» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
أركان الإيمان




بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد فإن موضوعنا اليوم عن الإيمان، الذي شرطه الله تعالى على عباده وأرسل الرسل من أجله فقال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)} [البينة]، ومن أجله يعرف الله عز وجل وتعرف كتبه ورسله، ومن أجله يؤمن الشخص بقضاء الله وقدره النافذ، ومن أجله يؤمن باليوم الآخر والبعث بعد الموت.

إن الإيمان في اللغة يطلق إطلاقين، أحدهما معدى بالباء والآخر معدى باللام، أما المعدى بالباء فمعناه التصديق الجازم الذي لا يقبل الشك الذي يحض على العمل، فالتصديق غير الجازم لا يسمى إيمانا، والتصديق الجازم الذي يقبل الشك لا يسمى إيمانا، والتصديق الجازم الذي لا يقبل الشك الذي لا يترتب عليه عمل لا يسمى إيمانا، والثاني الإطلاق الثاني هو المعدى باللام وهو التصديق الجازم فقط، فالتصديق الجازم فقط يقال له الإيمان لكذا، وأما التصديق الجازم الذي لا يقبل الشك ويقتضي العمل فهو الذي يعدى بالباء فيقال: الإيمان بكذا، فمن الأول قول الله تعالى {آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ} [البقرة 286] فالرسول r آمن بما أنزل إليه من ربه فصدق تصديقا جازما لا يقبل الشك ويحض على العمل بما أنزل إليه من ربه لأنه لا يمكن أن يتردد لحظة في صدق ما جاءه، لأن الوحي ليس كالخبر وليس كالمشاهدة، قد يشاهد الإنسان أمرا بعينه ثم يشك فيه بعد ذلك للتقادم أو لطول الزمن أو لقصور في النظر أو لوجود عدد كبير من الناس يخبر بخلاف ما رأى فيتراجع عما رآه بعيني بصره، وكذلك قد يسمع الشيء بأذنه ويجزم به في وقت معين ثم يتزلزل ذلك الجزم بسبب طول الزمان أو بسبب النسيان أو بسبب مناقشة حصلت أدت منه إلى أن يقلد الآخرين ويقدم سماعهم على سماع نفسه، وسبب ذلك القصور في الجوارح، فالبصر جارحة من جوارح ابن آدم الحادث المخلوق وهي جارحة قاصرة، ومن أجل هذا القصور فإنك ترى الشيء القريب منك في حجم معين، وكلما ابتعد صغر عنك، ترى الإنسان القادم من بعيد وهو صغير في حجمه وكلما اقترب كلما ازداد حجمه حتى يصل إلى مستواه الذي يجزم به البصر، وإن كان هذا المستوى غير مقطوع به، فيدك هذه إذا اقتربت من عينك غطت على الرؤية وإذا ابتعدت صغرت وكلما ابتعدت ازدادت في الصغر وهذا يقتضي منك الشك في المرئيات لأنك لا يمكن أن تجزم جزما حقيقيا بأن الحجم الحقيقي للأشياء هو ما تراه لحصول التذبذب حسب المسافة، ومن هنا فنحن نرى الشمس قرصا صغيرا يتصور الإنسان أنه بالإمكان أن يضعها في يده والواقع أن الأرض كلها أقل قليلا من ربع مساحة الشمس، وكذلك نرى الكواكب السيارة الكبيرة في هذا الحجم الكبيرة في حجم شعلة النار أو في حجم المقباس والواقع أن حجمها أضعاف حجم الأرض، فكل هذا يدلنا على أن المرئيات المحسوسة بعلم الحادث كلها قابلة للشك، فلا يمكن أن يقول الإنسان آمنت بأن فلانا هاهو جالس بين يدي، لأنه لا بد أن يكون يقينا لا يقبل الشك ولا يتزلزل وينبني عليه عمل، كذلك الحقائق العلمية لا يمكن أن يؤمن بها الإنسان بمعنى أن يجزم بها جزما لا يقبل الشك لإمكان التذبذب فيها والزوال، لا يمكن أن يقول الإنسان الآن: آمنت بكروية الأرض مثلا، لأن هذا لم ينزل به الوحي وإنما هو راجع إلى مشاهدات قد تكون خطأ وقد تكون صوابا، فلذلك تقيد الإيمان المعدى بالباء بهذا اليقين الوحي ليس مأخوذا عن طريق السماع ولا عن طريق البصر وإنما {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195)} [الشعراء] فلا يمكن أن يتشكك الرسول r فيما يوحى إليه من ربه، فأنت يمكن أن تشك فيما حدثك به إنسان أو رأيته أو سمعته لكن ما نزل فيه الوحي لا يمكن أن يقع فيه الشك، ومن هنا قال: آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه، أما الإطلاق الثاني وهو تعدية الإيمان باللام بمعنى التصديق الجازم الذي يقبل الشك فمنه قول الله تعالى: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)} [يوسف] فإخوة يوسف عليه السلام وعليهم عندما قدموا بالمكيدة إلى أبيهم يعقوب عليه السلام وأتوه بدم كذب وزعموا أن الذئب قد أكل يوسف عليه السلام قالوا: {وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)} لو كنت تجزم بصدقنا فإنك لا تصدقنا بذلك، ومعنى الإيمان هنا التصديق الجازم الذي يقبل الشك لأنه عدي باللام ولم يعد بالباء، لم يقولوا: وما أنت بمؤمن بنا ولو كنا صادقين، بل قالوا: وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين، ومثل هذا قول الله تعالى: {وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [التوبة 61] يؤمن بالله هذا التصديق الجازم الذي لا يقبل الشك ويقتضي عملا، ويؤمن للمؤمنين معناه يصدقهم فيما يقولون وهذا هو التصديق الجازم لكنه مع ذلك يقبل الشك، لأن شهادة العدل مثلا الأصل فيها أن تفيد علما ولكن هذا العلم غير يقيني، ومن هنا اختلف أهل الحديث الصحيح الذي رواه العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه دون انقطاع ولا شذوذ ولا علة هل هو يقتضي اليقين الجازم أو لا يقتضيه؟ جمهورهم أنه لا يقتضي القطع، وهذا الذي عليه أهل المصطلح وجمهور أهل الحديث، وخالف في ذلك بعض الأصوليين فزعموا أن ما صح إسناده لزم الجزم به سواء كان من أخبار الآحاد أو كان من المستفيض المشهور.

ومن هنا نصل إلى تحديد مفهوم الإيمان في الاصطلاح بعد أن حددناه في اللغة فنقول: إن الإيمان في اصطلاح المتشرعين من المسلمين يطلق إطلاقين، فيطلق على الدين الذي جاء به محمد r من عند الله تعالى الذي ينجي صاحبه من عذاب النار ويكون وسيلة لدخول الجنة، هذا هو تعريف الإيمان بمعناه العام الذي يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، ويمكن أن نعرفه تعريفا إحصائيا فنقول: هو التصديق بالجنان والنطق باللسان والعمل بالأركان الذي يزيد بالطاعات وينقص بالعصيان، التصديق بالجنان معناه بالقلب، والنطق باللسان بالشهادتين، والعمل بالأركان معناه بالجوارح وهو الصلاة والزكاة والصوم والحج، الذي يزيد بالطاعات، فالإيمان يزيد في الطاعات كلما ازدادت الطاعة ازداد الإيمان، وينقص بالعصيان، فكلما وقع شخص في معصية نقص إيمانه بقسط تلك المعصية، وهذا التعريف هو الذي عليه جمهور سلف هذه الأمة.

وقد خالف فيه بعض التابعين من أهل العراق، منهم حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة رحمهما الله وكذلك أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطا التيمي، وكذلك عدد من الذين دونهم، ومنهم أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل رحمه الله، وكذلك منهم أبو منصور الماتوريدي رحمه الله، فكل هؤلاء يرون أن الإيمان إنما يطلق على عمل الجنان فقط على الاعتقاد بالقلب فقط، وأن الأعمال لا تدخل في مسماه، وهذا هو الإطلاق الثاني للإيمان، واختلف هل هذا الخلاف حقيقي أو صوري على قولين لأهل العلم، القول الأول أنه خلاف حقيقي لأنه ينبني عليه مسائل عقدية منها قضية الإرجاء، من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله ولكنه لم يصل ولم يزك وباشر الفواحش فما مصيره هل هو إلى جنة أو إلى نار؟ مذهب جمهور أهل العلم أنه صائر إلى الجنة بإيمانه لأن كل من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله فمصيره الجنة، سواء عذب في القبر أو دخل النار، سواء مكث ملايين السنين في النار لا بد أن يخرج منها بإيمانه ويدخل الجنة، فالله تعالى يدخل النار من شاء بسبب معصيته ويخرجه منها بإيمانه، لكن من مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله لا يخلد في النار أبدا، وهنا يعلم أن الأعمال مكملة لهذا الإيمان وزائدة في مفهومه ومرسخة له.

كذلك من المسائل المبنية على هذا الخلاف مسألة النطق بزيادة الإيمان ونقصه، وقد اختلف فيها أهل العلم على ثلاثة أقوال، القول الأول أن الإيمان يزيد وينقص مطلقا، وهذا المذهب هو الذي عليه جمهور أهل العلم، وهو الذي عقد له البخاري كتاب الإيمان في صحيحه فذكر أنه يزيد وينقص، واستدل لذلك بالآيات الواردة في زيادة الإيمان في القرآن، مثل قول الله تعالى: {وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124)} [التوبة]، وكذلك قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17)} [محمد] وكذلك قوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام: {وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة 260] وكذلك قوله تعالى : {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح 4] وغيرها من الآيات التي فيها التصريح بزيادة الإيمان، وزيادته تقتضي نقصه، لأن الشيء الذي يزيد معناه أنه يقبل النقص أيضا، القول الثاني: أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وهذا القول يقول به طائفة من الفقهاء يسمون مرجئة الفقهاء، وهو مخالف لما عليه جمهور أهل السنة والجماعة من لدن التابعين إلى زماننا هذا، فهؤلاء يرون أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، وإنما هو الجزم بالقلب، فما كان يقبل الزيادة والنقصان فإنه متذبذب لم يصل إلى حد الثبات المطلوب في الإيمان، وهؤلاء الطائفة يؤولون هذه الآيات التي فيها زيادة الإيمان فيقولون المقصود بها زيادة ما يؤمن الإنسان به، فالإيمان عندما أنزلت سورة العلق مثلا: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)} أول ما نزل من القرآن هذه الآيات من سورة العلق، في وقتها لم يكن يشرط على أهل الأرض إلا الإيمان بهذه الآيات فقط، ما لم ينزل من القرآن لا يجب عليهم الإيمان به، كلما نزلت سورة جديدة تزداد أفراد ما يلزم الإيمان به، حتى اكتمل القرآن فاكتمل الإيمان به، واكتملت السنة فاكتمل الإيمان بها وهكذا، ومن هنا فإن الذين صحبوا رسول الله r في بداية الإيمان وماتوا قبل أن تكتمل الواجبات، مثلا خديجة بنت خويلد رضي الله عنها هي أول من صدق برسول الله r من النساء ومن الناس عموما، ومع ذلك ماتت قبل فرض الصلاة، لم تصل ولم تصم ولم تزك، هذه الفرائض تجددت بعدها، لكن لا يقتضي هذا نقصا في إيمانها لأن الإيمان الموجود هو ما قامت به، والذي كان موجودا قد حققته وأتمته على أكمل الوجوه، وكذلك الذين ماتوا بالمدينة قبل الهجرة ودفنوا إلى غير القبلة، وبعد الهجرة سبعة عشر شهرا ورسول الله r يصلي إلى الشام هؤلاء الذين ماتوا إذ ذاك دفنوا إلى غير جهة القبلة لأنهم دفنوا إلى الشام، فلذلك تشكك الناس فيهم كما في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه في الصحيحين، لكن الواقع أنهم ماتوا على الإيمان وقد استكملوا ما نزل من الإيمان إذ ذاك، وما تجدد منه لم يكن تكليفا لهم لأنهم قد ماتوا قبل أن ينزل، هذا قول هذه الطائفة، لهم قول آخر في تأويل زيادة الإيمان المذكورة في الآيات، فقالوا: المقصود بزيادة الإيمان زيادة لازم الإيمان لا زيادته، ولازمه هو شرطه وهو العمل فالعمل شرط في الإيمان وليس شطرا فيه عندهم، لكن هذه التأويلات لا يحتاج إليها، فالأصل أن تبقى الآيات على فهمها الصحيح وأن هذه الأعمال داخلة في مسمى الإيمان وأنه يزيد وينقص.

القول الثالث في زيادة الإيمان ونقصه قول مروي عن الإمام مالك رحمه الله تعالى، وهو أن الإيمان يزيد ولا ينقص، قول بالتفصيل، نحن ذكرنا القول الأول أن الإيمان يزيد وينقص، القول الثاني أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، القول الثالث أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وسبب هذا القول أن الله تعالى ذكر في القرآن زيادة الإيمان ولم يذكر فيه نقصا، لم يرد في القرآن ذكر لنقص الإيمان، وجاء فيه التصريح بزيادة الإيمان في عدد من الآيات، ومبنى الاعتقاد على التسليم المطلق، الاعتقاد لا يرجع فيه إلى العقول المحضة لما ذكرناه الآن من أن الإيمان لا بد أن يكون جازما لا يقبل الشك، وما أخذ عن طريق الجوارح يقبل الشك، فلذلك قال مالك رحمه الله إن زيادة الإيمان ثابتة بالنص ونقص الإيمان مفهوم بالعقل وما كان واردا بالنص فهو الاعتقاد، وما كان مأخوذا بالعقل لا يجعل عقيدة يلزم بها الناس فهذه رواية عنه، وإن كانت الرواية التي اشتهرت عن الإمام مالك رحمه الله موافقة لمذهب جمهور العلماء من أن الإيمان يزيد وينقص وهي الراجح إن شاء الله تعالى، والقول الراجح من هذه الأقوال الثلاثة هو أن الإيمان يزيد وينقص لأن الزيادة مقتضية للنقص.

أما أركان هذا الإيمان فهي ما بينه الرسول r لجبريل حين سأله فقال: يا محمد أخبرني عن الإيمان، فقال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وفي رواية بالله ولقائه وكتابه والبعث بعد الموت، ولقاؤه هو الموت والبعث بعد الموت من اليوم الآخر، لكن لقاءه والبعث بعد الموت كلاهما داخل في مسمى اليوم الآخر لأن الموت من أمور الآخرة وليس من أمور الدنيا لأنه انتقال من حال إلى حال وتحول من دار إلى دار، وإذا مات ابن آدم فقد قامت قيامته، وكذلك لقاء الله، وهو العرض عليه الذي بينه الله تعالى في كثير من الآيات ومنها قوله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا} [الأنعام 30] وقوله تعالى: {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (18)} [الحاقة] فهذا العرض داخل في اليوم الآخر، فهذه الأركان الستة تقتضي منا تفصيلا وهو ما سنحاول الإلمام بما تيسر منه في جلستنا هذه وإذا بقيت منه بقية نرجئها إلى وقت آخر إن شاء الله.

الركن الأول من أركان الإيمان الإيمان بالله، والإيمان بالله هو الذي يسمى توحيدا، والتوحيد يغلط فيه كثير من الناس فيظنون أنه من التفعيل بمعنى التصيير، لأن فعل ترد في اللغة بمعنى صير، مثل: كبرت الشيء معناه جعلته كبيرا وضخمته معناه جعلته ضخما وصغرته معناه جعلته تصغيرا، صغرت هذا الاسم معناه نطقت به على هيئة التصغير، ولكن التوحيد مخالف لهذا، فمعناه اعتقاد أنه واحد، وليس معناه تصييره واحدا فهو واحد، والتوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام، إلى توحيد لله في ربوبيته وتوحيد له في ألوهيته وتوحيد له في أسمائه وصفاته وهذه ثلاثة أقسام هي معنى الإيمان بالله.

الأول توحيده في ربوبيته معناه الجزم بأنه هو الواحد الأحد الذي خلق هذا العالم وليس للعالم رب سواه، وهذا التوحيد هو أصل الإيمان لأنه ينبني عليه كل ما بعده، فما بعده كله تابع له، من اعتقد تعدد الآلهة أو أن للعالم خالقا غير الله لا ينفعه أي توحيد آخر بعد هذا، ولهذا فإن المشركين الذين كانوا في زمان رسول الله r كان كثير منهم يؤمن بتوحيد الربوبية، فكانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك أنت تملكه وما ملك، وكذلك فإن الله تعالى أثبت عليهم هذا التوحيد في القرآن في كثير من الآيات مثل قوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [لقمان 25] {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف 87] {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [العنكبوت 63]، فلم يكونوا يخالفون في هذا التوحيد إلا نادرا، والذين يخالفون في هذا التوحيد أجناس، منهم الدهرية الطبائعيون وهم الذين نسميهم في زماننا هذا بالشيوعيين الذين ينركون وجود إله أصلا ويزعمون أن هذه الحياة أصلا مادة، وأن طبيعة العالم تفرز الطفرات، وأن الطفرة الكبيرة التي اقتضت الانقسام بين السماء والأرض واقتضت توزع الكائنات هي منشأ هذا العالم ومنها تغيرت الأمور وكانت بطبيعتها تتولد وتحتك، والاحتكاك الدائم الذي فيها يقتضي حصول تنوع جديد، وهذا الذي قالوه رد الله عز وجل عليه في كتابه بآية هي أبلغ دليل على هذا، أبلغ دليل على إنكار تأثير الطبيعة هي قول الله سبحانه وتعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} [الرعد 4] لو كانت الطبيعة مؤثرة فما الفرق بين هذه البقعة هذا المتر الواحد يخرج فيه أجناس من النبات متفاوتة متباينة، متباينة الألوان ومتباينة الطعوم ومتباينة الرائحة، وقد نبتت في تربة واحدة وسقيت بماء واحد، {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ} طعمها مختلف، في المكان الواحد تخرج نخلة وتخرج علقمة وتخرج وردة وتخرج ثمرة أخرى مباينة لها، فتجد الشبر الواحد من الأرض فيه ألوان متلونة، لو كانت الطبيعة هي التي أثرت فيها لجاءت جميعا على شكل واحد وطعم واحد وفائدة واحدة، فعلم أن هذا بإرادة الله وتقديره وأنه لا يمكن أن يقع طفرة دون مؤثر، لأن كل فعل لا يقبل العقل حصوله دون تأثير دون مؤثر، وهذا المؤثر لا يمكن أن يكون جاهلا به، إذ لو كان جاهلا به لاختلطت الأشياء واختل قوامها، ولا يمكن أن يكون قد خفي عليه لتمام تناسقه وانسجامه، فعلم بطلان اعتقاد الطبائعيين، علم بطلانه عقلا بهذه الآية، وعلم بطلانه بما يترتب عليه من فساد العالم كله، فلو كانت الطفرة التي يزعمونها صحيحة فلماذا تأخرت ولم تقع طفرة أخرى في آلاف السنين التي تأتي، من الذي حدد وقت تلك الطفرة؟ وما هي العوامل التي عملت على وقت تلك الطفرة ولم تعمل على ذلك في زماننا هذا؟ لماذا لا يقع انفجار كبير كما يزعمون في آلاف السنين التي جاءت بعد ذلك الانفجار المزعوم، إن هذا رد واضح وصريح على هذه الطائفة التي تنكر الألوهية، يقال لها الدهرية نسبة إلى الدهر وهذه من النسبة الشاذة، فالأصل في الدهر أن ينسب إليه بالفتح، ولكن لغة العرب فيها شواذ النسب مثل دُهري ومثل طَبَعي ومثل خرفي وغيرها من النسب الشاذة، كذلك من الذين ينكرون توحيد الربوبية الذين يزعمون أن لهذا العالم خالقين وهما النور والظلمة، وهؤلاء يسمون بالمانوية، وهم يزعمون أن النور هو إله الخير وأن الظلمة إله الشر، وأنه لا خالق لهذا العالم سوى هذين الإلهين تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، وجوابهم العقلي أن يقال: زعمتم أمرين موجودين في هذا العالم مؤثرين فيه فمن خلقهما هل خلقا أنفسهما، أو خلقهما إله ثالث، وهنا لا بد أن نصل بهم إلى الدور أو التسلسل، الدور أن يرجعوا من حيث بدأوا فيقال النور خلقته الظلمة والظلمة خلقها النور فيأتي الدور المستحيل، لأنه يتوقف كل واحد منهما على وجود الآخر فينعدمان ولا يكونان أبدا، أو نذهب إلى التسلسل فيقولون النور والظلمة خلقهما إله ثالث وذلك الإله الثالث خلقه إله آخر وهكذا حتى يصلوا إلى حوادث لا أول لها وهذا يمنعه العقل، ولذلك يقول أبو الطيب المتنبي:

وكم لظلام الليل عندي من يد

 

تخبر أن المانوية تكذب

ظلام الليل استفاد منه كثيرا في مغامراته وهروبه، فقال: إن ظلام الليل يخبر أن المانوية تكذب، فليس هو إله الخير، ليس الظلام إله الشر لأنه أتى بالخير، كذلك الذين يزعمون أن هذا الكون إلهه فرعون مثلا من عباده حيث زعم هو أنه لا إله لهم سواه، وأنه هو الذي خلق السماوات والأرض وقد كذب نفسه لأنه حكم على نفسه بجهله بالسماوات وما فوقها لقوله: {يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا} [غافر] كيف تخلقها وأنت تجهلها وتجهل ما فوقها، فقد رد على نفسه، إذن المخالفون في توحيد الربوبية قلة، والموجود منهم في زماننا هذا هم الشيوعيون وبعض عبدة الأوثان في الديانات الهندية فقط.

أما توحيد الألوهية فمعناه توحيد الله بالعبادة بحيث لا يعبد إلا هو ولا يدعى إلا هو ولا تعلق الحوائج إلا به ولا يشرع إلا هو، وهذا التوحيد يخطئ فيه أكثر الناس، فلذلك احتاج إلى بيان أكثر مما سواه، فمثلا في مجال العبادة لا يمكن أن يستحق العبادة إلا الخالق الرازق المدبر الحي القيوم الدائم الذي لا تخفى عليه طرفة عين ولا يغفل ولا تأخذه سنة ولا نوم فهو وحده المستحق للعبادة، ولا يمكن أن يعبد من سواه أبدا، ويدخل في العبادة السجود له، ولا يخالف في ذلك إلا الذين يعبدون الأصنام ويسجدون لها، وهؤلاء لا يلحدون في توحيد الربوبية لأنهم يزعمون أن هذه الأصنام مملوكات لله وإنما يتقربون بها إلى الله فقط، ولذلك قال الله تعالى حكاية عنهم: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر 3] ، فهم لا يعبدون هذه الأصنام لأنهم يزعمون أنها خالقة، ولكنهم يعبدونها تقربا إلى الخالق فقط، فهؤلاء يخالفون في توحيد الألوهية ولا يخالفون في توحيد الربوبية، ومثل هذا الذين يعبدون غير الله ببعض العبادات المخصوصة، لا يصلون لغير الله ولا يصومون لغير الله ولكن يذبحون لغير الله، مثل الذبح للأصنام والذبح للقبور ونحوها، فهذا عبادة لغير الله لأن الذبح عبادة مختص، ولذلك قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ} [الأنعام] وقد ثبت في الصحيحن من حديث أبي جحيفة السوائي رضي الله عنه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن في صحيفة رسول الله r التي أعطاه لعن من ذبح لغير الله، كذلك من العبادات النذر فكثير من الناس لا يصلي إلا لله ولا يصوم إلا الله ولا يحج إلا الله ولكنه ينذر لغير الله، والنذر عبادة لقول الله تعالى: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (29)} [الحج] ولقوله تعالى: {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (7)} [الإنسان] فمن نذر لغير الله فقد أشكر لأن النذر عبادة مختصة لا تحل إلا الله فهي مثل الصلاة والصوم والزكاة وغير ذلك، ومن هنا احتيج إلى بيان معنى النذر الذي يجهله كثير من الناس، فالنذر معناه إيجاب ما ندب تقربا لله تعالى وشكرا له، أن يتقرب الإنسان إلى الله بأن يلزم نفسه بطاعة مندوبة، فما ليس مندوبا من المباحات لا يمكن أن يكون نذرا كمن نذر أن يشرب كأسا من الشاي أو نذر أن يشرب كأسا من الماء هذا لا يسمى نذرا لأنه مباح ليس عبادة، ومن نذر واجبا فقد كان واجبا قبل هذا ولم يستفد من النذر شيئا، ومن نذر مندوبا فقد تأكد حكمه وازداد أجره بسبب نذره، ولكن هذا النذر ينبغي أن لا يكون مشروطا وأن لا يكون مكررا، فالنذر المشروط الذي يقول: إن نجحت في الامتحان فسأصلي ركعتين شكرا لله وينذر ذلك، أو أتصدق أو أحج أو أصوم أو نحو ذلك، هذا النذر المشروط أخبر عنه الرسول r  بقوله: «لا يرد من قدر الله شيئا وإنما ينتزع الله به من يد البخيل، فالذي يفعله بخيل في تعامله مع الله، يشرط على رب العالمين، فجعل نفسه بخيلا بشهادة الرسول r عليه، ولذلك لا يصدر من أهل الإيمان الكامل لا يصدر هذا النذر من أهل الإيمان الكامل، كذلك النذر المكرر قد يوقع في حرج كمن نذر أن يصوم يوم الاثنين دائما أو يوم الخميس دائما فربما أتاه ذلك اليوم وهو عاجز عن صيامه أو مشغول بأمر لا يستطيع التخلص منه، فلذلك كره هذا النذر المكرر، وإنما يطلب النذر إذا أقبل الشخص على عبادة مندوبة فأراد أداءها وتيسرت له أسبابها فينذرها ليكون ذلك زيادة في الأجر كمن سيجلس هنا في مصلاه ينتظر صلاة المغرب ويعلم أنه ليس لديه شغل سيقيمه من هذا ....................................... قد كان الفعل مندوبا فصار واجبا يثاب عليه ثواب الواجب، كذلك من العبادات التي يشرك فيها الناس الحلف، فالحلف عبادة ولذلك قال الرسول r: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت»، وكان الناس يحلفون بآبائهم في الجاهلية فسمع رسول الله r عمر بن الخطاب يحلف بأبيه فدعاه فقال: «لا تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» وكان يحلفون بأصنامهم في الجاهلية، فدأب بعض الناس على ذلك في الإسلام فقال رسول الله r: «لا تحلفوا باللات ولا بالعزى، فمن قال ذلك فليقل: آمنت بالله»، فالحلف بغير الله عبادة لذلك الغير، كذلك الشرك في التشريع فهو شرك في الألوهية، فالله وحده هو الذي يشرع لعباده ما شاء، وسبب ذلك أنه وحده العالم بحياتهم ومماتهم ومصالحهم الدنيوية والأخروية، لا يعلم أحد منهم متى يموت ولا في أي أرض يموت ولا ما يكسب غدا، ولا يمكن أن يطلع على مصالحه هو بل تخفى عنه، ولذلك نرى كثيرا من الناس يجتهد في أمر فيه له مضرة، يشتهد أن يسافر سفرا هو فيه على موعد مع ملك الموت، يتحرك حركة معينة فينكسر منه عضو بسبب تلك الحركة، يخرج لحاجة غير مهمة فيصادفه قدر من قدر الله يصيبه بمصيبة عظيمة، كل هذا يدل على أن الإنسان جاهل لمصالحه، ومن كان جاهلا بالمصالح والمفاسد لا يمكن أن يشرع شيئا، لأن التشريع أصله على معرفة المصالح والمفاسد، ولذلك قال الله تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (14)} [الملك] الذي هو اللطيف الخبير بالناس هو الذي يستطيع أن يشرع لهم، ويعرف مصلحتهم، فإذا شرع شيئا فأباح أو حرم أو أوجب، فذلك لمصلحة بني آدم لا لمصلحته هو فلا يصل إليه نفع ولا ضرر من ذلك، ولهذا قال الله تعالى: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ} [الحج] فهذه الأنعام لا ينال الله لحومها ولا دماؤها ولا يمكن أن يصل إليه نفع منها، ولا أن يوصل إليه المخلوق نفعا ولا ضررا، ولذلك جاء في الحديث القدسي الصحيح عن رسول الله r فيما يرويه عن ربه عز وجل: «يا عبادي إنكم لن تبلغو ضري فتضروني ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني، يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه»، فالتشريع من اختصاصات رب العالمين لا يمكن أن ينازعه فيه أحد، فمن شرع فقد أشرك، ولهذا قال الله تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى21] فكل من وسن قانونا، أو وضع تشريعا مما لم يأت به محمد r فقد أشرك مع الله عز وجل من شرع له، ومن هنا فإن اليهود والنصارى الذين كانوا في زمان رسول الله r كانوا مشركين يشركون أحبارهم ورهبانهم في الألوهية، لأنهم يحلون لهم الحرام فيستبيحونه ويحرمون عليهم الحلال فيتركونه، وهذا مقتض لعبادتهم، ولهذا قال الله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا} [التوبة 31] وفي حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله ما عبدناهم من دون الله! قال: ألم يحلوا لكم الحرام فتستحلوه؟ قال: بلى، قال: ألم يحرموا عليكم الحلال فتتركوه؟ قال: بلى، قال: فقد عبدتموهم، وهذا عبادة، ولهذا جعل الله تعالى القوانين ديانة فسمى القانون دينا في قوله تعالى: {مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} {كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ} [يوسف 76] معناه في قانون الملك إلا أن يشاء الله، فكل قانون غير شرع الله فهو دين أراد به صاحبه نسخ دين الإسلام وتغييره، فهو إشراك بالله العظيم عز وجل، كذلك من الإشراك في الألوهية الإشراك في محبة الله عز وجل ومسألته، فإن الله وحده هو الصمد الكريم الغني الحميد الذي يستحق أن ترفع إليه الحوائج كلها وأن ترفع إليه الأيدي في كل الطلبات، فمن تعلق قلبه بمخلوق فأصبح يعلق به حوائجه يخافه ويطمع فيه ويسأله فقد أشرك هذا الشرك، فدعوة غير الله مثل الاستغاثة بمخلوق أو مسألته أمرا لا يقدر عليه شرك بالله، كمن سأل مخلوقا أن ينزل المطر أو أن يكفر عنه ذنبه أو أن يدخله الجنة أو أن يجيب عنه الملكين أو أن ينور له قبره، هذه أمور لا يقدر عليها المخلوق، أو أن يرزقه ولدا أو مالا أو نحو ذلك هذه أمور لا يقدر عليها المخلوق، فالخلق والرزق من عند الله وحده، ومن هنا فإن دعوة المخلوق شرك بالله ولهذا قال الله تعالى: {ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)} [فاطر] وقال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ} [الفرقان 68] وقال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57)} [الإسراء] فكثير من الناس يدعو من هم يخافون ويرغبون فيما عند الله عز وجل، يدعو أولياء الله وأنبياءه وملائكته من دون الله، وهؤلاء كلهم يخاف من الله ويرغب فيما عنده، وكلهم سيقول يوم القيامة: نفسي نفسي رب لا أسألك إلا نفسي، إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة كلهم يسعى ليقرب نفسه إلى الله عز وجل بالأعمال الصالحة، أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب يتنافسون في القرب إليه بالأعمال الصالحة، ويرجون رحمته ويخافون عذابه، ومن هنا فإن هذا النوع من الشرك فيه أيضا إذلال للنفس، لأن الإنسان إذا أصبح يدعو غير الله فقد عبد نفسه لمخلوق، والله تعالى يقول: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (29)} [الزمر] ومن هنا فإن الطمع في المخلوق وسؤاله والاستغاثة به تنقسم حال ذلك إلى قسمين، القسم الأول شرك بالله وكفر به وهو مسألة المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله، مسألة المخلوق ما لا يقدر عليه إلا الله شرك بالله وكفر به، أما مسألة المخلوق ما يقدر عليه المخلوق فهذه تنقسم إلى قسمين، إلى محرم ومباح، فالمحرم منها مسألة المخلوق لغير عذر فلا تحل المسألة إلا لمن أحلها لهم رسول الله r وهم الثلاثة، أما المسألة من غير عذر من هذه الأعذار فلا تحل أصلا، ومسألة المخلوق أمرا يقدر عليه ولا يكلفه كأن تسأله أن يناولك عصا أو نعلا أو أن يفتح الباب أو نحو هذا من الأمور السهلة فهذه مباحة لكنها قد تصل إلى حد الكراهة كما إذا لم تكن احتراما فتأمر كبيرا بأن يقوم ويأتيك بشيء أو نحو ذلك، وقد بايع رسول الله r عشرة من أصحابه على أن لا يسألوا أحدا شيئا، وكان أبو بكر رضي الله عنه لا يسأل أحدا شيئا، فإذا وقعت عصاه وهو على راحلته لم يأمر أحدا أن يناوله عصاه وهو خليفة رسول الله، بل ينزل عن راحلته حتى يأخذ عصاه بيده، وهذا هو تمام الإيمان بالله والتوكل عليه، أن يكون الإنسان حرا من الأغيار، لا يسأل أحدا شيئا بالكلية، مستغن بالله عمن سواه، أما الذين يشركون بالله في المسألة فأنواع، منهم من يشرك معه الجن، وهؤلاء هم أضعف الناس حيلة وأدناهم عقلا، وفيهم أنزل الله تعالى سورة الجن وفيها يقول الله تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)} هؤلاء زادوهم مشقة وتعبا وعنتا ولم يستفيدوا منهم شيئا، ومنهم الذين يدعون الجمادات كالأشجار والأحجار ونحو ذلك، وهؤلاء جعلوا أنفسهم في أخس مكان حيث جعلوا هذه الجمادات خيرا منهم، كقوم إبراهيم الذين كانوا يعبدون الحجارة من دون الله ويدعونها في قضاء حوائجهم، وكذلك أصنام عمرو بن لحي التي هي أصنام قوم نوح الخمسة المذكورة في القرآن، ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، هذه الخمس هي أصنام قوم نوح، وقد أخذها عمرو بن لحي فأخرجها للعرب في جزيرتهم فعبدوها في عصر الجاهلية، وكذلك دون هؤلاء الذين يستغيثون بأولياء الله وأنبيائه والصالحين من عباده، فهؤلاء يستغيثون بهؤلاء العباد الذين هم مشغولون في التقرب إلى الله وعبادته، ولا يضر ذلك أولئك الذين عبدوا من دون الله فلا ينقص هذا من قدرهم، فعيسى بن مريم عليه السلام عبده النصارى من دون الله، وهو سيتخلص من الشفاعة يوم القيامة بذلك، عندما يأتيه الناس يسألونه الشفاعة إلى الله يفكر في ذنب قد اقترفه فلا يجد شيئا فيقول: قد عبدت من دون الله، ولا يضره ذلك شيئا، فالذين عبدوه خالفوا أمره، وما أمرهم إلا بالحق، ولذلك قال الله تعالى حكاية عنه: {أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)} [المائدة] وقد صدقه الله تعالى في ذلك، فقال: {هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ} [المائدة 119] فهؤلاء الأولياء والصالحون والأنبياء لا يضرهم شيئا أن يستغاث بهم من دون الله، لكن هذا يضر الذين فعلوا، ومن هنا فإن كثيرا من الناس يغلط، فإذا سمع شخصا يدعى من دون الله عادى ذلك الشخص وتجرأ عليه وتهجم عليه وجعله طاغوتا من الطواغيت والواقع خلاف ذلك، يكون هذا وليا من أولياء الله أو عالما أو رجلا صالحا ولم يأمر الناس أن يتوسلوا به ولا أن يدعوه، فلذلك لا يكون ذنب دعوته في ذنوبه هو وإنما هو في ذنوب الذين دعوه من دون الله، إن علم بذلك وأقرهم عليه هذا أمر آخر يكون إقرارهم من ذنبه هو.

أما التوحيد الثالث فهو توحيد الله تعالى في أسمائه وصفاته، إن الله سبحانه وتعالى: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)} [الأنعام] ولا يمكن أن يشبه شيئا ولا أن يشبهه شيء، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)} [الشورى] فلا يمكن أن يعرف بالعيان ولا بالمثال، فلم يبق إلا معرفته بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله r، والاستدلال عليه بمخلوقاته، وفي هذا يقول العلامة محمذن فال بن متالي رحمه الله تعالى:

وطرق المعرفة الكبار
فأول منعه الجبار
والثان أيضا منعه في النقل
لم يبق بعد ذا سوى آثار

 

عيان أو مثال أو آثار
إذ قال: \"لا تدركه الأبصار\"
لأنه ليس له من مثل
صنعته في العالم السيار

فهذا الدليل الباقي على معرفته، فالله سبحانه وتعالى أثنى على نفسه بكثير من الصفات، وأثنى عليه رسوله r كذلك بكثير منها، ولا أحد أعلم بالله من الله، وبعد ذلك لا أحد أعلم به من رسوله r، كما قال رسول الله r: «إن أعلمكم بالله وأخشاكم لله أنا» فإذا أخبر عن نفسه بصفة وجب الإيمان بذلك وتصديقه ومعرفة أن تلك الصفة واجبة لله، وإذا أخبر عنه رسوله r بشيء وجب الإيمان بذلك وتصديق الرسول r فيما جاء به من ذلك، ومع هذا يجب أن نعلم أنه لا يمكن أن يكون لصفات الله أي مثال في عالم الحوادث، فشتان بين الخالق والمخلوق، لكن لا يخفى علينا أيضا أن الأسماء قد تشترك، فقد تكون الصفة التي يتصف بها الله عز وجل مسماة باسم وهذا الاسم تسمى به صفة المخلوق، لكن لا علاقة بين الصفتين إلا في الاسم فقط، العلم علم الله يطلق عليه لفظة العلم، وعلم المخلوق يطلق عليه لفظة العلم لكن شتان بين العلمين، المخلوق: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)} [الإسراء] علم الله هو علام الغيوب {وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)} [الأنعام] كذلك وجه الله يطلق عليه هذا اللفظ الوجه، وجه المخلوق يطلق عليه وجه لكن شتان بين الأمرين شتان بين الخالق والمخلوق، ومثل ذلك ما نسميه ذاتا، فنحن نقول: ذات الله وذات المخلوق، لكن شتان بين الأمرين نهائيا، نحن لا نعرف من الذوات إلا ذوات المخلوقين، ذات الله عز وجل وهي نفس الله التي سماها الله في القرآن نفسه في قوله: {تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ} [المائدة116] وفي قوله تعالى: {وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ} [الآيتان28-30 ] في آيتين من سورة آل عمران، وغير ذلك من لفظ النفس في القرآن، فإن لفظ الذات لم يرد فيه، وليست في اللغة بهذا المعنى، ولكنها مصطلح للمتكلمين فنحن ننطق بها على هذا المصطلح، ولا ننطق بها إلزاما لأن تكون من ألفاظ الاعتقاد الواردة في السنة فليست كذلك، هذه النفس مخالفة لنفس المخلوق وإنما تشترك معها في الاسم فقط، نحن لا نعرف من الأنفس إلا أنفس المخلوق، ولا يمكن أن نقيس عليها نفس الخالق أبدا شتان بينهما، ومن هنا لزم أن نطرد هذا التفريق في كل الأمور، فلله نفس تخالف أنفس المخلوقين، ولا أحد يزعم أن ذات الله مثل ذوات المخلوقين أبدا، لكن كذلك لله صفات تنافي صفات المخلوقين، وإذا كان كذلك فلا فرق بين الكلام في النفس والكلام في الصفات، فالقول في الصفات كالقول في الذات مطلقا، وهذا ما يغفل عنه كثير من الناس، لا يرى ضررا في إطلاق الذات على الله كما تطلق على ذات المخلوق مع الفرق الشاسع بينهما، لكن إذا جاء إلى الصفات تأثر من إطلاق بعض الصفات على الله، لأنه يفهمها على منوال صفات المخلوقين وهذا غلط، لماذا تميز بين الذات والصفات، القول في الذات كالقول في الصفات، وبعد هذا فالقول في بعض الصفات كالقول في بضعها، ما الفرق بين العلم واليد، والعين ونحوها فكلها صفات أثبتها الله لنفسه، لا يمكن أن تكون مشابهة لصفات المخلوقين، وكلها تدل على التمام والكمال، وكلها تقتضي محبته وتمام الإيمان به والتوكل عليه، وليس شيء منها يقتضي نقصا فيه، ولا عجزا ولا شبها بالمخلوق أبدا، واشتراكها في الاسم مع صفات المخلوق لا يقتضي نقصا لها، فالمخلوق قد يشترك مع المخلوق في الاسم وشتان بينهما، للإنسان عين وللفيل عين لكن شتان بين عين الفيل وعين الإنسان، قال ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء» الجنة فيها اللبن والدنيا فيها اللبن هل هذا اللبن مثل اللبن الذي في الجنة شتان بينهما، الجنة فيها خمر والدنيا فيها خمر، لكن شتان بين خمر الجنة وخمر الدنيا، الجنة فيها ماء والدنيا فيها ماء لكن شتان بين الماء الذي في الدنيا والماء الذي في الجنة، كذلك مثال آخر، أقرب شيء إلى الإنسان نفسه التي بين جنبيه، وهو يعلم أن له روحا يؤمن بها، وأنها تصعد وتعرج وتنزل وتذهب وتستقر وترضى وتغضب ومع ذلك لا ينكر شيئا من هذه الصفات لأنه يحس بها في داخله، ولا يمكن أن يصورها بوجه من الوجوه لا يدرك لها حقيقة، كثير من الناس اليوم يقولون: نحن نطبق المنهاج التجريبي على كل شيء فينكرون الإيمان بالله لأنهم يقولون الحقائق كلها أصبحت علمية تجريبية، لكن يقال لهم: ألا تؤمنون أن لكم أرواحا وعقولا، فإذا قالوا: ليس لنا أرواح وعقول: قلنا: إذن أنتم أحجار أو أشجار فلا نتكلم معكم، وإذا قالوا: لنا أرواح وعقول، فنقول: صفوها لنا، ما صفة عقلك أنت، وما صفة روحك، إذا جهل ذلك وسلم وقال: نعم أنا أومن بأن لي روحا وعقلا لكن لا أستطيع وصفها فنقول: كيف تنكر هذا عن رب العالمين وتقر به لمخلوق ضعيف مخلوق، آمن بالله واعلم أنك عاجز عن معرفته، فكما عجزت عن معرفة روحك التي هي أقرب شيء إليك فأنت معذور إذا عجزت عن معرفة الله عز وجل، ومن هنا فإن صفات الله عز وجل التي أتى بها الرسول r من عنده التي وصف بها نفسه في القرآن ووصفه بها رسوله r في السنة تنقسم إلى قسمين، القسم الأول: الصفات الإيجابية والقسم الثاني: الصفات السلبية، فالصفات الإيجابية جاءت على وجه التفصيل، والصفات السلبية جاءت على وجه الإجمال، فالصفات السلبية مثل قوله تعالى: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} [الإخلاص] وهي نافية للنقص عنه، والصفات الإيجابية مثل العلم والحياة والقدرة وغيرها من الصفات التي أثبتها الله عز وجل أو أثبتها له رسوله r، ويمكن أن نفصلها تفصيلا آخر فنقول: تنقسم إلى صفات ذاتية وصفات فعلية، فالصفات الذاتية مثل الوجود الذي يمكن أن نقول فيه الحق بدل الموجود، ومثل الأولية التي يقول فيها المتكلمون القدم، ومثل البقاء والدوام، ومثل الغنى ونحو ذلك، فهذه صفات ذات، ومنها أيضا الوجه والعين واليدان والساق والقدم فهذه صفات ذاتية، أما الصفات الفعلية فهي تنقسم إلى قسمين إلى صفات اختيارية وصفات دائمة، فالصفات الاختيارية هي مثل الكلام بمعنى التكلم، والنزول وكذلك الخلق والرزق والإماتة والإحياء وغير ذلك من الأفعال كالغضب والرضا والرحمة والمحبة والسخط ونحوها، فهذه صفات اختيارية، والصفات الدائمة من الصفات الفعلية كصفة الاستواء، فإنه قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5)} [طه] بصيغة الماضي، فليس ذلك مثل غيره من الأفعال التي تكون بصيغة المضارع مثل قوله r: «ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا» فهذه الصفات يجب الإيمان بها والإيمان بها يقتضي الإيمان بكمال الله عز وجل وجلاله وجماله، وكمال التعلق به ومحبته، وكذلك يقتضي التوكل عليه وحده، وعدم منازعته في شيء من أمره فهو الذي يقول: «الكبرياء ردائي، ومن نازعني ردائي قصمته»، قصمته معناه قطعت دابره، فهذه الصفات يجب الإيمان بها بالإجمال، ولا يجب تفصيلا، ولهذا لم يعلمها رسول الله r لكل الناس، كثير منها إنما جاءت في أحاديث آحاد، كثير من صفات الله جاءت في أحاديث يرويها آحاد عن رسول الله r، ولم يعلمها لكل الناس، فلا يجب أن نمتحن الناس عموما بصفات الله، بل لا يجب على كل الناس أن يتعلموا ذلك، كذلك أسماء الله، فقد سمى الله تعالى نفسه بكثير من الأسماء في كثير من اللغات، وهذه الأسماء كلها كذلك تدل على صفات وتدل على كمال وجلال، وكلها تقتضي محبته ودعاءه والتوكل عليه، وهي تنقسم إلى أسماء للتعلق والتخلق وأسماء للتعلق فقط، فالأسماء التي هي للتعلق والتخلق مثل الرحمن الرحيم، العفو الرءوف ونحو ذلك الحليم الكريم، والأسماء التي هي للتعلق فقط مثل: الله، الجبار، المنتقم، ذو الجلال والإكرام القيوم هذه للتعلق فقط معناه يسأل الله بها، لكن لا يمكن أن يتخلق بها المخلوق، وأسماء الله سبحانه وتعالى غير محصورة في عدد محدد، لأنها في كثير من اللغات، ولكن له تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة، ويجب الإيمان بها والإيمان بأنه سمى نفسه بأشرف الأسماء وأحبها إليه وأن هذه الأسماء كلها تدل على عظمته وجلاله، وتقتضي محبته وتمام الإيمان به، هذا هو توحيده في أسمائه وصفاته.

إن توحيد الله بهذه الأنواع الثلاثة من التوحيد لا يفيد إذا لم يقتض صلة بين المخلوق وخالقه، إذا كان المخلوق يؤمن بأن له ولكل خلق خالقا، وأن ذلك الخالق هو الله وحده، وأنه هو وحده الذي يستحق العبادة، وأنه المتصف بالصفات العلى والمتسمي بالأسماء الحسنى، ولكنه مع ذلك ليس بينه وبين الله أية علاقة، لا يجد في قلبه محبة لله، ولا يتوكل عليه، ولا يسأله ولا يبالغ في التعبد إليه، ولا يجد في قلبه إخباتا إلى الله ولا خشوعا بين يديه، ولا يتأدب مع الله تمام الأدب فمعناه أنه غير مؤمن به ذلك الإيمان المطلوب، ومن هنا فإن الإيمان ينقسم إلى مستويين، مستوى أدنى، أدنى حد من الإيمان، وهو الذي ما بعده إلا الكفر، وهذا المستوى هو الجفاء، الذي يحصل من المخلوق لخالقه، بأن يكون الإنسان عاصيا لله غافلا عنه معرضا عنه، لا يخطر له على بال، فيتصرف كأنه لا رقيب عليه مع أنه يعلم أنه يشاهده ويراه، المستوى الأعلى هو الإيمان الكامل الذي يقتضي من الإنسان ألا يعصي الله تعالى وهو يراه، وأن يؤمن به ويحبه تمام المحبة، وأن يتعلق به في كل أموره، وأن لا يتوكل على نفسه ولا على قوته ولا حوله، وأن يعلم أن الله وحده هو الذي يدبر الأمر ويديره من السماء إلى الأرض، وهذا هو حال أهل الإيمان الكامل، وهذا المستوى إذا نقص منه شيء تردى الإيمان ونقص، ولهذا قال الرسول r: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» وسئل رسول الله r فقيل له: «المؤمن يسرق؟ قال: نعم، فقيل له: المؤمن يزني؟ قال: نعم، قيل له: المؤمن يكذب؟ قال: لا» فهذه الصفات يقتضي تمام الإيمان تجنبها، إذا كان الإنسان يزعم أنه محب لله ومؤمن به تمام الإيمان بهذه الصفات فلا يمكن أن يعلم أن الله يشاهده وهو يعصيه ويخالف أمره، ولا يمكن كذلك أن يحب ما سوى الله كحبه لله، فهذا شأن الكافرين الذين يقول الله فيهم: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة165] كذلك التوكل عليه الذي يعتمد على الأسباب، وتراه لا يدع حيلة إلا أعملها للحصول على المال أو نحو ذلك، ينشغل بالاكتساب ليل نهار يسأل الناس ويرجوهم ويخافهم ويتعلق قلبه بهم ولا يسأل الله عز وجل ولا يقبل عليه، وإذا سأله جعل ذلك تعبدا فقط، دون أن يعلم أن الله وحده هو الخالق الرازق، يجعل الدعاء ليس سببا من أسباب الرزق أو ليس سببا من أسباب الحصول على الحوائج هذا ناقص الإيمان وإيمانه في أدنى المستويات، أما الذي يعلم أن دعاء الله هو أقوى سبب لديه، المؤمن سلاحه ما هو؟ الدعاء أن يرفع يديه إلى الله سهام الليل، وأقوى ما لديه من الوسائل لأي شيء مسألة الله، إذا جاءت أية حاجة بادر إلى باب الله وعرضها عليه وناجاه بكل إخبات وخشوع وسأله تلك الحاجة هذا هو حقيقة الإيمان وهو الذي يكون الإنسان به محبا لله، ومن هنا فإن المتعلق بالمخلوق في حوائجه كلها سيء الأدب مع الله، لأن المخلوق فقير بخيل والله هو الكريم وهو الغني وهو الذي يعطي قبل المسألة فيبدأ بالإحسان ويستجيب المسألة، وهو الذي يقول: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} [البقرة] وهو الذي يقول: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر60] فهو الذي يستحق أن يدعى، والمخلوق العاجز الفقير كيف يدعى وتعلق به الحوائج وهو لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا ولا يملك أن يرد روحه إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون.


عدد مرات القراءة : 7781



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22274956
المتواجدون الأن       2
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو