» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح المغنى المفيد الشريط العاشر




\"وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة\" والمقصود هنا بالسنة القحط، فلا يشملها قحط شامل عام، يأتي على مشارقها ومغاربها، بل إذا أصاب القحط أرضا أصاب الخصب أرضا أخرى من بلاد الأمة الإسلامية، \"وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم\" أي يسيطر على الأمة كلها جميعا، \"وإن ربي قال: يا محمد إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد\" وقد قضى في شأن هذه الأمة هذا القضاء الذي بينه، \"وإني أعطيتك لأمتك أن لا أهلكهم بسنة عامة تشملهم جميعا، وأن لا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم\" فلا يمكن أن يسلط عليهم عدوا يستبيحهم جميعا، \"ولو اجتمع عليه من بأقطارها\" ولو اجتمع عليهم أي على حربهم من بأقطارها أي سائر الأمم الأخرى، فلا يمكن أن يستبيحوا بيضة هذه الأمة \"حتى يكون بعضهم يُهلك بعضا ويسبي بعضهم بعضا\" معناه أن هذه الأمة الخطر الداهم عليها هو من أنفسها، فلا يمكن أن يغزوها عدو من خارجها إلا إذا كان معتمدا على بعض أفرادها، وهذا ما نشاهده في زماننا هذا وفي كل الأزمنة، فما حصل تغلبٌ على رقعة من بلاد الإسلام إلا بسبب الذين يساعدون الأعداء من المسلمين أنفسهم \"حتى يكون بعضهم\" أي بعض هذه الأمة \"يهلك بعضا\" أي يقتله، \"ويسبي بعضهم بعضا\" أي يستعبدهم ويسترقهم ويأسرهم، ورواه ابن القاني في صحيحه وزاد: «وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين» زيادة في هذا الحديث إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، والأئمة هم القادة من الحكام والعلماء والمضلون الذين يغيرون شرع الله ويستبدلونه بقوانين تخالف دين الله  \"وإذا وقع عليهم السيف لم يرفع إلى يوم القيامة\" إذا وقع عليهم السيف وقد أخبر النبي r أن السيف سيقع على هذه الأمة، وقال أهل العلم كان ذلك عند قتل عثمان فمنذ قتل مظلوما رفع السيف على هذه الأمة فلم يغمد إلى يوم القيامة لا يزال القتل فيها، فيما بين هذه الأمة، لا يخلو وقت من قتال بين المسلمين منذ ذلك الوقت منذ رفع عليهم السيف، لم يرفع إلى يوم القيامة، «ولا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي بالمشركين» حتى يلحق حي من أمتي، والحي في الأصل القبيلة والمقصود بهم أن يكون عددهم مثل عدد قبيلة من القبائل، فيلحقون بالمشركين فيكونون منهم وقد شوهد ذلك في العصور المختلفة في البلاد التي خضعت لسلطان أهل الكفر كما حصل في الأندلس وفي صقلية وغيرها، فعدد كبير من المسلمين من أبناء الصحابة ومن أبناء الفاتحين قد التحقوا بالمشركين وانتسبوا إلى دينهم وكانوا منهم، «وحتى تعبد فئام من أمتي الأوثان» وفئام أي جماعات من أمتي الأوثان وهذا هو وجه ذكر هذا الحديث في هذا الباب، فإن فيه إثباتا لأن فئاما من هذه الأمة ستلتحق بالمشركين وستعبد الأوثان من دون الله، «وإنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون كلهم يزعم أنه نبي» وهؤلاء هم الدجالون الذين يخرجون قبل المسيح الدجال فسيخرج قبله ثلاثون دجالا كل واحد منهم يزعم أنه نبي، «وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي» فكلهم كذاب لأن النبي r لا نبي بعده، «ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى» بعد ذكره لهذا التخويف والنذارة الشديدة أتى بهذه البشارة العظيمة أيضا، فقال: ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة على الحق أي  متمسكة به منصورة بنصر الله عز وجل على عدوها، لا يضرهم من خذلهم أي من أبناء هذه الأمة، والخذلان معناه عدم النصرة، فمن خذلهم من هذه الأمة ولم ينصرهم لا يضرهم حتى يأتي أمر الله تبارك وتعالى وذلك بأشراط الساعة أو بقيامها، وقد جاء معنى هذا الحديث في عدد كثير من الأحاديث فتفرق فيها، والمؤلف اختار هذا الحديث لجمعه أطراف ذلك، فيه مسائل: الأولى تفسير آية النساء، وهي قول الله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت وقد فسرناها والثانية تفسير آية المائدة وهي قوله تعالى: ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت وقد فسرناها، الثالثة تفسير آية الكهف وهي قوله تعالى: ﴿قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا وقد فسرناها أيضا، والرابعة وهي أهمها ما معنى الإيمان بالجبت والطاغوت في هذا الموضع، هل هو اعتقاد القلب أو هو موافقة أصحابها مع بغضها ومعرفة بطلانها، فإنه هنا قال: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا فأولئك الملعونون من أهل الكتاب يعلمون أن الجبت والطاغوت باطل وأن ما عليه أهل الأوثان من المشركين باطل مناف للدين، ومع ذلك يوافقونهم في الظاهر عداوة وحسدا للنبي r، ويقولون ﴿هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا، أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا الخامسة قولهم إن الكفار الذين يعرفون كفرهم أهدى سبيلا من المؤمنين، وذلك ما شهد به اليهود والنصارى لقريش حين رفعوا إليهم خلافهم مع رسول الله r فشهدوا بأنهم أهدى سبيلا من المؤمنين، وقد نعى الله عليهم ذلك في هذه الآية، ﴿ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا \"السادسة وهي المقصودة بالترجمة أن هذا لا بد أن يوجد في هذه الأمة\" أي أن عبادة الطاغوت ومصانعة عبدة الطاغوت ونحو ذلك من الشرك لا بد أن يوجد في هذه الأمة، كما تقرر في حديث أبي سعيد، لأنه بين أنه لا بد أن تتبع  هذه الأمة سنن من قبلها، السابعة التصريح بوقوعها، أي التصريح بوقوع عبادة الأوثان في هذه الأمة، في جموع كثيرة وهي الفئام والحي وكل ذلك سبق ذكره، ومثل هذا قوله r: «لا تقوم الساعة حتى تضطرب أليات نساء دوس حول ذي الخلصة» وذلك من عبادة الأوثان التي ستحصل قبل قيام الساعة في هذه الأمة، الثامنة العجب العجاب أي القضية التي يستغربها العقل وهي خروج من يدعي النبوة مثل المختار وهو المختار بن أبي عبيد الثقفي، وأبوه من خيرة الصحابة وقد قتل يوم الجسر يوم جسر أبو عبيد، شهيدا في قتال الفرس، وأخته صفية بنت أبي عبيد زوجة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وهو كذاب ثقيف، ففي حديث أسماء أن النبي r قال: «يخرج في ثقيف كذاب ومُبِيرٌ» فالكذاب هو المختار بن أبي عبيد والمبير أي القاتل كثير القتل هو الحجاج، مع تكلمه بالشهادتين كان يعد نفسه من المؤمنين، ويشهد بالشهادتين، وتصريحه بأنه من هذه الأمة، وأن الرسول r حق وأنه من المدافعين عن آل بيت رسول الله r ومن الآخذين بالثأر لهم، وأن القرآن حق كان يؤم الناس ويخطب فيهم ويصلي بالقرآن ومع ذلك كان يزعم أن عنده وحيا منزلا  أوكتابا، وأن ذلك الكتاب أطلع عليه هو وبعض الخواص،وأن فيه إخبارا بالمغيبات، والمختار لم يدع الرسالة بصراحة وإنما ادعى فقط الانتصار لآل رسول الله r، لكنه كان يدعي أن لديه كتابا منزلا ويأخذ منه بعض الترهات فيعلنها للناس، وكان ذلك من التلبيس على الناس، حتى إنه في قتاله لعبيد الله بن زياد أخرج جيشا من أهل الكوفة عددهم أربعة آلاف مقاتل وأَمَّرَ عليهم إبراهيم بن الأشتر النخعي ودفع صناديق إلى بعض خواصه فيها حمام أبيض، فقال: إذا رأيتم أهل الشام تغلبوا على العسكر فأطلقوا الحمام وصيحوا في الناس الملائكة الملائكة، ثم لما ودع الجيش خطب فيهم فقال: إني لأجد في الكتاب المحكم المنزل أنكم ستحيصون أمام عدوكم حيصة فإذا حصل ذلك ظهرت الملائكة في شكل طير أبيض، فيوليكم العدو أكتافهم فتقتلونهم قتل عاد وإرم، فشاعت هذه المقولة فلما التقوا مع جيش بن زياد وكان ابن زياد في أربعين ألف مقاتل انهزم أمامهم أهل الكوفة فلما تراجعوا أطلق أولئك القوم الحمام وصاحوا الملائكة الملائكة فكر أهل العراق راجعين وانشغل أهل الشام بنظر الحمام فقتلوهم حتى قتلوا ابن زياد ومن معه، وهذا من الحيل والترهات، وقد شعر بذلك بعض العقلاء فكانوا يخدعونه بترهات كترهاته، فقد قال له بعض من أسره من أنصار بني أمية إنك لن تقتلني قال: ولم، قال: لأنه في الكتاب المحكم أني سأهدم بيتي معك فأطلق سراحه فهرب وقال أبياته المشهورة: «أري عيني ما لم ترأياه** كلانا عالم بالترهات» ومع هذا يصدق بهذا كله، مكتوب هنا يصدق في هذا كله، وهذا خطأ لغوي يصدق بهذا كله مع التضاد الواضح، فكونه يدعي كتابا منزلا غير القرآن مضاد لتصديقه بالقرآن ، وقد خرج المختار في آخر عصر الصحابة وتبعه فئام كثيرة  من الناس، ولكنه لم يدع النبوة كما ذكر الشيخ هنا وإنما ادعى أن عنده كتاب من المنزل على محمد r أو مما هو عند آل البيت كما كان يزعم مثل ما يزعم كثير من رءوس الروافض يزعمون أن لديهم كتابا يسمى الجفر فيه إخبار بالمغيبات وأنه موروث عن آل البيت وأن عندهم مصحف فاطمة وأن فيه ما ليس في القرآن كل ذلك من الأباطيل البينة، والمختار بن أبي عبيد قتله مصعب بن الزبير بدير الجماجم، ثم قتل مصعب هنالك قتله عبد الملك بن مروان، ودير الجماجم ريئَتْ به رءوس القادة، فريء به رأس الحسين رضي الله عنه بين يدي عبد الله بن زياد، ثم ريء في نفس المكان رأس ابن زياد بين يدي المختار بن أبي عبيد، ثم ريء في نفس المكان رأس المختار بن أبي عبيد بين يدي مصعب، ثم ريء فيه رأس مصعب بين يدي عبد الملك ثم أمر عبد الملك بهدمه، قوله: \"في آخر عصر الصحابة\" ليس هو في آخر عصر الصحابة بل هو في وسط عهد الصحابة، فقد ظهر واشتهر أمره بعد موقعة كربلاء وسيطر على العراق، وتولى عليه ومكث كذلك أربع سنين حتى قتله مصعب بن الزبير، وتبعه فئام كثيرة أي أتباع كثيرة من الناس والفئام الجماعات، التاسعة البشارة بأن الحق لا يزول بالكلية فلا يمكن أن يزول الحق من هذه الأمة  بل سيبقى فيها طائفة ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله، فلذلك قال: لا يزول بالكلية كما زال فيما مضى، أي في الأمم السابقة، بل لا تزال عليه طائفة من هذه الأمة، العاشرة الآية العظمى وهي عَلَمُ النبوة أنهم مع قلتهم لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم كما أخبر بذلك رسول الله r، فأولئك الطائفة لا يضرهم من خالفهم وهم أعداؤهم الذين يقاتلونهم، ولا يضرهم من خذلهم وهم من لم ينصرهم من المسلمين ولم يقاتل معهم، وفي هذه الأمة ذكر للطائفة المنصورة وذكر للفرقةالناجية، أما الفرقة الناجية فهم الذين يتمسكون بالحق ولا يتبعون البدع المضلة، وأما الطائفة المنصورة فهم المجاهدون عن الدين الذين يقاتلون لإعلائه فالطائفة المنصورة هي جزء من الفرقة الناجية، فهذه الأمة ستفترق إلى ثلاث فرق الفرقة الأولى الذين يبدلون ويغيرون، وهم الطواغيت وأعوانهم، والفرقة الثانية الذين يسكتون عن ذلك التغيير والتبديل، والفرقة الثالثة هي الناجية، وهم الذين ينكرون منهم من ينكر بلسانه ومنهم من ينكر بقلبه ومنهم من ينكر بيده ويغير، والطائفة المنصورة هم الذين ينكرون بأيديهم ويقاتلون ويجاهدون في سبيل الله، فهم جزء من الفرقة الناجية، الحادية عشرة أن ذلك الشرط إلى قيام الساعة، فما بينه النبي r من أنه لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله أي الأشراط الكبرى، وهذا المقصود هنا بقيام الساعة وإلا فقد سبق أن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس وليس المقصود استمرارهم بعد موت أهل الإيمان بالريح الطيبة التي تقبض أرواحهم من آباطهم، الثانية عشرة ما فيه من الآيات العظيمة، ما ذكر من الآيات العظيمة وهي دلائل النبوة من إخباره r بالمغيبات التي رأيناها وشاهدناها منها إخباره بأن الله زوى له المشارق والمغارب، فما زوي له يبلغه ملك أمته وقد حصل ذلك، وأخبر بمعنى ذلك فوقع كما أخبر، معنى ذلك وهو غزو هذه الأمة للمشارق والمغارب واستيلاؤها على ذلك، فوقع كما أخبر بخلاف الجنوب والشمال فلم يتسع الفتح كثيرا إليهما، وهذا يبينه حديث آخر وهو قوله «زويت لي الأرض على هيئة طائر فاليمن رأسه والحجاز جؤه مصر والعراق جناحاه، والشام زمكاه» فهذه الأرض الإسلامية التي زويت لرسول الله r، ومن المعلوم أن الجناحين أطول ما في الطائر، فيتمددان وهما إلى الشرق والغرب، والرأس لا يمكن أن يزداد الطائر من جهته، والزمكاه فيها انتشار وانحسار، وهذا ما حصل في أوربا الشرقية، وإخباره بأنه أعطي الكنزين فهما الأحمر والأبيض فالأحمر الذهب والأبيض الفضة، وإخباره بإجابة دعوته لأمته في الاثنتين أن لا يهلكهم بسنة عامة وأن لا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، وإخباره بأنه منع الثالثة وهي أن لا يقع بأسهم بينهم وإخباره بوقوع السيف أي برفعه على هذه الأمة وأنه لا يرفع إذا وقع أي لا يغمد بعد ذلك، وإخباره بإهلاك بعضهم بعضا، أي أن بعض هذه الأمة سيهلك بعضا بالقتل والسبي سبي بعضهم بعضا، وكذلك خوفه على أمته من الأئمة المضلين، وقد صح عنه في ذلك عدد من الأحاديث، كقوله «غير الدجال أخوفني عليكم الأئمة المضلون» فالقادة هم الذين يغيرون حال الأمة ويبدلون الدين ولهذا قال ابن المبارك رحمه الله: «وهل أفسد الدين غير الملوك** وأحبار سوء ورهبانها» فأولئك هم الذين يضلون الشعوب لأن الناس على دين ملوكهم، وإخباره كذلك بظهور المتنبئين في هذه الأمة، وقد رأى رسول الله r رؤيا في نومه سوارين كانا في ساعديه فنفخهما فطارا فأول ذلك برجلين يدعيان النبوة في حياته،فأما أحدهما فالأسود العنسي الذي ادعى النبوة بصنعاء وأما الثاني فمسيلمة الكذاب الحنفي الذي ادعى النبوة باليمامة، ونفخه لهما قتال المسلمين لهما وقتلهما، وقد ادعى النبوة بعد ذلك خلق كثير وسيخرج ثلاثون قبل الدجال كلهم يزعم أنه رسول الله، وإخباره ببقاء الطائفة المنصورة وقد سبقت هذه الفائدة في الفوائد السابقة، وكل هذا وقع كما أخبر به رسول الله r مع أن كل واحدة منها أي  من هذه المسائل التي أخبر بها النبي r من أبعد ما يكون في العقول أي إذ ذاك في وقت حديثه، فدائما إذا كان الصحابة في ضائقة يحدثهم النبي r ببعض المبشرات التي ستحصل، ويستنكرها المنافقون في ذلك الوقت، فعندما كانوا في وقت الخندق وحصل لهم من الضيق ما أخبر الله به في كتابه في قوله: ﴿إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا يحفر النبي r الخندق ويضرب كدية ظهرت فيه فيقول «الله أكبر، أوتيت كنوز كسرى وقيصر» وأخبر أن كنوزهما ستفتح على أمته، فتنفق في سبيل الله، في وقت تلك الضائقة والشدة يبشرهم بهذا التبشير فحصل بعد ذلك بست سنين أن فتحت عليهم كنوز كسرى وقيصر، فلهذا قال: مع أن كل واحدة منها من أبعد ما يكون في العقول، أي بحسب المشاهد إذ ذاك، الثالثة عشرة حصره الخوف على أمته من الأئمة المضلين، وهذا ليس حصرا، فلم يحصره لكنه بين أنهم أخوف عنده من غيرهم، فهم الذين يخافهم النبي r على أمته بتبديلهم للدين وتغييرهم له.

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين \"باب ما جاء في السحر\" السحر في اللغة الخفة والصفاقة، فيقال: ثوب ساحر أي لا يستر ما تحته، وهو في الاصطلاح التخييلات التي تؤثر على النفوس والأبدان بالضرر، وهو من عمل الجن ومن علوم الشر، وقد شاع استعماله في الأرض وانتشر، وترتب عليه كثير من الشرك والضرر، فعقد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الباب لما جاء فيه أي من بيان أنه ينافي التوحيد وأنه من الشرك بالله سبحانه وتعالى، فقال: باب ما جاء في السحر وقول الله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق وقوله: ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت قال عمر: الجبت السحر والطاغوت الشيطان، هذا كله من الترجمة، فافتتح الترجمة بهذه الآية من سورة البقرة ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق  وهذا خبر من الله سبحانه وتعالى أن الذين يتعلمون السحر من السابقين من بني إسرائيل وغيرهم يعلمون أن من اشتراه أي من تعلمه إنما جُعِلَ ذلك شراء لأن الإنسان فيما يتعلمه يبذل وقتا وجهدا وربما بذل مالا فسمي ذلك شراء، ﴿ما له في الآخرة من خلاق  أي ليس له يوم القيامة من نصيب، وهذا يقتضي أن يكون من أهل النار، وفي الآية تصريح كذلك بكفر من يتعلم السرح ويتعاطاه لأن الله تعالى يقول فيها، ﴿وما يعلمان من أحد حتى  يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر، فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ثم أتى بالآية الثانية من سورة النساء وهي نعي الله سبحانه وتعالى على اليهود أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، وذكر تفسير أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه للجبت بأنه السحر، وللطاغوت بأنه الشيطان، وكذلك قال جابر وهو جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري رضي الله عنه الطواغيت كهان كان ينزل عليهم الشيطان في كل حي واحد، بين هنا أن إطلاق الطواغيت وقد سبق أنها تطلق على كل ما عبد من دون الله، أن أكثر إطلاقها إنما هو على الكهان الذين كانوا في أحياء أهل الجاهلية في كل حي واحد منهم يتحاكمون إليه، ويكون له رئي من الشياطين فيخبره ببعض الأمور ويخدمه ببعض الخدمة، وقد اشتهر في ذلك الوقت في قرى العرب وأحيائهم كهان يتحاكم الناس إليهم، وكل واحد منهم له رَئِيٌ من الشياطين يأتيه ببعض الأخبار، قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: «اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا يا رسول الله وما هن، قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات»  بين رسول الله r في هذا الحديث سبعا هن الموبقات أي اللواتي يغمسن أصحابهن في النار، فالموبقات المفعلات من أوبقه إذا أهلكه أي هن المهلكات، قالوا يا رسول الله وما هن، فعد هذه الموبقات السبع، فبدأها بالشرك بالله فهو أعظم الذنوب، وبعده ذكر السحر فدل هذا على عظمه، فقد قدمه رسول الله r على قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، للدلالة على عظم شأنه في الذنوب، ثم قال: وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، قتل النفس أي إزهاقها، التي حرم الله وهي نفس المؤمن والذمي المعصوم والمعاهد كذلك إذا عصم بعهده إلا بالحق، وقد بين ذلك الحق في قوله: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة، وأكل الربا وهذا شامل للآكل والموكل، وللمعين لهما، فإن رسول الله r لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: «هم سواء» والربا المقصود به كل بيع لا يحل، كل بيع نهى الشارع عنه، والفقهاء يقصرونه على نوعين لدى جمهورهم وهما ربا الفضل وربا النَّسَاء، والشافعية يزيدون نواعا ثالثا وهو ربا اليد، وكلها من البيوع المحرمة، وأكل مال اليتيم، أي إتلافه مطلقا سواء كان ذلك بالأكل أو بالخداع أو بالوضع في محل متلف له، واليتيم هو من مات والده قبل بلوغه، فإذا بلغ لم يعد يتيما، والتولي يوم الزحف أي الفرار في وقت المعركة، فهو مما توعد الله عليه بالوعيد الشديد إذ قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار، ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير والزحف المعركة، فزحف الجيش على الجيش إذا اقترب منه ودنا لحصول القتال، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، والقذف في اللغة الرمي، وهو في الاصطلاح الرمي بالزنى، أن يوصف إنسان بالزنا، وإنما حَرُمَ ذلك في حق المحصنات وهن العفائف، فأما من ليست عفيفة فلا يعتبر قذفها من هذه الكبائر الموبقات، والغافلات أي اللواتي لم تظهر منهن ريبة تقتضي قذفهن، والمؤمنات إخراج لمن كانت كافرة فقذفها ليس من الموبقات، وهذا يشمل أيضا قذف المحصنين الغافلين المؤمنين من الرجال، فلا فرق بين قذف الذكر والأنثى في الشرع، وعن جُنْدَبٍ مرفوعا: «حد الساحر ضربة بالسيف» وهذا رواه الترمذي وقال: الصحيح وقفه، ولكنه ذكره مرفوعا، وهو أن حد الساحر ضربة بالسيف أي القتل أي يقتل بسبب سحره، وقد اختلف أهل العلم في حد السحر فذهب مالك إلى أن السحر ردة فقال: كافر معلمه ومتعلمه، وعلى هذا يستتاب صاحبه فإن تاب وإلا قتل بالسيف ردة لا حدا، وذهب آخرون إلى أن تعلمه وتعليمه ليس بردة لكنه من الموبقات التي تقتضي القتل فيقتل معلمه ومتعلمه مطلقا، وذهب آخرون إلى أنه إنما يقتل إن كان قد سحر إن كان قد مارس السحر، فإن قتل بسحره أو سحر فإنه يقتل وإلا يترك وهذا الخلاف لم يحسمه دليل فهذا الحديث الراجح فيه الوقف، فلو كان مرفوعا لحسم الخلاف، وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن اقتلوا كل ساحر وساحرة، وهذا موقوف على عمر أيضا ولكنه حكم أمير المؤمنين في كل ساحر وساحرة، بالقتل، قال فقتلنا ثلاث سواحر هن نساء، كن يمارسن السحر، السواحر جمع ساحرة بسبب أمر أمير المؤمنين لهم، وصح عن حفصة رضي الله عنها أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت، وهذا رواه مالك والبيهقي وغيرهما، وحفصة ابنة أمير المؤمنين عمر وهي أم المؤمنين، فسحرتها أمة لها فأمرت بقتلها فقتلت، وكذلك صح عن جندب وقد سبق ذلك لأنه قال حد الساحر ضربة بالسيف وقد صح ذلك موقوفا عليه، قال أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي r وهم عمر بن الخطاب وابنته حفصة أم المؤمنين وجندب رضي الله عنهم أجمعين، قال: فيه مسائل الأولى تفسير آية البقرة وهي قول الله تعالى: ﴿ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق  فهذا بيان لأن كل من تعلم السحر واشتراه فلا يمكن أن يكون له خلاق أي أي نصيب في الجنة، وذلك مقتض لكفره لأن من لا خلاق له في الآخرة هو الذي سيذهب إلى النار، الثانية تفسير آية النساء وهي قوله تعالى ﴿يؤمنون بالجبت والطاغوت وقد فسر ذلك عمر بأن الجبت السحر وأن الطاغوت الشيطان، وفسره جابر بما سبق أن الطواغيت الكهان وعموما فهذا من تفسير السلف الذي لا يقصد به الحصر في المعنى المذكور، فقد قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله إن تفسير السلف إنما يقصد به تفهيم المعنى بذكر مثال له، فلو أن شخصا سألك عن الخبز ما هو فرفعت له خبزة في يدك فقلت هذا الخبز، فليس معنى ذلك أنك تعتقد أن ما في يدك هو كل ما في علم الله من الخبز، بل المعنى أن الخبز جنس وهذا منه حتى يفهم به معنى الكلمة، فهذا هو معنى تفسير السلف فلا يقصد به الحصر، وذلك مثل تفسير عائشة رضي الله عنها لقول الله تعالى: ﴿ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين فقد فسرت ذلك بالمؤذن، فالمؤذن دعا إلى الله حين قال: حي على الصلاة حي على الفلاح، وعمل صالحا حين قال: الله أكبر الله أكبر، وقال إنني من المسلمين حين قال أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدا رسول الله، لكن ليس معنى ذلك أن هذه الآية محصورة في المؤذنين بل تشمل كل من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، الثالثة تفسير الجبت والطاغوت وبيان الفرق بينهما وقد سبق تفسير عمر لهما وقد سبق أيضا تفسيرهما في غير هذا الموضع من الكتاب والرابعة أن الطاغوت قد يكون من الجن وقد يكون من الإنس، فجابر فسره هنا بالكاهن وهو من الإنس، وعمر فسره بالشيطان وهو من الجن، الخامسة معرفة السبع الموبقات المخصوصات بالنهي، وهن أكبر الكبائر وقد بينهن رسول الله r في هذا الحديث، السادسة أن الساحر يكفر وهذا الراجح لأنه لا خلاق له في الآخرة ومن لا خلاق له في الآخرة معناه أنه من أهل النار المخلدين فيها، وفي الآية أيضا ذكر ذلك لأنه قال: ﴿وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر السابعة أنه يقتل ولا يستتاب، وهذا مذهب ثلاثة من الصحابة كما سبق، الثامنة وجود هذا في المسلمين على عهد عمر فكيف بعده لأنه كتب أن اقتلوا كل ساحر وساحرة  معناه أن هذا موجود فقتلوا ثلاث سواحر، ولا يزال ذلك موجودا في كل البيئات في المسلمين فيكثر تعاطي السحر وتعلمه، وما ذلك إلا لضعف الإيمان بالله سبحانه وتعالى والخبث والحرص على أذى الناس فالذي يحرص على تعلم السحر معناه أنه يريد إلحاق الضرر بالناس.

\"قال: باب بيان شيء من أنواع السحر\" عقد هذا الباب لبيان شيء من أنواع السحر بعد أن عرفنا حكمه العام وأن الاشتغال به تعلما وتعليما وممارسة كفر وأن الساحر يقتل عقد هذا الباب لبيان شيء من أنواع السحر، قال أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عوف عن حيان بن العلاء حدثنا قطن بن قبيصة عن أبيه أنه سمع النبي r قال: «إن العِيَّافة والطرق والطيرة من الجبت» هذا الحديث ذكر فيه النبي r أنواعا من الجبت وقد سبق أنه كل ما يرده الشرع من العلوم التي تنسب إلى الشر فيسمى جبتا وفسر فيما مضى بالسحر كما فسره  عمر رضي الله عنه، فذكر من هذه الأنواع العيافة وهي زجر الطير واستنطاق الغزلان والوحوش، فقد كان من العرب من يتخصص في ذلك فإذا رأى ظبيا سانحا عرض أمامه من اليمين إلى اليسار فسر ذلك بشيء وإذا عرض من اليسار إلى اليمين فسر ذلك، وإذا هرب أمامه فسر ذلك وإذا كان أعطب مكسور القرن فسر ذلك، وهكذا في الطير وقد اشتهر هذا في الجاهلية وكثر واشتهر به قوم من العرب فكانوا مشهورين بالعيافة وفيه يقول أحدهم «قد مرت الطير أيامنينا** قالت وكنت رجلا فطينا** هذا لعمر الله إسرائينا» وكذلك يقول الكُمَيْت: «طربت وما شوقا إلى البيض أطرب** ولا لعبا مني وذو الشيب يلعب** ولم تلهني دار ولا رسم منزل** ولم يتطربني البنان المخضب** ولا السانحات البارحات عشية** أمر سليم القرن أم مر أعطب» فذلك كان مما يعتنون به، وكذلك الطَّرَقُ، وهو الخط بالرمل فيخطون خطوطا ثم يفسرونها تفسيرا من عند أنفسهم هم الذين خطوها وهم الذين فسروها فيفسرونها ببعض المغيبات، وقد يستعملون لذلك أحجارا يرمونها فإن جاءت على وجه فسروا ذلك بشيء، وإن جاءت على وجه آخر فسروا ذلك بشيء آخر، وهكذا، فكل هذا هو من التطلع إلى الغيب المذموم شرعا، وكذلك الطيرة وقد سبق تفسيرها وأنها التشاؤم، فإذا ظهر للإنسان شيء يكرهه وهو يريد الخروج من بيته أو يريد سفرا قطع ذلك ورجع، فهذا التشاؤم هو من علوم الشر وقد كانوا في الجاهلية يبنون عليه كثيرا من الأمور حتى ربما أدى بهم إلى أن يقتلوا من تشاءموا به ظلما عدوانا، فهذه الثلاثة هي من الجبت المنهي عنه شرعا، قال عوف وهو أحد رواة هذا الحديث والذي رواه عن حيان بن العلاء العيافة زجر الطير هذا تفسيرها، وليس الطير فقط بل ما يشبهه كالغزلان وغيرها، والطرق الخط يخط بالأرض أي بالرمل أو مثله رمي الحصى، والجبت قال الحسن رنة الشيطان أي صوته، وقيل غير ذلك كما سبق، ولأبي داود والنسائي وابن حبان في صحيحه، المسند منه أي ما سبق وهو ما نسب إلى النبي r من هذا الحديث، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله r: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد» التنجيم علم آخر من علوم الشر وهو تنسب فيه الكائنات إلى بعض الأجرام العلوية كالكواكب والنجوم، ويزعمون اتصالا بها، ويضربون لها بعض الأوتاد في الأرض ويربطون بها بعض الشباك أو الحبال ويدورون حولها في وقت محدد ويظنون ذلك يؤثر ويزعمون أنهم يطلعون من خلاله على بعض المغيبات، ويزعمون أن رؤية بعض الكواكب أو المذنبات أو غيرها في السماء دليل على حصول شيء من الأمور، وهذا كله من علوم الشر، والتنجيم أنواع عديدة، فمنه ما كان فيه نسبة الكائنات إلى النجوم والكواكب والأفلاك، وهذا شرك بالله، وقد صح عن النبي r أنه قال: «أتدرون ما ذا قال ربكم» وذلك على أثر سماء بالحديبية، والسماء المطر، قالوا ما ذا قال ؟ «قال يقول: أصبح من عبادي مؤمن بي كافر بالكوكب» وكافر بي مؤمن بالكوكب، فالذي يقول مطرنا بنوء كذا وكذا كافر بي مؤمن بالكوكب، والذي يقول مطرنا بفضل الله ورحمته مؤمن بي كافر بالكوكب، والنوع الثاني منه ما لم يكن فيه نسبة شيء إلى الكائنات لكن يزعم صاحبه أن الله جعل تلك الكائنات من الكواكب والأفلاك دليلا على شيء يحدثه من أمره فذلك من التطلع على الغيب المذموم وهو من الجبت، والنوع الثالث هو معرفة ما يترتب على الفصول الزمنية عن طريق معرفة الطوالع منازل القمر والأبراج وهذا من الأمور الجائزة، ولا حرج فيه، أن تعرف أن النجم الفلاني هو من برج كذا وهو منزلة من منازل القمر ويطلع في الشتاء أو في الصيف أو في وقت كذا ومدته كذا ويصاحبه صلاح نوع من أنواع الحراثة والزراعة وهكذا فهذا لا حرج فيه شرعا، وقد نظم العلامة عبد القادر بن محمد بن محمد سالم المجلسي حكم هذه الأنواع إذ قال: «إذا كان ذو التنجيم بالله مؤمنا** ولم ينسب التأثير أصلا إلى النجم** وقال بجعل الله نجما علامة** على محدث لله فهو أخو جرم** وذو جرحة حتى يتوب ولم يجز** لذي شرعة تقليده عند ذي الفهم** عزاه ابن فرحون  الإمام لأوحد** شهير بتحصيل المسائل والفهم** أبي دلف الدنيا الأغر ابن رشدهم** عن السيد المرضي سحنون ذي العلم** وسوغ هذا المازري لقوله** عليه صلاة الله في البدء والختم** إذا نشأت بحرية وهو ظاهر** وقد جاء فيه ما يدل لذا الحكم» لكن لا تعارض بين القولين فما ذكره ابن رشد عن سحنون إنما هو في حق من يظن أن النجم قد جعله الله علامة على أمر من المغيبات، وأنه هو يتطلع من خلاله إلى الغيب، وما ذكره عن المازري إنما هو في حق من يعرف فصول السنة والأبراج والمنازل فيعرف ما يحصل عادة في كل فصل من تغير المناخ وما يترتب على ذلك في الزراعة ونحوها، وقد اشتهر التنجيم في أيام بني العباس في صدر دولتهم، فكان المنجمون يزعمون أن الكوكب الفلاني إذا طلع فستحصل كارثة وعندما أراد المعتصم غزو عمورية حذره المنجمون من ذلك وقالوا قد بدا الكوكب الغربي ذو الذنب، ولا يطلع إلا عند زوال دولة، ونخاف أن تكون دولتك وحذروا الناس من ذلك، فلم يسمع لهم ولم يطع وخرج في غزوته، فأفلح وظفر ولذلك يقول أبو تمام في هذه الغزوة: «السيف أصدق أنباء من الكتب** في حده الحد بين الجد واللعب** بيض الصفائح لا سود الصحائف في** متونهن جلاء الشك والريب** والعلم في صحف الأرماح لامعة** بين الخميسين لا في السبعة الشهب** إلى أن يقول: تخرصا وأحاديثا ملفقة** ليست بنفع إذا عدت ولا يلب** إلى أن يقول: وحذروا الناس من دهياء داهمة** إذا بدا الكوكب الغربي ذو الذنب» فبين أن ذلك ليس له مصداقية ولا يأخذ به إلا ضعفة العقول، فابن عباس رضي الله عنهما يقول: من اقتبس شعبة من النجوم، أي من تعلم شيئا من علم التنجيم فقد اقتبس شعبة من السحر أي تعلم نوعا من السحر وذلك في النوع الأول من الأنواع الثلاثة التي ذكرناها، زاد ما زاد معناه وإن تعلم شعبتين فقد تعلم شعبتين من السحر وهكذا، رواه أبو داودوإسناده صحيح وللنسائي من حديث أبي هريرة «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئا وكل إليه» هذا الحديث تضمن ثلاثة أمور، الأمر الأول أن من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ومن شر النفاثات في العقد فهن السواحر اللواتي يعقدن العقد فينفثن فيها، فلهذا قال: ومن عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، المسألة الثانية ومن سحر فقد أشرك، أن السحر شرك بالله، المسألة الثالثة ومن تعلق شيئا وكل إليه وقد سبق شرحها وبيانها، وعن ابن مسعود أن رسول الله r قال: «ألا هل أنبئكم ما العِضَة والعَضْه هي التميمة القالة بين الناس» هذا الحديث أخرجه مسلم في الصحيح وبين به العضة أو العضه لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إنا كفيناك المستهزئين الذين جعلوا القرآن عضين أي الذين جعلوا القرآن سحرا، فالعضة جمعها عِضُون هي السحر، ويطلق عليها أيضا العضه، فالعضة والعضه معناهما واحد، وهو السحر أو الكلام الذي لا يفهم، والذين جعلوا القرآن عضين أي الذين جعلوه سحرا، وقد قال رؤبة بن العجاج: «ليس كلام الله بالمعضه» بالمعضه أي بالمنسوب إلى السحر، فبين أنها هي التميمة وهي ما يتعلق مما ينسب إليه الدفع أو النفع كما سبق، والقالة بين الناس وهي النميمة أن يذهب الإنسان بين الناس بالنميمة فهو القالة بين الناس، القالة المقالة بين الناس، أي السعي للإفساد بينهم بالقالة وهي المقالة التي يقصد بها الإفساد، فذلك كله من مثابة السحر لأن الذي يمتهن حرفة الإفساد بين الناس بالنميمة كالساحر يغير القلوب ويسعى للتفريق بين الرجل وأهله، ويسعى لقطيعة الرحم فهذا نوع من السحر، لأن السحر في الأصل: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه والنمام كذلك يفرق بين المرء وزوجه ويسعى لقطيعة الأرحام فعمله شبيه بعمل الساحر، وفي الرواية الأخرى ألا هل أنبئكم ما العضه هي النميمة القالة بين الناس فيكون هذا تفسيرا واحدا، العضه هو النميمة، وهي القالة بين الناس، أي القالة التي تسعى للإفساد بين الناس، ولهما أي للبخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله r قال: «إن من البيان لسحرا» ومعنى هذا أن من الكلام ما يسحر العقول ويؤثر فيها، فيجعل الإنسان يعتقد خلاف الصواب، فإذا سمعه في كلام منمق من شعر أو خطبة أدى ذلك منه إلى اعتقاد صحته ولو كان فاسدا كذبا، فهذا من عمل البيان وهو الفصاحة والبلاغة، وقد قال أحد الحكماء: «تقول هذا مجاز النحل تمدحه** وإن تعب قلت ذا قيء الزنابير** مدحا وذما وذات الشيء واحدة** سحر البيان يري الظلماء كالنور» والنبي r إنما قال ذلك  في قصة وفد بني تميم فعندما قدموا عليه تكلم الزِّبَرْقَان في عمرو بن الأهتم، فالزبرقان وعمرو بن الأهتم وهما من سادة بني تميم فتكلم عمرو فمدح الزبرقان لرسول الله r ووصفه بأنه سيدهم وقائدهم، الزبرقان هو الذي مدح عمروا فقال يا رسول الله: إنه يعرف في أكثر مما قال ولكنه حسدني، فغضب الزبرقان فشتمه وبين أنه أهتم الأب أحمق الخال فغضب رسول الله r حتى عرف الغضب في وجهه، حين يتناقض الكلام عنده مدحا وذما، فقال الزبرقان يا رسول الله والله ما كذبت في الأولى ولقد صدقت في الثانية، ولكني رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أسو ما علمت، فقال رسول الله r: «إن من البيان لسحرا، وإن من الشعر لحكمة» فهذا الرجل ما كذب في الأولى وصدق في الثانية، ولكنه عندما رضي قال أحسن ما علم، وعندما غضب قال أسوأ ما علم، قال إن من البيان لسحرا، قال فيه مسائل الأولى أن العيافة والطرق والطيرة من الجبت، وهو هنا يقصد هنا أنها من السحر، هي بعضها داخل في اسم السحر كما يتعلق بالضرب في الأرض وقد ورد فيه أن الضرب بالرمل كان لنبي من الأنبياء وهو إدريس عليه السلام فمن عمل مثل ما كان يعمل فليس ذلك من السحر، ومن لم يعمل ما كان يعمله ذلك النبي فلا خير في ذلك لأنه من التطلع على الغيوب من غير الوجه الصحيح، لكن من يعلم ما كان يفعله ذلك النبي، فلا أحد يرويه عنه، فهذا يقتضي تركه جميعا،الثانية تفسير العيافة والطرق والطيرة، وقد سبق ذلك في أثر عوف، وأثر الحسن البصري كذلك، الثالثة أن علم النجوم من أنواع السحر والمقصود به النوع الأول من أنوا ع التنجيم الثلاثة كما سبق، الرابعة أن العقد مع النفث من ذلك، أي أنه من السحر أيضا، الخامسة أن النميمة من ذلك أي السعي بالنميمة بين الناس هو من السحر، والمقصود بذلك أنه يفعل فعل السحر في التفريق بين المرء وزوجه، السادسة أن بعض الفصاحة منه، أي أنها تعمل عمل السحر أيضا، في مخادعة الإنسان عن عقله حتى يتصور الباطل حقا والحق باطلا، ومن هذا النوع ما تستغل فيه وسائل الإعلام اليوم، فإنها تخرج الخبر بالصوت والصورة والتنميق حتى يتخيل الإنسان صدقه وهو على خلاف ذلك فيكون مكذوبا من أصله أو بهارج ملفقة لا أساس لها، لكن بوسائل الإعلام يتصور الإنسان صدقها فذلك نوع من السحر مثل سحر البيان. وما ذكر من قبل في أنواع السحر هنا لا يقصد به أن البيان فيما زاد على الكذب محرم، فما كان من البيان كذبا فهو حرام فعلا يلتحق بالسحر من جهة التحريم، ولكن لا يعتبر صاحبه ساحرا، وما كان صدقا مثل ما قال الزبرقان لرسول الله r فليس محرما لأنه صدق.

\"ال باب ما جاء في الكهان ونحوهم\"أي ما ورد في التحذير من الكهان ونحوهم وهم العرافون فالكهان جمع كاهن، وهو من يخالط الإنس من الجن وهم أولياؤهم من الإنس الذين قال الله فيهم: ﴿وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي r قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء فصدقه لم تقبل له صلاة أربعين يوما» أخبر النبي r أن من أتى عرافا  وهو الذي يخبر بمكان الضالة والشيء المسروق، وعادة إنما يفعل ذلك عن طريق رئي من الجن، أو عن طريق تعلمه لبعض الطلسمات والجداول وأسرار الحروف، وكل ذلك من علوم الشر، فمن أتاه فسأله عن شيء أي من المغيبات كالشيء المسروق أو الضالة أو نحو ذلك فصدقه فيما يقول من ذلك لم تقبل له صلاة أربعين يوما، وهذا وعيد خاص وقد جاء في غيره التصريح بكفره، فيكفر بتصديقه، والكافر لا تقبل صلاته، لكن هنا تحديد أربعين يوما إما أن يكون معنى ذلك أنه يصاب برجس فيمنع قبول صلاته أربعين يوما، في المستقبل وليس في الماضي، أما في الماضي فإن كان قد كفر فإنه يبطل كل ما عمله من الصلاة وغيرها من الأعمال الصالحة، وفي المستقبل يصاب برجس وأثر من تصديقه لذلك العراف يمنع قبول صلاته أربعين يوما وهذا لا يدركه العقل وإنما يقتصر فيه على النص، فما يتعلق بقبول الأعمال عند الله كله المرجع فيه إلى النص والوحي، ولا يمكن أن تصل العقول إليه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r قال: ﴿من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد وهذا فيه تصريح بكفره، فيمكن أن يحمل الأول على إتيانه وسؤاله، دون تصديقه في نفس الوقت إلا بعد حصول ذلك فإن حصل يصاب بذلك الرجس الذي يمنع قبول عمله أربعين يوما، أما إن اعتقد علم الكاهن أو العراف للغيب فأتاه يسأله عن ذلك أو لم يأته لكنه اعتقد صدقه فيما يخبر به واطلاعه على المغيبات فإن ذلك كفر، فلهذا قال: من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد، قال: وللاربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما عن أبي هريرة، هذا فيه خطأ في التخريج فهو لأحمد والحاكم، من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد، من أتى عرافا أو كاهنا، فزاد في هذه الرواية العراف فهو نحو الكاهن، فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد، والفرق بين العراف والكاهن أن العراف يخبر بمكان الضالة والشيء المسروق، والكاهن يلقي عليه رئيه من الشياطين بعض ما يسمعه من كلام الملائكة في السماء ويضيف إليه مائة كذبة كما سبق، فيحدث الناس بذلك فيحدثهم ببعض المغيبات فيصدقونه فيما يقول وقد كان الكهان يسجعون ذلك الكلام الذي يلقيه عليهم الشياطين سجعا، واشتهر سجع الكهان حتى ذكره النبي r في قصة المرأتين اللتين اقتتلتا فضربت إحداهما الأخرى فألقت جنينا ميتا، فحكم فيه النبي r بالدية، فلما تكلم ولي المرأة وقال: كيف أدي من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل، قال له النبي r: أسجعا كسجع الكهان، أو قال: إن هذا من إخوان الكهان، فهذا النوع من السجع قد كان مشتهرا، على ألسنة الكهان في الجاهلية وقد اشتهر منهم عدد في جزيرة العرب ومنهم سَطِيحٌ وهو كاهن اليمن، وكان في بدنه كالسطيح الذي لا يقوم ولا يتحرك من مكانه، ولم يكن في بدنه عظام فينطوي في حال رضاه، وينتفخ في حال غضبه، وقد حصل أن رجلا من قادة الفرس وهو الموبذان رأى في نومه عند مولد النبي r رؤيا أزعجته انزعاجا عجيبا واستيقظ مفزوعا منها فنسيها، فأتى كسرى فأخبره أنه رأى رؤيا هائلة أزعجته وأنه نسيها ولم يتذكر شيئا منها فجمع كسرى الكهان والعرافين فلم يستطع أحد منهم أن يعرف هذه الرؤيا فأتاه رجل من أهل اليمن اسمه عبد المسيح فقال: أنا آتيك بالخبر فيها فسافر من فارس إلى اليمن حتى أتى سطيحا هذا، قال له: «أصم أم يسمع غطريف اليمن** أم فاد فازلم به ريب العنن** يا فاصل الخطة أعيت من ومن** أتاك شيخ الحي من آل قطن** وأمه من آل ذيب بن حجن** أبيض فضفاض الرداء والبدن** تحملني وجن وتهوي به وجن** رسول قير الفرس في أرض اليمن» فقد كان مكث ثلاث ليال لم يتكلم، فنظر إليه وقال: «عبد المسيح على رجل مشيح جاء إلى سطيح وقد أهوى على الضريح أرسلك ملك بني ساسان لخمود النيران وتصدع الإيوان ورؤيا الموبذان رأى خيلا عرابا تقود إبلا صعابا قد قطعت دجلة وتفرقت فيما وراءها أعبد المسيح إذا كثرت التلاوة وظهر صاحب الهراوة فليست الشام لسطيح شاما، يملك منهم ملوك وملكات بعد الشرفات، وكل ما هو آت آت، ومات، مات هو فهنا قال: ارسلك ملك بني ساسان وهو ملك الفرس كسرى لخمود النيران، فقد خمدت نار فارس التي مضى عليها القرون ولم تخمد فخمدت النار عند مولد النبي r وتصدع إيوان كسرى وسقط منه أربع عشرة شرفة، لذلك قال: وتصدع الإيوان، ورؤيا الموبذان وبين له الرؤيا أنه رأى خيلا عرابا، تقود إبلا صعابا قد قطعت دجلة وتفرقت فيما وراءها أي في العراق، وذلك بالفتح الإسلامي، أعبد المسيح إذا كثرت التلاوة تلاوة القرآن وظهر صاحب الهراوة وهو عمر بن الخطاب وكانت له هراوة أي عصا قصغيرة وهي الدرة يضرب بها ويؤدب، قال: إذا كثرت التلاوة وظهر صاحب الهراوة، فليست الشام لسطيح شاما، أي أنها ستتغير الأمور وتفتح الشام والعراق ثم قال: يملك منهم ملوك وملكات بعدد الشرفات، أي يملك من الفرس ملوك وملكات بعدد الشرفات أربعة عشر، وذلك في هذه المدة اليسيرة الضئيلة منذ أن ولد النبي r إلى وقت فتح فارس، فكان ذلك في خمس وستين سنة، ملك منهم أربعة عشر ملكا في هذه المدة، يملك منهم ملوك وملكات بعدد الشرفات، وكل ما هو آت آت فمات هو، وكان من الكهان الذين أسلموا برسول الله r سواد بن قارب، الذي يقول: « أتاني رئيي بين نوم وهجعة** ولم يك فيما قد بلوت بكاذب** ثلاث ليال قوله كل ليلة** أتاك رسول من لؤي بن غالب** إلى أن يقول: فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة** بمغن فتيلا عن سواد بن قارب**» ومنهم كذلك رجل اسمه خنافر، وكان له رئي من الجن اسمه شاصر، فانقطع عنه فترة فانزعج لانقطاعه فبينما هو نائم إذ وقع عند رأسه فناداه فقال خنافر، فقد شاصر، فقال: رسول كبار جاء من عند الملك الجبار فأرشده إلى الإيمان فأسلم برسول الله r وأنشأ يقول: «ألم تر أن الله عاد برشده** فأنقذ من فرط الزخيخ خنافرا** وكشف لي عن جحمتي عماهما** وأوضح لي نهجا من الحق داثرا** فأسلم وحسن إسلامه، ولأبي يعلى بسند جيد عن ابن مسعود مثله موقوفا، أي من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد r، وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما مرفوعا ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد، r رواه البزار بإسناد جيد، ورواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن من حديث ابن عباس دون قوله، ومن أتى كاهنا إلخ، وهذا الحديث فيه أن من مارس ذلك أو تعلمه أو تعلم له أو مورس له فكله ليس منا، وهذا يقتضي خروجه من سنة النبي r وبراءة النبي r منه، ليس منا من تطير أو تطير له أي قبل الطيرة من غيره واستشاره فيها، أو تكهن هو أو تكهن له فقبل ذلك، أو سحر أو سحر له، أي عمل له السحر، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد، وفي الصحيح أن غلاما لأبي بكر أتاه بطعام وكان أبو بكر جائعا فأكله ، فقال: أتدري مم هذا قال: لا، قال: مررت بقوم كنت تكهنت لهم في الجاهلية ولا أحسن الكهانة، فأهدوا إلي هذا فأدخل أبو بكر إصبعه في فيه فما زال يقيء حتى قاء كل شيء في بطنه، لأن ذلك الطعام أعطي في مقابل كهانة كانت في الجاهلية، فتورع منه أبو بكر رضي الله عنه، قال البغوي العراف الذي يدعي معرفة الأمور  بمقدمات يستدل بها على المسروق ومكان الضالة ونحو ذلك، وقيل هو الكاهن، والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل الذي يخبر عما في الضمير  أي عما يضمره له الإنسان، وقد كانوا يمتحنون الكهان بما يضمرون لهم، فيخبؤون لهم خبيا في أنفسهم فإذا أخبروهم به حكموهم في شؤونهم، وقال أبو العباس ابن تيمية العراف اسم للكاهن، والمنجم والرمال ونحوهم، فيكون العراف اسما جامعا للكاهن والمنجم والرمال أي الذي يضرب بالرمل يخط بالرمل ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق، وقال ابن عباس في قوم يكتبون أباجاد والمقصود بها كتابة الحروف المقطعة وينظرون في النجوم ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق، أي أن ذلك هو نوع من علوم الشر يشبه السحر، قال: فيه مسائل الأولى لا يجتمع تصديق الكاهن مع الإيمان بالقرآن لأن الإيمان بالقرآن يقتضي الكفر بالطواغيت كلها ومنها الكهنة، الثانية التصريح بأنه كفر، لأنه قد كفر بما أنزل على محمد، الثالثة ذكر من تكهن له، فهو بمثابة من تكهن، ومن تكهن له أي الذي يرغب في ذلك فيأتي الكاهن يريد أن يخبره بشيء من المغيبات، الرابعة ذكر من تطير له، من قبل الطيرة من غيره فتطير له أحد فيما يسمى بقراءة الكف، أو نحو ذلك، فكل ذلك من هذا النوع، الخامسة ذكر من سحر له، فمن أتى ساحرا يطلب منه أن يسحر له إنسانا أو أن يعمل له سحرا فكل ذلك من هذا القبيل، السادسة ذكر من تعلم أبا جاد وهي الحروف المقطعة، وذلك بعلم أسرار الحروف وهو نوع من علوم الشر، السابعة ذكر الفرق بين الكاهن والعراف، والفرق بينهما دقيق وقد بينا أن الكاهن يأخذ بعض الغيوب عن رئيه من الشياطين وأن العراف يحاول الوصول إلى ذلك ببعض الوسائل كالطلسمات والجداول.

\"باب ما جاء في النشرة\" عن جابر أن رسول الله r سئل عن النشرة فقال: هي من عمل الشيطان، رواه أحمد بسند جيد وأبو داود وقال: سئل أحمد عنها فقال ابن مسعود يكره هذا كله، النشرة هي حل السحر بما يشبه السحر أو بسحر آخر وقد اختلف فيها أهل العلم.

 


عدد مرات القراءة : 6096



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              21892143
المتواجدون الأن       6
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو