» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح المغنى المفيد الشريط الحادي عشر




بباب ما جاء في النشرة، عن جابر أن رسول الله r سئل عن النشرة، فقال: هي من عمل الشيطان، رواه أحمد بسند جيد وأبو داود وقال سئل أحمد عنها فقال ابن مسعود يكره هذا كله، النشرة هي حل السحر بما يشبه السحر أو بسحر آخر، وقد اختلف فيها أهل العلم، فذهب جمهورهم إلى تحريمها وأنها من السحر، وذهب آخرون إلى أن ما فيه نفع مجرب ولم يكن فيه إسناد للمخلوقات إلى غير الله ولم يكن فيه شرك صريح أنه ليس داخلا في السحر لأن الله عَرَّفَ السحر فقال: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم فما فيه نفع لا يدخل في ذلك لأنه قال: ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، لكن كل ذلك لا خير فيه وهو قطعا من علوم الشر حتى لو قلنا هي من غير السحر لكن يبقى أنها من علوم الشر وليست مما أنزل على محمد r فلا خير فيها، وبين أن النبي r سئل عنها فقال: هي من عمل الشيطان، وهذا يكفي فعمل الشيطان هو كله لا خير فيه، وقد بين الله سبحانه وتعالى أن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام كلها من عمل الشيطان، وذكر عن الإمام أحمد أنه سئل عنها فذكر أن ابن مسعود يكره هذا كله أي يكره كل ما له صلة بالسحر وحله، وفي البخاري عن قتادة: قلت لابن المسيب رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته أيُحَلُّ عنه أو يُنشَر قال: لا بأس به إنما يريدون الإصلاح، هذا القول المقابل، وهو عن قتادة بن دِعامة السدوسي وهو من التابعين، قلت لابن المسيب وهو سعيد بن المسيب سيد التابعين وأحد فقهاء المدينة السبعة رجل به طب والطب مثلث الطاء الطَّب والطُّب والطِّب يطلق على السحر ويطلق على العلاج أيضا، فالمطبوب المسحور، أو يؤخذ عن امرأته أي وضع له سحر يؤخذ به عن امرأته فلا يستطيع أن يأتيها، أيُحَل عنه أي أيحل عنه السحر بِالنُّشرة أو نحوها أو ينشر هو نفس الحل، قال: لا بأس به، فأجاز ذلك، قال: إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فلم ينه عنه لأن الله تعالى إنما قال: ﴿ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم انتهى، وروي عن الحسن أنه قال: لا يَحُل السحرَ إلا ساحر، أي أن النشرة إنما تصدر عن السحرة، قال ابن القيم النشرة حل السحر عن المسحور وهي نوعان، حل بسحر مثله وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن لا يحل السحر إلا ساحر، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب وذلك بنسبة الكائنات إليه ونحو ذلك، فيُبِطل عمله عن المسحور، وهذا القسم محرم طبعا وهو من السحر، والثاني النشرة بالرقية والتعويذات والأدوية والدعوات المباحة المباحة المقصود بها المشروعة، فهذا جائز، فابن القيم رحمه الله أراد الجمع بين القولين بالتفصيل فذكر أن ما هو من جنس السحر مما فيه تقرب للشيطان وذكر للشرك ونسبة للكائنات إلى غير الله فهو من السحر لا يحل قطعا الإقدام عليه ولا استعماله لا في نشر السحر وحله، ولا في غير ذلك، وأن ما كان منها علاجا للسحر بالرُّقَى والتعويذات والأدوية ونحوها فهو من الأمور الجائزة، فيه مسائل الأولى النهي عن النشرة وذلك ما سبق، من بيان أنها من عمل الشيطان، والثانية الفرق بين المنهي عنه والمرخص فيه، أي بيان أن المسألة فيها خلاف بين أهل العلم، وبيان ما هو جائز من ذلك وما ليس كذلك، مما يزيل الإشكال وذلك بالتقسيم الذي ذكره ابن القيم حيث قسم النشرة إلى ما هو من جنس السحر فيحرم، وما هو من غير جنسه فيكون مباحا.

باب ما جاء في التطير، وقول الله تعالى: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون عقد هذا الباب لما جاء في التطير أي في التحذير منه والتطير استعمال الطِّيَرَةَ وهي التشاؤم من الأمر كالأحداث والهيئات ونحوها، وقد كان مكذبوا الرسل يتطيرون بهم فيقولون ما جئتمونا بخير، وكان طائرُكم طائرَ شؤم علينا فلما أتيتم جاء القحط أو جاءت الكوارث وحصلت الخلافات، وهذا كله من حجج الشياطين التي يلقونها على مكذبي الرسل، فلذلك رد الله عليهم بقوله: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله أي ما يتطيرون به هو من قدر الله سبحانه وتعالى وتطيرهم به معلوم عند الله سبحانه وتعالى ومكتوب عليهم عنده، ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون فلا يظنون ذلك، ولهذا قال: وقول الله تعالى: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون وقوله: ﴿قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم، طائركم معكم فما تتطيرون به منا هو ووباله وشؤمه عليكم أنتم، وليس شيء من ذلك إلينا نحن، وهذا هو كلام الرسل لمكذبيهم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله r قال: لا عدوى ولا طيرة ولا  هامة ولا صَفَر، أخرجاه وزاد مسلم ولا نَوْءَ ولا غُولَ، هذا الحديث بين فيه رسول الله r رد أمور من شأن الجاهلية، فقال: «لا عدوى» ومعنى ذلك أن العدوى لا تأثير لها، فإذا أراد الله إصابة إنسان بمرض فلا بد أن يصيبه ولو لم يخالط مصابا بذلك المرض، وإذا لم يرد إصابته بذلك المرض فلا يمكن أن يصيبه ولو خالط كل المصابين به، فهذا معنى لا عدوى، وليس معنى ذلك نفي حصول انتقال المرض من إنسان إلى آخر، فإذا أراد الله حصول الانتقال من إنسان إلى آخر حصل وهو عادته في الخلائق أن كثيرا من الأمراض تنتقل من شخص إلى آخر، لكن لا يغير ذلك شيئا من قضاء الله وقدره، فهذا معنى لا عدوى، ولذلك فإنه r نهى عن القدوم على الطاعون، والخروج من الأرض إذا ظهر فيها أيضا، فهذا يدل على أن ما يجده الناس في قلوبهم من الظن أن سبب المرض هو المخالطة، وأن الإنسان إذا لم يخالِط لم يصَب بالمرض هذا هو المحذور شرعا، فلا بد أن نعلم أن ما قدره الله لا بد أن يقع فمن قدر عليه الإصابة بمرض من الأمراض لا بد أن يصيبه ولو لم يخالط مصابا به، ومن لم يقدر عليه الإصابة به لا يمكن أن يصيبه ولو خالط كل المصابين به، لا عدوى «ولا طيرة» وهذا رد للطيرة من أصلها أي أنها لا تؤثر في قضاء الله وقدره، فمن رأى ما يعجبه فليس ذلك جالبا له خيرا، ومن رأى ما يسوؤه من المناظر فليس ذلك جالبا له شرا، بل الأمور كلها مكتوبة رفعت الأقلام وجفت الصحف عما هو كائن، «ولا هامة» وقد كان العرب يزعمون أن من قُتِل يبقى عند قبره طائر يصيح بالليل يسمونه الهامة، وأنه يستسقي أي يطلب السُّقْيا، ولهذا يقول الشاعر: «يا عمرو إلا تدع شتمي ومنقصتي** أضْرِبْك حتى تقول الهامة اسقوني» ويزعمون أنه إذا أُخِذ بثأره ذهبت الهامة عنه وكل هذا من مختلقات أهل الجاهلية، ولا صدق له، ولكن الله سبحانه وتعالى يفتنهم ببعضه، فيفتن بعض الناس بوجود طائر على بعض القبور ليظنوا ذلك تصديقا لهذه العقيدة الفاسدة، وذلك من فتنة الله سبحانه وتعالى للناس، ولهذا فإن تَوْبَةَ ابن الحُمَيِّر عندما قال: «ولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا** ومن بين رمسينا من الأرض سبسب** لظل صدى صوتي وإن كنت رمة** لصوت صدى ليلى يهش ويطرب» وقال أيضا: «ولو أن ليلى الأَخْيَلِيَةَ سلمت** عليَّ ودوني جندل وصفائح** لسلمت تسليم البشاشة أو زقى** إليها صدًى من جانب القبر صائح» فمرت ليلى بقبره مع زوجها، فأقسم عليها أن تسلم عليه، فيريد أن يعلم هل سيجيبها كما زعم في أبياته، فلما سلمت عليه خرج طائر من جانب قبره فنفرت راحلتها فسقطت وماتت فدفنت إلى جنبه، وهذا من الفتن التي يفتن الله بها الناس فيظنون لذلك أصلا، لأنه قال: لسلمت تسليم البشاشة أو زقى إليها صدى من جانب القبر صائح، «ولا صفر» فقد كان العرب يزعمون أن الشهر الثاني من العام وهو شهر صفرٍ شهر مشؤوم، ويزعمون أن من سافر فيه فقد تعرض للشؤم، وكذلك من أحدث فيه أهلا أو أتى فيه بأي شيء جديد، وكانوا يمنعون السفر إلى العمرة فيه، وكانوا يقولون إذا خرج صفرْ وبرئ الدبرْ وعفا الأثرْ حلت العمرة لمن اعتمرْ، فيزعمون أن العمرة لا تحل إلا بعد نهاية صفر، فالحج يكون في ذي الحجة، ويأتي بعده المحرم ثم صفر، فيقولون إذا خرج صفر أي انتهى صفر، وبرئ الدبر دبر الرواحل التي كانوا يحملون عليها في الحج، وعفا الأثر أي انمحى أثر الحجاج، حلت العمرة لمن اعتمر حينئذ، ويزعمون أن الصفر أيضا دواب في البطن تلسعُ الجائع، فتقتضي منه آلاما في البطن، وفي ذلك يقول الأعشى في مرثيته للمنتشِر: «لا يتأرى لما في القدر يرقبه** ولا يَعَضُّ على شرشوفه الصفر** لا يغمز الساق من أيْنٍ ولا وصب** ولا تراه أمام الحي ينتقر» فهنا قال: ولا يعض على شرشوفه الصفر، وكل هذا من أوهام العرب مما لا أصل له، زاد مسلم: «ولا نوء ولا غول» النوء حيث كانوا يزعمون أن المطر هو من عطايا النجوم، فيزعمون أن نوء كذا نوء الثريا قوي وأن نوءَ الدبران على عكس ذلك وهكذا فهذه الأنواء لا أصل لها فليس للنجوم بها أية علاقة بل المطر من رزق الله سبحانه وتعالى يرزق به من شاء بما شاء، «ولا غُول» والغُول كانوا يزعمون أن الغيلان ذكور الشياطين وأن السعالي إناثها، وأنها تتغول لهم أي تظهر لهم فتنازعهم في أملاكهم وتفسد عليهم أمورهم، وكان كثير من المسافرين يخافون من الغيلان، وأنها تتعرض لهم وتوذيهم، فذلك من مختلقات العرب، والغول من الأشياء التي يقول أهل اللغة لا حقيقة لها، وقد كانت شائعة لدى العرب، فيقولون: «البوم والغول والعنقاء ثالثها** أسماءُ أشياءَ لم تخلق ولم تكن» إنما هي مختلقات فقط ولهما عن أنس لهما أي للبخاري ومسلم عن أنس قال قال رسول الله r «لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل قالوا وما الفأل قال: الكلمة الطيبة» فهنا يقول رسول الله r «لا عدوى» ونفيها كما سبق نفي لتأثيرها، لا نفي لوجودها، فمعنى ذلك أن العدوى لا تؤثر ولا تغير شيئا من قدر الله، «ولا طيرة» كذلك، أي أنها لا تؤثر ولا تغير شيئا من قضاء الله، ويعجبني الفأل، فهذا ليس من الطيرة، وهو أن يسمع الإنسان الكلمة الطيبة وهو مُقِدم على أمر فيتفاءَل بذلك خيرا فهذا ليس من الطيرة ولا حرج فيه بل أخبر النبي r أنه يعجبه، ولهذا فإنه يوم الحديبية حين رأى سهيلَ بن عمرو قال: سُهل لكم من أمركم، فهذا من التفاؤل الحسن وليس من الطيرة، هو على عكس الطيرة، وسألوه عن الفأل ما هو، فقال: الكلمة الطيبة، الكلمة الطيبة كالعلم، الاسم مثلا سهيل ونحو ذلك، ولأبي داود بسند صحيح عن عقبة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله r فقال: أحسنها الفأل ولا ترد مسلما فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك، هنا ذكرت الطيرة عند النبي r أي في مجلسه أي ذكر أن بعض الناس يتطيرون فيصيبهم ما تطيروا به، فإذا خرج أحدهم فرأى أعور أو صافحه مشلولُ اليد أو نحو ذلك تطير بذلك، فقد يصيبه بعض ذلك الذي يتطير به ويكرهه فتنةً يفتنه الله بها، فالنبي r قال: أحسنها الفأل أي ليس شيء منها حسنا إلا الفأل، وهو الكلمة الطيبة كما سبق، ولا ترد مسلما أي من وجد شيئا في نفسه عندما خرج من بيته، فرأى منظرا يكرهه كمن رأى أبرص أو مجذوما أو مشلولَ اليد أو نحو ذلك فوجد في نفسه طِيَرَةً فلا تردَّه عن شيء، وليعلم أن الأقلام قد جفت وأن الصحف قد حوت كل ما هو كائن وأن كل ذلك قد سبق في علم الله سبحانه وتعالى، فلهذا قال: \"ولا ترد مسلما\" أي لا يحل لمسلم أن يرتد عن أمر يريده بسبب الطيرة، \"فإذا رأى أحدكم ما يكره\" إذا رأى أحدكم ما يكره معناه فتطير به في نفسه على عادة أهل الجاهلية فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك، وهذا بيان لأدبٍ شرعي وذكرٍ يذكر الله به عند حصول شيء من ذلك في النفس، ويؤخذ من هذا أيضا أن من كان مأسورا بعادة جاهلية وأمرٍ نفسي لا يطلب منه الخروج منه بالكُلِّيَةِ، فالنبي r لم ينكر أن ذلك قد يحصل في نفوس بعض الناس إذا كان متعودا عليه في الجاهلية فقد تحصل منه الطيرة فعلا لكن لا يحل له أن يتصرف على أساسها فهي أمر نفسي يجده الإنسان لا يستطيع دفعه لكن إذا وجده فلا ترده عن شيء، وليقل هذا الذكر وهو اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت والحسنات هي الأمور المحبوبة، ولا يدفع السيئات إلا أنت، والسيئات هي الأمور المكروهة، ولا حول ولا قوة إلا بك فليس لهذه المُنْصَرَات والتي يُتَطَيَّرُ منها حول ولا قوة بل الحول والقوة لله سبحانه وتعالى وحده، والحول الدفع، فحال بين الشيئين أي دفع أحدهما عن الآخر، وله أي لأبي داود من حديث ابن مسعود مرفوعا الطيرة شرك الطيرة شرك، وما منا إلاَّ ولكنَّ الله يذهبه بالتوكل، هنا قال: \"الطيرة شرك\" أي أنها داخلة في جنس الشرك، وذلك إذا اعتقد الإنسان أن شيئا من تلك الكائنات يؤثر ويرد شيئا من قضاء الله وقدره، وكرر ذلك فقال: \"الطيرة شرك\" ثم قال: \"وما منا إلا\" أي أن أكثر الناس يجد شيئا من ذلك في نفسه، وحَذَفَ المستثنى هنا، أي إلا قد يجد بعض ذلك في نفسه، وذلك من إلقاء الشيطان فقد يُخَيِّل إليه أن ما أصابه اليوم من المصيبة سببه كذا، فإذا كان الإنسان قُدِّر عليه مثلا حصول مصيبة في يوم من الأيام كحصول حادث سير أو نحوه، وكان قد خرج من بيته في الصباح مثلا فرأى شيئا يكرهه كما إذا رأى أبرص أو مجذوما أو مصابا بمرض فتطير به فحصل له تلك الكارثة أو تلك المصيبة فكثيرا ما يلقي الشيطان في نفسه أن ذلك بسبب ما رآه، ولهذا عليه أن لا يرجع وأن لا يترك شيئا كان يريد أن يعمله، وأن يقول الذكر السابق، ولهذا قال: \"ولكن الله يذهبه بالتوكل\" أي يذهب ما يجده المؤمن من الطيرة بالتوكل أي بالتوكل على الله سبحانه وتعالى، وحده، رواه أبو داود والترمذي وصححه، أي صححه الترمذي وجعل آخره من قول ابن مسعود وهو قوله وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل، فهذا الكلام هو مدرج ليس من كلام النبي r إنما هو من كلام ابن مسعود، ولأحمد من حديث ابن عمرو \"من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك\" قالوا فما كفارة ذلك: قال أن يقول اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك، هذا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك وهنا لم ينف حصول الطيرة في النفس لأنها من إلقاء الشيطان الذي لا يتحكم فيه الإنسان من  الوساوس ولكن من ردته عن حاجته فقد أشرك، لأنه نسب لما يتطير به شيئا من قدر الله، \"قالوا: فما كفارة ذلك\" أي ما كفارة حصول ذلك في النفس، فقال: «أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرك» أي الخير كله من عندك، «ولا طير إلا طيرك» أي لا تأثير لشيء من الكائنات إلا بما جعلت فيها، ولا يحصل شيء منها إلا بخلقك، «ولا إله غيرك» أي لا معبودَ ولا مستحقَّ لشيء من معاني الألوهية إلا أنت، وهذا يقتضي الكفران بتأثير كل من سواه، لأنك ختمت هذا الكلام بقولك لا إله غيرك، معناه أن كل تلك الأمور ليس لها أي تأثير وله من حديث الفضل بن عباس رضي الله عنهما «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك» أخرج أحمد إذا من حديث الفضل بن العباس رضي الله عنهما «إنما الطيرة ما أمضاك أو ردك» أي أن الطيرة ليست المعنى الذي يحصل في النفس، فالوسواس الذي يحصل في النفس ليس هو الطيرة المذمومة، «إنما الطيرة ما أمضاك» أي اقتضى منك أن تتصرف «أو ردك» أي اقتضى منك أن تترك التصرف، فهذا هو الطيرة، \"فيه مسائل: الأولى التنبيه على قوله: ﴿ألا إنما طائرهم عند الله وقد بينا تفسيرها، مع قوله ﴿طائركم معكم والجمع بينهما أن طائرهم معهم لكنه عند الله في نفس الوقت معناه أن الله عالم به وهو الذي يدبر أمر الكون كله، فلا يحصل شيء إلا بعلمه وإرادته، ومعكم أي أن ما قدره الله عليكم سيصيبكم مهما كان الأمر سواء جئنا نحن أم لم نأت، \"الثانية نفي العدوى\" وقد سبق بيان معنى ذلك وأنه لا تعارض بينه وبين نهيه، عن الإقدام على المجذوم أو على الطاعون، \"الثالثة نفي الطيرة\" وقد سبق معنى ذلك وأن المقصود به نفي ردها عن الفعل لا نفي حصول الوسواس بها، \"الرابعة نفي الهامة\" وهي كما ذكرنا الطير الذي يزعمونه عند قبر الميت الذي لم يؤخذ بثأره، ويزعمون أنه روح ذلك الميت وأنه ينادي يطلب الثأر، \"الخامسة نفي الصفر\" وقد سبق أنه يطلق على أمرين على ما يزعمون أنه يَعَضُّ في داخل البطن، وعلى هذا الشهر الذي يتطيرون به، \"السادسة أن الفأل ليس من ذلك\" الفأل الحسن يعجب النبي r وهو ليس من ذلك فلهذا قال: \"بل مستحب، السابعة تفسير الفأل\" وأنه الكلمة الطيبة، كما بين النبي r، \"الثامنة: أن الواقع في القلب من ذلك مع كراهته لا يضر\" فهو من الوسواس يزيله الإنسان بالذكر الذي سبق وبالتوكل على الله، لهذا قال: بل يذهبه الله بالتوكل كما في حديث ابن مسعود السابق، \"التاسعة ذكر ما يقول من وجده\" أي الذكر الذي ورد وهو اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت ولا يدفع السيئات إلا أنت ولا حول ولا قوة إلا بك، وكذلك اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك، فهذا هو الذكر الوارد عند حصول الوسواس بالطيرة، \"العاشرة التصريح بأن الطيرة شرك\" وذلك في حديث ابن مسعود السابق، \"الحادية عشرة تفسير الطيرة المذمومة\" وذلك في حديث الفضل بن العباس، هنا يلزم التنبيه إلى أن بعض الناس يتشاءم ببعض الأرقام وببعض التواريخ لأنها قد حصل فيها بعض الكوارث ونحو ذلك، ومن هذا أمور عالمية نشرها اليهود بين الناس كالتشاؤم بالرقم الثالث عشر، فيتشاءمون به فلا وجود له الآن في كراسي الطائرات ولا في الفنادق، فلا يوجد في الفنادق الدور الثالث عشر، لأنهم يتشاءمون به فيجعلون مكانه الرابع عشر ويتجاوزون الرقم الثالث عشر، ومثل هذا في الطائرات لا يوجد رقم ثلاثة عشر بل يتجاوزونه إلى رقم أربعة عشر تشاؤما به، وهذا النوع هو من الطيرة المذمومة شرعا.

قال: \"باب ما جاء في التنجيم، قال البخاري في صحيحه قال قتادة خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينةً للسماء ورجوما لللشياطين وعلامات يهتدى بها، فمن تأول فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه، وتكلف ما لا علم له به\" هنا بين ما جاء في التنجيم أي في التحذير منه، ومن ذلك الأثر الذي ساقه عن قتادة بن دعامة السدوسي رحمه الله وهو من كبار التابعين، قال: خلق الله هذه النجوم لثلاث، فالحكمة من خلقها ثلاثة أمور، الأول أنها زينة للسماء، لأن الله سبحانه وتعالى بين ذلك فقال: ﴿زينا السماء الدنيا بمصابيح فهي زينة لهذه السماء، ورجوما للشياطين وقد أخبر الله بذلك في كتابه فإنه يرجم الشياطين بالشهب وهي من النجوم، وعلامات يهتدى بها، لأنه قال: ﴿وعلامات وبالنجم هم يهتدون فيهتدي بها الناس في البر والبحر، فمن تأول فيها غير ذلك أي ظن أنها تؤثر في الأنواء والمطر أو في شيء من الكائنات، أخطأ وأضاع نصيبه أخطأ لأنه كذب، ونسب إليها أمرا معدوما لا حقيقة له، وأضاع نصيبه لأنه بذلك أشرك فأضاع نصيبه في الآخرة، فمن نجم لا خلاق له، وتكلف ما لا علم له به، لأنه حينئذ تكلف أمرا ليس عليه أي برهان ولا علم له به فهو من القول على الله بغير علم وذلك من أكبر الكبائر لأن الله تعالى يقول: ﴿قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون وكره قتادة تعلم منازل القمر، خشية أن يُجعَل ذلك في إطار التنجيم، ولكنه لا يُكْرَه لأن الصحابة كانوا يعرفونه ولأنه مما تعرف به ساعات الليل وتعرف به كذلك أوقات السنة، فالله سبحانه وتعالى جعل الشمس والقمر حسبانا للناس يعرف به الحساب، ولم يرخص ابن عيينه فيه، كذلك كرهه ابن عيينة ولم يرخص فيه، سفيان بن عيينة، ذكره حرب عنهما، ورخص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق بل جمهور العلماء وأصبح محل اتفاق بينهم،وعن أبي موسى قال قال رسول الله r: «ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن الخمر وقاطع الرحمة ومصدق بالسحر» رواه أحمد وابن حبان في صحيحه هذا الحديث فيه أن ثلاثة لا يدخلون الجنة وهذا يدل على كفرهم، مدمن الخمر أي الذي يشرب الخمر على الدوام، فيدمن عليه، والإدمان مراجعة الشرب في الأوقات والإكثار منه، مدمن الخمر أي شاربها بالدوام فهذا لا بد أن تسوء خاتمته ويموت على الكفر نسأل الله السلامة والعافية فلا يدخل الجنة، وقاطع الرحم، لأن الرحم قد استعاذت بالله تعالى من القطيعة، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة فقال: «أما ترضين أن أصل من وصلك و أقطع من قطعك» وقد جعل الله قطيعتها من أعظم الفساد في الأرض فقال: ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم وقطيعة الرحم سبب لسوء الخاتمة والموت على الكفر نسأل الله السلامة والعافية، ومصدق بالسحر، فالذي يصدق بالسحر ولو لم يباشره هو ولو لم يسحر له فهو مشرك لأنه صدق بتأثير شيء من الكائنات في شيء منها، ونسب شيئا من الكائنات لغير الله، فيه مسائل: الأولى الحكمة في خلق النجوم وقد بين قتادة هذه الأمور الثلاثة التي جاءت كلُّها في القرآن، الثانية الرد على من زعم غير ذلك،من زعم أنها تؤثر في شيء أو أن الأفلاك لها تأثير واتصال بالأرض، الثالثة ذكر الخلاف في تعلم المنازل، وقد بينا أن الراجح جواز تعلمها وهو الذي عليه جمهور أهل العلم وقد اتفق عليه المذاهب، \"الرابعة الوعيد لمن صدق بشيء من السحر\" (قال هنا فيمن صدق بشيء من السحر، وهذا خطأ في التعبير فالتعبير الصحيح الوعيد لمن صدق بشيء من السحر) لأنه لا يموت على الإيمان بل على الشرك، ولو عرف أنه باطل، لو عرف أن سائره باطل لكنه صدق بشيء منه، فذلك كاف في شركه نسأل الله السلامة والعافية.

باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء، عقد هذا الباب لما جاء في التحذير من الاستسقاء بالأنواء، أي طلب السقيا بالأنواء ونسبة المطر إلى الأنواء والنجوم والكواكب،وقول الله تعالى: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون وتجعلون رزقكم أي وتجعلون جزاء رزقكم وشكره ومقابله أنكم تكذبون فهذا هو أسوء اللؤم، أن يأخذ الإنسان رزق الله سبحانه وتعالى وفي مقابل ذلك يكذب برسالاته، عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله r قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهُن الفخرُ بالأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة» وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب رواه مسلم، هذا الحديث بين فيه النبي r بأن أربعا من أمر الجاهلية باقياتٌ في هذه الأمة، قال: «أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن» فهذا من أعلام النبوة استمرار بقائهن في هذه الأمة، الفخر بالأحساب أي التفاخر بالأنساب مع أن الناس لآدم وآدم من تراب، والطعن في الأنساب، الطعن في أنساب الناس فهذا مما يشتهر وينتشر وقوعه في هذه الأمة وهو من القذف، والاستسقاء بالنجوم أي نسبة السقيا لها، نسبة المطر لها، والنياحة وهي البكاء عند المصيبة والعويل، وذكر الميت بالأوصاف الكبيرة التي ليست فيه، وقال النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال قطران ودرع من جرب نسأل الله السلامة والعافية، فكل نائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تعذب بهذا العذاب العظيم تقام يوم القيامة على رءوس الأشهاد وعليها سربال من قطران وهذا من سرابيل أهل النار والجرب الحِكة الجسدية المعروفة، ولهما أي للبخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال صلى لنا رسول الله r صلاة الصبح بالحديبية على أثر سماء كانت من الليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال: قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مُطِرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب، هذا الحديث سبقت الإشارة إليه وزيد بن خالد الجهني يحدث أن النبي r صلى لنا صلاة الصبح أي صلى بهم إماما بالحديبية وذلك في ذي القِعدة من العام السادس من الهجرة، حيث نزل رسول الله r بالحديبية في طرف الحرم، عندما صده المشركون عن الكعبة وكان أحرم بالعمرة ومعه ألف وخمسمائة من أصحابه، وهم الذين بايعوه تحت الشجرة، وأنزل الله فيهم سورة الفتح، على إثر سماء كانت من الليل أي على إثر مطر كان من الليل فصلى بهم صلاة الصبح، بعد هذا المطر الذي جاء في الليل فلما انصرف أي سلم وانصرف إلى الناس وأقبل إليهم بوجهه أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ أي يخبرهم بما أحدث الله من الوحي بعد نزول ذلك المطر، قالوا: الله ورسوله أعلم فأحالوا العلم إلى الله ورسوله فيما يعلمه رسوله r، قال: قال: أي قال ربكم، أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، أي الخلائق الذين أصابهم ذلك المطر منهم مؤمن بالله كافر بالكوكب ومؤمن بالكوكب كافر بالله، فلهذا قال: مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فنسب المطر إلى الله سبحانه وتعالى الذي أمطر الأرض به فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب لأنه لم ينسب للكوكب شيئا من التأثير، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فنسب المطر إلى النوء فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب فقد كفر بالله حين أشرك به غيره، ولهما من حديث ابن عباس معناه، لهما أي للبخاري ومسلم من حديث ابن عباس معناه أيضا وفيه: قال بعضهم لقد صدق نوء كذا وكذا فأنزل الله هذه الآية: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون، تنزيل من رب العالمين، أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون وهذا محل الاستشهاد من الآية وهو: ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون تجعلون رزقكم وهو المطر الذي أنزل الله عليكم ورزقكم به أنكم تكذبون، أي تجعلون جزاءه وشكره أنكم تكذبون بالله سبحانه وتعالى الذي سقاكم به، وذلك سبب نزول الآية وهو: أنهم يقولون: صدق نوء كذا وكذا أي أتى بما وعد وهم يزعمون أنه وعدهم بالمطر أنه إذا طلع جاء بالمطر معه، وكل ذلك من الأباطيل، فيه مسائل الأولى تفسير آية الواقعة، أوهي ﴿وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون أي تجعلون شكر رزقكم ومقابله أنكم تكذبون، الثانية ذكر الأربع التي من أمر الجاهلية وهي باقية في هذه الأمة، هي التفاخر بالأحساب وهي مآثر الآباء والأسلاف، والطعن في الأنساب في أنساب الآخرين والاستسقاء بالنجوم ونسبة السقيا لها والنياحة فهذه الأربع من أمر الجاهلية لا تزال في هذه الأمة، الثالثة ذكر الكفر في بعضها، وذلك بالاستسقاء بالنجوم لأن النبي r بين أن الله سبحانه وتعالى قال فيه أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، الرابعة أن من الكفر ما لا يخرج من الملة فهو كفر دون كفر، فنسبة ذلك باللسان إلى الكواكب إذا كان الإنسان لا يعتقدها لا يعتقد أن للكواكب تأثيرا فليس ذلك من الكفر الأكبر المخرج من الملة بل هو كفر دون كفر، الخامسة قوله: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بسبب نزول النعمة، فكفران النعمة معناه عدم شكرها، وكفران النعمة من الكفر الأصغر لا من الكفر الأكبر، السادسة التفطن للإيمان في هذا الموضع فإن النبي r انتهز هذه الفرصة ليُعَلِّمَ الناس أمور الإيمان بعد أن أنعم الله عليهم بالمطر،  السابعة التفطن للكفر في هذا الموضع أيضا في المقابل، فبعد النعمة يؤمن قوم ويكفر قوم، والناس في النعم على أربعة أقسام، القسم الأول الذين لا يعرفونها بوجودها وإنما يعرفونها بزوالها، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون﴾ فهم الذين لا يشعرون بالنعمة حتى تزول وتفارقهم فلم يستفيدوا منها شيئا، النوع الثاني: الذين يعرفون النعمة بوجودها لكن لا يعرفون من أين أتت بل يظنون أنها من تلقاء أنفسهم أو من عند غيرهم من الكائنات، وهؤلاء كفروا بالله حين رأوا نعمته عليهم فلم يقروا بأنها من عنده كما حصل لقارون الذي قال إنما أوتيته على علم عندي، النوع الثالث الذين يعرفون النعمة بوجودها ويعرفون من أين أتت وأنها من عند الله ولكنهم ينشغلون بالنعمة عن شكرها، وهؤلاء حالهم حال الأعراب الذين قالوا شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا، وقد حذر الله من ذلك في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون والنوع الرابع الذين يعرفون النعمة بوجودها ويعرفون أنها من عند الله ثم يستغلونها بشكرها، فيستعملونها فيما يرضي الله سبحانه وتعالى، وذلك الشكر وهو استغلال العبد ما أنعم الله عليه به في طاعته، «والشكر صرف العبد ما أولاه** مولاه من نعماه في رضاه» الثامنة التفطن لقوله: لقد صدق نوء كذا وكذا أي أن هذا النوع من الشرك الذي يجري على ألسنة الناس يلزم التفطن له لإصلاحه وإزالته، التاسعة إخراج العالم للمتعلم المسألة بالاستفهام عنها، أن من أساليب التعليم أن يسأل المعلم المتعلم ليتعلق قلبه بالجواب حتى يثبت في نفسه إذا سمعه، فإن النبي r قال لهم: أتدرون ماذا قال ربكم؟ وهو يعلم أنهم لا يدرون، لكن لتتعلق نفوسهم بذلك حتى يحفظوه ويفهموه، لقوله: أتدرون ما ذا قال ربكم؟ العاشرة وعيد النائحة، أي الوعيد الشديد الوارد في النياحة في حق النائحة، بأن تقام يوم القيامة وتلبس سربالا من قطران ودرعا من جرب نسأل الله السلامة والعافية.

باب قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وقوله: ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا عقد هذا الباب لنوع من أنواع الشرك وهو شرك المحبة، فمن حقوق الإلهية حبُّ الإله حبَّ الإلهية، وذلك بالاتصال به وعبادته وخدمته، والتعلق العاطفي به والأُنْس به فهذا من حقوق الإلهية، ومن صرف شيئا منه لغير الله تعالى فقد أشرك في باب المحبة، وبين ذلك بالآيتين المذكورتين في الترجمة وهما قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا والأنداد جمع ند وهو النظير، أي يتخذون من دون الله أولياء يعطونهم حقوق الألوهية فيشركونهم مع الله في الحب، ﴿يحبونهم كحب الله والآية الثانية هي قوله: ﴿قل إن كان آباؤكم بعد قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا﴾ فالوعيد الشديد على حصول هذه المحبة في مقابل محبة الله عز وجل، فالمحبة تنقسم إلى ثلاثة أقسام، المحبة التي هي من الدين ثلاثة أقسام، أولا حب الإلهية وهذا مختص بالله سبحانه وتعالى وهو من أبلغ عبادته، ثانيا محبة رسول الله r المبلغ عن الله، ومحبة كل أولياء الله من الملائكة ومن الناس فكل عابد لله سبحانه وتعالى يُحَبُّ بِحُبِّ الله وهو الحب في الله، إذا رأيته يحب الله ويعبده فإنك تحبه بسبب ذلك لأنك تعلم أن الله يستحق العبادة وما قصرت فيه أنت من العبادة تحب أن يقوم به غيرك، النوع الثالث منها هو حب العمل الذي يقرب إلى الله سبحانه وتعالى، أن تحب أن توفق للخير وأن تكره الكفر والفسوق والعصيان، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان والنبي r قال في تعريف المؤمن من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن، عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله r قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين، أخرجاه أي البخاري ومسلم في الصحيحين وأخرجا أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي r قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده» فهنا قال: لا يؤمن أحدكم فنفى الإيمان حتى أكون أحب إليه أي حتى يكون النبي r أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين لأنه الذي أمر باتباعه وتوقيره والطاعة له وتصديقه في كل ما أخبر به فلا بد أن يحبه أشد مما يحب كل أقاربه من والده وولده وحتى نفسه التي بين جنبيه كما في حديث عمر عندما قال: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي التي بين جنبي فقال: «لا، حتى أكون أحب إليك من نفسك التي بين جنبيك» فقال: والذي بعثك بالحق لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي، وإنما قال عمر ذلك جريا على العادة في الاستثناء فقط، وإلا فهو أحب إليه من  نفسه التي بين جنبيه، كما أقسم على ذلك وصدق، فهذا حب رسول الله r، الذي هو من الحب في الله، ولهما أي للبخاري ومسلم عنه، قال قال رسول الله r ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه، كما يكره أن يقذف في النار، هذا الحديث أيضا ذكر فيه النبي r ثلاث خصال من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أي كمل بهن إيمانه، وهذه الخصال الثلاثة كلها تتعلق بالحب والكره، فذلك خلاصة الإيمان ما يتعلق بالحب والكره، فتذاق حلاوته بها، أول هذه الثلاث أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وحبهما مختلف، فأن يحب الله حب الإلهية وأن يحب الرسول r حب الرسالة وهو أبلغ ما يكون حب البشر، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، أن يحب المرء أي أي إنسان آخر رآه يحب الله ويعبده لا يحبه إلا لله، لا يريد منه جزاء ولا شكورا ولا يرجو منه أي نفع ولا يخاف منه أي ضرر، فيحبه لأنه يحب الله ويعبده فهذا هو الحب في الله أيضا، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار، أن يكره الكفر وأهله، فيكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه بالإيمان كما يكره أن يقذف في النار، فيكون الكفر عنده كالنار مباشرة، وفي رواية لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وهذه الرواية مصدِّقة للرواية السابقة ومبيِّنة لها، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا وذلك لا يجدي عن أهله شيئا، رواه ابن جرير الطبري، هنا يقول ابن عباس رضي الله عنهما من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك أي فهو من أولياء الله، فإنما تنال ولاية الله أي يُحصَل عليها بذلك، فولاية الله وهي بفتح الواو وكسرها الوَلاية والوِلاية تحصل بمحبة الله، والحبِّ فيه وبالبغض في الله وبموالاة الله ورسوله والمؤمنين وبمعاداة أعداء الله، ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا فإنما تنال وَلاية الله بذلك، ولن يجد عبد طعم الإيمان أي حلاوته، وإن كثرت صلاته وصومه  وعباداته كلها حتى يكون كذلك لا بد أن تكون هذه الحلاوة أمرا عاطفيا فلا يكفي فيه الأعمال الظاهرية ولا القناعة العقلية بل لا بد في الحلاوة من هذا الأمر العاطفي بالمحبة والكره، فالمحبة محبة الله أولا ثم محبة رسوله r ثم بعد ذلك محبة المؤمنين والولاء لله ولرسوله وللمؤمنين والكراهة والعداء والبراء من كل من عادى الله سبحانه وتعالى على حسب عداوته، فمن كان كافرا مشركا طاغوتا فعداوته على أبلغ العداوات، كإبليس مثلا، ثم من دونه بحسب ما فيه من عداوة الله إلى أن تصل إلى العاصي من المؤمنين فتحبه بقدر إيمانه وتكرهه بقدر عصيانه، وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا لا حول ولا قوة إلا بالله هذا في أيام ابن عباس فكيف بأيامنا، ابن عباس يقول فقد صارت مؤاخاة الناس أي محبتهم وولاؤهم على أمر الدنيا فأصبحوا يوالون ويعادون على أساس المنافع الدنيوية، ويحبون ويكرهون على أساس المنافع الدنيوية، وذلك لا يجدي على أهله شيئا، ذلك لا يجدي أي لا ينفع ولا يغني عن أهله شيئا، فكل تلك المصالح منقطعة ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون وقال ابن عباس في قوله: ﴿وتقطعت بهم الأسباب أي المودة، فالمودة القائمة على أساس المصالح الدنيوية تتقطع بأهلها بمجرد النفخ في الصور، فيه مسائل الأولى تفسير آية البقرة وهي ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله وقد سبق تفسيرها، الثانية تفسير آية براءةَ وهي ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وقد بينا تفسيرها، الثالثة وجوب محبته r أشد من حب الإنسان لنفسه وأهله وماله، كما بين ذلك في الحديث، الرابعة أن نفي الإيمان لا يدل على الخروج من الإسلام بالكلية، لأن نفي الإيمان المقصود به نفي تمامه وكماله، الخامسة أن للإيمان حلاوة قد يجدها الإنسان وقد لا يجدها، فبعض المؤمنين يجد حلاوة الإيمان، وذلك بالجانب العاطفي الذي هو المحبة والكره وبعضهم لا يجد تلك الحلاوة، السادسة أعمال القلب الأربع التي لا تنال ولاية الله إلا بها، كما في أثر ابن عباس وهي الحب في الله والبغض في الله والولاء في الله والعداء في الله، وهذه كلها من أعمال القلب أي العاطفة، السابعة فهم الصحابي للواقع فابن عباس رضي الله عنهما أخبر عن واقعه وأخبر أن الناس إذ ذاك صارت عامة مؤاخاتهم على أمر الدنيا  والعامة المقصود بها الغالب، الثامنة تفسير قول الله تعالى: ﴿وتقطعت بهم الأسباب فقد فسرها ابن عباس بالمودة والمقصود بذلك المودة على أساس الدنيا فهي التي تنقطع، أما الإخاء على أساس الإيمان فيستمر لقول الله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين التاسعة: أن من المشركين من يحب الله حبا شديدا لأنه قال: ﴿يحبونهم كحب الله معناه أنهم يحبون الله ذلك الحب لكن ذلك لا يغني عنهم شيئا، لأنهم يحبون الأصنام كحب الله أيضا، العاشرة: الوعيد على من كانت الثمانية أحب إليه من دينه، والثمانية هي ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها هذه هي الثمانية من كانت أحب إليه من الله ورسوله وجهاد في سبيله فقد حق عليه هذا الوعيد الشديد، ولذلك قال: من كانت الثمانية أحب إليه من دينه، الحادية عشرة: من اتخذ نِدا تساوي محبته محبة الله فذلك من الشرك الأكبر، كما قال الله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله فذلك كله من الشرك الأكبر المخرج من الملة.

باب قول الله تعالى ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين وقوله: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله وقوله: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله عقد هذا الباب لبيان نوع من أنواع الشرك وهو الشرك في الخوف، فلا بد أن يحقق المؤمن إيمانه بالرجاء والخوف بأن لا يخاف إلا من الله، وأن لا يرجوَ إلا ما عند الله، ومن خالف ذلك فقد أشرك في الخوف، ولهذا قال: في كتابه: ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه أي يخوفكم من أوليائه حتى تخافوهم ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين فجعل الإيمان مقتضيا لخوف الله وحده دون خوف من سواه، وكما قال تعالى: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وكما قال تعالى: ﴿وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه، وقال أيضا: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله وقال تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله فآثر الخوف من الناس على الخوف من الله وكل ذلك مذموم لأنه شرك في مجال الخوف، وإنما يتخلص الإنسان بذلك إذا علم أن الناس لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم حياة ولا موتا ولا نشورا، ﴿وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب وأن الله وحده هو الذي بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعا: إن من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله، من ضعف اليقين بالله أن ترضي الناس بسخط الله، لأنك حينئذ ما قدَرت الله حق قدره، فالناس لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم حياة ولا موتا ولا نشورا، ﴿وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب، ما قدروا الله حق قدره أن ترضي الناس بسخط الله وأن تحمدهم على رزق الله، فمدح الناس بسبب ما قدموا لك من رزق قد كتبه الله لك من ضعف اليقين لأن اللازم أن تشكر ذلك لله فهو الذي رزقك به والناس لا يستطيعون منعا لما أعطى ولا إعطاء لما منع، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع سبحانه وتعالى، وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله أن تذم الناس بسبب أنهم لم يعطوك ما منعك الله، فهم لا يستطيعون أن يوصلوا إليك ما منعك الله، إن رزق الله لا يجره حرص حريص، فرزق الله عز وجل لا يجره حرص حريص سواء كان لنفسه أو لغيره فلا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع، ولا يرده كراهية كاره، فكراهية الكاره والحاسد لا ترد شيئا من رزق الله سبحانه وتعالى كتبه، وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله r قال: «من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» رواه ابن حبان في صحيحه، هذا الحديث عظيم جدا، حيث أخبر فيه النبي r أن من التمس رضى الله بسخط الناس من تقرب إلى الله سبحانه وتعالى بما يقتضي أن يعاديه الناس لأن كل من سلك طريق الحق لا بد أن يعاديه الناس، ولهذا قال ورقة لرسول الله r إنه لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، ورضا الله إنما يتم بالمجاهدة فيه وبتحقيق العداوة لأعدائه فالتماس رضاه بسخط الناس إذن هو من إيثار رضا الله على رضا الناس من فعلَ رضي اللهُ عنه لأنه قد باع نفسه لله سبحانه وتعالى، وأرضى عنه الناس حينئذ، والصادق المخلص في تغييره للمنكر وإنكاره له، لا يُغضِب الناس بذلك بل يرضي الله عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله نسأل الله السلامة والعافية بأن تقرب إلى الناس بمعصية الله سخط الله عليه حين آثر رضا الناس على رضاه، وأسخط عليه الناس فلو تقرب إليهم بكل المعاصي لا يمكن أن يَرْضَوا عنه، فيه مسائل الأولى تفسير آية آل عمران وهي قول الله تعالى في قصة أحد ﴿إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياء فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين والثانية تفسير آية براءة وهي قول الله تعالى: ﴿ولم يخش إلا الله وبيان أن الخشية مما ينبغي أن يصرف إلى الله سبحانه وتعالى وحده، ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء الثالثة تفسير آية العنكبوت وهي قول الله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله وتفسيرها أن من الناس من يقول آمنا بالله يقول ذلك بلسانه دون قناعة كاملة بقلبه فإذا أوذي في الله وفُتِن افتتن وجعل فتنة الناس كعذاب الله فأطاع الناس في سخط الله عز وجل نسأل الله السلامة والعافية، الرابعة أن اليقين يضعف ويقوى فهو الإيمان يزيد وينقص، الخامسة علامة ضعفه، فعلامة ضعف اليقين إرضاء الناس بسخط الله، ومدحهم على رزق الله وذمهم إذا منعوا ما منعك الله وهذا كله من ضعف اليقين بالله، ولهذا قال: ومن ذلك هذه الثلاث وهي: أن ترضي الناس بسخط الله وأن تحمدهم على رزق الله وأن تذمهم على ما لم يؤتك الله، السادسة أن إخلاص الخوف لله من الفرائض، فيجب للإنسان أن يخلص الخوف لله سبحانه وتعالى وحده، لأنه قال: من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس، والله تعالى يقول: ﴿فلا تخشوا الناس واخشون ويقول: ﴿فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين ويقول: ﴿وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ويقول: ﴿ومن يطع الله ورسوله ويخشى الله ويتقه فأولئك هم الفائزون السابعة ذكر ثواب من فعله، ذكر ثواب من فعل إخلاص الخشية لله وحده، فإن الله سبحانه وتعالى رتب على ذلك الفوز العظيم والفوز هو المزحزحة عن النار ودخول الجنة، ﴿فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز الثامنة ذكر عقاب من تركه، فإن الله يَسخَط عليه ويُسخِط عليه الناس.

باب قول الله تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين وقوله: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم، وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون وقوله: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين وقوله: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه عقد هذا الباب للتوكل على الله سبحانه وتعالى وأنه من تمام التوحيد وأن تركه من الشرك، فابتدأ ذلك بهذه الآيات وهي قول الله تعالى ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين فقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالتوكل عليه وربط ذلك بالإيمان فقال: ﴿إن كنتم مؤمنين معنى هذا أن من توكل على الله فقد حقق الإيمان وأن من لم يتوكل عليه فليس مؤمنا به، وقد سبق شرح التوكل، ثم بعدها قول الله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم خشيةً له وإيمانا به، ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا فهم يؤمنون بها ويصدقون فتزيدهم آيات الله إيمانا، ويقينا، ﴿وعلى ربهم يتوكلون فهذا هو وصف أهل الإيمان، إنما المؤمنون قد حصر المؤمنين في هؤلاء، وبين أن التوكل من ذلك، قال: ﴿وعلى ربهم يتوكلون وقوله: ﴿يا أيها النبي حسبك الله وحسبك بمعنى كافيك، وهذا هو التوكل، حسبك الله، ﴿أليس الله بكاف عبده بلى، وقوله: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه وهذه الآية الأخيرة مبينة لمعنى الآية قبلها، من يتوكل على الله فهو حسبه أي فهو كافيه، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد r حين قالوا له إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا رواه البخاري والنسائي، بين ابن عباس رضي الله عنهما أن تمام التوكل على الله سبحانه وتعالى بالاعتقاد القلبي والنطق باللسان حصل لإبراهيم عندما رماه أصحابه في النار فقال: حسبي الله ونعم الوكيل فقال الله ﴿يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم فقد حقق إبراهيم تمام التوكل على الله سبحانه وتعالى فقال: ﴿حسبنا الله ونعم الوكيل وأثنى على الله مع ذلك، وكذلك قالها محمد r فحقق التوكل بقلبه ولسانه عندما قال له الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، قال لهم الناس أي نُعَيْمُ ابن مسعود أو مَنْ أخبر النبي r بجمع الأحزاب له، إن الناس أي قريشا وغطفان قد جمعوا لكم فاخشوهم فأمروهم بخشية الناس فخالفوا فردوا خشية الناس عليهم وزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فكانوا يخشون الله ولا يخشون الناس، وهذا ما وصف الله به رسوله r فإنه يخشى الله ولا يخشى الناس، ﴿إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فهذا أمر الناس لهم، ﴿فزادهم إيمانا أي زادهم ما ذكر من جمع الناس لهم إيمانا، وذلك أنهم صدقوا بما أخبر الله به من تكالُب الناس عليهم، وبما سيصيبهم من أذاهم فإن الله تعالى يقول: ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم، ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور.


عدد مرات القراءة : 5114



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              21093344
المتواجدون الأن       7
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو