» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح ورقات إمام الحرمين في أصول الفقه الشريط الشريط الثاني




 

أقسام العلم

عقد هذا الباب لبيان تقسيمات العلم وتعريف أقسامه بعد أن عرف العلم وما يقابله وهو الجهل ، فقال العلم الضروري وهو ما لا يقع عن نظر واستدلال كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس ، فقسم العلم هنا إلى ضروري ونظري ، فالضروري  منسوب إلى الضرورة بمعنى الذي يضطر الإنسان إليه ، فالإنسان مضطر لأن يعرفه بذاته ، قال والعلم الضروري ما لا يقع عن نظر واستدلال ، أي ما يحصل دون نظر واستدلال لا يتوقف على نظر ، والنظر كما قلنا هو الفكر ، واستدلال والاستدلال هو إقامة الدليل ، فالضروري هو ما لا يحتاج إلى التأمل لا يحتاج إلى حركة النفس فيه لا بنظر أي تفكر ولا باستدلال فالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس فالمرئيات والمسموعات والمشمومات والملموسات كلها يحصل بها العلم الضروري فلا يحتاج الإنسان فيها إلى تأمل ، فمن سمع كلام إنسان جزم بأنه متكلم ، لأن هذا الكلام صدر منه ، ومن رآه يفعل فعلا جزم بذلك دون أن يحتاج إلى تأمل في هذا أو إقامة دليل عليه وهكذا ، ولهذا قال كالعلم الواقع بإحدى الحواس الخمس وهي السمع والبصر والشم واللمس والذوق ، هذه في الواقع ليس هي الحواس بل هي وظائف الحواس ، فالحواس جمع حاسة ، والحاسة هي التي تحس ، وهي العين والأذن والفم والأنف واليد ، فهذه هي الحواس ، لكن وظيفته هي الإحساس والحواس هي هذه الخمس هي السمع والبصر واللمس الشم والذوق أو بالتواتر ، فما حصل لدى الإنسان بالتواتر فنقله إليه عدد من الناس تحيل العادة تواطئهم على الكذب عن عدد كذلك حتى اتصل العدد بذلك المشاهد ، أو المحسوس ، فهذا الذي يسمى بالتواتر ، فهو إخبار عدد تحيل العادة تواطئهم على الكذب عن مثلهم عن محسوس ، فالتواتر لا يكون إلا عن المحسوسات فالعقليات لا يحتاج فيها إلى الرواية بالتواتر ولا بالآحاد وما لا تتعلق به الحواس الخمس لا ينفع فيه الخبر المتواتر لا يثبته التواتر ، وإنما التواتر فيما يشاهد بإحدى الحواس الخمس ، والتواتر في الأصل التوافق والعلم الذي يحصل بالتواتر قطعي كقطع الإنسان الذي لم ير مكة بوجودها أو بوجود البيت الحرام ، فهذا القطع ضروري لا يحتاج إلى التأمل لأنه سمعه من عدد تحيل العادة تواطئهم للكذب ، فاستقر في ذهنه ولم قابلا للنقاش لديه ، ومثل ذلك ما يحصل للإنسان بخبر من الأخبار سمعه من كثير من الناس فاستيقن به كمعرفة الإنسان أنه ابن فلان أو فلان والده ، فإنما يعرف هذا النسب كنسبته إلى آبائه وأجداده بالنقل فيستقر ذلك في ذهنه ويجزم به ولم يعد قابلا للنقاش لديه ، والتواتر إنما يكون بحصول العدد الذين لا يمكن أن يتواطؤوا على الكذب عادة ، وهذا يختلف باختلاف الناس ، فمن الناس من يحصل له العلم بإخبار عدد يسير إذا جاءت الدواعي متوافرة على عدم كذبهم ، ولم تقتضي الدواعي كذبهم من أي وجوه فليسو من سن واحدة ولم يخبروا بذلك في مكان واحد ولا في وقت واحد ، فذلك أقمن لحصول العلم اليقيني والمتواتر كالقرآن مثلا نقل الكافة عن الكافة فكل عصر من عصور هذه الأمة الملايين من الناس يروون هذا القرآن عن من فوقهم إلى أن وصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكان متواترا لا يمكن الشك فيه ،\"وأما العلم المكتسب فهو ما يقع عن نظر واستدلال\" ، العلم الضروري قابله هنا بالعلم المكتسب والمقصود به العلم النظري والمكتسب أي الذي يكتسبه الإنسان بعد التعب فيه فهو ما يقع عن نظر ، والنظر حركة النفس في المعقولات كما قلنا وهو الفكر واستدلال أي إقامة للدليل ، وعرف النظر بقوله: \"والنظر هو الفكر في حال المنظور\" ، أي حركة النفس فيما تتعلق به ، وذكر المنظور هنا في تعريف النظر أيضا فيه إشكال كما سبق في تعريف العلم ، فيمكن أن يعرف النظر بأنه حركة النفس في المعقول أي فيما يتعلق بالعقل ، أما حركة النفس في المحسوس فتسمى تخيلا ، قال: \"والاستدلال طلب الدليل\" ، لأن الإستفعال يدل على الطلب ، لكن في هذا الكلام الاستدلال يدل على إقامة الدليل والدليل في اللغة هو المرشد إلى المطلوب سواء كان حسيا مثل الدليل الذي يدل الناس في السفر على الطريق أو معنويا مثل الدليل الذي يؤخذ منه الحكم وقد سبق ذلك ، قال: \" والظن يجيز أمرين أحدهما أظهر من الآخر\" ، بالنسبة للعلم ينقسم إلى أربعة أقسام ، القسم الأول منه اليقين وهو الذي يقتضي حصول تمام العلم بحيث لا يبقى الإنسان مترددا في معلومه ، ويليه الظن وهو حصول جمهور العلم بحيث يكون الحصول أرجح لدى الإنسان من خلافه ، والشك وهو استواء الطرفين ، يبقى الإنسان مترددا بين الأمرين حائرا بينهما ، هذا الشك والوهم هو مقابل الظن الاحتمال المرجوح فإن كانت الاحتمالات كلها على وجه واحد كان ذلك يقينا ، وإن كان جمهور الاحتمالات على وجه كان ذلك ظنا ، والجانب الذي يقابله وهو الاحتمالات القليلة يسمى وهما ، وإن كانت الاحتمالات بحيث يتردد الإنسان بين الجانبين فهذا الشك ، قال: \" والظن تجويز الأمرين أحدهما أظهر من الآخر\" أي المظنون أظهر من الآخر والآخر هو الموهوم ، \"والشك تجويز أمرين لا مزية لأحدهما عن الآخر\" ، يكون الإنسان مترددا بينهما ولم يعرف الوهم هنا ، وهو تجويز أمرين أحدهما أظهر من الآخر ، فالمرجوح منهما هو الموهوم ، فهو يقابل الظن ، ولم يعرف اليقين كذلك لأن تعريفه هو تعريف العلم السابق ، معرفة الشيء على ما هو به ، ثم عاد لتعريف الأصول بالمعنى اللقبي فقال: \" وعلم أصول الفقه طرقه على سبيل الإجمال وكيفية الاستدلال بها\" أي أن علم أصول الفقه بمعناه اللقبي هو أدلته على سبيل الإجمال ، الطرق هنا المقصود بها تلك الأدلة ، على سبيل الإجمال أي الإجمالية ، وكيفية الاستدلال بها ، أي كيفية أخذ الإحكام منها فيشمل ذلك معرفة الأحكام أيضا ، ويشمل الكلام في المستدِِِلِّ الذي هو المجتهد ، ببيان شروط الاجتهاد والتقليد ومراتب المجتهدين فكل ذلك داخل في الاستدلال بها وأبواب أصول الفقه أي الأبواب التي اشتهر تقسيم الأصول إليها في زمان المؤلف وليس معنى ذلك انحصار هذا العلم في هذه الأبواب التي ذكرها ، بل قد اعتاد المتأخرون من الأصوليين تقسيمها على اعتبار الأدلة الإجمالية فيعقدون الباب الأول للكتاب والباب الثاني للسنة والباب الثالث للإجماع ، والباب الرابع للقياس والباب الخامس الاستدلال للأدلة الأخرى مختلف فيها ، والباب السادس للتعادل والترجيح لتعارض الأدلة وطرق الجمع بينها والترجيح ، والباب السابع للاجتهاد ، فهذا الذي جرى عليه المتأخرون وهو أضبط وأكمل ، أما التبويب الذي ذكره فهو قوله :أبواب أصول الفقه أقسام الكلام والأمر والنهي والعام والخاص ، والمجمل والمبين والظاهر والمؤول ، والأفعال والناسخ والمنسوخ والإجماع والأخبار والقياس والحظر والإباحة وترتيب الأدلة وصفة المفتي والمستفتي وأحكام المجتهدين\" ، فهذا التقسيم كما ذكرنا غير حاصر ، وترتيبه أيضا غير مبني على درجات القوة ، فأول ذلك أقسام الكلام وهذا هو أول باب عقده هو من هذه الأبواب ثم أتبعه بأنواع الأبواب الأخرى الكلام فيها على وجه الاختصار والتعريف ، فلا نحتاج الآن هنا إلى تعريف هذه الأمور لأن كل واحد عقد له باب مستقل وسنعرفه فيه ، وإنما قصدنا هنا وضع الخطة للعلوم كتابه هو ليتبين ما سيتكلم عليه في هذا الكتاب وهذا الذي يسميه المعرفون للعلوم بالمسائل فيجعلون لكل علم مقدمات هي معرفة موضوعه وقد سبق أن موضوع أصول الفقه هي الأحكام الشرعية وأدلتها وواضعه وهو أول من وضع مصطلحاته ، وليس لهذا العلم واضع محدد ، لكن أول من ألف فيه كتابا مستقلا الشافعي ، وحده أي تعريفه وهو ما سبق بتعريف أصول الفقه هنا ومستمده أي ما أخذ منه وهو النصوص الشرعية وكلام العرب ، ومصطلحات المتكلمين وعلم الكلام أيضا وكذلك نسبته إلى غيره من العلوم ونسبة أصول الفقه إلى غيره من العلوم هي نسبة العموم والخصوص الوجهي لاشتراكه مع بعض هذه العلوم في بعض الأبحاث و لانفراده بكثير من البحوث التي يختص بها ، فبعض الأبحاث تجدها في أصول الفقه وفي علم البلاغة وبعضها تجده في أصول الفقه وفي علم التفسير وبعضها تجده أصول الفقه وعلم الحديث وهكذا ، فمثلا الكلام على تعريف القرآن وبيان المتواتر منه وغير المتواتر هذا يدرس في أصول الفقه وفي علم القراءات والتفسير ، والكلام كذلك على السنة بتعريفها وطرق نقلها وشروط الناقل وما يشترط له من العدالة والضبط كل ذلك يدرس في أصول الفقه وفي مصطلح الحديث وكذلك الكلام في الحقيقة والمجاز ، مما يدرس في أصول الفقه ويدرس في علم البلاغة وكذلك الأمر والنهي ، وهكذا فإذن نسبته إلى هذه العموم نسبة العموم إلى الخصوص بالوجه ، وفضل هذا العلم وقد سبق ذلك في المقدمة التي بيناها ، وفائدته هي الفهم عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم وسير الإنسان على بصيرة من أمر دينه بحيث لا يكون مقلدا تقليدا أعمى ، واسم هذا العلم ، هو أصول الفقه أو علم الأصول ومسائله هي هذه التي ذكرها هنا في قوله: وأبواب أصول الفقه ، فهذه هي المقدمات العشر التي يفتتح بها الناس العلوم للتعريف بها ، قال: \"الكلام\" أي عقد هذا الباب للكلام ، والكلام في اللغة يطلق على عدة أمور  منها الخط ، كقول عائشة رضي الله عنها: ما بين دفتي المصحف كلام الله ، وما بين الدفتي هو الخطوط ، وكذلك يطلق الكلام على الإشارة ، كقول الشاعر

إذا كلمتني بالعيون الفواتر    رددت عليها بالدموع البوادر
ولم يعلم الواشون ما كان بيننا     وقد قضيت حاجاتنا بالضمائر
ويطلق الكلام كذلك على ما يفهم من حال الشيء:

يا دار عبلة بالجواء تكلمي       وعمي صباحا دار عبلة واسلمي
فما يفهم من حالها ، والكلام في الاصطلاح هو اللفظ المركب الموضوع لمعنى ، والنحويون يشترطون فيه الإفادة وقصد الإفادة ، أن يكون مفيدا وأن يكون مقصودا للإفادة ، فقولنا اللفظ في تعريف الكلام اللفظ المركب المفيد واللفظ في اللغة مصدر لفظ الشيء إذا رماه أو تركه فيقال لفظت الدابة الحشيش إذا تركته ، ويقال لفظ فلان الحصاة إذا رمى بها ، ومنه قول غيلان:

عشية ما لي حيلة غير أنني    بلفظ الحصى والخط في الرمل مولع
فاللفظ هنا بمعنى الرمي ، والمقصود باللفظ الصوت الخارج من الفم ، المشتمل على بعض الحروف الهجائية فالصوت هو ما يحصل عند اجتماع الأجرام أو افتراقها ، مما يسمع الخارج من الفم خرج به أصوات الأجرام عند افتراقها أي ما كان خارجا من فم قولنا المشتمل على بعض الحروف خرج به أصوات البهائم التي لا تشتمل على بعض الحروف الهجائية و المنسوبة إلى الهجاء وهو الخط ، وخرج بذلك حروف المعاني فقد لا يكون اللفظ مشتملا عليها ، وقولنا المركب مخرج للكلمة الواحدة فلا تسمى كلاما في الاصطلاح ، والمفيد يشمل الدلالة على معنى فاللفظ الذي لا يوضع لمعنى ، كديز الذي هو مقلوب زيد لا فائدة فيه ، فلا يمكن أن تدل الألفاظ التي ليس لها معنى وهي غير مستعملة لا يمكن أن تكون كلاما ، قال: \"فأما أقسام الكلام فأقل ما يتركب منه الكلام اسمان أو اسم وفعل أو فعل و حرف أو اسم وحرف\" ، أقل ما يتركب منه الكلام ، دل هذا على أن الكلام لا بد أن يكون مركبا ـ، وهو يتركب من الكلمات والكلمات ثلاث ، هي:

الاسم والفعل والحرف فالاسم ما دل على المسمى والفعل ما دل على حركة المسمى والحرف ما دل على معنى من إثبات أو نفي أو تأكيد أو نحو ذلك ، وأقل ما يتركب منه الكلام اسمان حقيقة مثل كقول ذا أحمد ، فذا مبتدأ وأحمد خبره ، أو اسم وفعل مثل استقم ، فهذا فعل وهو استقم اسم وهو ضمير مستتر فيه أي أنت مثل قام زيد فقام فعل وزيد اسم ، ومنه ما تركبت الجملة الفعلية ، فكان هذا كلاما مفيدا لهذا قام أقل ما يتركب منه الكلام اسمان كزيد قائم ذا أحمد أو اسم وفعل مثل قام زيد أو يقوم زيد ، قال أو فعل وحرف ، وهذا لا يكون أبدا ، فالكلام لا يتركب من فعل وحرف ، بل الإسم لا بد منه في الكلام ، لأنه لا يمكن أن يصدر فعل إلا من فاعل ، فلا يمكن أن يوجد كلام بغير اسم ، أو اسم وحرف هذا أيضا لا يكون إلا على تقدير فلا بد في الكلام من اسمين وهما ركنا الإسناد أو اسم وفعل يكونان ركنين للإسناد أيضا فلا يتركب الكلام من حرف وغيره وحدهما بل لا بد من اسم وفعل أو اسمين كما قال ابن مالك رحمه الله في الكافية ،

وهو من اسمين كزيد ذاهب     واسم وفعل نحو فاز التائب
وما كان على تقدير من وجود حرف واسم مثل: يا فلان في النداء ، فهو على تقدير فعل ينوب عنه الحرف المذكور ، معناه أدعو فلانا ،\"والكلام ينقسم إلى أمر ونهي وخبر واستخبار\" هذا تقسيم آخر للكلام بعد تقسيمه الأول إلى أنواع المركبات ، ينقسم الكلام أيضا إلى أمر ونهي وخبر واستخبار وفي الأصل ينقسم الكلام إلى إنشاء وخبر وهذا التقسيم الحاصل في الكلام ينقسم إلى إنشاء وخبر ، فالإنشاء إحداث معنى بلفظ يقارنه في الوجود كبعت وأعطيت وخذ ومن أنت وكيف حالك وكيف أنت فهذا إنشاء ، والقسم الثاني هو الخبر وهو التحدث عن أمر قد حصل أو يحصل فالأمر والنهي كلاهما من الطلب ، والطلب من أقسام الإنشاء والاستخبار كذلك هو الاستفهام ، وهو طلب فهو من أنواع الإنشاء وأما الخبر فهو قسم مستقل بذاته وهو الذي يقبل التصديق والتكذيب ، مثل جاء زيد ومات زيد ، قال: \" وينقسم أيضا إلى و تمن وعرض وقسم\" ، هذا التقسيم كله غير حاصل يقصد أن من أقسام الكلام ما يسمى بالتمني وهو من الإنشاء كقولك ليت زيدا قادم مثلا فهذا تمني والعرض مثل ألا تأكلون والقسم مثل والله لتفعلن كذا ، وكل هذه من الإنشاء ، مثل الأمر والنهي والاستخبار ، فالتقسيم غير حاصل ، كان الأولى أن يذكر في أقسام الكلام هنا أنه ينقسم إلى قسمين إلى إنشاء وخبر ، فالإنشاء يدخل فيه أنواع الطلب كلها ، وهي الأمر والنهي والعرض والتحضيض وهكذا ، ويدخل فيه التمني أيضا ويدخل فيه إنشاء العقود ، ويدخل فيه الاستخبار الذي هو الاستفهام والخبر إما أن يكون بجملة إسمية كزيد قائم أو بجملة فعلية كقام زيد ،\" ومن وجه آخر ينقسم إلى حقيقة ومجاز\" هذا تقسيم آخر للكلام فهو ينقسم إلى حقيقة ومجاز ، فالحقيقة ما بقي في استعماله على موضوعه ، الحقيقة هي اللفظ المستعمل أولا أي اللفظ الذي بقي على ما استعمل فيه في أول ما عرف والمقصود بذلك اللفظ المستعمل في معناه المتبادر إلى الذهن فاللفظ قد لا يكون له إلا معنى واحد في الأصل ، فهذا المعنى هو الذي وضع له ذلك اللفظ  فاستعماله فيه هو الحقيقة واستعماله لمعنى آخر ليس معناه الأول بواسطة تشبيه أو نقل يسمى مجازا ، فعلم أن الحقيقة والمجاز لا يكونان إلا في المركب ، فاللفظ المفرد يحمل في الأصل على الحقيقة أسد باللفظ المفرد تطلق على الحيوان المفترس المعروف ، الوحش المفترس لكن إذا كانت في أثناء الكلام فيمكن أن تكون على الحقيقة ويمكن أن تكون على المجاز ، مثل جاء أسد ، يمكن أن يكون معناه رجل شجاع ، ويمكن أن يكون الحيوان المفترس المعروف ، وقوله في تعريف الحقيقة \"ما بقي في الاستعمال على موضوعه\" أي ما بقي شائعا في الاستعمال أي استعمال الناس له على موضوعه أي على ما وضع له على دلالته الأصلية ، وقيل ما استعمل في ما اصطلح عليه من المخاطبة فإن اللغة أصلا اختلف هل هي وضعية ، أي اتفق الناس على وضعها أو هي توقيفية من عند الله سبحانه وتعالى وإذا قلنا هي توقيفية من عند الله فلا يقصد بذلك كل ألفاظها بل ما يحصل به التفاهم في كل لغة ، وإلا فإن كل لغة قابلة للثراء والنماء فتزداد بكثير من الألفاظ المشتقة من أصولها الموجودة ، ويندرس منها كثير من الألفاظ كذلك ، وهي الألفاظ التي توصف بالغرابة مع طول الزمن ، فكثير من الألفاظ التي كان العرب يستخدمونها لا نستخدمها نحن اليوم ، وهي من لغة العرب لكن لم تعد مستعملة اليوم ، وكثيرا من الألفاظ التي نستخدمها نحن اليوم لم تكن مستخدمة في لغة العرب قديما ، ومع ذلك فالجميع من لغة العرب ، الغريب أو المحدث أو المعرب كله من لغة العرب لأنه جار على قواعدها  وترتيب حروفها ، والحقيقة مشتقة من حق بمعنى ثبت واستقر لا من الحق الذي هو خلاف الكذب فليس المجاز كذبا ولو كان كذلك لما جاز وروده في الوحي ، فقول الله تعالى: (واسئل القرية التي كنا فيها) قوله تعالى: (جدارا يريد أن ينقض) لا يمكن أن يكون هذا كذبا ، ولو كانت الحقيقة من الحق الذي هو خلاف الكذب لكان ضدها يوصف بالكذب ، وهذا غير ممكن فالحقيقة هنا من الحق ، الذي هو الثابت المستقر ، فحق عليهم القول بمعنى استقر عليهم ، وتحقق فيهم ، فهذا معنى الحقيقة وقيل ما استعمل في ما اصطلح عليه من المخاطبة أي ما اصطلح عليه واتفقوا عليه من المخاطبة في أصل الكلام ، والمجاز في اللغة مكان الجواز أي العبور ، فتقول هذا مجاز أي باب يجاز منه إلى غيره ، وهو في الاصطلاح ما تجوز عن موضوعه أي ما نقل عما وضع له في الأصل اللفظ الذي استعمل في غير ما وضع له أو اللفظ الذي استعمل ثانيا ، معناه استعمالا غير الاستعمال المعهود المتبادر إلى الذهن \"والحقيقة إما لغوية وإما شرعية وإما عرفية\" ، الحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام ، إلى حقيقة لغوية أي استعمال اللفظ على معناه الأصلي المتبادر في اللغة كما ذكرنا في الأسد فاستعماله اللغوي الحقيقي هو الحيوان المفترس ، وإما شرعية ، وذلك كاستعمال الصلاة في العبادة المخصوصة ، فإن الشارع خصها بذلك ، فكانت حقيقة في العبادة المخصوصة ، وتطلق على غير ذلك كالدعاء ، من كان صائما فليصل أي فليدع فيكون ذلك مجازا شرعيا والعرفية أي ما تعارف الناس عليه بعد أصل اللغة ، كالدابة فهي حقيقة عرفية في ذوات الحافر ، وهي في الأصل تطلق على كل ما يدب على وجه الأرض ، لكن تعارف الناس على إطلاقها على الخيل والبغال والحمير فقط ، \"والمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة\" ، هذه أقسام المجاز بعد أقسام الحقيقة ،فالمجاز إما أن يكون بزيادة أو نقصان أو نقل أو استعارة فالمجاز بزيادة أي بزيادة في الكلام في اللفظ يمكن في الأصل الاستغناء عنها ولكنها جيء بها لأمر آخر ، وذلك مثل قول الله تعالى: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير) فالكاف هنا زيادة في الكلام فأصل الكلام ليس مثله شيء ، ولا يقصد أنه ليس مثل مثله شيء ولكن الكاف جاءت لتأكيد ذلك المعنى فكانت زيادة مفيدة  خارجة في الأصل عن أصل الوضع فسميت مجازا بالزيادة ، وكذلك النقص مثل قول الله تعالى: (واسئل القرية) أي اسئل أهل القرية ، فهذا نقص في الكلام فخرج به الكلام عن استعماله الأصلي المتبادل فكان مجازا بالنقص ، وكذلك النقل أي نقل اللفظ عن معناه الأصلي إلى معنى آخر ملتبس به له به التباس أو علاقة كالغائط في الأصل لفظ يطلق على الغائر من الأرض أو المطمئن منها ، ولكن الشارع نقله للدلالة على الحدث الخارج من البدن ، أو جاء أحد منكم من الغائط فاستعمل الغائط في معنى آخر غير معناه الأصلي بالنقل أو استعارة ، الاستعارة معناها طلب الإعارة والمقصود بها في الاصطلاح التشبيه الذي حذفت أداته ، الشيء الذي يشبه بغيره ، ولكن تحذف أداة التشبيه فيجعل كذلك ، وذلك مثل قولك زيد أسد أي كالأسد ، فهذا استعارة لأن المقصود هنا تشبيهه بالأسد فحذفت أداة التشبيه ، فقلت زيد أسد ، بعد هذا قال: \" باب الأمر\" ، عقد هذا الباب للأمر ، والأمر مصدر أمر بالشيء إذا طلب وقوعه ، وهو يطلق بقيد شيء أي بقيد الجزم وبقيد لا شيء أي بقيد عدم الجزم ولا بقيد شيء أن من غير تعرض لذكر الجزم أو نفيه ، فالأول وهو ما أطلق بقيد شيء هو الأمر الدال على الوجوب والثاني وهو ما أطلق بقيد لا شيء أي بقيد عدم الجزم ، وهو الأمر الدال على الندب والثالث وهو ما أطلق لا بقيد شيء أي بقيد الجزم ولا عدمه هو الأمر المطلق ، وكل هذه يبحثها الأصوليون ، ولهذا قال: \"والأمر استدعاء الفعل بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب\" ، والأمر تعريفه استدعاء الفعل أي طلب وقوع الفعل بالقول فإنما يعرف ذلك بقول سواء كان صريحا باللفظ أو كان بإشارة أو كتابة وكل ذلك من الأمر ، وذلك القول لا يكون لفظ اكفف أو اترك ، فذلك من باب النهي لا من باب الأمر ، ممن هو دونه فشرط العلو للآمر وهذا محل خلاف بين الأصوليين ، هل يشترط في الآمر العلو أو يطلق الأمر على طلب وقوع الفعل مطلقا ، والمناطقة يقسمون طلب الفعل إلى ثلاثة أقسام فإن كان الطالب أعلى من المطلوب منه الفعل سمي ذلك أمرا وإن كان أدنى منه سمي ذلك دعاء وإن كان مساويا له سمي ذلك التماسا على سبيل الوجوب أي على سبيل الجزم ، وهذا القيد مستغنى عنه ولا حاجة فيه هنا ،  لأنه يخرج الأمر الذي لا يقتضي الجزم ويخرج أيضا الأمر المطلق الذي لا ينظر فيه إلى قيد الجزم ولا إلى قيد عدم الجزم ، \"والصيغة الدالة عليه افعل\" ، هذا إثبات أن للأمر صيغة ، وأن صيغته هي لفظ افعل ، فصيغة لفظ الأمر سواء كان من الثلاثي كافعل أو كان من الرباعي كعلم وأكرم أو كان من الخماسي مثل انطلق تعلم ، أو كان من السداسي استخرج استنبط ، فكل ذلك هو صيغة افعل فلا يقصد بها هذا الوزن وإنما يقصد بها فعل الأمر مطلقا فهو صيغة الأمر الأصلية ومثل ذلك الفعل المضارع المقترن بلام الأمر لتقم لتنطلق لتتعلم ، فهو صيغة للأمر أيضا ، \"وهي عند الإطلاق والتجرد عن القرينة تحمل عليه\" ، وهي أي صيغة الأمر صيغة فعل الأمر صيغة افعل ، عند الإطلاق معناه عدم تقييده بقيد يصرف عن ذلك ، والتجرد عن القرينة أي عدم وقوع القرينة الحالية التي تصرف عن ذلك ، تحمل عليه أي تحمل على استدعاء الفعل على وجه الوجوب ، فالأمر في الأصل يحمل على الوجوب ومحل هذا أمر الشارع ، وامر من هو أعلى فإنه يحمل على الوجوب ، و في الأصل ، عند الإطلاق والتجرد على القرينة ، القرينة ما يقارن الشيء ، وهي إما حالية وإما مقالية ، والمقصود بها هنا الحالية لأن المقالية مذكورة في قوله عند الإطلاق ، فقد خرجت القرينة الحالية بقوله عند الإطلاق ، وخرجت القرينة الحالية بقوله والتجرد عن القرينة تحمل عليه أي على طلب الفعل على وجه الجزم \"إلا ما دل الدليل على أن المراد منه الندب\" هذا الاستثناء منقطع لأن ما دل الدليل على أن المراد به الندب والإباحة ليس عند الإطلاق والتجرد على القرينة ، فالمقصود أن الأمر إذا لم يحتف بقرينة حالية أو مقالية تدل على عدم إرادة الوجوب فإن محمله على الوجوب ولكنه إذا دل دليل دلت قرينة حالية أو مقالية على أن المقصود به الندب فإنه يصرف الندب أو دلت قرينة حالية أو مقالية على أن المقصود به الإباحة دل على الإباحة ، فإطلاقه  الأصلي الوجوب مثل قول الله تعالى: (أقيموا الصلواة وآتوا الزكواة) فهذا في الأصل الوجوب وإذا احتفت به قرينة ، تقتضي عدم الوجوب أهمل بتلك القرينة ، وذلك فيما إذا قيل افعل كذا إن شئت كقول النبي صلى الله عليه وسلم: \"صلوا قبل المغرب ركعتين ثم قال في الثالثة لمن شاء\" قال \"بين كل أذانين صلاة ثم قال لمن شاء\" فهذا يقتضي الإباحة لأنه قرن  بقرينة مقالية ، تقتضي التخيير ومثل ذلك ما إذا كان الأمر بعد الحظر كقوله تعالى: (وإذا حللتم فاصطادوا) فهذه قرينة تدل على عدم الوجوب فلا يجب على من تحلل من الحج والعمرة أن يصطاد لأن هذا الأمر جاء بعد النهي وهو قوله (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) ومثله قول الله تعالى: (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) فأتوهن هنا صيغة أمر ولكنها لا تدل على الوجوب لأنها جاءت بعد حظر ، لأنه قال: (يسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن) فجاء الأمر بعد الحظر ، والقرينة الحالية غير المقالية كما إذا كان صياق الأمر للإرشاد الطبي أو نحوه كبعض الأوامر التي تاتي ويقصد بها الإرشاد ، ويفهم من ذلك عدم الوجوب أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قصد وجوب ذلك الفعل المأمور به ، والإرشاد قد يفهم من القرينة المقالية أيضا مثل قوله \"فزوروها فإنها تذكركم الآخرة\" زوروها هذا أمر بزيارة القبور ، ولكنه ليس على سبيل الوجوب بل على سبيل الإرشاد لأنه قال فإنها تذكركم الآخرة فبين العلة وهي قرينة مقالية تدل على عدم إرادة الوجوب ، قال: \"ولا يقتضي التكرار على الصحيح إلا إن دل الدليل على قصد التكرار\" أي أن الأمر في أصل صيغته لا يدل على التكرار والتكرار هو فعل الشيء أكثر من مرة ، فإذا قال الآمر صل فلا يقتضي ذلك تكرار الصلاة ، بل تكفي في امتثاله صلاة واحدة على الصحيح إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار سواء كان ذلك الدليل مقاليا أو حاليا فقد يكون مقاليا كل ما غربت الشمس فصل ، فهذا لفظ كلما يقتضي التكرار (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) الشهر متكرر فأنيط الأمر هنا بأمر متكرر فاقتضى ذلك التكرار ، إلا إذا دل الدليل على قصد التكرار ، أما إذا لم يدل الدليل على قصد التكرار فإن الأمر مجرد عنه في الأصل ، وهذا هنا المقصود به الأمر المطلق الشامل الدال على الوجوب والدال على الندب ، ولا يقتضي الفور أي أن الأمر لا يقتضي الفورية ، وهذا أيضا محل خلاف بين الأصوليين ، وقد ذهبت طائفة منهم إلى أن الأمر يقتضي الفور إذا تجرد عن القرائن ، فإذا قال افعل كذا فلا بد من المبادرة والمسارعة ، وقالت طائفة أخرى لا يقتضي الفور ، بل يبقى مطالبا به ، فمتى ما أداه حصل المقصود ، والمقصود بالفور المبادرة لأدائه ، فالله تعالى يقول: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: \"إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا\" هل هذه الصيغة تدل على الفور أو على التراخي ، محل خلاف بين الأصوليين ، فقالت طائفة كل من استطاع سبيلا إلى الحج وأدرك وقته فيلزمه أن يبادر إليه إذا لم يكن قد حج من قبل ، وقال آخرون بل يجب عليه ذلك في العمر ، ومتى ما أدى فإن ذلك يجزئ ، \"والأمر بإيجاد الفعل أمر به\" فالأمر قد يتعلق بالشيء مباشرة ، مثل فحجوا كما قلنا ، وقد يتعلق بسببه وما يتوقف عليه فيكون ذلك أمرا به ، لأن ما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب ومحل ذلك إن كان جزءا من المأمور به ، مثل غسل الوجه (فاغسلوا وجهكم) لا يمكن أن يتحقق به إلا بغسل شيء من الرأس حتى يتحقق الإنسان أنه غسل كل الوجه فما لا يتم الواجب المطلق إلا به واجب ، فيدخل ذلك الجزء في وجوب غسل الوجه ، ومثله مسح شيء من الوجه مع الرأس أيضا لأن مسح الرأس لا يتحقق إلا بذلك على القول بأن الواجب مسح الرأس كله وأن الباء في قوله (برؤوسكم) للإلصاق لا للتبعيض) وهو محل خلاف بين الفقهاء الأصوليين ، أما إن كان سببا ، فإنه لا يجب سواء دخل في الطوق أو لم يدخل فيه فالسبب الداخل في الطوق كجمع المال حتى يبلغ نصابا لوجوب الزكاة ، والزكاة سبب وجوبها ملك النصاب ودوران الحول عليه ، فلا يجب عليك أن تجمع المال حتى يبلغ نصابا لتجب عليك الزكاة ، فهذا لا يجب ، لأنه سبب ولو كان داخلا في الطوق وما ليس داخلا في الطوق كتغريب الشمس لتجب عليك صلاة المغرب هذا قطعا لا يجب لأنه من المحال ولا تكليف بالمحال أما إن كان شرطا فإن كان داخلا في الطوق كالطهارة للصلاة فهو واجب وإن خارجا عن الطوق كالنقاء من دم الحيض والنفاس فلا يجب لأنه خارج الطوق أصلا ، والأمر بإيجاد الفعل أمر به وبما لا يتم الفعل إلا به كالأمر بالصلاة أمر بالطهارة المؤدية إليها لأن الطهارة شرط للصلاة وهي داخلة في الطوق ، و (افعل) خرج المأمور عن العهدة إذا فعل المأمور ما أمر به خرج عن العهدة فإذا أتى بالمأمور به على الوجه الصحيح ، أجزأه ولم يخاطب به مرة أخرى لأنه قد أتى به على الوجه المطلوب فتبرأ ذمته منه ، قال:  \"من يدخل في الأمر والنهي ومن لا يدخل\" ، قد يكون مقتضى الأمر أي ما يقتضيه ليس من فعل المأمور مباشرة بل من فعل غيره وقد يكون الأمر متناولا بعض المأمورين دون بعض والنهي كذلك فعقد هذا الباب لذلك أو الفصل لذلك وهو من جزئيات الأمر والنهي ، وقال \"يدخل في خطاب الله تعالى المؤمنون\" ، فإذا (قال) \"أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة\" فيشمل هذا كل مؤمن بالله سبحانه وتعالى ، إلا إذا كان متصفا بما يمنع دخوله في العموم كغير المكلف ومن رفع عنه القلم فلا يدخل في هذا الخطاب ، ولهذا قال \"والساهي والصبي والمجنون غير داخلين في الخطاب\" ، فالساهي أي غائب العقل في وقت الخطاب سواء كان غيبته عميقة كالإغماء أو خفيفة كالسهو والصبي وهو غير البالغ والمجنون المصاب بما يغطي عقله فهؤلاء ، غير داخلين في الخطاب ، وأما المريض مرضا دون ذلك بحيث لا يستطيع أداء الفعل في وقته والمسافر الذي هو بالخيار بإمكانه أن يفطر وأن يصوم ، وقد اختلف في دخولهما ، فقيل يدخلان في الخطاب لأنه يلزمهما القضاء ومثل ذلك الحائض فيما يتعلق بالصوم دون الصلاة ، فالحائض لم تخاطب بالصلاة لا أداء ولا قضاء ، ولم تخاطب بالصوم أداء ولكنها خوطبت به قضاء ، فالقضاء هل هو بأمر جديد أو بالأمر الأول؟ فالمريض والمسافر هل تعلق بهما الخطاب في الوقت الأول أو تجدد لهما خطاب في وقت القضاء وهو الوقت الثاني ، هذا محل خلاف عند الأصوليين ، \"والكفار مخاطبون بفروع الشرائع\" ، الكفار غير معذورين بكفرهم ، فهم مخاطبون بفروع الشرائع أي بتفصيلاتها الزائدة على أصل الإيمان فيدخل في ذلك الصلاة والصوم والحج...الخ. لأنهم مخاطبون بالإسلام ، وهذه المسألة محل خلاف بين الأصوليين فذهب الجمهور إلى أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة ، لقول الله تعالى: (ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتينا اليقين) هؤلاء الكفار لأنهم قالوا كنا نكذب بيوم (الدين) ومع ذلك ما سلكهم في النار ما بينوه عند ما سئلوا ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين ، ولم نك نطعم المسكين تركوا الصلاة وتركوا الزكاة ، كنا نخوض مع الخائضين ، كانوا يكذبون كنا نكذب بيوم الدين ، وقالت طائفة أخرى غير مخاطبين بفروع الشريعة لأنها لا تجزئهم ولا تصح منهم ، فلو كانوا مخاطبين بها لأجزئهم فعلها ، ومن المعلوم أن الكافر إذا صلى لا تصح صلاته وإذا صام لا يصح صومه وإذا حج لا يصح حجه ، وإذا زكى لا تقبل زكاته (وقدمنا إلى ما علموا من عمل فجعلناه هباء منثورا) (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك) (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله) (من يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) قال: \"وبما لا تصح إلا به\" ، أي مخاطبون بما لا تصح الفروع إلا به وهو أصل الإيمان وهو الإسلام لقول الله تعالى: (لم نك من المصلين) الآيات ، لكن من المعلوم أن الكافر إذا أسلم لم يخاطب بقضاء شيء مما مضى فلا يلزمه قضاء شيء من الماضي مع أنه كان مخاطبا به ، لكنه إن مات على الكفر عذب على أصل الكفر وعلى جزئياته التي تركها ، قال: \"والأمر بالشيء نهي عن ضده والنهي عن الشيء أمر بضده\" ، الأمر بالشيء نهي عن ضده ، أي أن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده فإذا قلت لك قم ، فهذا نهي عن الجلوس وعن الارتفاق وعن الاتكاء ، فهو نهي عن جميع الأضداد لأنك لا تكون ممتثلا إلا إذا فعلت ما أمرت به ، فإذا فعلت أي ضد من أضداده لم تكن ممتثلا ، فكان الأولى أن يقول الأمر بالشيء نهي عن كل أضداده ، والنهي عن الشيء أمر بضده ، أي بأحد أضداده فقط ، فإذا قلت لك لا تقم فإنك تكون ممتثلا إذا جلست وإذا ارتفقت وإذا اتكأت وإذا اضطجعت فكل ذلك امتثال ، فالنهي عن الشيء أمر بضد واحد من أضداده ، أما الأمر بالشيء فهو نهي عن جميع أضداده ، والنهي عقد هذا الباب للنهي وهو ضد الأمر فعرفه بقوله: \"والنهي استدعاء الترك بالقول ممن هو دونه على سبيل الوجوب\" فتعريفه ضد تعريف الأمر ، فهو استدعاء الترك أي طلب الترك بالقول سواء كان باللفظ أو بالإشارة أو بالخط ، ممن هو دونه هذا شرط للعلو أو الاستعلاء ، على سبيل الوجوب ليقتضي ذلك الجزم والأولى عدم ذكر هذا في التعريف لأن النهي أيضا يطلق بقيد شيء أي بقيد الجزم ، فيدل على التحريم حينئذ ، وبقيد لا شيء أي بقيد عدم الجزم فيدل على الكراهة ، ولا بقيد شيء فهو النهي المطلق الذي يشمل التحريم أو الكراهة ويدل على فساد المنهي عنه بالنسبة للأمر والنهي مقتضاهما التكليفي مقتضى الأمر التكليفي هو الوجوب على الراجح كما سبق عند الإطلاق ، وقد يدل على الندب وقد يدل على الإباحة بالقرائن ، والنهي مقتضاه التكليفي التحريم على الراجح أيضا وقد يقتضي الكراهة ومقتضاهما الوضعي مقتضى الأمر الوضعي الصحة ومقتضى النهي الوضعي البطلان والفساد ، ولهذا قال ويدل على فساد المنهي عنه ، أي يدل الأمر على فساد المنهي عنه ، فإذا نهى الشارع عن أمر فليس لذلك الأمر حقيقة لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا فيدل على فساد المنهي عنه فلا يترتب عليه أي أثر لأنه فاسد وترد صيغة الأمر والمراد به الإباحة أو التهديد أو التسوية أو التكوين ، صيغة الأمر وصيغة النهي تردان على غير ما سبق ، فتردان محتفتين بالقرائن التي تدل على عدم إرادة المعنى الأصلي فترد صيغة الأمر والمراد بها الإباحة وترد صيغة الأمر والمقصود بها التهديد وترد والمقصود بها التسوية وترد والمقصود بها التكوين فكل ذلك يعرف بالقرائن ويصرف الأمر عن أصله

 


عدد مرات القراءة : 6015



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22643865
المتواجدون الأن       10
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو