» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح ورقات إمام الحرمين في أصول الفقه الشريط الأول




بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

هذا شرح ورقات إمام الحرمين في أصول الفقه وهو تأليف صغير مختصر للتعريفات المبدئية في أصول الفقه وضعه إمام الشافعية أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني نسبة إلى جوينة من نيسابور وقد ولد رحمه سنة  419هـ وتوفي سنة 478هـ ، وكان من مشاهير المتكلمين والفقهاء والأصوليين وقد ألف هذه الورقات لتكون مبدءا لطلاب العلم يعرفون به بعض مصطلحات أصول الفقه ، وأصول الفقه علم من أهم العلوم الشرعية لأنه الذي يمكن أن يتوصل به إلى فهم الكتاب والسنة و أخذ الأحكام منهما ، و ذلك أن الكتاب والسنة يبحث فيهما من جهتين ـ جهة الورود وجهة الدلالة ، أما جهة الورود فهي النقل بمعنى التحقق من ثبوت نسبة القرآن إلى الله والتحقق من ثبوت نسبة الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذلك بالرواية والإسناد والجهة الثانية ، جهة الدلالة ومعناها ما يراد بهذا الكلام ، ما يريده الله من عباده بهذا اللفظ ، وما يريده النبي صلى الله عليه وسلم من أمته بهذا اللفظ ، وهاتان الجهتان لم يحتج الصحابة رضوان الله عليهم إلى بحثهما ، أما جهة الورود فلسماعهم من النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم وأما جهة الدلالة ، فلأنهم أهل اللسان العربي على وجه السليقة وكذلك لم تشتد حاجة التابعين إلى البحث فيهما ، أما جهة الورود فلسماعهم من الصحابة المعدلين بتعديل الله تعالى لهم لأن الله تعالى يقول: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه) ويقول: (إن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) فنفى عنهم الفسق بحلول الرضوان عليهم ، وإذا انتفى عنهم الفسق وجب لهم ضده وهو العدالة لأن المحل القابل للصفة لا يخلو منها أو من ضدها ولم يحتج التابعون كذلك إلى البحث كثيرا في جهة الدلالة لأنهم ما زالوا أهل اللسان العربي على وجه السليقة ولم تختلط الحضارة العربية بعد بالحضارات الأخرى اختلاطا مؤثرا ، لكن حين جاء أتباع التابعين احتاجوا إلى البحث بالجهتين أما جهة الورود فلأنهم لم يلقوا النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم ولم يلقوا الصحابة المعدلين بتعديل الله وإنما لقوا التابعين فيهم العدول وغير العدول  فاحتاجوا إلى البحث في جهة الورود واحتاجوا كذلك إلى البحث في جهة الدلالة لأن الحضارة العربية قد اختلطت بغيرها من حضارات أهل الأرض وتغيرت الأوضاع عما كانت عليه فانتقلت المدنية التي كانت في الحضارات الأخرى إلى جزيرة العرب وانتقلت العرب عن جزيرتهم وتغيرت لغتهم ودخلها كثير من المجاز ومن اللغات الأخرى فاحتيج إذن إلى البحث في الدلالة ومن هنالك جاءت نشأة المذاهب فليس للصحابة مذاهبهم ولا للتابعين مذاهب وإنما بدأت المذاهب مع أتباع التابعين للحاجة إلى البحث  إلى هاتين الجهتين ، وعلم أصول الفقه هو علم اقتصاد الشريعة فعلم الاقتصاد في علوم الدنيا هو العلم الذي يمكن من خلاله تغطية الحاجيات غير المحصورة من الموارد المحصورة ، وعلم أصول الفقه هو العلم الذي يمكن من خلال تغطية النوازل والوقائع غير المحصورة من النصوص المحصورة فآيات القرآن الكريم بالعد الكوفي 6214آية وبالعد المدني 6234 آية ، وآيات الأحكام منها 500 آية ، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي وصلت إلينا بالنقل لا تتجاوز 300 ألف حديث وأحاديث الأحكام منها  لا تتجاوز 11.000 حديث ، ومواقع الإجماع محصورة قليلة ، ومع هذا فالنوازل والوقائع لا حصر لها ، فكل يوم يتجدد منها الكثير ولله تعالى حكم في كل مسألة وإنما يؤخذ ذلك بالاجتهاد على طرق الاستدلال المعروفة والفهم ، وإنما يتم ذلك بأصول الفقه ، فلما كان هذا العلم بهذه المثابة احتيج إلى وضع مؤلفات فيه تبين مصطلحات أصحابه ، وتبين مرادهم بكثير من الأمور التي تخفى على من سواهم ، وأول من جمع كتابا مستقلا في هذا العلم هو محمد بن إدريس الشافعي المطلبي القرشي رحمه الله ، وقد ولد سنة 150 وتوفي سنة 204هـ وقد ألف فيه رسالته المشهورة ، ثم بعده تتابع الناس على التأليف على هذا العلم ، وقد اشتهر فيه مدرستان إحداهما تسمى بمدرسة الفقهاء ، وهي التي أخذ بها فقهاء الحنفية ، وهي تنطلق من الفتاوى والمسائل التي تروى عن الأئمة ، فيجمعون منها حشدا كبير فيجعلون منه قاعدة ، والطريقة الثانية هي التي اشتهرت بطريقة المتكلمين وعليها سار فقهاء المالكية والشافعية والحنابلة ، وهي تنطلق من أصل القاعدة ، فتمثل لها ببعض الفروع ، ولا تذكر من الفروع إلا ما كان مثال للقاعدة فقط وهذه الطريقة هي التي كثرت التآليف عليها ، وقد حاول بعض المتأخرين الجمع بين الطريقتين فألفوا بعض الكتب التي تجمع بين طريقة المتكلمين وطريقة الحنفية ، وكثرت التآليف في أصول الفقه ما بين مطول ومختصر ونظم ونثر ، وهذه الورقات قد وضع الله عليها القبول فلاقت شهرة ورواجا منذ عصر المؤلف إلى وقتنا هذا ، ولم يزل الناس يشرحونها وينظمونها ويدرسونها ويحفظونها لأولادهم الصغار والمؤلف رحمه الله بدأ بقوله

\"بسم الله الرحمن الرحيم\"

  وذلك اقتداء بالقرآن الكريم ، فإن الله افتتحه بالبسملة ، وبعدها بحمد الله عز وجل ، وشرح البسلمة يطول الكلام فيه ، وقد تعرضنا له في شرح بعض الكتب الماضية ، والمقصود هنا أبدا بسم الله الرحمن الرحيم أو أؤلف بسم الله الرحمن الرحيم أي مستعينا باسم الله الرحمن الرحيم ،\" هذه ورقات تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه وذلك مؤلفين من جزئين مفردين أحدهما الأصول والثاني الفقه\" ، بهذه المقدمة افتتح كتابه للتعريف أولا بالكتاب فقال هذه ورقات ، والورقات جمع ورقة ، وذلك للقلة ، وذلك لأنها أوراق قليلة ولا يقصد بها التطويل والتكثير ، وهي مع ذلك تشتمل على معرفة فصول من أصول الفقه ، الفصل ما اختص من العلم بما يجمعه ، وغالبا ما تسمى الفصول لما يجتمع من مسائل العلم تحت باب واحد ، فيفرق بحسب ما يجمعه إلى فصول ، ولا يقصد بذلك الفصول المعروفة في الاصطلاح بهذا ، وإنما يقصد به مسائل من أصول الفقه يهتم فيها أساسا بتعريف المقدمات الكبرى والاصطلاحات ، وقوله على معرفة أي على تعريف فصول من أصول الفقه ، ثم بدأ ذلك بتعريف أصول الفقه ، وقال وذلك أي أصول الفقه مؤلف من جزئين أي هذا الإسم مؤلف من جزئين والمقصود بالجزئين هنا الكلمتان اللتان ألف منهما المركب الإضافي وهو أصول الفقه من جزئين مفردين أحدهما أي أحد هذين الجزئين أصول ، الأصول ، والثاني الفقه ، فهاتان الكلمتان منهما تألف اسم هذا العلم ، فلهما تعريفان تعريف بالمعنى الإضافي وتعريف بالمعنى التركيبي أما تعريفهما بالمعنى الإضافي فالمقصود به تعريف الأصول بغض النظر عن إضافتها إلى الفقه وتعريف الفقه بغض النظر عن إضافة الأصول إليه ، ثم بعد ذالك التعريف بالمعنى اللقبي وهو ما يدل عليه هذا الإسم فبدأ بتعريف هذين الجزئين ، ومعنى قوله مفردين ـ أي ليس واحد منهما مركبا ، ولا يقصد الإفراد الذي يقابل للتثنية والجمع ، بل يقصد هنا أن كل واحد من هذين الجزئين  فليس فيهما تركيب إضافي  ، قال فالأصل ما يبنى عليه غيره ، فبدأ بالجزء الأول وهو الأصول فذكر أن الأصول جمع أصل وعرف الأصل فقال هو ما يبنى عليه غيره ، وهذا في الاصطلاح والأصل هو ما يبنى عليه غيره من أساس الدار وعلى ما ينبت عليه غيره كأصل الشجر في اللغة ، فالأصل ما يبنى عليه غيره \" والفرع ما يبنى على غيره\" فذكر هنا مقابل الأصل وهو الفرع في الاصطلاح وهو ما يبنى على غيره ، ثم عرف الفقه ، فقال \"الفقه معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد\" ، الفقه مصدر فقه إذا فهم ، وهو في اللغة الفهم ومنه قوله تعالى: ( قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول) أي ما نفهم كثيرا مما تقول وفي الاصطلاح معرفة الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد وتعريفه هنا بالمعرفة يقصد به الذي يقوم بنفس الفقه ، أي الصفة التي تقوم بنفس الفقيه ليكون بها فقيها ، وإذا أردنا تعريفه كعلم من العلوم قلنا ، العلم المتعلق بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد ، فنجعله قسما من أقسام العلوم يتعلق بالأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد ، والأحكام جمع حكم ، وهو في اللغة الإتقان ، يقال أحكم الشيء إحكام وحكما إذا أتقنه ، ومنه قوله تعالى: (ألمر كتاب أحكمت آياته) ويطلق كذلك على الإمساك ، فيقال أحكم السفيه إذا أمسكه عن السفه ورده عنه ، ومنه قول جرير:

أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم     إني أخاف عليكم أن أغضبا
أبني حنيفة إني إن أنجكم      أدع اليمامة لا تواري أرنبا
وهو في الاصطلاح إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه ، إثبات أمر لأمر كقام زيد ومات زيد ، وهذا واجب وهذا حرام ، أو نفيه عنه كلم يقم زيد ولم يمت زيد وليس هذا بواجب وليس هذا بحرام ، فكل ذلك يسمى حكما ، وهو ينقسم باعتبار أصله إلى ثلاثة أقسام إلى حكم شرعي وحكم عقلي وحكم عادي ، فالذي يثبت أمرا لأمر أو ينفي أمرا عن أمر لا يخلو أن يكون شرعا أي وحيا منزلا من عند الله عز وجل وما صدر عنه يسمى بأحكام الشرع ، والشرع معناه البيان والإظهار ويطلق أيضا على الشرب ، فيقال شرع الأمر إذا بينه ومنه شراع السفينة لوضوحه  وإظهاره ، ويقال شرعت الدابة إذا دخلت في الماء لتشرب منه ، وتطلق الشريعة على الماء الغرير أو البركة التي يشرب منها ، وهو في الاصطلاح ما أظهره الله من الأحكام لعباده وهيئه لأن يكون معينا تشرب منه المقاصد والتفصيلات ، والحكم الشرعي هو خطاب الله المتعلق بفعل المكلف من حيث أنه مكلف به ، خطاب الله أي هذا الذي يؤخذ منه الحكم الشرعي هو الوحي خطاب الله أي كلامه الموجه إلى عباده سواء أنزل بلفظه أو معناه كالقرآن والحديث القدسي أو أنزل بمعناه وعبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بكلامه وهو السنة النبوية ، أو جاء دليله مجملا وكلف المكلف بالاجتهاد في استخراجه واستنباطه فاستخرجه العلماء سواء أجمعوا عليه فكان إجماعا قطعيا أو لم يجمعوا عليه فكان اجتهادا قابلا للقبول والرد ، خطاب الله المتعلق بفعل المكلف ، فخرج بذلك خطاب الله المتعلق بذات الله في قوله تعالى: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) ذات الله وصفاته وخرج كذلك خطاب الله المتعلق بذات المخلوق كقوله تعالى: (خلقكم وما تعملون) خلقكم وهذا خطاب الله المتعلق بذات المخلوق ، ومن حيث إنه مكلف به خرج بها خطاب الله المتعلق بفعل المكلف لا من حيث \\إنه مكلف به بل من حيث هو مخلوق لله ، في قوله: (خلقكم وما تعملون) وما تعملون هنا خطاب الله المتعلق بفعل المكلف لا من حيث إنه مكلف به بل من حيث هو مخلوق لله عز وجل ، و القسم الثاني هو الحكم العقلي وهو قضية أي أمر قابل للصدق والكذب لا تتوقف على شرع ولا على تجربة، قضية قابلة للصدق والكذب لا تتوقف على شرع ولا على تجربة إنما تؤخذ بالعقل المجرد ، وعقول المكفلين متفاوتة ودرجاتها متباينة ، ولكن ما اتفق عليه من الإثبات والنفي هو حكم العقل سواء كان ضروريا أي لا يحتاج في استنباطه إلى التأمل أو كان نظريا أي يحتاج في استنباطه إلى التأمل ، والقسم الثالث الحكم التجريببي العادي وهو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بواسطة التكرر مع صحة التخلف ، كما يحصل في إثبات أن عقار من العقارات دواء لمرض محدد فلم ينزل بذلك وحي ولا يقتضيه عقل وإنما عرف من خلال التجربة والتكرار فتكرر تجريبه على المصابين بهذا المرض  فلوحظ تأثيره فيهم جميعا فجعل علاجا لهذا المرض ، فهذا النوع هو الحكم العادي ويمكن تخلفه ، فيمكن أن يستعمل مريض لنفس المرض هذا الدواء فلا يستفيد منه شيئا ، ويستعمله آخر فيستفيد منه ، وهذا بقدر الله تعالى ، و مثل هذا الإحراق بالنار فالأصل أن النار تحرق الأشياء القابلة للاحتراق إذا لامستها بحصول الشروط كالملامسة وانتفاء الحائل وأن يكون الشيء قابلا للاحتراق ، ولكن ذلك يمكن أن يستثنى منه ، فإبراهيم عليه السلام رمي في النار فما احترق ، وذلك بقدر الله سبحانه وتعالى وقدرته ، فهذه هي الأحكام التي طريقها الاجتهاد ، فالأحكام الشرعية منها ما يأتي صريحا في الوحي ، بنص القرآن أو بنص السنة ، فلا يكون طريق معرفته الاجتهاد وإنما طريق معرفته الوحي فهذا لا يسمى فقها بل هو من الأمور المتفق عليها التي جاءت في النص ، فمثلا وجوب الصلاة والزكاة ووجوب الطهارة ونحو ذلك إباحة البيع تحريم الربا ، هذه نصوص شرعية لا يمكن أن تنسب إلى مذهب من المذاهب ، لأنها ليست من اجتهاد أحد من الناس وإنما هي وحي من عند الله سبحانه وتعالى التي طريقها أي طريق معرفتها الاجتهاد والاجتهاد في اللغة بذل الجهد في أي شيء  فيقال اجتهد فلان في السير أي عدا فيه وجد ، ويقال اجتهد في الأمر أي بذل قصارى جهده فيه ، والاجتهاد في الاصطلاح بذل الفقيه وسعه في تحصيل ظن بالأحكام مأخوذ من أدلتها فهو مختص بمن كان فقيها أي متصفا بشروط الاجتهاد وببذله كل وسعه أي كل طاقته للوصول إلى ظن فلا يلزم القطع بالاجتهاديات بل لا يمكن القطع بها وقد كان مالك رحمه الله يقول |(إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين) فكل ما طريقه الاجتهاد يتعذر به القطع لتفاوت عقول الناس وفي تحصيل علم أي الوصول إليه بتحصيل ظن بالأحكام الشرعية أي بحكم شرعي قد جاء أصله في الوحي ثم بذل الجهد في استخراجه واستنباطه من الأحكام الشرعية ، من أدلتها أي أن يكون ذلك مأخوذا من الأدلة ، وهذا التعريف الذي ذكره هنا للفقه تعريف مختصر وللأصوليين تعريف مطول وهو الفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية الفقه إذن هو العلم بالأحكام الشرعية والعلم هنا لا يقصد به القطع بل يقصد به الفهم والإدراك فيشمل ذلك القطعيات والظنيات بالأحكام الشرعية سبق تعريفها ، العملية ، فذلك مخرج للعقائد ، فإن العلم بها علم بالأحكام الشرعية غير العملية بل النظرية ، المكتسب بخلاف الموحى فالوحي لا يكتسب إنما هو اختيار من عند الله  من أدلتها ، فاكتساب الأحكام لا يمكن أن يكون بالأوهام والتخمين بل لا بد فيه من الرجوع إلى الأدلة والأدلة جمع دليل ، والدليل في اللغة المرشد ، سواء كان ذلك في الحسيات أو في المعنويات ، فمن إطلاقه على الحسيات قول الشاعر:

إذا حل دين على اليحصبي فقل له     تزود بزاد واستعن بدليل
سيصبح فوقي أقتم الريش واقعا   بقالي قلا أو من وراء دبيل
فالدليل هنا هو الخريت الذي يعرف المسافات ويدل السائر فيها ، ومن إطلاقه على المعنويات قول الله تعالى: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا) أي علامة عليه مرشدة لوجوده ، والدليل في الاصطلاح هو ما يوصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بمطلوب خبرك ويمكن أن تقول ما يتوصل بصحيح النظر فيه أي بالنظر الصحيح فيه إلى العلم بمطلوب خبري ، فالتوصل إنما يكون بصحيح النظر أي النظر الصحيح ، والنظر حركة النفس في المعقولات ، وحركتها في المحسوسات تسمى بالتخيل والنظر إذن هو التفكير ، وهو صحيح وفاسد فالصحيح من النظر هو ما كان من الجهة التي يدل منها الدليل على مدلوله ، والفاسد من النظر هو ما كان من الجهة التي لا يدل منها على مدلوله ، فمثلا الذي يريد أن يعمل دولابا من خشب إذا بحث في الخشب من جهة قدمه أو حداثته أو من جهة ملك فلان له أو نحو ذلك فهذا الوجه لا يوصل إلى المراد ، لكن إذا بحث من جهة استقامة الخشب و اعوجاجه ولينه وقساوته أدى هذا إلى المطلوب ، لأنه الوجه الذي يعين على صناعة الدولاب منه ، العلم أيضا أغلب إطلاق الأصوليين للدليل على ما يوصل إلى العلم أو الظن ، وبعضهم يخص ما يوصل إلى العلم بهذا المصطلح الدليل ، ويطلق على ما يوصل إلى الظن الأمارة ، ولكن ذلك الاصطلاح مندرس لم يسر عليه المؤلفون ، وقوله إلى مطلوب خبري المطلوب هو تتعلق به النفس والمقصود به ، الأمر الذي يكون قبل إقامة الدليل عليه ، دعوى ووقت إقامة الدليل مطلوبا وبعد إقامة الدليل نتيجة ، فهو نتيجة ذلك الدليل ، وقولنا خبري منسوب إلى الخبر ، فالكلام ينقسم إلى قسمين: إلى إنشاء وخبر ، فالإنشاء إيقاع معنى بلفظ  يقارنه في الوجود كالطلب ، قم ، اجلس ، وهكذا ، فهذا إنشاء ، فهو إيقاع معنى بلفظ يقارنه بالوجود ، فهذا المعنى لم يوجد قبل قوله قم ، ولا يتعلق به التصديق ولا التكذيب ، وأما الخبر فهو التحدث عن أمر سبق التحدث عنه ، كقوله: قمت بالأمس ، أو كنت قائما في مكان كذا ، أو ستقوم ، فهذا تحدث عن أمر لا يقارن وجوده ، التحدث به ، وهو قابل للتصديق والتكذيب ، فالخبر كله يقبل الصدق والكذب بخلاق الإنشاء فلا يقبلهما ، والذي يحتاج إلى الدليل هو ما يقبل الصدق والكذب ، لأن ما لا يقبل التكذيب أصلا لا يحتاج فيه إلى الدليل  فإنما يحتاج في الدليل إلى ما يقبل التصديق والتكذيب فلهذا قلنا إلى مطلوب خبري ، والأدلة تنقسم إلى قسمين: إلى أدلة إجمالية وأدلة تفصيلية ، فالأدلة الإجمالية هي أجناس الأدلة كالكتاب والسنة والإجماع والقياس والأدلة التفصيلية هي جزئيات هذه الأجناس ، فمثلا الأدلة التفصيلية من الكتاب هي قوله تعالى: (يأ يها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلواة فاغسلوا وجوهكم) فهذا دليل على وجوب غسل الوجه في الوضوء والآية هي دليل وجوب الوضوء ، وهكذا فهذا دليل تفصيلي لا دليل إجمالي والفقه إنما يؤخذ من الأدلة التفصيلية فهي التي يبحث فيها في علم الفقه ، وأما أصول الفقه فإنما يتعلق البحث فيه بالأصول الإجمالية والبحث فيه عن الكتاب ، كجنس عن الأدلة التفصيلية والسنة كذلك وهكذا ، فإذن هذا تعريف الفقه وبه يعرف أصول الفقه إذن بالمعنى اللقبي ، و هو الأدلة الشرعية الإجمالية وطرق الاستفادة منها و حال المستفيد وإذا أردت الصفة التي يتصف بها الأصولي فتقول هو العلم بالأدلة الشرعية الإجمالية وطرق الاستفادة منها وحال المستفيد فإذن هذا معنى أصول الفقه في المعنى اللقبي انه العلم بالأدلة الشرعية الإجمالية ، أي أجناس الادلة ، وطرق الاستفادة أي طرق أخذ الأحكام منها ، وهذا يدل على أن الأحكام أيضا تبحث في اصول الفقه وحال المستفيد ، أي حال الذي يأخذ الأحكام من الأدلة وهو المجتهد ، إذن هذه ثلاثة أمور ينتظمها أصول الفقه في الاصطلاح أولا: الكلام في الأدلة نفسها ، ثانيا: الكلام في طرق دلالتها على الأحكام ، ثالثا: الكلام في شروط آخذها من الأحكام وهو المجتهد وقد اختلف في موضوع أصول الفقه ، فقيل هو الأدلة الشرعية ، ، وقيل هو الأحكام الشرعية ، والواضح أنه جامع للأمرين الأدلة الشرعية الإجمالية والأحكام الشرعية كذلك ، لأن الأمرين يبحث فيهما في أصول الفقه ، ولهذا بدأ هو بالأحكام فقال \"الأحكام الشرعية\" ،

 عقد هذا الباب في بيان أقسام الحكم الشرعي ، قال\" والأحكام سبعة: الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه والصحيح والباطل \"، الأحكام الشرعية تنقسم إلى قمسين: القسم الأول يسمى بالأحكام التكليفية والقسم الثاني يسمى بالأحكام الوضعية ، أما الأحكام التكليفية فهي ما يكلف الله به الناس طلبا أو نهيا طلبا لفعل أو ترك أو تخييرا بينهما ، فالطلب إما أن بكون جازما أو غير جازم ، فالجازم هو الذي يسمى بالإيجاب ، وغير الجازم هو الذي يسمى بالندب  وطلب الترك إما أن يكون جازما وهذا الذي يسمى بالتحريم ، أو هذا الذي غير جازم ويسمى بالكراهة، والتخيير هو الذي يسمى بالإباحة فهذه إذن الخمسة هي الأحكام التكليفية وهي منسوبة إلى التكليف ، والتكليف هو طلب ما فيه كلفة أن يطلب الشارع من عبده ما فيه كلفة أي مشقة ، وهي مشقة الامتثال ، ولا يقصد بها أن كل ما يكلفنا الله به سبحانه وتعالى فيه مشقة فالمشقة بمعنى ما لا يقدر عليه مرفوعة أصلا (ما جعل عليكم في الدين من حرج) وحصول المشقة يقتضى التيسير في الأحكام الشرعية ، وإنما يقصد هنا أن في ذلك طلبا لأمر لم يكن المكلف يفعله من تلقاء نفسه وإنما يفعله طاعة لله سبحانه وتعالى ، ففيها التماس للطاعة فيها التماس للقرب من الله تعالى فهذا معنى كونها تكليفا بما فيه مشقة وقد اختلف الناس في التكليف هل هو إلزام ما فيه كلفة أو طلب ما فيه كلفة  ، فمنهم من يعرفه بالإلزام ، وذلك مقض لخروج المباح فليس فيه إلزام ولخروج المندوب فليس فيه إلزام ولخروج المكروه فليس فيه إلزام فيدخل ذلك الواجب والمحرم فقط ، وبعضهم يقول هو طلب ما فيه كلفة ولكن هذا أيضا يدخل الصبي لأنه يطلب منه أداء الواجبات على وجه الندب وترك المحرمات على وجه الندب ، فالمحرمات في حقه مكروهة والواجبات في حقه مندوبة وليس هو ملزما بذلك ، لأنه غير مكلف ، فإذا قلنا التكليف هو إلزام ما فيه كلفة فإنه يخرج منه المندوب والمكروه والمباح وإذا قلنا التكليف هو طلب ما فيه كلفة فإن ذلك يقتضي أن يكون الصبي مكلفا وكلا الأمرين غير صحيح فلا يقصد بالإلزام هنا معناه المتبادل ، وإنما يقصد به أن يكون ذلك مما يقصد به التعبد والطاعة ، قال والأحكام سبعة الواجب والمندوب والمباح والمحظور والمكروه ، وهذه في الواقع هي متعلق الأحكام ، من حيث الحكم هو الخطاب ، أي الإيجاب والندب والإباحة والحظر والكراهة فهذا هو الخطاب أما متعلقه فهو الواجب والمباح والمندوب والمحظور والمكروه قال والصحيح و الباطل وهذان القسمان من أقسام الخطاب الوضعي والخطاب الوضعي هو ما جعله الشارع علامة لغيره ، وهذا معنى الوضعي في الاصطلاح وهو جعل الشيء علامة لغيره وأقسام متعلق الخطاب الوضعي اثنان ، القسم الأول ما كان مستقلا والثاني ما كان تابعا ، فالمستقل أربعة أقسام هي السبب والعلة والشرط والمانع ، أما السبب فهو ما جعله الشارع علامة على الحكم على وجود الحكم التكليفي ، ولم يدرك العقل وجه ترتيبه عليه كزوال الشمس سبب لوجوب صلاة الظهر وكغروبها سبب لوجوب صلاة المغرب والعقل لا يدرك العلاقة بين الزوال وصلاة أربعة ركعات وبين الغروب وصلاة ثلاثة ركعات ، وهكذا فهذا النوع هو السبب وقد عرفه القرافي بأنه ما يلزم من وجوده الوجود ، ومن عدمه العدم ، أي أنه إذا وجد لزم أن يوجد ما علق عليه ، ومن عدمه العدم ، أي أنه إذا لم يوجد لم يصح حصول ما علق عليه ، كدخول الوقت ، فإنه سبب لوجوب الصلاة ، لكن إذا لم يدخل الوقت لا يمكن أن تؤدى ، وليست بواجبة ، ويمكن أن يعرف بأنه ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته ، فلزوم الصلاة بدخول الوقت ليس لذات الوقت إذ قد تدخل والإنسان لا تجب عليه إذا كان غير مكلف في ذلك الوقت قد رفع عنه القلم بسبب عدم بلوغه أو بسبب إغماء أو جنون ، أو بسبب تلبسه بمانع كالحيض والنفاس وغير ذلك ، فالسبب لا يلزم من وجوده الوجود دائما لذاته بل مع حصول الشروط وانتفاء الموانع لكن يلزم من عدمه العدم فإذا لم يوجد السبب لا يمكن قطعا أن يوجد الحكم كدخول الوقت مثلا أما العلة فهي العلامة التي رتب الشارع الحكم التكليفي عليها ويدرك العقل وجه ترتيبها عليها كالإسكار علة لحرمة الخمر والعقل يدرك وجه جعله كذلك ، ووجه ذلك أن الحفاظ على العقل من المقاصد الشرعية ومن ضرورات المكلفين ، والخمر تذهب العقل ، لذلك يدرك العاقل وجه تحريم الشرع لشربها ، ويعلم أن علة تحريمها أنها مسكرة أي مذهبة للعقل وفي تعريف العلة اصطلاحا يقال: الوصف الظاهر المنضبط الذي أناط الشارع به الحكم ، الوصف الظاهر والعلة لا يمكن أن تكون خفيا لا يطلع عليه ، المنضبط أي الذي يكون المكلفون فيه سواء بخلاف الأمور التي لا تنضبط كالمشقة ، فلا يمكن أن تجعل علة لحكم لتفاوت درجاتها ، وتفاوت الناس فيها ، الذي رتب الشارع عليه حكما علقه به وأدرك المكلف وجه ترتيبه عليه ، وأما الشرط فهو ما ربط الشارع بوجوده وجود الحكم وبانتفائه انتفاءه ، لهذا عرفه القرافي بأنه ما يلزم من عدمه العدم ، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته كالطهارة للصلاة فإنه يلزم من عدمها العدم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث ما لم يتوضأ) ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته فإذا توضأ الإنسان لا تجب عليه الصلاة ، فليس الوضوء موجبا للصلاة ، لكن عدمه مبطل لها ، وأما المانع ، فهو ما رتب الشارع عليه على وجوده انتفاءه الحكم ، وقد عرفه القرافي أيضا بقوله: \"وما يلزم من وجوده العدم ومن عدمه الوجود فهو لا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته ، كوجود الحيض والنفاس ، فالحيض مانع للصلاة ، ووجوده مانع من وجوب الصلاة وانعدامه ليس موجبا للصلاة دائما بل موجب لها بحصول الشروط والأسباب ، وانتفاء الموانع الأخرى وأما القسم التابع فهو الصحة والفساد ، والعزيمة والرخصة ، والأداء والقضاء والإعادة ، فهذه سبعة أقسام هي أقسام متعلق الخطاب الوضعي التابع للخطاب التكليفي أي الذي لا يستقل بذاته فالصحة من أقسام متعلق الخطاب الوضعي فيوصف بها الحكم الشرعي التكليفي ، تعلق الحكم الشرعي التكليفي يوصف بالصحة ويوصف بالفساد والبطلان ، فيقال هذه الصلاة صحيحة أو باطلة وهذا العقد صحيح أو باطل ، ومثل ذلك العزيمة والرخصة ، فيقال هذا الحكم عزيمة وهذا الحكم رخصة ، وسيأتينا تعريف ذلك ، فالصحة بمعنى موافقته للشرع والبطلان بمعنى مخالفته للشرع ، والعزيمة بمعنى ثبات الحكم وعدم تغييره ، والرخصة بمعنى تغيير الحكم إلى سهولة بسبب عذر اقتضى ذلك مع بقاء سبب الحكم الأصلي كأكل الميتة في حق من خاف على نفسه الهلاك من الجوع فهذا رخصة فالحكم الشرعي الأصلي هو حرمة أكل الميتة (حرمت عليكم الميتة) وسبب تحريمها قائم وهو خبثها والضرر المترتب على أكلها ، لكن الحكم الشرعي هنا تغير إلى سهولة لعذر وهي جوع هذا الإنسان الذي أبيح له أكل الميتة ، مع قيام سبب الحكم الأصلي الذي هو الخبث ،فهو قائم ، وأما الأداء فهو فعل العبادة في وقتها المحدد لها شرعا ، وأما القضاء فهو فعلها خارج وقتها المحدد لها شرعا ، وسيأتي الكلام في فعل بعضها داخل الوقت وبعضها خارج الوقت هل يسمى أداء أو قضاء فقيل يسمى أداء باعتبار بدايته وقيل يسمى قضاء باعتبار نهايته ، وقيل ما في الوقت أداء وما كان خارجه قضاء ، وأما الإعادة فهي فعل العبادة ثانيا لخلل أو طلبا للأجر ، فعل العبادة ثانيا أي بعد فعلها أولا لخلل حصل فيها ، كمن صلى إلى غير القبلة ، فتلك الصلاة الأولى التي فعلها باطلة فيصليها إلى القبلة إعادة في الوقت ، وما كان منها لغير خلل كطلب الأجر كمن صلى منفردا ثم وجد جماعة ، فإعادته مع الجماعة ليس لأن صلاته الأولى باطلة بل طلبا لزيادة الأجر ، فهذه إذن هي الإعادة.

هذه هي أقسام متعلق الخطاب الوضعي التابعة السبعة.

شرح هو أقسام الخطاب التكليفي فقال: \"فالواجب ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه\" هذا تعريف للواجب بخاصة من خصائصه ، وهو أنه يترتب الثواب على فعله ويترتب العقاب على تركه كالصلاة ، فمن فعلها يثاب عليها الثواب الجزيل العظيم ومن تركها يعاقب على تركها العقاب الشديد الأليم فهي واجبة ، ولكن هذا التعريف هو تعريف بالخاصة لا بالفصل ، فهو رسم ويتعلق بأمر خفي ، لأن الثواب والعقاب كلاهما أخروي ، فيمكن أن يصلي الإنسان صلاة ولا يثاب عليها ، لأنه فعل ذلك رياء أو كان غافلا عن صلاته غير حاضر فيها ، فيمكن أن لا يثاب عليها ، ويمكن أيضا أن لا يعاقب على تركه كما إذا كان الإنسان يتركه مكرها أو عاجزا فلا عقاب حينئذ ، فذلك مقصوده حصول الشروط وانتفاء الموانع ، والأولى في تعريف الواجب ما ذكرناه من أنه ما أمر الشارع به أمرا جازما ، ما طلب الشارع من المكلف به طلبا جازما ، قال \"المندوب ما يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه\"، فالمندوب هو ما يثاب على فعله ، فيتعلق بفعله الثواب عند الله عز وجل ولا يعاقب على تركه ، فمن تركه فلا يعاقب على ذلك كالرواتب والنوافل كلها يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها وهذا التعريف مثل سابقه تعريف بالرسم وقد بينا وجه الاعتراض عليه ، لأنه يمكن أن يفعله الإنسان رياء أو غير حاضر فلا يثاب عليه ، ويمكن أيضا أن يفعله مكرها عليه أو نحو ذلك فلا يثاب عليه ، \"والمباح ما لا يثاب على فعله ولا يعاقب على تركه \"، المباح هو كما عرفه هنا مالا يثاب فاعله أي لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه ، لأن الإنسان فيه بالخيار إن شاء فعل وإن شاء ترك ولكن الواقع أن هذا التعريف منذ سابقه فيه خلل ، فالمباح إذا فعله الإنسان بقصد استباحة ما أحل الله له وأخذ نعمة الله عليه فإن ذلك سبب للثواب ، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : \"وفي بضع أحدكم صدقة\" قالوا يارسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ، قال نعم ، أرائكم إذا وضعها في حرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في حلال كان له أجر،  ولكن الأمر مرتبط بالنية ، فالمباح إذا نوى الإنسان استحلال ما أحل الله له به والاستغناء عن الحرام فيثاب بهذه النية وإذا لم ينو ذلك لم يثب على فعله ولم يعاقب على تركه ، ولا يعاقب على تركه مطلقا ، والمحظور ما يثاب على تركه ويعاقب على تركه ، المحظور في الأصل مشتق من الحظيرة أي الذي جعل الشارع عليه حظيرة والمقصود به المحرم الذي أحاط به حدود الله التي لا يحل تعديها (تلك حدود الله فلا تعتدوها) والله تعالى يقول: (وما كان عطاء ربك محظورا) أي ممنوعا لا يمكن الوصول إليه بل هو مبسوط للناس عرف الحرام بقوله: \"ما يثاب على تركه ويعاقب على فعله\" ، ما يثاب على تركه أي يثاب من تركه ، ويعاقب على فعله ، فمن فعله يعاقب على ذلك كشرب الخمر ونحو ذلك من المحرمات من تركه يثاب على تركه ومن فعله يعاقب على فعله ، وهذا التعريف مثل التعريفات السابقة يعترض عليه بأنه قد يتركه الإنسان من غير نية فلا يثاب على ذلك ، وقد يفعله مضطرا أو مكرها فلا يثاب على ذلك ، فالأولى في تعريف الحرام أن يقال هو ما طلب الشارع تركه طلبا جازما \"والمكروه ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله\" ، المكروه في اصطلاح المتأخرين هو في الـأصل يطلق قديما على المحرمات لأن الله تعالى في سورة الإسراء ذكر بعض المحرمات فقال: (كل ذالك كان سيئه عند ربك مكروها) وفي قراءة أخرى (كل ذلك كان سيئة عند ربك مكروها) فالمكروه هنا بمعنى الحرام ، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين المحرم والمكروه في بعض الأحاديث كقوله صلى الله عليه وسلم: \"إن ربكم حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات ، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال\" هذا الحديث يفهم منه التفريق بين التحريم والكراهة ، وقد عرف هو المكروه بأنه ما يثاب على تركه ولا يعاقب على فعله ، فالمكروه من تركه تقربا إلى الله سبحانه وتعالى بتركه يثاب على ذلك الترك ، ومن فعله لا يعاقب على فعله ، لأن الشارع لم ينه عنه نهيا جازما ، وهذا التعريف مثل التعريفات السابقة ، يمكن أن يعترض عليه ، لأن المكروه قد يتركه الإنسان بغير نية التقرب فلا يثاب على تركه ، فالأولى في تعريف المكروه هو ما نهى الشارع عنه نهيا غير جازم ، ثم عرف بعض الأحكام الوضعية ، فقال: والصحيح ما يتعلق به النفوذ ويعتد به ، فالصحيح ما يتعلق به النفوذ ، أي ينفذ ويلزم ترتب أثره عليه ، ويعتد به ، أي يعتبر قائما شرعا فيسقط التكليف على المكلف في الفعل إذا أداه على ذلك الوجه ،فالصلاة الصحيحة يعتد بها فلا تلزم إعادتها إذ هي صحيحة ، والصحيح في الاصطلاح هو السليم من المرض الذي ليس فيه عيب ، كقول الشاعر:

وليل يقول المرء من ظلماته      سواء صحيحات العيون وعورها|
سواء صحيحات العيون أي السليمات المبصرات وعورها أي اللواتي لا تبصر ، والصحيح توصف به العبادة والعقد ، فيقال هذه عبادة صحيحة أي رافعة للتكليف بها ، وحينئذ يوافقها الإجزاء فالإجزاء بمعنى أنه لا يطلب إعادة تلك العبادة ولا قضاؤها لأنها صحيحة ، ويوصف به العقد فيقال هذا بيع صحيح أو نكاح صحيح ، ومعنى ذلك أنه يترتب عليه الأثر ، فالبيع الصحيح أثره ملك البائع للثمن وملك المشتري للسلعة ، والنكاح الصحيح يترتب عليه جواز الاستمتاع وملك الزوجة للصداق وترتب الحقوق التي تترتب على النكاح الصحيح من الإرث ووجوب النفقة والسكنى وغير ذلك ، قال \"والباطل ما يتعلق به النفوذ ولا يعتد به\" ، عرف الباطل بأنه ما لا يتعلق به النفوذ أي لا يكون الحكم معه نافذا ، فلا يسقط الخطاب السابق كمن صلى صلاة باطلة بغير طهارة مثلا ، فإن ذلك لا يسقط عنه الصلاة مرة أخرى ـ لا يعتد به الشارع أصلا ـ ومثل هذا العقد الباطل كالتزوج بالخامسة مثلا أو نحوها ، فهذا النكاح باطل لا يتوقف عليه التوارث ولا وجوب الصداق ولا جواز الاستمتاع ولا تلزم به الحقوق كالنفقة والسكنى ، قال \"والفقه أخص من العلم\" ، فهذه بعض المصطلحات التي يقدم بها الأصولييون بين يدي البحث في هذا العلم ، فيذكرون تعريف العلم والجهل وغير ذلك ، قال والفقه أخص من العلم أي أن الفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلته التفصيلية ، فهو أخص من العلم ، لأن يشمل العلم بالأحكام الشرعية والعلم بالأحكام العادية والعلم بالأحكام العقلية والعلم بغير الأحكام أصلا ، ويشمل أيضا العلم بالأحكام الشرعية النظرية غير العملية والعلم بالأحكام الشرعية العملية غير المكتسبة أي المحات كل ذلك يشمله العلم ولا يشمله الفقه ، عرف العلم بقوله \"والعلم معرفة المعلوم على ما هو به في الواقع\" فالعلم هو معرفة المعلوم على ما يتعلق به العلم على ما هو به أي على حقيقته وصفاته في الواقع ، أي الحاصل ، والمقصود أن معرفة الشيء على حقيقته تسمى علما به ، أما معرفة الشيء على غير حقيقته كمعرفته باعتقاد أمر غير واقع فيه هذا من الغلط والجهل به ، فلا  يسمى ذلك علما ، وذكر المعلوم في هذا التعريف مقتض لحصول الدور لأن العلم لا يعرف إلا بتعريفه ، وتعريفه فيه المعلوم والمعلوم لا يعرف إلا بالعلم ، فيقتضي هذا الدور ، فلذلك لا يمكن أن يعرف الشيء بما تتوقف معرفته على معرفته فيمكن أن يقال في تعريفه العلم معرفة الشيء على ما هو عليه أو على ما هو به في الواقع ، قال \"والجهل تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع\" ، العلم خلافه الجهل والجهل يطلق على خلاف العلم وخلاف الحلم ، فيقال هذا جاهل بمعنى غير عالم ، ويقال هذا جهول أي صاحب نزق وطيش وخفة عقل ، الأول من الجهل الذي هو خلاف العلم والثاني من الجهل الذي هو خلاف الحلم ، والجهل في الاصطلاح هو تصور الشيء على خلاف ما هو به في الواقع إذا كان الإنسان يتصوره وهذا النوع من الجهل هو الذي يسمى بالجهل المركب ، فالجهل قسمان عدم تصور الشيء أصلا هذا الجهل البسيط ، وتصوره على خلاف ما هو عليه هذا الجهل المركب ، فكون الإنسان يظن أن الفقه هو علم الحساب هذا جهل مركب لأنه تصور هذا العلم على خلاف ما هو عليه ، وكونه لا يعرف مدلول الفقه أصلا ، فهذا هو الجهل البسيط ، فلا يعرف هذا الكلمة علام تدل هذا هو الجهل البسيط ، أما كونه يظن أنها تدل على الحساب فهذا هو الجهل المركب.

 

 


عدد مرات القراءة : 8543



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22250348
المتواجدون الأن       6
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو