدم النسبة، كما إذا كان الشيخ يحدث عن سفيان بن عيينة وسفيان الثوري فقال حدثنا سفيان، فإننا لا ندري أي السفيانين يقصد، لكن ذلك يعرف بحسب الشيخ نفسه وبحسب شيخ سفيان، فإذا كان الشيخ مكيا فيعرف أنه يحدث عن سفيان بن عيينة، وإذا كان عراقيا فإنه يعرف أنه يحدث عن سفيان الثوري، وكذلك شيخ سفيان، فشيوخ سفيان بن عيينة غير شيوخ سفيان الثوري، فيعرف الفرق حينئذ، ومثل ذلك ما إذا قال حدثنا حماد وسكت فالحمادان المشهوران في عصر واحد هما حماد بن زيد وهو إمام من أئمة الحديث الجبال الأطواد لم يتكلم فيه أحد إلا بخير، والثاني حماد بن سلمة وهو معاصر له وهو كثير الحديث لكن فيه طعنا، وحماد بن سلمة هو ابن سلمة بن دينار، وحماد بن زيد هو ابن زيد بن درهم، لكن قال البخاري فرق ما بينهما فرق ما بين جديهما، حماد بن زيد بن درهم؟ لكن مع ذلك أبوه دينار؟، أكبر من الدرهم، حماد بن سلمة بن دينار أنزل منه، فالفرق ما بينهما الفرق بين واحد وعشرة، فمن لا يعرف شيوخ الحمادين إذا لم ينسبا يقع في هذا اللبس وهذا هو تدليس الشيوخ، فإذن هذا النوع يسمى التدليس، والتدليس في الأصل من الدلسة وهي الخيانة، أن يكون الإنسان يخفي شيئا يريد بيعه فيخفي العيب الذي فيه، فهو نوع من الغش، وهو الذي يسمى بالتدليس، والدلسة مثل التصرية وهو أن يصري الإنسان البهيمة فيسقي ولدها ماء أو لبنا، ويترك ضرعها حافلا حتى يظن أنه قد رضعها ولدها ومع ذلك بقي فيها اللبس الكثير، فهذا النوع هو الذي يسمى بالتدليس، تدليس التصرية، وهو نوع من أنواع الخيار، في البيع، خيار التصرية، أو خيار الدلسة أو التدليس، إذن هذه هي أنواع الانقطاع.

السبب الرابع من أسباب الضعف هو عدم العدالة، وعدم العدالة يرجع إلى أمرين إما إلى خلل في الاعتقاد وإما إلى خلل في العمل فالخلل في الاعتقاد هو الذي يسمى بالبدعة، والخلل في العمل هو الذي يسمى بالفسق، فالإنسان إذا كان مبتدعا داعيا إلى بدعته فإنه لا تصح الرواية عنه، إن كانت بدعته مكفرة لم تقبل الرواية عنه مطلقا، وإن كانت بدعته غير مكفرة فإن كان داعيا إليها كذلك لم تقبل روايته، وإن كانت بدعته غير مكفرة ولم يكن مشهورا بالدعوة إليها قبلت روايته، وقد أخرج البخاري في الصحيح عن عدد من الذين تكلموا في القدر مثل هشام الدستوائي، وهو الذي كانت الرحلة إليه في البصرة، هو إمام من الأئمة لكنه من الذين تكلموا في القدر في بعض مسائل القدر خلق أفعال العباد، وأخرج البخاري في الصحيح كذلك عن عمران بن حطان الشاعر، وهو من الخوارج و كان يرى رأي الحرورية، وأخرج البخاري في الصحيح عن عبيد الله بن موسى وهو من الشيعة كان يرى مذهب الشيعة، فعبيد الله بن موسى من الشيعة، وعمران بن حطان عكسه من الخوارج، وهشام الدستوائي من القدرية، لكنهم لم يدعوا إلى بدعتهم، فلذلك قبلت الرواية عنهم، فالمبتدع إذا لم يدع إلى بدعته تقبل الرواية عنه إذا كانت بدعته غير مكفرة، أما المبتدع الذي بدعته مكفرة فلا تقبل الرواية عنه مطلقا، سواء كان داعيا إليها أو غير داع إليها، والفسق منه ما يتعلق بالصدق كأن يكون الإنسان كذابا وهذا شر أنواع الفسق، شر أنواع الفسق في الرواية هو ما يتعلق بالكذب، فالإنسان الذي عرف بالكذب كوضع الحديث أو رواية الموضوعات فهذا هو الكذاب وهذا لا تقبل روايته مطلقا لا في كثير ولا قليل، وقد يكون الفسق لغير ذلك، كالذي يقع منه نقص في صلاته ينتقص من صلاته يلتفت في الصلاة مثلا، أو الذي يرابي أو الذي يغش في البيع أو نحو ذلك فهذا النقص في الدين، وهنا ترون أن أهل الحديث لا يبحثون عن صفات الرواة الدنيوية، فنحن قلنا البحث في صفة الراوي، أهل الحديث لا يبحثون عن صفات الراوي، لا تسمعون لديهم هذا غني وهذا فقير، أو هذا جميل وهذا قبيح أو هذا أبيض و هذا أسود أو هذا طويل أو هذا قصير، لا يبحثون في هذه الأمور، فالبحث في صفات الناقلين إنما هو في الدين، في الاعتقاد أو في العمل، وعلى هذا فالذي يقوم به الرجال هو ما رجع إلى الاعتقاد أو إلى العمل ولا يقومون بأمور الدنيا، لأنها منقطعة زائلة، فهذا إذن هو الوصف الذي يحرص عليه هو الوصف المتعلق بدين الإنسان إما بعقيدته وإما بعمله، هذا الذي يجعل الإنسان يقدم ولو كان ناقصا، ولذلك سأل هشام بن عبد الملك أهل مكة عن سيدهم، من سيدكم يا أهل مكة؟ فقالوا: عطاء بن أبي رباح، فذهب فنظر إليه فإذا هو أسود قصير أعور أشل أفطس الأنف فقال سبحان الله بم سادكم هذا؟ فقالوا بالعلم والعمل، فقال: هو ذاك، هذا الذي يساد به، العلم والعمل، وكذلك سأل أهل البصرة من سيدكم؟ فقالوا: الحسن بن أبي الحسن فقال: من هو؟ فقيل: مولى، فقال: وبم سادكم فقالوا: استغنى عما عندنا واحتجنا إلى ما عنده فهذا الذي جعلهم يسودونه، فإذن عدم العدالة يرجع إلى النقص في الاعتقاد أو إلى النقص في العمل.

السبب الخامس من أسباب الضعف هو عدم الضبط، وعدم الضبط منه ما يرجع إلى الذاكرة ومنه ما يرجع إلى العقل، فالذي يرجع إلى الذاكرة كالإنسان المشهور بالنسيان، أو الوهم أوكثرة الغلط، فهذا غير ضابط، ومنه ما يرجع إلى النقص في العقل كالإنسان الذي لديه خرف، كبر في السن حتى تأثر عقله، وكثيرا ما تسمعون أهل الحديث يقولون فلان تغير بأَخَرَةٍ، معناه تغير عقله في آخر عمره، ومثل هذا من نقص العقل أيضا قبول التلقين أن يكون الإنسان يقبل التلقين أي يقال له حدثك فلان بكذا فيقول نعم وهو في الواقع لم يحدثه، مثل ما حصل لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم فأبوه الإمام زيد بن أسلم من أئمة التابعين وهو مولى عمر بن الخطاب شيخ مالك، وعبد الرحمن هذا من أوعية العلم ولكنه ضعف عقله فكان يقبل التلقين، وكان مالك يحبه لأنه من أهل العلم بالمدينة حتى قيل له إن رجلا جاء إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم فقال أحدثك أبوك أن سفينة نوح طافت بهذا البيت أسبوعا وصلت ركعتين خلف المقام فقال نعم، فأعرض مالك عن حديثه، وكان بعد ذلك إذا سئل عنه يقول اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد فليحدثك عن أبيه عن نوح عليه السلام، فهذا الذي يسمى بقبول التلقين، وهو في الواقع نقص في العقل.

السبب السادس من أسباب الضعف هو الجهالة، والجهالة قسمان، جهالة عين وجهالة حال، فجهالة العين أن يكون الإنسان غير معروف بأن لا يسمى أصلا عن رجل أو عن رجل من أهل نجران أو عن شيخ لهم فهذا النوع هو عدم التسمية أن يكون الإنسان مبهما يسمى المبهمات، وهذا الإبهام قسمان، إبهام دون تعديل وإبهام مع التعديل، فالإبهام دون تعديل كما في سنن أبي داوود عن رجل نجراني أو عن شيخ لهم، أو عن أصحاب معاذ، أو نحو ذلك فهذا النوع يسمى الإبهام من غير تعديل، النوع الثاني الإبهام مع التعديل، مالك عن الثقة عنده، مالك عمن يثق به من أهل العلم، هذا أبهمه أي لم يسمه ولكنه مع ذلك وثقه، فإنه قال مالك عمن يثق به، أو مالك عن الثقة عنده، فهذا النوع إبهام لأنه لم يسمه، لكنه مع التعديل، لأنه وثقه، فالإبهام دون تعديل عن رجل، أو عن رجل نجراني أو عن رجل من أهل مكة، أو عن شيخ لهم، أو عن رجال من مزينة، كما في حديث بن عكيم أو عن أصحاب معاذ كما في حديث أن معاذا حين أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال له: بم تقضي بين القوم؟ قال: أقضي بينهم بكتاب الله قال فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال فإن لم تجد قال: أجتهد رأيي ولا آلوا، فهذا الحديث من رواية عبد الرحمن بن غنم عن أصحاب معاذا، و الإبهام مع التعديل علة لأن الحافظ لا يبهم إلا لعلة، الحافظ دائما لا يبهم إلا لعلة، فمالك إذا قال عمن يثق به، أو عن الثقة عنده فقد ذكر كثير من أهل الحديث أنه يقصد بذلك محمد بن عمر الواقدي، ومحمد بن عمر متروك لدى أهل الحديث لكن كان بينه وبين مالك ثقة و كان مالك يثق به لحسن صلاته، وهو غير ثقة لدى غيره، وهذا الذي اعتذر به الشيخ محمد حبيب ولد مايابى عن الإمام مالك في روايته عنه، فقال: إذا كان الثقة عنده الواقدي فإنه ثقة عند مالك ولو لم يكن ثقة عند غيره، فقد اطلع منه مالك على ما يوثقه به ولم يطلع غيره على ذلك، وقد يكون الإنسان ثقة عند إنسان وهو غير ثقة عند غيره، ولذلك  فمالك في الموطأ كل الرجال الذين روى عنهم وسماهم عدول إلا واحدا، وهو أبو أمية عبد الكريم بن أبي المخارق، قال أهل الحديث ولم يكن بلديه فغره بحسن صلاته فروى عنه، لم يكن بلديه أي لم يكن من أهل بلده، فغره بحسن صلاته، رأى مالك خشوعه في الصلاة وطول صلاته وحسن صلاته فاغتر به فروى عنه، هو الذي روى عنه مالك في الموطإ إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت وأن يضع الرجل يده اليمنى على يده اليسرى في الصلاة، هذا الرجل غير ثقة لدى أهل الحديث مجروح، فقد جرحه عدد من الذين يعرفونه من أهل بلده، ومع ذلك فمالك روى عنه في الموطإ لأنه لم يكن بلديه فغره بحسن صلاته، وأهل الحديث عندهم دقائق عجيبة في هذا الباب فما ذكرنا في العقل، من أغرب ما يقولون فيه ما ذكروه عن رشدين بن سعد وهو الذي عليه مدار حديث خلق الله الماء طهورا لا ينجسه إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه هذا الحديث من الأحاديث المشتهرة على الألسنة، ومداره على رشدين بن سعد، وكان رشدين رجلا صالحا فأدركته غفلة الصالحين، كلام المحدثين يقولون: وكان رشدين رجلا صالحا فأدركته غفلة الصالحين، فمن كان من أهل الصلاح والورع عادة لا يسأل عن أمور الناس ومعاشهم وحياتهم فيقع النقص في عقله، لأنه يشتغل طول يومه بالعبادة وطول ليله بالقيام، فلا يدرك شيئا من أحوال الناس ولا يعرف بياعاتهم وأشريتهم وأمورهم، فتحصل لديه الغفلة وهي نقص في العقل فمن هنا يثق بكل أحد، وهذا النوع حصل لبقية، فهو إمام من المكثرين في الحديث، ولكنه كان يروي عن كل من هب ودب، كما ذكر ذلك عنه مسلم في مقدمة الصحيح وهو شيخ هشام بن عمار وشيخ عدد من الأئمة الذين رووا عنه، قد قال مسلم في الصحيح في مقدمة الصحيح قد كان بقية يأخذ عن كل من هب ودب، و هو  بقية بن خالد، و الجهالة كما ذكرنا إما جهالة عين وقد ذكرنا منها الإبهام، ومن أنواعها كذلك من جهالة العين أن لا يروي عن الإنسان إلا إنسان واحد، إنسان لم يرو عنه إلا شخص واحد فهذا يكون مجهول عين، ولو حدث عن أبيه مثلا ولكن لم يحدث عنه إلا هو، فهذا من جهالة العين، إذا كان الإنسان روى عنه شخص واحد هذا من جهالة العين، أما جهالة الحال فهي أن يكون الإنسان مستورا لم يوثقه أحد ولا يعرف فيه طعن أيضا، فالشخص الذي روى عنه أكثر من واحد ولكنه لم يوثق، أن يكون روى عنه أكثر من واحد ولكنه لم يوثق، فهذا هو مجهول الحال، مجهول الحال ذكر اسمه ونسبه المعروف به، وروى عنه أكثر من واحد، ولكن لم يوثقه أحد، فهذا هو مجهول الحال وهو على الثقة عند ابن حبان، ابن حبان وحده صاحب تساهل، وكان يرى أن كل أوعية العلم وكل الذين يروون العلم يحملون على العدالة ما لم يرد خلاف ذلك، فالمستور ومجهول الحال عنده ثقة، ما لم يرد فيه طعن، فجهالة الحال إذن هي أن يكون الشخص قد روى عنه أكثر من واحد وهو معروف الاسم والنسب، ولكنه لم يوثق لم يوثقه أحد فهذا هو مجهول الحال، ومجهول الحال حديثه مقبول عند ابن حبان، ومردود عند غيره، فابن حبان متساهل ويرى أن الأصل في حملة العلم العدالة، وأن كل من اشتغل بطلب العلم وحمله ورواية الحديث فالأصل فيه العدالة، حتى يرد فيه طعن، وجمهور أهل العلم أنه لا بد من التوثيق، يقول الإمام الحافظ رحمه الله: \" ثم المردود إما أن يكون لسقط أو طعن\" يقول إن الرد أي رد الحديث وهو التضعيف تضعيف الحديث، إما أن يكون لسقط أو طعن، إما أن يكون لسقط أي انقطاع في الإسناد بسقط رجل من رجاله، أو طعن أي وصف يطعن في الرواة، يكون الوصف طاعنا في الرواة، \"فالسقط إما أن يكون من مبادئ السند\"، السقط له صور كثيرة منها أن يكون من مبادئ السند \"من مصنف\"، والمصنف هو المؤلف، والإسناد ثلاث درجات، ما بينك وبين صاحب الثبت، وما بين صاحب الثبت والمؤلف، وما بين المؤلف والنبي صلى الله عليه وسلم، الإسناد كله ثلاث طبقات، الإسناد كله ثلاثة أنواع، ما بينك وبين صاحب الثبت، أصحاب الأثبات الذين ألفوا كتبا جمعوا فيها أسانيدهم كالحافظ ابن حجر مثلا، وكالسيوطي، وكالسخاوي وكزكريا الأنصاري، وكالنووي، هؤلاء أصحاب الأثبات، فما بينك وبين الحافظ ابن حجر هو القسم الأول من أقسام الإسناد، وهذا لا يشترط فيه تمام العدالة وتمام الضبط وإنما تكفي فيه الرواية بالإجازة مثلا، ويكفي فيه العدالة العامة في الصفات، لأنه لا يطلب به التوثق من النقل، لأن الحافظ دوَّن ثبته، فمثلا الإسناد مني أنا إلى الحافظ بن حجر ولي كثير من الأسانيد عن الحافظ لكن منها مثلا شيخي محمد عالي بن عبد الودود، عن يحظيه بن عبد الودود، عن محمد بن محمد سالم المجلسي، عن حامد بن عمر عن الفقيه الخطاط المشهور بأتشغ الخطاط عن القاضي ابن أعل مم السباعي، عن شيخ الشيوخ الفالي و لد بو الفالي الحسني، عن علي الأجهوري، عن البرهان العلقمي، عن جلال الدين السيوطي، عن زكريا الأنصاري، عن الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، هذا الإسناد فيه أحد عشر رجلا دون الحافظ، في هذا الإسناد، فهؤلاء الرجال لا يشترط لهم كثير من معرفة تواريخهم وحياتهم، لكن يعرف فقط الاتصال حتى لو لم يسمعوا هذا الحديث فيكفي فيه الإجازة، تكفي الإجازة الإجازة العامة، إذن هذا القسم الأول من أقسام الإسناد، القسم الثاني، ما بين صاحب الثبت وصاحب الكتاب، كأسانيد الحافظ بن حجر إلى البخاري مثلا، أشهرها مثلا أن الحافظ بن حجر يحدث، فابن حجر شيخه إبراهيم التنوخي، وهو البرهان التنوخي، وهذا شيخه أحمد بن أبي طالب الحجار، وهذا شيخه عبد الأول بن عيسى السجزي المشهور بأبي نوح، شيخه عبد الأول بن عيسى السجزي، بالسين فالجيم فالزاي وهو أبو نوح، وشيخه الحسين بن المبارك، وشيخه عبد الرحمن بن محمد الداودي، وشيخه عبد الله بن أحمد السرخسي، عن محمد بن يوسف بن مطر الفربري عن البخاري، فبين الحافظ ابن حجر والبخاري إبراهيم التنوخي، وأحمد بن أبي طالب الحجار، وعبد الأول بن عيسى السجزي، والحسين بن المبارك، وعبد الرحمن بن محمد الداودي، وعبد الله بن أحمد السرخسي، ومحمد بن يوسف بن مطر الفربري، سبعة، والبخاري هو الثامن، فإذن هذا هو النوع الثاني من أنواع الإسناد ما بين صاحب الثبت وصاحب الكتاب، القسم الثالث ما بين صاحب الكتاب وبين النبي صلى الله عليه وسلم ما بين البخاري والنبي صلى الله عليه وسلم وهذا يختلف فكل حديث له إسناد مختص به، بينما أنت الآن إذا رويت عني صحيح البخاري من هذا الإسناد الذي سقته عن محمد عالي بن عبد الودود عن يحظيه بن عبد الودود عن محمد بن محمد سالم عن حامد بن عمر عن أتشاغ الخطاط، عن القاضي بن أعل مم عن شيخ الشيوخ الحسني، عن علي الأجهوري عن البرهان العلقمي عن الجلال السيوطي عن زكريا الأنصاري عن الحافظ بن حجر عن إبراهيم التنوخي عن أحمد بن أبي طالب الحجار، عن عبد الأول بن عيسى السجزي، عن الحسين بن المبارك، عن عبد الرحمن بن محمد الداودي، عن عبد الله بن أحمد السرخسي، عن محمد بن يوسف بن مطر الفربري، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه البخاري، فهذا الإسناد إسناد واحد تروي به سبعة آلاف حديث، و هي ما في الصحيح، لكن كل حديث له إسناد مختص من البخاري فأول حديث في البخاري مثلا يقول فيه البخاري حدثنا الحميدي عبد الله بن الزبير قال أخبرنا سفيان عن يحيى بن سعيد الأنصاري أن محمد بن إبراهيم التيمي أخبره أنه سمع علقمة بن وقاص الليثي يقول سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى والحديث الثاني يقول فيه البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن الحارث بن هشام سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي، الحديث الذي حدثتكم به، والثالث يقول فيه البخاري حدثنا يحيى بن بكير قال أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو في غار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد، إلى آخر الحديث، فهذا الحديث له إسناد مختلف عن الذي قبله، والذي قبله له إسناد مختلف عن الذي قبله، وهكذا فكل حديث له إسناد يختلف عن سابقه، ولذلك تجدون الحديث الذي بعده أيضا يقول فيه البخاري حدثنا موسى بن إسماعيل قال حدثنا أبو عوانة قال حدثنا موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قول الله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه قال ابن عباس فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحركهما فحرك شفتيه قال سعيد فأنا أحركهما لكم كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} إلى آخر الحديث، فهذا له إسناد أيضا يختلف عن سابقه وهكذا، فإذن هذه ثلاثة أقسام في الإسناد، منك إلى صاحب الثبت، ومن صاحب الثبت إلى صاحب الكتاب، ومن صاحب الكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منتهاه، فمبادئ السند إذا حصل منها السقط وهو من صاحب الكتاب في السند المقصود به هنا القسم الثالث من صاحب الكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حصل السقط من أوله من مبادئ السند فهذا الذي يسمى بالمعلق، فلذلك قال: \" إما أن يكون من مبادئ السند من مصنف\" من مصنف أي مؤلف كتاب، فهذا الذي يسمى بالمعلق، \"أو من آخره بعد التابعي\"، أو من آخره أي من آخر الإسناد مما يلي النبي صلى الله عليه وسلم بعد التابعي وهذا الذي يسمى بالمرسل إذا سقط منه الصحابي، و أوله ما يليك أنت أيها المحدث، فأهل الحديث يقولون كفىبالرجل شرفا أن يكون اسمه أدنى سلسلة أسماها اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأعلى الحديث اسم النبي صلى الله عليه وسلم هذا أعلى الإسناد، وأدنى الإسناد ما يحدث به المحدث الآن، والسلسلة بينهما على تراتبها، فإذا حصل السقط من أعلى الإسناد مما يلي النبي صلى الله عليه وسلم سقط منه الصحابي فهذا الذي يسمى بالمرسل، \"أو غير ذلك\" أي حصل منه السقط في وسطه، فإن كان بواحد أو بأكثر من واحد لا على التوالي فهذا الذي يسمى بالمنقطع، وإن كان باثنين على التوالي فهذا الذي يسمى بالمعضل، فلذلك قال: \"فالأول المعلق\"، فالأول أي ما حصل منه السقط من أسفل الإسناد، من أدناه مما يلي المحدث منه، من مبادئ السند هذا الذي يسمى بالمعلق، فالأول المعلق \"والثاني المرسل\" والثاني وهو ما حصل السقط من آخره من أعلاه، سقط منه الصحابي، هذا الذي يسمى بالمرسل، \"والثالث إن كان باثنين فصاعدا مع التوالي فهو المعضل وإلا فالمنقطع\"، وإلا معناه بأن حصل منه السقط في مرتبة واحدة سقط منه واحد أو سقط منه عدد لكن على غير التوالي، فهذا الذي يسمى بالمنقطع، \"ثم قد يكون واضحا أو خفيا\"، قد يكون السقط واضحا، أو خفيا معناه وقد يكون خفيا، \"فالأول يدرك بعدم التلاقي\" السقط الواضح جدا يدرك بعدم التلاقي، إذا كان الشيخ مات قبل ميلادك أنت، فحدثت عنه فسنعرف أن الإسناد منقطع لأنك قطعا لا يمكن أن يحدثك وهو ميت في قبره، ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون، إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولو مدبرين، وما أنت بمسمع من في القبور إن أنت إلا نذير، ولذلك فإن الحاكم النيسابوري سمع شيخا يحدث عن هشام بن عمار، فقال له: متى دخلت مصر؟ قال: سنة ست وثمانين، فقال إن هذا الشيخ لقي هشام بن عمار فحدثه بعد موته بإحدى عشرة سنة، فيحتاج إلى معرفة التاريخ، الاتصال والانقطاع إنما يعرفان بتواريخ وفيات الشيوخ، فإذا كان الإسناد عرفت أن شيخا فيه حدث عمن مات قبل مولده، أو من مات قبل أن يدخل هو بلد ذلك الشيخ، فاعرف أن الإسناد منقطع وهذا الانقطاع الواضح جدا، فلهذا قال: \"وإلا فالمنقطع، ثم قد يكون واضحا أو خفيا فالأول يدرك بعدم التلاقي\"، الأول وهو الانقطاع الواضح يعرف بعدم التلاقي، \"ومن ثم احتيج إلى التاريخ\" من ثم معناه من أجل كون الانقطاع إنما يعرف بعدم التلاقي، احتيج إلى التاريخ فكان علما من علوم الحديث، تواريخ وفيات الرجال، ولذلك فأول كتاب ألف في التاريخ هو كتاب خليفة بن خياط وهو المشهور بشباب لقبه شباب واسمه خليفة بن خياط، وهو شيخ البخاري رحمه الله، وقد ألف كتاب التاريخ ولم يذكر فيه من التواريخ إلا ثلاثة أمور كل عام يذكر فيه ثلاثة أمور، من مات فيه من أهل الحديث، ومن قاد فيه الشاتية والصائفة، ومن أقام الحج للناس، \"ومن ثم احتيج إلى التاريخ\"، والتواريخ بعد ذلك كثيرة فيحيى بن معين له ثلاثة تواريخ ألفها كل واحد منها رواه عنه تلميذ من تلامذته، والبخاري ألف كتاب التاريخ الكبير وهو مرتب على المعجم، على ترتيب المعاجم، وهو أول معجم عرف في هذه الأمة الإسلامية، ولذلك لما عرضه على إسحاق بن راهويه فرأى ترتيبه على أسماء الرجال، تعجب من ترتيبه على الحروف، فقال هذا السحر بعينه، هذا الترتيب إنما هو بمثابة السحر لأنه حاصر لا يمكن أن يند عنه أحد، وبعد هذا أصبح المحدثون يرتبون على هذا الترتيب، فكتب الرجال مرتبة على هذا، كتاب الكمال مثلا، وكتاب تهذيب الكمال، والكتب التابعة لتهذيب الكمال مثل كتاب تذهيب الكمال، وكتاب تهذيب التهذيب، وكتاب تقريب التهذيب، وكتاب خلاصة التهذيب، وكتاب تقريب التهذيب كلها على هذا الترتيب، وبعض المحدثين يبدأ أولا كتاب الهمزة بالأحمدين، ثم بالإبراهيمين، ثم يعود إلى ترتيب الحروف، تيمنا باسم أحمد واسم إبراهيم، ثم بعد ذلك يعود إلى ترتيب الحروف لأن الترتيب ليس {من[1]} الحرف الأول فقط، بل الحرف الثاني كذلك، فأحمد كان ينبغي أن تأتي بعد إبراهيم لأن الباء سابقة على الحاء، لكنهم يبدؤون بالأحمدين تيمنا ثم بالإبراهيمين وهكذا، \"والثاني المدلس\"، والثاني وهو الانقطاع الخفي، لأنه قال: قد يكون واضحا أو خفيا فالانقطاع الخفي هو المدلس، هو الذي يسمى بالمدلس، \"ويرد بصيغة اللقي كعن وقال\"، التدليس يرد بصيغة اللقي، أي يحدث الشخص بحديث بما يدل على سماعه ولقيه، كأن يقول عن فلان، أو أن يقول أن فلانا قال كذا، أو أن يقول قال: فلان، فهذا النوع هو الذي يوقع في الإشكال، لأنه يوهم أنه سمع منه، ولذلك فالعنعنة وهي أن يقول المحدث عن فلان لا تقبل من المدلسين وتقبل من غير المدلسين، فمن كان مشهورا بالتدليس حملت عنعنته على عدم السماع، ومن كان معروفا بعدم التدليس حملت عنعنته على السماع، فالعنعنة تقبل من غير المدلس ولا تقبل من المدلس، لذلك قال: \"والثاني المدلس ويرد بصيغة اللقي كعن وقال\"، أي يرد بصيغة تدل على اللقي أنه لقيه، كعن وقال، من المعاصر، قال فلان لا تقبل من المدلس ولكن تقبل من غير المدلس، إذا قال البخاري في الصحيح قال هشام بن عمار كما في حديث المعازف فإن البخاري قال فيه قال هشام بن عمار حدثنا صدقة، وهذا محمول على السماع وليس من باب المعلق، ولذلك قال العراقي في الألفية:

بصيغة الجزم فتعليقا عرف
لشيخه عزا بقال فكذي
لا تصغ لابن حزم المخالف

 

وإن يكن أول الاسناد حذف
ولو إلى آخره أما الذي
عنعنة كخبر المعازف

قال: \"ثم الطعن إما أن يكون لكذب الراوي أو تهمته بذلك أو فحش غلطه أو غفلته، أو فسقه، أو وهمه أو مخالفته أو جهالته أو بدعته أو سوء حفظه\" فالطعن في الراوي يكون لعدد من الأسباب منها أولا ما يتعلق بالكذب، أن يكون الراوي غير معروف بالصدق بأن كان جرب عليه الكذب، هو سقط منه شيخه فأرسل إليه، فأسقط الشيخ الذي سمع منه هذا الحديث، فأرسل إلى شيخ شيخه وهو معاصر له لكن الواقع أنه لم يلقه، وإذا كان لقيه أيضا فكذلك، إذا كان لقيه و لم يسمع منه، لم يسمع منه هذا الحديث وسمعه من أحد تلامذته فنسبه إليه، ولذلك فالورع دائما يقتضي من الإنسان أن لا يحدث عن شيخه إلا بما تأكد أنه سمعه منه، ولهذا فيحيى بن يحيى الليثي الذي روى الموطأ عن مالك وهو يحيى بن يحيى المصمودي مولى بني ليث وروايته هي المشهورة لدى المغاربة، وهي التي شرح عليها أبو عمر بن عبد البر وابن العربي وغيرهما من الأندلسيين، هذه الرواية هي المشهورة بين الناس الآن رواية يحيى، هذه الرواية سمع فيها يحيى سمع فيها الموطأ يقرأ على مالك إلا أبوابا منه شك في سماعها من مالك، فرحل إلى علي بن زياد فسمعها منه فكان يحدث بها عن علي بن زياد عن مالك، وهذه الأبواب من آخر الاعتكاف، شك يحيى في سماعها من مالك، فلم يعتمد على ذلك السماع المشكوك فيه، فرحل إلى تلميذ مالك علي بن زياد، فسمعها منه فحدث بها، ثم الطعن إما أن يكون لكذب الراوي كما إذا كان الراوي كذابا، وهذا شر أنواع الطعن فيما يتعلق بالرواية، الإنسان الذي يتعمد الكذب، أو يروي ما يعلم أنه مكذوب، فهما سواء، لما أخرج مسلم في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حدث عني بحديث وهو يعلم أنه مكذوب علي فهو أحد الكاذبِين، وفي رواية فهو أحد الكاذبَين، الكاذبَين أي هو كاذب والوضاع كاذب، فهو أحدهما، أو أحد الكاذبِين أي هو نفسه كذاب، كل حديث سمعته وأنت تظن أنه كذب لا يحل لك التحديث به إلا إذا حدثت به على وجه التعليل، قلت حدثني فلان بكذا وكذا ولكني لا أقتنع بهذا، أو تحدث به ثم تعلله، \"لكذب الراوي أو لتهمته بذلك\"، كذلك الطعن قد لا يكون لكذب فلم يعرف الراوي بالكذب ولكنه متهم به، إذا روى ما يخالف له الثقات فاتهمه بعض الأئمة بالكذب ولم يثبت عليه، فهذا أيضا يحتاط فيه ولذلك قال يحيى بن معين: إنا لنتكلم في أقوام عسى أن يكونوا حطوا أرحلهم بالجنة قبل مائة عام، ولكن لأن يكونوا خصما لنا أحب إلينا من أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم خصما لنا، فيحتاط لحديث النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا النوع من الاحتياط، والغريب أن أهل الحديث إذا تكلموا في أي رجل فلا بد أن يوجد فيه مطعن، وإذا اتفقوا على تزكية شخص فهذا من حفظ الله تعالى لسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال ابن المبارك والله لو هم رجل أن يضع الحديث بالليل بالصين لأصبح الناس ببغداد يقولون فلان كذاب وضاع، إذا هم بذلك في الليل بالصين فسيصبح الناس في بغداد يقولون فلان كذاب وضاع لأن الله سيرفع عنه ستره لأنه تعهد بحفظ الشرع، ومن التعهد بحفظ الذكر التعهد بما يحتاج إليه الناس من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه بيان للذكر، الله تعالى يقول: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، وبيانه يحتاج الناس إلى حفظه كحاجتهم إليه هو، \"أو تهمته بذلك أو فحش غلطه\"، كذلك إذا كان كثير الغلط فأصبح ذلك فاحشا فيه، فالإنسان قد يقع منه الغلط، مرة أو مرتين أو ثلاثا في الحديث أو في الكلام العادي ينقلب عليه الكلام، وبالأخص إذا كان الإنسان يحدث فيستطرد، مثل حديثنا هذا ستجدون فيه كثيرا من الأغلاط لو رجعتم إلى الشريط، لكن هذا النوع ليس هو الغلط الفاحش، فالغلط الفاحش هو ما كثر من الإنسان بحيث لا تدري هل ما قاله الآن غلط أو غير غلط، كثر منه الغلط حتى أصبح غالبا على حديثه، فهذا الذي يرد به ترد به الرواية، أما الغلط القليل فليس فاحشا ولا يضر، ولذلك فكثير من دور النشر اليوم التي تطبع الكتب تصنف هذا التصنيف على أنها من أهل فحش الغلط كثرة غلطها، فأخطاؤها كثيرة جدا فلذلك لا يعتمد عليها، \"أو غفلته\"، كذلك إذا كان لديه نقص في العقل، يقتضي غفلة والغفلة أنواع منها قبول التلقين ومنها النقص في العقل الذي يقتضي من الإنسان أن يثق في كل أحد مثلا، فهذا النوع هو من الغفلة، أو فسقه، كذلك الطعن يكون لفسق الراوي والواقع أن ما سبق من الكذب داخل في الفسق، لأننا قسمنا من قبل عدم العدالة إلى الطعن في العقيدة والطعن في العمل، فالطعن في العقيدة يشمل البدعة، والطعن في العمل يشمل الكذب والفسق وغير ذلك من أنواع الفسق، فالكذب فسق، \"أو وهمه\" كذلك إذا كان الإنسان يهم فيظن أنه سمع شيئا لم يسمعه، وهذا الذي يشتهر بين الناس في الرواية فيقولون فلان (اتشيل وذن) معناه يظن أنه سمع شيئا لم يسمعه، وذلك إما لضعف في السمع، أو لخفة في العقل والتدبر، أو لسهو شديد، فهذا النوع كله طعن في الرواية لأنه عدم ضبط، \"أو مخالفته\"، كذلك إذا كثرت مخالفته للثقات فهذا يدل على عدم ضبطه وقد سبق أن معيار الضبط الذي ذكره مسلم في مقدمة الصحيح هو أن ينظر إلى عالم من العلماء الكبار الذين لهم طلاب مشاهير، فحديثهم لا يخرج عن حديث طلابهم، حديثهم هو ما رواه عنهم طلابهم، فإذا روى عنهم الإنسان حديثا يخالف فيه طلابهم، و لم نجده عند أحد من طلابهم، وانفرد هو به فهذا مظنة للطعن فيه، وكذلك إذا زاد في حديثهم أو نقص فكثر ذلك منه فهذا عدم ضبط، قد ذكرت أن مسلما مثل لذلك بمحمد بن شهاب الزهري فحديثه محصور لدى طلابه لدى مالك بن أنس وعبيد الله بن عمر العمري، ومعمر بن راشد ويونس بن يزيد الأيلي، ويونس بن حبيب، وصالح بن كيسان، وهؤلاء الأئمة الأثبات الكبار، فإذا جاء معاصر لهم فحدث بحديث عن الزهري وهو غير معروف لدى هؤلاء فهذا يدل على عدم الضبط، لأنه لو كان من حديث الزهري لرواه عنه أصحابه كمالك وعبيد الله بن عمر العمري وغيرهم، أو مخالفته، إذا خالف الثقات فاشتهرت مخالفته للثقات فإن ذلك من الطعن فيه، أو جهالته كذلك الجهالة هي طعن في الراوي، إذا كان الراوي مجهول العين أو مجهول الحال فذلك طعن فيه، أو بدعته إذا كان الراوي معروفا بالبدعة، والبدعة لا تكون إلا في الاعتقاد أو في العمل، فالبدعة إما عقدية وإما تعبدية، لا تدخل إلا في العقائد والعبادات المعاملات ليس فيها بدعة، فالبدع إذن في العقائد والعبادات فقط، أما العقائد فقد حرمت البدعة فيها، لأن الإنسان لا يمكن أن يعتقد إلا ما جاء به الوحي لأن أمور العقائد لا تعرف عن طريق العقل فليس فيها مدخل للاجتهاد إلا فيما يتعلق بفهم النصوص والجمع بينها، وكذلك العبادات فإن الإنسان لا يمكن أن يتعبد الله تعالى إلا بما شرع الله له، لأنه لا يمكن أن يصل إليه بنفع و لا بضرر فلا يمكن أن يتعبده إلا بما شرع، قال: \"أو جهالة، أو بدعته أو سوء حفظه\"، كذلك من أوجه الطعن سوء الحفظ أن يكون الإنسان سيء الحفظ، \"فالأول\" أي أول أقسام الطعن المذكورة هنا وهي كذب الراوي، الحديث إذا كان في إسناده من هو كذاب فهذا هو \"الموضوع\"، والموضوع معناه المنسوب كذبا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو شر أنواع الحديث، والثاني وهو إذا كان الطعن لفحش غلطه، وإذا كان الإنسان فاحش الغلط أو نحو ذلك فهذا حديثه يسمى بالمتروك وهو نفسه يسمى أيضا بالمتروك، كذلك إذا كان شديد الغفلة فهذا هو الثالث، هذا يسمى المنكر على رأي، وقد سبق لنا تعريف المنكر في مصطلح سابق وذكرت لكم أنه سيتردد عليكم، وكذا الرابع والخامس، كذا الرابع والخامس وهو الحديث إذا كان في إسناده فاسق أو كان فيه من يهم فهذا يسمى أيضا بالمنكر، على رأي معناه عند طائفة من الذين يصطلحون على هذا، \" ثم الوهم إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق فالمعلل\" ثم الوهم إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق فالمعلل، الوهم يمكن الاطلاع عليه بعدد من الأمور، منها إقرار الشخص الواهم، أن يقر بأنه وهم في الحديث، ومنه ما يكون بغير ذلك فما كان راجعا إلى إقرار الشخص به فلا يسمى علة، لأن الراوي صرح به، فهذا لا يسمى علة بل هو رجوع عن الغلط، وبيان له، لكن إذا كان أمرا خفيا لا يطلع عليه إلا بجمع الطرق، و جمع الطرق يسمى بالاعتبار وقد سبق في الدرس البارحة، أو بالقرائن إذا كان الوهم اطلع عليه بالقرائن عرفناه بقرائن وهذه القرائن لا يعرفها إلا أهل الحديث المتمرسون به ولذلك سئل أبو زرعة عن علل بعض الأحاديث فذكر علتها، فقيل ما هذا؟ بم عرفت علته؟ فقال: إذا سألتني عن حديث فقلت لك هو معلل فاذهب إلى أبي حاتم فاسأله فسيقول هو معلل، ثم اذهب إلى ابن حنبل فاسأله فسيقول هو معلل، ثم اذهب إلى ابن معين فاسأله فسيقول هو معلل، ثم اذهب إلى ابن راهويه فاسأله فسيقول هو معلل، فإذا اتفقنا على ذلك فاعلم أنه نور يقذفه الله في قلب من شاء من عباده، وأهل الحديث يقولون إن الإنسان إذا كثر حفظه للحديث لم يلتبس عليه لفظ النبي صلى الله عليه وسلم بألفاظ غيره، إذا حفظ كثيرا من الحديث تذوق طعم اللفظ النبوي وأصبح يرى نورا على الحديث يعرف به أنه صحيح، ويعرف ما سواه أيضا، فلا يلتبس عليه كلام النبي صلى الله عليه وسلم بكلام غيره، ونحن نشاهد هذا في أنفسنا فيما يتعلق بالشعر أنا الآن إذا كنت أحفظ كثيرا من الشعر لشاعر من الشعراء فإذا سمعت شعرا ينسب إليه فسأعرف هل هو من شعره أم لا لأني أعرف مستواه مثلا في الإبداع وأعرف هل هذا من شعره أو ليس من شعره، فكذلك أهل الحديث يعرفون الحديث أيضا بكثرة المراس، كثرة الممارسة فهذه هي العلة، \"ثم المخالفة إن كانت بتغيير السياق فمدرج الإسناد، مخالفة\" الراوي لغيره يمكن أن تكون في الإسناد أو في المتن، فإن كانت بتغيير السياق معناه باختلاف في الإسناد فهذا الذي يسمى بمدرج الإسناد، بتغيير السياق، تغيير السياق ذكر إسنادا وذكر له في هذا الإسناد غير في سياق الحديث، فهذا يسمى مدرج الإسناد، غير في السياق معناها في ذكر الإسناد، بدل فيه رجلا برجل آخر مثلا، أو بدمج موقوف بمرفوع، فمدرج المتن، كذلك إذا أدخل في الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهذا يسمى مدرج المتن، والمدرج هو المدخل من أدرج الشيء إذا أدخله، فإذا فسر الراوي لفظا من الألفاظ النبوية الواردة في الحديث بلفظ من عنده ورواه الناس عنه فدخل في الحديث فهذا يسمى مدرج المتن، ومن أمثلته الحديث السابق الذي حدثتكم به يقول البخاري في الصحيح حدثنا يحيى بن بكير قال أخبرنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: [أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو في غار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد، وهو التعبد هذا اللفظ مدرج وهو من كلام الزهري محمد بن مسلم بن شهاب، فليس من كلام عائشة ولا من كلام عروة بن الزبير الذي روى عنها وإنما هو من كلام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الذي روى عن عروة بن الزبير عن عائشة، لا يؤثر على صحة الحديث، لكنه قد يكون جملة تتعلق بحكم فتخفى، مثل حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: بم تعرف أمتك يوم القيامة فقال: إن أمتي يردون علي الحوض غرا محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل، فجملة فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل مدرجة ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأننا وجدنا هذا الحديث من رواية ثوبان ليس فيه ذكر لهذه الجملة، ووجدناه أيضا من رواية أبي هريرة وليس فيه ذكر لهذه الجملة، فعرفنا أنها من كلام أبي هريرة، \"أو بتقديم أوتأخير فالمقلوب\"، أو بزيادة راو فالمزيد في متصل الأسانيد، أو بزيادة راو فالمزيد في متصل الأسانيد إذا كانت المخالفة بزيادة راو وقد سبق البارحة بيان مثل ذلك في حديث بسرة بنت صفوان، فإن عروة بن الزبير يرويه تارة عن مروان عن بسرة، وتارة يرويه عن بسرة مباشرة، فيكون هذا الحديث من المزيد في متصل الأسانيد ومثل ذلك حديث الأربعة وحديث الأربع، فحديث الأربعة المشهور بهذا الاسم هو الحديث الذي أخرجه البخاري في الصحيح ومسلم في الصحيح أيضا وفي إسناده أربعة من الصحابة، فهذا الحديث مشتهر بحديث الأربعة، حديث عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ما أتاك من هذا المال من غير مسألة ولا استشراف نفس فخذه، وما لم يأتك فلا تتبعه نفسك، فهذا الحديث في إسناده أربعة من الصحابة وهم عبد الله بن السعدي والمسور بن مخرمة وحويطب بن عبد العزى وعمر بن الخطاب، فهؤلاء أربعة من الصحابة، لكن البخاري أسقط أحدهم، وحديث الأربع هو الذي في إسناده أربع من الصحابيات، هو الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عروة بن الزبير عن زينب بنت أم سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش، فهذا الحديث أسقط منه مسلم إحدى النسوة الأربع، فهذا يسمى من المزيد في متصل الأسانيد، فالحديثان متصلان على كل حال، ولو مع السقط، لأنه يحمل على السماع، فلذلك قال: فالمزيد في متصل الأسانيد، \"أو بإبداله ولا مرجح فالمضطرب\"، أو بإبداله أي إبدال راو مكان آخر، في السياق ولا مرجح بينهما، فهذا يسمى المضطرب والاضطراب يقع في المتن ويقع في الإسناد وهو علة من العلل، فالاضطراب في المتن أن يقع التبديل الكثير فيه المغير للمعنى، كحديث أنس في البسملة قد سبق بيان ذلك فيه، فيه أيضا اضطراب في الإسناد وفيه اضطراب في المتن، قد سبقت علله وأن البيقهي ذكر له تسع علل، فمن هذا النوع وهو الاضطراب في الإسناد مثلا حديث قتل الخطإ شبه العمد، فهذا الحديث يرويه القاسم بن ربيعة فتارة يحدث به عن عقبة بن أوس، وتارة يحدث به عن يعقوب بن أوس، وتارة يحدث به هذا عن عبد الله بن عمرو، وتارة يحدث به عن عبد الله بن عمر، فإذن فيه اضطرابا في الإسناد في مرتبتين فالقاسم بن ربيعة تارة يحدث به عن عقبة بن أوس وتارة يحدث به عن يعقوب بن أوس، وعقبة بن أوس أو يعقوب بن أوس تارة يحدث به عن عبد الله بن عمرو وتارة يحدث به عن عبد الله بن عمر، ولذلك لم يعمل به المالكية، المالكية يقسمون القتل إلى قسمين فقط إلى عمد وخطإ وهذا تقسيم القرآن للقتل كما في آية النساء، وغير المالكية يعملون بهذا الحديث فيقسمون القتل إلى ثلاثة أقسام إلى عمد وشبه عمد وخطإ، فشبه العمد هو أن يتعمد الضرب ولا يتعمد القتل، فالعمد درجتان، أن يتعمد القتل فهذا العمد، وأن يتعمد الضرب ولا يتعمد القتل إذا ضرب بمنديل مثلا فهو تعمد الضرب وهذا لا يقتل مثله، فإذا مات به الإنسان فهذا عند المالكية عمد لأنه تعمد الضرب، ولذالك قال خليل: إن تعمد الضرب وإن بقضيب، القضيب السواك إذا تعمد الضرب وإن بقضيب فهذا عمد عند المالكية يقتص منه، وعند غير المالكية هذا تعمد للضرب وليس تعمدا للقتل فلا يقتل به، والمالكية لم يروا شبه العمد إلا في مسألة واحدة وهي قتل الوالد لولده بغير الذبح، إذا أضجعه وذبحه فهذا عمد، أما إذا قتله بغير الذبح فذلك شبه العمد، تغلظ فيه الدية تثلث، بدل أن كانت مخمسة تثلث، تكون الدية فيه مثلثة، لا مخمسة، منها أربعون خليفة في بطونها أولادها، تكون الدية مثلثة فقط، أي ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون خلفة في بطونها أولادها، هذا هو تثليث الدية وهو التغليظ وهو دية العمد شبه الخطإ، وذلك أن ينزو الشيطان بين الناس فتقع الدماء في غير ضغينة ولا حمل سلاح، وكذلك من أمثلة هذا النوع من الاضطراب أيضا وهو الإضطراب في المتن حديث القلتين فهذا الحديث مداره على محمد بن إسحاق والوليد بن أبي كثير، وكلاهما طبعا مطعون فيه ومحمد بن إسحاق جرحه مالك والوليد بن أبي كثير خارجي إباضي لكن كلاهما اختلف عليه فيه، فتارة يرويانه عن محمد بن عباد بن الزبير، وتارة يرويانه عن محمد بن جعفر بن عباد، وكلاهما اختلف عليه فيه فتارة يرويانه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكبر، وتارة يرويانه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر، حديث القلتين أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الماء يكون بالفلاة من الأرض وما ينوبه من السباع و الدواب فقال: إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، هذا الحديث من حديث ابن عمر، وقد عمل به الشافعية والحنابلة، ولكنه مضطرب في الإسناد مضطرب في المتن، فمن اضطرابه في المتن أن الدارقطني أخرجه فقال: إذا بلغ الماء مائة قلة لم يحمل الخبث، والرواية المشهورة إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث، وقد أخرجه الترمذي فقال إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا لم يحمل الخبث، فهذا اضطراب في المتن، أما الاضطراب في الإسناد فإن مداره على محمد بن إسحاق صاحب السير، والوليد بن أبي كثير وكلاهما اختلف عليه فيه فتارة يرويانه عن محمد بن عباد بن الزبير وتارة يرويانه عن محمد بن جعفر بن عباد، وكلاهما اختلف عليه فيه، فتارة يرويانه عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكبر، وتارة يرويانه عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر، عن عبد الله بن عمر، فوقع الاضطراب في الإسناد والاضطراب في المتن كذلك، ومثل هذا حديث الضرير وهو الدليل الوحيد للتوسل بشخص النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا الحديث رواه شعبة بن الحجاج  عن أبي جعفر عن عمارة بن خزيمة بن ثابت عن عثمان بن حنيف، ولكن وقع الاضطراب في الإسناد أيضا فتارة يرويه أيضا عن عمارة بن عثمان بن حنيف، وتارة يرويه عن أبي أمامة بن سهل عن عمه عثمان بن حنيف، الأولى عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، والثانية عن عمارة بن عثمان بن حنيف، والثالثة عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، وفيه رواية أخرى رابعة عن رجل اسمه عمارة بن زيد بن ثابت، فهذا اضطراب في المتن، بالإضافة إلى الجهالة فأبو جعفر هذا ليس مسمى ولا منسوبا، وقد قال الترمذي في السنن وهو غير الخطمي، فهذا من علل هذا الحديث وله علل أخرى غير هذه، فحديث الضرير الذي فيه التوسل،  لا يحتج به و لا يصلح الاحتجاج، وهو معلل بخمس علل، غير ما ذكر، فلذلك قال: \"أو بإبداله ولا مرجح فالمضطرب\"، والإبدال قد يقع عمدا امتحانا كما فعل أهل بغداد بللبخاري أو بتغيير حروف مع بقاء صورة الخط وهذا سيأتينا إن شاء  الله الكلام في المتفق والمفترق والمختلف والمؤتلف، فسيأتينا الكلام في المتشابه خطا ورسما، وإن كان في السياق بتغيير صورة الخط فالمصَحَّف، فالمصحف إذا كان في النقط، والمحرف إذا كان في الشكل، نعم هذا في الإسناد فقط لا في المتن، فإن كان في النقط، في الإسناد رجل اسمه بشير فسمي نسير، الرجال فهيم بَشِير وفيهم بُشَير وفيهم نُسَير مثلا، فسمي بشير نسيرا، فهو بتبديل الحروف كزيادة حرف، عبد الواحد بن زيد إذا قيل عبد الواحد بن زياد، وهما في طبقة واحدة لكن عبد الواحد بن زياد ثقة، وعبد الواحد بن زيد ضعيف، وهما في طبقة واحدة، والتحريف من الحرف أي زيادة حرف أو نقصه أو تبديل حرف بآخر، \"ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص، والمرادف إلا لعالم بما يحيل المعاني\"، إذن سنقف عند هذا الحد إن شاء الله تعالى، للتحضير، فأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم، وأسأل الله تعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا علما وإخلاصا، وأن يجعلنا أجمعين في قرة عين النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

 

 

 

يتبع



[1]  من الحرف أو في الحرف


عدد مرات القراءة : 5538



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22883846
المتواجدون الأن       16
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو