» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح المغنى المفيد الشريط الثالث عشر




 \"باب من جحد شيئا من الأسماء والصفات\" عقد هذا الباب لنوع آخر مما يضاد التوحيد ويخالفه وهو نفي التوحيد في الأسماء والصفات، بمعنى أن يجحد الإنسان بعض الأسماء أو بعض الصفات فينكرها، أو يجحدها جميعا، فالذي ينكر كل ذلك فقد جحد الجميع جحد أسماء الله وصفاته، والذي ينكر الصفات دون الأسماء كذلك، والذي ينكر بعض الصفات دون بعض كذلك، فإن القول في الصفات كالقول في الذات، والقول في بعض الصفات كالقول في بعض، والأسماء جمع اسم وهو ما سمى الله به نفسه من الأسماء، والصفات جمع صفة وهي ما وصف به نفسه، فكل أمر أثبته لنفسه يعتبر صفة له، وكذلك الصفات السلبية أي كل صفة نفاها عن نفسه فنفيها صفة له، وقول الله تعالى: ﴿وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب ﴿وهم يكفرون بالرحمن فأثبت في هذه الآية كفرهم بأسماء الله سبحانه وتعالى فإنهم كانوا يعرفون الله وينكرون الرحمن، وقد نعى الله عليهم ذلك وأنكره ولما أُنْزِلَ على رسول الله r: ﴿الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان استنكر كفار مكة ذلك وقالوا عرفنا الله فمن الرحمن، فأنزل الله تعالى: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعو فله الأسماء الحسنى وفي صحيح البخاري قال علي حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله،حدثوا الناس بما يعرفون أي بما يمكن أن يفهموا ويستوعبوا، فلا يحدث الناس بما لا تصل إليه عقولهم، وما أنت بمحدث قوما لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة عليهم، فإنما يحدث الناس بما يمكن أن يفهموا ويستوعبوا، وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي r في الصفات استنكارا لذلك، فقال: ما فرق هؤلاء يجدون رقة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه،في قول علي رضي الله عنه حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله بيان لأن كثيرا من الناس يكذبون بالنصوص إذا لم يستوعبوها ولم يفهموها، فلا ينطلقون من مبدإ الاستسلام لأن الله سبحانه وتعالى أعلم بنفسه، وأن رسوله r أعلم به، ولهذا فإن ابن عباس كان عنده رجل، فَحُدِّثَ بحديث من أحاديث الصفات عن النبي r، فانتفض استنكارا لذلك، فقال ابن عباس: ما فرق هؤلاء، أي ما خوف هؤلاء، ما الذي جعلهم يخافون، يجدون رقة عند محكمه، فينقادون لمحكم القرآن ومحكم السنة، ويهلكون عند متشابهه لأنهم ينكرونه، ولا فرق في الإيمان بين المحكم والمتشابه كل من عند ربنا، ولما سمعت قريش رسول الله r يذكر الرحمن أنكروا ذلك فأنزل الله فيهم: «وهم يكفرون بالرحمن» وذلك سبب نزول الآية السابقة، فيه مسائل: الأولى عدم الإيمان بشيء من الأسماء والصفات ورد شيء من ذلك على الله سبحانه وتعالى هو كفر بباقيها، فلا بد من الاستسلام لكل ما جاء من عند الله سبحانه وتعالى وما جاء به رسوله r، ورد أي شيء منه رد له كله، لقول الله تعالى: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض \"الثانية تفسير آية الرعد وهي قول الله تعالى: ﴿وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب﴾\" \"الثالثة ترك التحديث بما لا يفهم السامع لئلا يكون فتنة عليه فإنما يحدث الناس بما يفهمون\" \"الرابعة ذكر العلة في ذلك وهي خشية أن يكذب الله ورسوله\" لئلا ينكر الناس شيئا من ذلك فيقعوا في التكذيب لأنه يفضي إلى تكذيب الله ورسوله ولو لم يتعمد المنكر التكذيب، \"الخامسة كلام ابن عباس لمن استنكر شيئا من ذلك وأنه هلك لأنه لم يستسلم لأمر الله والله ورسوله أعلم\" فإنكار شيء من ذلك هو رد على الله ورسوله.

\"باب قول الله تعالى: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها، وأكثرهم الكافرون عقد هذا الباب لنوع من أنواع الشرك وهو الكفر كفر النعمة، أي معرفتها ومعرفة أنها من عند الله ثم إنكارها بعد ذلك وعدم الإقرار لله بها عدم شكرها لله، وهذا الذي يسمى بكفر النعمة، ومنه قول عنترة: «نبئت عمرا غير شاكر نعمتي** والكفر مخبثة لنفس المنعم» قال مجاهد ما معناه هو قول الرجل هذا مالي ورثته عن آبائي، فهنا ينكر نعمة الله تعالى لأنه يعلم أن المال بيد الله يهبه لمن يشاء، ويمنعه من يشاء، فهو يدعي أنه إنما ورثه عن آبائه أو ناله بعلمه كما قال قارون ﴿إنما أوتيته على علم عندي وقال عون بن عبد الله يقولون: لولا فلان لم يكن كذا، فينسبون إلى الأشخاص ما هو من أمر الله سبحانه وتعالى، فيقولون لولا فلان لما حصل لنا كذا من النعم التي حصلت لهم، وقال ابن قتيبة يقولون هذا بشفاعة آلهتنا، أي يقولون إن تلك النعم التي وهبهم الله إنما جاءتهم بشفاعة آلهتهم، فقد ينسب بعضهم ذلك إلى شيخه أو إلى أحد الصالحين من أولياء الله فيقول دعوت فلانا فأعطيت مالا أو رزقت ولدا أو برئت من سُقْمٍ، أو وقيت ما كنت أخشاه وكل ذلك شرك بالله سبحانه وتعالى، وإنكار لنعمته، وقال أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر في حديث الحديبية السابق، وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به، فذلك كثير في النصوص في القرآن والسنة من ذم الله سبحانه وتعالى وذم رسوله r، لمن يعرف نعمة الله ثم ينسبها لغيره ولا يشكرها له سبحانه وتعالى، قال بعض السلف هو كقولهم كانت الريح طيبة والملاح حذقا، إذا نجوا في البحر ووصلوا في الوقت المطلوب فيذكرون أن الريح كانت طيبة،وأن الملاح كان حاذقا، ولا يقولون وصلنا بحمد الله وفضله ويتناسون النعمة من عند الله، وهذا يكثر الآن من نسبة الأشياء  إلى الأسباب وتناسي أن تلك الأسباب كلها بيد الله، وهذا في الجهتين في جهة النعمة وفي جهة النقمة أيضا، فإذا حصلت النعمة نسبها الناس إلى الأسباب، فإذا قطع الإنسان مسافة نسب ذلك إلى جودة سيارته ومهارته هو بالسياقة وحسن الطريق، وهكذا إذا حصل ما يضاد ذلك كما إذا حصل القحط، نسب ذلك إلى أن الجبهة المدارية قد انتقلت إلى مكان كذا، وأن تيار كذا قد نقلها، وإذا جاء الغلاء في الأسعار نسب ذلك إلى التضخم والانكماش في الاقتصاد العالمي، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ويقول تعالى: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير وكذلك في المقابل فالنعم كلها من عند الله سبحانه وتعالى وهو الذي يقول: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون، ليكفروا بما آتيناهم ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير من الناس، \"قال: فيه مسائل الأولى تفسير معرفة النعمة وإنكارها\" فمعرفة النعمة الإقرار بوجودها، وإنكارها نسبتها إلى غير مسديها، فنسبة النعمة إلى غير الله إنكار لها، \"الثانية معرفة أن هذا جار على ألسنة كثير من الناس\" فما أكثر هذا في زماننا وفي سائر الأزمنة، لكنه في زماننا هذا أكثر بفعل الجاهلية المعاصرة، والعلمانية الشائعة أصبح الناس ينسبون الأحداث كلها إلى الأسباب، ويتناسون أن هذه الأسباب كلها بيد الله عز وجل، والله تعالى يقول في كتابه: فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون، فإذا جاء البأس ذهب كثير ممن يدعون الإسلام إلى البحث عن الهيئات والمؤسسات التي يطلبون منها العون في رفع ذلك البأس فيلجأون إلى الأمم المتحدة أو إلى المنظمات ويتناسون أن هذا البأس هو بسبب ذنوبهم وأنه من عند الله وأنه لا يرفع إلا بتوبة فما نزل بلاء من السماء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة، \"الثالثة تسمية هذا الكلام إنكارا للنعم، فإنه قال: ﴿يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها فنسبة النعمة لغير الله هو إنكار لها وكفران بها نسأل الله السلامة والعافية، \"الرابعة اجتماع الضدين في القلب وهما المعرفة والإنكار\" فهم يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها فيجتمع الضدان، عندهم، لأنهم في داخل أنفسهم يعلمون أن هذه النعمة من عند الله ولكنهم بألسنتهم ينسبونها لغير الله فاجتمع معرفة النعمة وإنكارها عندهم.

\"باب قول الله تعالى: فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون\" عقد هذا الباب للتنبيه على ما ورد في هذه الآية الكريمة من التحذير من الشرك مع العلم، فإن الإنسان رفع عنه الإثم فيما لا علم له به، ومع ذلك يطلب منه الاستغفار في الشرك فيما لا يعلم، وقد كان رسول الله r يقول: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم، فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون أي لا تعدوا لله شركاء ولا تنسبوا شيئا من خصائص الألوهية لغيره وأنتم تعلمون، والعلم بذلك هو قصده وإرادته، قال ابن عباس في الآية الأنداد الشرك أخفى من دبيب النمل على صفات سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول: والله وحياتك يا فلان، وحياتي، وتقول لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، ولولا البط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل لصاحبه  ما شاء الله وشئت وقول الرجل لولا الله وفلان، لا تجعل فيها فلانا، هذا كله به شرك، رواه ابن أبي حاتم، فهذا الأثر بين فيه ابن عباس رضي الله عنهما، بعض ما يجري على ألسنة الناس من أنواع هذا الشرك الذي هو أخفى من دبيب النمل، أخفى في كلام الناس من دبيب النمل، فلا ينتبهون له ولا يهتمون به، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، فلا يطلع عليه إلا بشق الأنفس، وذكر من أمثلته القسم، كقولك: والله وحياتك يا فلان وحياتي، فيحلفون بالله ويحلفون بأيمان أخرى ببعض المخلوقات والنبي r يقول: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت» ويقول: «لا تحلفوا بآبائكم فمن حلف بغير الله فقد أشرك» وإنما جاء القسم من الله سبحانه وتعالى ببعض مخلوقاته تنبيها على أفضليتها، والله سبحانه وتعالى يقسم بما شاء من خلقه، لكن ليس للمخلوق أن يقسم بمخلوق آخر مثله، وما ثبت عن النبي r من قوله للأعرابي: افلح وأبيه إن صدق، للعلماء فيه محامل، فقد حمله عياض على أنه تحريف وأن أصل الكلام أفلح والله إن صدق، ولكن الكتاب قصروا الألف واللام فأصبحت تقرأ وأبيه لأن النقاط لم تكن موجودة، وهذا الذي قاله بعيد لأن اللفظ مروي بالسماع في الصحيح فحمل على محامل أخرى، حمله بعضهم على الشذوذ لانفراد جعفر بن مبشر به، وحمله آخرون على أنه ليس قسما وإنما هو استعطاف والاستعطاف يجوز فيه ما لا يجوز في القسم، ولعل هذا المحمل الأخير أولى وأقوى، وحمله آخرون على أن النبي r مأمون عليه الشرك لأن الله عصمه منه، فيمكن أن يحلف بذلك، ولكن هذا المحمل أيضا بعيد لأن النبي r مبين لما يجوز وما يمنع، ولو كان له خصوصية في ذلك لبينها كما بين خصوصيته في باب اللعن في حديث أم حرام، كذلك قولهم: لولا كليبة هذا لأتانا اللصوص، أي نسبتهم النعم إلى الأسباب، فذلك كله من هذا النوع من الشرك، ومثله لولا البط في الدار لأتى اللصوص، كذلك قول الرجل لصاحبه ما شاء الله وشئت بالعطف بالواو، فهذا محذور شرعا، فيقال: ما شاء الله ثم ما شئت، وفي المشيئة لا بد من إثبات ثم، وهل لا بد من إثباتها في عطف المخلوق على الله في الفعل أو يختص ذلك بالمشيئة محل خلاف، والراجح أن ذلك مختص بالمشيئة، فإنه ثبت في عدد من النصوص العطف بالواو، مثل ما سبق في نصوص الله ورسوله أعلم، في عدد من الأحاديث، ومثل قول النبي r: «يأبى الله ذلك وابنا قيلة» والله تعالى عطف رسوله على اسمه في عدد من الآيات، براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين، ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين وهكذا، ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا وللمشيئة خصوص فإن مشيئة المخلوق لا تتم إلا بعد مشيئة الله له أن يشاء، لقول الله تعالى: ﴿لمن شاء منكم أن يستقيم وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين وقول الرجل لولا الله وفلان، فهذا أيضا من هذا الشرك فلا يقال لولا الله وفلان، أو أعتمد على الله وعلى فلان أو أتكل على الله وفلان فهذا مما لا يجوز وهو من الشرك البين فلا بد حينئذ من الفصل بثم، هذا كله شرك، وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله r قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم، فإن عمر قال: سمعني رسول الله r أحلف بأبي فقال: لا تحلفوا بآبائكم فمن حلف بغير الله فقد أشرك، فمن حلف بغير الله تعظيما لذلك الغير وإنزالا له في منزلة الألوهية فقد أشرك بالله، هذا كله من الشرك الأصغر، كل ما في الباب من الشرك الأصغر، قال ابن مسعود: لأن أحلف بالله كاذبا أحب إلي من أن أحلف بغيره صادقا، فالحلف بالله كاذبا موبق في النار وكبيرة من الكبائر، لكنه أحب إلى ابن مسعود من أن يحلف بغير الله صادقا، وهذا دليل من يرى أن الشرك الأصغر أعظم من الكبائر، الأخرى وهو قول لأهل العلم قد سبق التنبيه عليه، وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما عن النبي r قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان» رواه أبوا داود بسند صحيح، وهذا في المشيئة وهو تنصيص عليها، وهل يحمل عليها غيرها ويقاس عليها قد سبق خلاف أهل العلم في ذلك وأن الراجح أن ذلك مما يختص بالمشيئة وما يشبهها كالتوكل والاعتماد، وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أعوذ بالله وبك، فالعوذ أيضا قد سبق أن الاستعاذة من خصائص الألوهية، ويجوز أن يقول بالله ثم بك، وبالنسبة للاستعاذة الذي سبق فيها أنه لا يجوز الاستعاذة بالمخلوق، وقد ذكر فيها حديث عن النبي r، قال: «ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا لولا الله ثم فلان» فهذا فيما يتعلق بالأفعال، \"فيه مسائل الأولى تفسير آية البقرة، وهي قول الله تعالى: ﴿فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون وتفسير الأنداد فيها\" وهو من يذكر مع الله، الأنداد فيها من يذكر مع الله سبحانه وتعالى، \"الثانية أن الصحابة يفسرون الآية النازلة في الشرك الأكبر أنها تعم الأصغر\" لأن ابن عباس ذكر أقساما من الشرك الأصغر في تفسير الآية كما سبق، \"الثالثة أن الحلف بغير الله شرك\" وهو شرك أصغر كما سبق، \"الرابعة أنه إذا حلف بغير الله صادقا فهو أكبر من اليمين الغموس عند ابن مسعود رضي الله عنه\" \"الخامسة الفرق بين الواو وثم في اللفظ\" فالواو تعطف السابق على اللاحق واللاحق على السابق، وهي تقتضي المصاحبة وذلك معناها، وثم للترتيب بالانفصال، وهي تقتضي التأخر.

\"باب ما جاء فيمن لم يقنع بالحلف بالله\" هذا نوع آخر من عدم الرضا بالحلف بالله سبحانه وتعالى وهو نقص في الإيمان به وقد نهى عنه رسول الله r عن ابن عمر أن رسول الله r قال: «لا تحلفوا بآبائكم من حلف بالله فليصدق ومن حُلِفَ له بالله فليرض، ومن لم يرض فليس من الله» رواه ابن ماجة بسند حسن، وهذا الحديث فيه ثلاث مسائل، الأولى لا تحلفوا بآبائكم فإن النبي r نهى عن الحلف بالآباء، لأن ذلك من التعظيم لهم،وهو من الشرك الأصغر ومثلهم كل معظم، فلا يحلف الإنسان بغير الله عز وجل، ثانيا قوله: من حلف بالله فليصدق، فاليمين يلزم الحفاظ عليها وقد قال الله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم فكل من حلف بالله يلزمه أن يصدق بما حلف عليه، الثالثة ومن حلف له بالله فليرض، فمن حلف له بالله فليقنع، فكفى بالله مَقْنَعًا، ومن لم يرض فليس من الله، من لم يرض بالحلف بالله، ولم يقنع بذلك فليس من الله نسأل الله السلامة والعافية، فهذا دليل على أنه قد ابتعد عن منهج لله، قال: \"فيه مسائل الأولى النهي عن الحلف بالآباء\" ومثلهم كل معظم بل كل مخلوق فلا يحل الحلف به وهو من الشرك الأصغر، \"الثانية الأمر للمحلوف له بالله أن يرضى\" وقد بين ذلك رسول الله r فقال: \"ومن حُلِف له بالله فليرض\" \"والثالثة وعيد من لم يرض أن من لم يرض فليس من الله\" وترك هو من حلف بالله فليصدق، فهي مسألة أخرى، فلا بد من الحفاظ على اليمين وحفظها كما قال الله تعالى: ﴿واحفظوا أيمانكم والذي يكثر منه الحلف قلما يكثر منه الصدق، ولهذا يقول الشاعر: «قليل الألايا حافظ ليمينه** وإن بدرت منه الألية مرت» ومثل ما يحصل في الوعد، فالذي يكثر الوعد يكثر الإخلاف والذي يقل منه الوعد يقل منه الإخلاف كما قال الشاعر: «يتفيهق الغمر المغمر مسهبا** والمصقع العد القريحة موجز** الله يعلم أن هذا عاجز فيما يقول وأن هذا معجز** كالوعد يقوى المخلفون بحمله ** ويهاب عقدة حمله من ينجز».

\"باب قول: ما شاء الله وشئت\" فهذا باب آخر من أبواب الشرك الخفي وهو من الشرك الأصغر ويكثر دورانه على ألسنة بعض الناس وعقد هذا الباب للتحذير منه، عن قتيلة أن يهوديا أتى النبي r، فقال: إنكم تشركون، تقولون ما شاء الله وشئت وتقولون والكعبة، فأمرهم النبي r «إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا ورب الكعبة وأن يقولوا ما شاء الله ثم شئت» رواه النسائي وصححه، وهذا بيان لأن المؤمن لا يستنكف ولا يستكبر عن الحق إذا سمعه ولو كان يسمعه من يهودي أو عدو لله، فإذا سمع الإنسان الحق قبله مطلقا كما قال الله تعالى: ﴿فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتعبون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب وله أيضا عن ابن عباس أن رجلا قال للنبي r ما شاء الله وشئت فقال: «أتجعلني لله ندا، ما شاء الله وحده» وهذا مما يكثر دورانه على ألسنة الناس، من اتخاذ الأنداد فيقول أحدهم لله ورسوله إذا أراد أن يسأل ويطلب، فيقول لله ورسوله، فيقال له لله وحده، وحتى إن بعض الناس إذا أراد أن يودع صديقا له نسأل الله السلامة يقول له استودعتك الله ورسوله، وهذا العطف في غير موضعه، فالنبي r أنكره إنكارا شديدا وقال: أتجعلني لله ندا، ما شاء الله وحده، ولابن ماجة عن الطفيل أخي عائشة لأمها قال رأيت كأني أتيت على نفر من اليهود قلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: عزير بن الله، قالوا وأنتم لأنتم القول لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، ثم مررت بنفر من النصارى فقلت إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح بن الله، قالوا وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، فلما أصحبت أخبرت بها من أخبرت ثم أتيت النبي r فأخبرته، قال: هل أخبرت بها أحدا، قلت نعم، قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن طفيلا قد رأى رؤيا أخبر بها من أخبر منكم وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده، وهذا الحديث مثل سابقه زجر في رسول الله r عن أن يقول الإنسان ما شاء الله وشاء محمد، فذلك من اتخاذ ند لله، فحذر منه رسول الله r، وسبب ذلك هذه الرؤيا التي رآها طفيل رضي الله عنه فإنه رأى في المنام أنه مر على رهط من اليهود فقال: لأنتم القوم، أي أنتم القوم المرضيون لولا أنكم تقولون عزير ابن الله فأنكر عليهم أكبر ما وقعوا فيه من الخطإ فأجابوه فقالوا: ولأنتم القوم أيضا مدحوا المسلمين إلا أنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد، وكذلك مر على رهط من النصارى فقال: لأنتم القوم  لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله فأنكر عليهم أكبر ما لديهم من الشرك، فردوا عليه أيضا باستنكار هذا لدى المسلمين، والواقع أن ما أنكروه على المسلمين هو من الشرك الأصغر وما أنكره طفيل عليهم من الشرك الأكبر، وشتان بين الجانبين، لكن مع هذا لا بد من ترك جميع أنواع الشرك، ولم أر من عيوب الناس عيبا كنقص القادرين على التمام، ولما قص الخبر على رسول الله r خطب في الناس هذه الخطبة فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن طفيلا رأى رؤيا، والرسول r كان يهتم بالمرائي، ويسأل عنها أصحابه فكثيرا ما يقول: «من رأى منكم رؤيا» ثم يفسر ما شاء منها ويسكت عن بعضها، أخبر بها من أخبر منكم، وإنكم قلتم كلمة، أي كنتم تقولون هذه الكلمة، كان يمنعني كذا وكذا أي بعض الأسباب أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله وحده، فنهاهم عن ذلك فهو من اتخاذه ندا لله، \"فيه مسائل الأولى معرفة اليهود بالشرك الأصغر، فاليهودي في حديث قتيلة بين ذلك\" \"الثانية فهم الإنسان إذا كان له هوى\" الإنسان الضال قد يكون له فهم صحيح مع هواه، ومع ذلك يقبل منه الحق كما حصل من اليهودي، \"الثالثة قوله r أجعلتني لله ندا\" فكيف بمن قال: «يا أفضل الخلق ما لي من ألوذ به** سواك عند حصول الحادث العمم** فإن من جودك الدنيا وضرتها** ومن علومك علم اللوح والقلم» هذا من شعر البوصيري في ميميته التي اشتهرت باسم البردة وفيه مبالغة وابتعاد عن الاستقامة على الصراط، فقوله: ما لي من ألوذ به إن كان ذلك من الاستعاذة فقد سبق أنها من خصائص الألوهية والنبي r أنكر على من جعله ندا لله، وقد عطف اسمه على اسمه فكيف بمن أفرده دونه، إلا إن قصد رد الضمائر على غير مذكور ويجوز ذلك، مثلا في قوله: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به أي من أطلب شفاعته، سواك عند حصول الحادث العمم يقصد الشفاعة الأخروية، وإن قصد بقوله: فإن من جودك الدنيا وضرتها، خطاب الله سبحانه وتعالى برد الضمير عليه فهذا حينئذ سائغ لأن رد الضمير في مثل هذا النوع وارد في القرآن وفي السنة، لقول الله تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا، لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه، وتسبحوه بكرة وأصيلا تعزروه وتوقروه الضمير يرجع إلى الرسول r، ﴿وتسبحوه بكرة وأصيلا الضمير يرجع على الله سبحانه وتعالى، لكن الكلام الذي يلبس مما يجتنبه العقلاء ويتحاشونه، \"الرابعة أن هذا ليس من الشرك الأكبر وأنه من الشرك الأصغر\" لأنه لو كان أكبر لما منعه r من بيانه أي عذر، لأنه جاء لمحاربة الشرك وهنا قال: كان يمنعني كذا وكذا، أي بعض الأعذار، إما حداثة عهدهم بالجاهلية أو مستواهم التربوي، فهذا الذي منعه r من إنكاره قبل الرؤيا ثم جاءه الوحي بعد ذلك فأنكر، \"الخامسة أن الرؤيا الصالحة من أقسام الوحي\" وقد صح في ذلك عدد من الأحاديث  عن النبي r، فأشهرها الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من أجزاء النبوة، وفيها جزء من سبعين جزءا من أجزاء النبوة وفيها غير ذلك، وقد بين النبي r أنها من المبشرات الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، وذلك تفسير قول الله تعالى: ﴿لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة وكونها جزءا من ستة وأربعين جزءا من أجزاء النبوة قد ذكر فيه ابن رجب رحمه الله تفسيرا غريبا، فحمل هذا على أن المقصود بالنبوة النبي r، وذكر أن نبوة النبي r ثلاث وعشرون سنة لأنه مكث بعد البعثة في هذه الدنيا ثلاثا وعشرين سنة، وثلاث وعشرون سنة، مكث منها ستة أشهر هي أشهر الرؤيا التي افتتح بها، أول ما بدئ به رسول الله r من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، كما في حديث عائشة، ومدة ذلك كان ستة أشهر، ونسبة ستة أشهر من ثلاث وعشرين سنة هي نسبة واحد من ستة وأربعين، فثلاث وعشرون سنة فيها ستة أشهر ستا وأربعين مرة، لأنها تقسم على اثنين فكل سنة فيها ستة أشهر مرتين، وهي ثلاث وعشرون سنة، فالجميع ستة وأربعون من ستة أشهر، فاعتبر ابن رجب أن تلك الأشهر الستة الأولى هي واحد من ستة وأربعين جزءا زمنيا من أجزاء رسالة النبي r، ولكن هذا التفسير غريب، ولا يمكن أن يستقيم مع كل الأحاديث، فلا يقصد رؤيا النبي r، وحده بل يقصد كل رؤيا صدرت من مؤمن فهي جزء من أجزاء النبوة، والمقصود بذلك أنها إلهام من الله سبحانه وتعالى، وإرشاد يرشد به الرائي أو المرئي له من عند الله، لكن لا بد من توقفها على التعبير فهي على جناح طائر وهي لأول عابر، ولا يحل الكلام فيها لمن ليس من أهل التعبير، والتعبير ملكة خاصة وفراسة مختصة بأهله، فيختص ذلك بمن يعرف، فإن النبي r حين ناشده أبو بكر أن يأذن له في تفسير الرؤيا أذن له، فلما فسرها قال: أصبت بعضا وأخطأت بعضا، فأقسم عليه أن يبين له ما أخطأ فيه فلم يقبل لا تحلف. \"السادسة أنها قد تكون سببا لشرع بعض الأحكام\" فالرؤيا قد يشرع بسببها بعض الأحكام، فإن النبي r هنا بين للناس هذا الحكم، ولا يكون بيانه إلا عن طريق التوقيف، وذلك بعد رؤيا طفيل، مثلما شرع الأذان على رؤيا عبد الله بن زيد بن عبد ربه، ومثلما شرع التماس ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان حين تواترت الرؤى بذلك، فقال: أرى رؤياكم قد تواترت على أنها في العشر الأواخر من رمضان، لكن ذلك في العهد النبوي فقط، أما بعده فلا يمكن أن تؤخذ الأحكام من الرؤى، بل هي تسر ولا تغر، فتترك في حجمها الطبيعي ومكانها، ولا يتجاوز بها ذلك.

\"باب من سب الدهر فقد آذى الله\" عقد هذا الباب لقسم من أقسام الشرك الخفي وهو سب الدهر، وقد يقع فيه كثير من المسلمين، وقد ورد النهي عن سب الدهر، وقول الله تعالى أي ذلك داخل في الترجمة أيضا فيما عقد له الباب، أي باب قول الله تعالى: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وهذا من كلام المشركين الذين أخذوا برأي الدهرية الذين يرون أن هذه الحياة هي الحياة الحقيقية، وأنه ليس بعدها حياة أخرى، قالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا، فليس بعدها حياة أخرى، نموت ونحيا، أي يقصدون بذلك الحياة ثم الموت بعدها والعطف لا يقتضي الترتيب، العطف بالواو هنا لا يقتضي الترتيب، فالمقصود نحيا ثم نموت، وما يهلكنا إلا الدهر، فهم يزعمون أن الدهر هو الذي يهلكهم وأنه هو الذي يتصرف، وهذا مثل مذهب الدُّهْرِيَّةُ الذين الأرحام تدفع والأرض تبلع وما يهلكنا إلا الدهر، وهو مذهب منكر من مذاهب المجوس قديما، وقد انتقل إلى جزيرة العرب فقال به بعض مشركيها، فرد الله عليهم ذلك ونعاه، وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي r قال: قال الله تعالى: «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار» بين رسول الله r في هذا الحديث القدسي ما رواه عن ربه عز وجل أنه يقول: يؤذيني ابن آدم، والإيذاء هنا بمعنى المسبة، أي يسبني، يسب الدهر وأنا الدهر، فإنه إنما يسب الدهر بسبب التصرف، والتصرف هو من عند الله وليس من عند الدهر، فالدهر ظرف للتصرف يجعل الله فيه ما شاء من الخير والشر، فإذا سب الإنسان الدهر أو اليوم أو الشهر أو السنة أو نحو ذلك، فإنما يتسخط قدر الله الذي أجرى في ذلك الظرف الزمني، لهذا قال: «يسب الدهر وأنا الدهر» أي أنا المقصود حينئذ، ليس المقصود الدهر الذي هو الزمان، بل المقصود مُجْرِي الدهر الذي يصرفه كيف يشاء، ويصرف فيه ما شاء، ومن هنا كل تسخط للدهر هو تسخط لقضاء الله وقدره، لأن الله هو الذي أجرى الأمور كلها في هذا الزمان وشغل الزمان بها، أقلب الليل والنهار، أي أن التصرف الحاصل في الدهر هو من عند الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، وليس لليل ولا للنهار ولا للشهر ولا للسنة أي تأثير في أي شيء، فالله يجعل في يوم بردا وفي يوم حرا، وفي يوم خِصْبًا وفي يوم قَحْطًا وفي يوم حربا وفي يوم سِلْما، فهو يصرف الليل والنهار ويقلبهما ويفعل فيهما ما يشاء، وهو القابض الباسط، وفي رواية لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، وهذا حديث مستقل لأن الأول حديث قدسي، يرويه رسول الله r عن ربه عز وجل، والثاني حديث نبوي وكلاهما وحي من عند الله، والفرق بينهما أن الحديث القدسي رواه رسول الله r بلفظه ومعناه، أوحي إليه لفظه ومعناه، والحديث النبوي أوحي إليه معناه فعبر هو عنه r بكلامه، فقال: لا تسبوا الدهر فهذا نهي عن سب الدهر مطلقا فإن الله هو الدهر، أي إذا سببتموه فإنما تسبون الله لأن الدهر لا تصرف له وليس فيه ما يقتضي مدحا ولا ذما، إنما يجري الله فيه ذلك، فيه مسائل \"الأولى النهي عن سب الدهر\" وذلك صريح في الحديثين، \"والثانية تسميته أذى لله\" أي تسمية سب الدهر أذى لله، فقد ذكر ذلك قال الله تعالى يؤذيني ابن آدم، والمقصود بالأذى هنا المسبة نسأل الله السلامة والعافية، \"الثالثة: التأمل في قوله: فإن الله هو الدهر\" وهنا قال: التأمل في ذلك، أي أن هذا ليس من أسماء الله الدهر ليس من أسماء الله، وإنما يقصد أن المقصود بمسبة الدهر هو الاعتراض على قدر الله سبحانه وتعالى، \"الرابعة أنه قد يكون سابا ولو لم يقصد بقلبه\" فإن ابن آدم يسب الدهر وقد لا يخطر بباله أنه بذلك يعترض على قضاء الله وقدره، لهذا قال: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار، فلو لم يقصد ذلك بقلبه فذلك سب نسأل الله السلامة والعافية.

\"باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه\": عقد هذا الباب لبعض المحذورات والمنهيات اللفظية من الأسماء التي فيها نقص للتوحيد واعتداء ومنها التسمي بقاضي القضاة وملك الملوك وما يشبه ذلك من الأسماء، فإن الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده الأمر كله وإليه يرجع الأمر كله وهو الملك وهو الذي يقضي بالحق، فتسمي المخلوق بمثل هذه الأسماء تجاوز وتعد، في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي r قال: إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله، فهذا الحديث بين فيه النبي r أن أخنع الأسماء أي أذلها عند الله، رجل تسمى ملك الأملاك، أي هذا الاسم وهو ملك الملوك أو ملك الأملاك، ثم عقب على ذلك بقوله: لا مالك إلا الله، فمن تسمى بذلك وأراد به الكبر والتجبر في الأرض، فهو أخنع عند الله من جميع المتسمين بما سوى ذلك من الأسماء والمتلقبين بما سواه من الألقاب والخنوع المذلة والخضوع، ومنه قول الشاعر: «أجلك يا ليلى عن العين إنما** أراك بقلب خاشع لك خانع» وقد كان في مصحف أُبَيِّ اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونؤمن بك ونتوكل عليك ونخنع لك ونخلع ونترك من يكفرك، قال سفيان: (مثل شاهان شاه)، وهذه الكلمة من الفارسية، والشاه الملك، وشاه شاه معناه ملك الملوك بالفارسية، وفي رواية (أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه من تسمى ملك الأملاك) فأغيظ رجل أي أنه قد ادعى ما ليس له والكبرياء رداء الله فمن نازعه فيه قصمه، وأخبثه أي أخبثه عند الله وهذا كله يدل على تحريم ذلك وغِلَظِهِ، قوله أخنع يعني أوضع وقد بينا أن معنى ذلك المذلة والمهانة، \"فيه مسائل الأولى النهي عن التسمي بملك الأملاك\" لما في ذلك من المبالغة وتجاوز الحد، ولأن الله سبحانه وتعالى هو الملك فهو الذي يقبض السماوات السبع والأرضين السبع بيمينه فيهزهن ويقول أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون، \"الثانية أن ما في معناه مثله\" ولهذا افتتح المؤلف الترجمة بقوله: باب التسمي بقاضي القضاة، ولم يرد في النص النهي عن التسمي بقاضي القضاة، ولكن المؤلف قاسه على ملك الأملاك، وهذه المسألة في قاضي القضاة هي من باب القياس ومن أهل العلم من لا يراها، فقد تلقب عدد من العلماء بقاضي القضاة، ومنهم الإمام أبو يوسف صاحب أبي حنيفة، فقد لقب بقاضي القضاة لأنه كان رئيسا للقضاء، وكذلك لقب بعضهم بأقضى القضاة، فقد لقب بذلك الماوردي وبعض قضاة الحنفية، وقضاة المالكية إذا كانوا في ذلك المنصب العام يلقبون بقاضي الجماعة حذرا من هذه التسمية، فيلقبونه بقاضي الجماعة ولا يلقبونه قاضي القضاة، ولهذا فإن سفيان قاس ما في معناه عليه وهو ترجمته باللغات الأخرى كشاه شاه، الذي هو بالفارسية بمعنى ملك الملوك، \"الثانية أن ما في معناه مثله\" كما قال سفيان لأنه صرح بذلك هنا، ومقتضى كلام المصنف أن كل اسم كذلك يشير إلى الكبرياء والعظمة والجلالة فهو محذور، فلا يتسمى به ملك ولا رئيس، فلا يوصف بما في ذلك من التعاظم، فالله سبحانه وتعالى هو ذو الجلال والعظمة والكبرياء، \"الثالثة التفطن للتغليظ في هذا ونحوه\" إذ ورد فيه الوعيد الشديد لأنه أخنع الأسماء عند الله ولأنه أغيظ رجل يوم القيامة على الله وأخبثه مع القطع بأن القلب لم يقصد معناه، فإن المتسمي بذلك والمتلقب به في أغلب الأحيان وهذا إن كان مؤمنا لا يمكن أن يقصد به أنه هو الذي يملك السماوات والأرض وأنه هو الذي يملك الملوك جميعا، أو أنه هو ذو الجلال أو ذو العظمة، أو نحو ذلك، لكن مع هذا مع عدم قصده جاء الوعيد الشديد فيه والنهي عنه، \"الرابعة التفطن أن هذا لإجلال الله سبحانه وتعالى\" إنما نهي عن هذه الأسماء اعترافا بمقام الألوهية وإجلالا لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له.

\"قال: باب احترام أسماء الله وتغيير الاسم لأجل ذلك\" عقد هذا الباب لنوع من أنواع التوحيد وهو احترام أسماء الله سبحانه وتعالى فلا يسمى بها المخلوق، وكذلك من صيانة ذلك تغيير الاسم إذا كان المخلوق قد تسمى باسم من أسماء الخالق، فالله تعالى يقول: ﴿هل تعلم له سميا عن أبي شريح أنه كان يكنى أبا الحكم فقال له النبي r «إن الله هو الحَكَمُ وإليه الْحُكْمُ» فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي كلا الفريقين، فقال «فما أحسن هذا» قال: «فما لك من الولد»؟ قال شريح ومسلم وعبد الله، قال: «فمن أكبرهم» قلت: شريح، قال: «فأنت أبو شريح» هذا الحديث صريح في تغيير النبي r لاسم أبي شريح فقد كان يكنى أبا الحكم، والله سبحانه وتعالى هو الحكم العدل، ولا والد له ولا ولد، فلذلك غير النبي r كنية هذا الصحابي مع أنه شرح القصد بها، وأنه لا يقصد بها ذلك المعنى وإنما يقصد بها أنه صاحب الفصل بين قومه، فإذا اختلفوا في شيء حكموه بينهم فرضي الفريقان بحكمه، وقد شرح ذلك فلم يغن عنه، فغير النبي r كنيته فكناه بأكبر أولاده وهو شريح، وفي هذا تغيير كل اسم فيه سوء أدب مع الله، وفيه كذلك النهي عن التسمي بكل اسم من أسماء الله والتكني به، وفيه كذلك سنية التكني فإن الكنية من الأدب مع الرجل الكبير، ولذلك قال الشاعر: «أَكْنِيهِ حينه أناديه لأكرمه** ولا ألقبه والسوءة اللقب** كذاك أدبت حتى صار من خلقي** أني رأيت ملاك الشيمة الأدب» وأن الكنية تكون كذلك بالولد، فمن كان له ولد فليكن بأكبر أولاده، سواء كان ذكرا أو أنثى كما هو إطلاق الحديث هنا لأنه قال: فما لك من الولد، وهذا يشمل الذكور والإناث، ولهذا كني النبي r بأبي القاسم، وقد يكنى الإنسان قبل أن يكون له ولد، فيستمر على كنيته كتكنية أبي بكر بأبي بكر، وعمر بأبي حفص، وليس لأبي بكر ولد اسمه بكر، ولا لعمر ولد اسمه حفص، وقد يكنى بغير الأكبر أيضا، قد حصل ذلك في الصحابة، ويكنى بالبنت كأبي مريم وغير ذلك من الكنى في أصحاب رسول الله r، وقد اختلف في كنية حمزة بأبي عمارة هل عمارة بنت أو ولد، \"فيه مسائل: الأولى احترام صفات الله وأسمائه، ولو لم يقصد معناه\" فإن أبا شريح بين أنهم لم يقصدوا ذلك وإنما قصدوا أنه يفصل ويحكم بين قومه، \"الثانية تغيير الاسم لأجل ذلك حتى لو اشتهر بين الناس فيغير\" فذلك من الرجوع إلى الحق، \"الثالثة اختيار أكبر الأبناء للتكنية به\" وهذا من حماية رسول الله r لحمى التوحيد كما غير أسماء الذين عُبِّدُوا لغير الله حتى لو كانوا قد ماتوا على الكفر فقد حصل ذلك منه في تغييره لاسم غاوي بن عبد العزى وهو سيد بني سليم فغير رسول الله r اسمه واسم أبيه، فقال: بل أنت راشد بن عبد ربه، فغيره اسمه واسم أبيه، وأصبح يعرف فيما بعد براشد بن عبد ربه.

\"باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول r\" عقد هذا الباب لنوع من أنواع الشرك وهو الهزء بشيء فيه ذكر الله أو فيه شيء من القرآن أو فيه ذكر الرسول r، فمن فعل ذلك عامدا فإنه يكفر به، فمن رمى شيئا من القرآن في قذر، أو شيئا فيه اسم الله في قذر، وأراد بذلك الاستهزاء بالاسم فقد كفر بذلك، ومثل ذلك ما فيه اسم الرسول r أو ذكر له، وقول الله تعالى: ﴿ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب فهذه الآية من سورة التوبة نعى الله فيها على المنافقين أنهم يعتذرون بأنهم غير جادين وأنهم إنما قالوا ذلك هزءا ولعبا فلم يعذرهم الله بذلك فلا فرق في هذا الباب بين الجد واللعب، عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة دخل حديث بعضهم في بعض، أنه قال: رجل في غزوة تبوك ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء يعنون رسول الله r وأصحابه القراء، فقال له عوف بن مالك كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله r، فذهب عوف إلى رسول الله r ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله r وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب نقطع به عناء الطريق، قال ابن عمر كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله r وإن الحجارة تنكب رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله r: «أ بالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون» ما يلتفت إليه وما يزيده عليه، فهذا الحديث بين فيه ابن عمر سبب نزول هذه الآية، وهي أن قوما من المنافقين اجتمعوا على رجل منهم في غزوة تبوك، وقد خرج فيها عدد من المنافقين في الجيش مع رسول الله r، وكانوا يجتمعون حول رجل منهم اسمه زيد بن اللُّصَيْتِ، وعندما ضلت راحلة رسول الله r وناقته ومكثوا في طلبها قال لهم زيد بن اللُّصَيْتِ يزعم أنه نبي ويأتيكم بأخبار السماء ولا يدري أين ناقته، فجاء جبريل إلى رسول الله r بالوحي فأخبره بما قال المنافقون وبمكان ناقته، فأخبر رسول الله r الناس بذلك وقال: إنهم تحدثوا بكذا وكذا وإن الناقة في مكان كذا، فذهبوا فأتوا بها، وكان هؤلاء المنافقون يطعنون في أصحاب رسول الله r ويؤذونهم، فقال أحدهم عند ابن عم له كان يظن أنه سيكتم عليه وأن لن يبلغ عنه ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنا ولا أجبن عند اللقاء، يصفون أصحاب رسول الله r بالجشع وبالكذب والجبن، وهذا كله غير صحيح بل هذه الصفات الثلاث من صفات المنافقين لا من صفات المؤمنين، وهم أقروا بأنهم قراء أي أنهم الذين يقرءون القرآن فهذا ازدراء للقرآن وهزء بآيات الله وهم يعنون بذلك رسول الله r وأصحابه، فقال له عوف بن مالك وهو من بني أشجع كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله r، فذهب عوف إلى رسول الله r ليخبره فوجد القرآن قد سبقه وقد أنزلت هذه الآية قبل أن يأتي، فسبقه الوحي فحدث بما كانوا يقولون، فجاء ذلك الرجل المنافق إلى رسول الله r يعتذر إليه وقد ارتحل أي ركب ناقته، فقال يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث حديث الركب، نقطع به عناء الطريق، ويزعم أنه لم يكن يقصد الطعن ولا السب وإنما كان يجري ذلك على لسانه تنكيتا وهزءا ليضحك به أصحابه وليقطع به عناء السفر عنهم، قال ابن عمر: كأني أنظر إليه متعلقا بنسعة ناقة رسول الله r، النِّسْعَةُ والنَّسْعَةُ ما ينزل من حبل الراحلة الذي يمسكها على الناقة، فهو متعلق بنسعة ناقة رسول الله r وإن الحجارة تنكب رجليه، وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، فيقول له رسول الله r: ﴿أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم، إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة بأنهم كانوا مجرمين والرسولr معروف بالرحمة والرأفة ومع ذلك لا يلتفت إليه ولا يزيده على هذا القول، لأنه قد نزل فيه الوحي وعرف أنه عدو لله فتبرأ منه، ما يلتفت إليه وما يزيده عليه أي على هذا الكلام، \"فيه مسائل الأولى وهي العظيمة أي التي جلب من أجلها الحديث في هذا الباب، أن من هزل بهذا فهو كافر\" فالهزأ والهزل في هذا الباب مثل الجد، \"الثانية أن هذا هو تفسير الآية فيمن فعل ذلك كائنا من كان، فكل من استهزأ بشيء من آيات الله أو برسول الله r أو بشيء من حديثه أو بشيء من أسماء الله، وصفاته فإنه يكفر\" ولو كان يزعم أنه هازل لاعب، \"الثالثة الفرق بين النميمة والنصيحة لله ولرسوله\" فعوف بن مالك لم يمش بالنميمة وإنما نصح لله ورسوله وجاء يبلغ عن مكايد المنافقين وعملهم، فالإبلاغ بذلك هو من النصيحة لله ورسوله وليس من النميمة التي نهى عنها رسول الله r ونهى عنها الله سبحانه وتعالى في كتابه، \"الرابعة الفرق بين العفو الذي يحبه الله وبين الغلظة على أعداء الله\" فالنبي r لم يعف عنه هنا، وإنما أخذه بالغلظة التي أمره الله بها في قوله: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم \"الخامسة أن من الأعذار ما لا ينبغي أن يقبل، فمن ثبت في حقه الاستهزاء والاستهتار وكان ضرره أكثر من نفعه وتكرر منه ذلك فلا ينبغي قبول العذر منه\" والناس في هذا أقسام، فقد ورد في الحديث أقيلوا ذوي الهيآت عثراتهم، فمن بدرت منه بادرة على خلاف طبعه وهيأته فإنه تقال عثرته فيها، أما من عرف بالفساد والاستهتار والظلم فالأصل استحباب أخذه وعدم العفو عنه، وأما من كان وسطا بين هذين فالإنسان فيه بالخيار إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه، وقد قال الله تعالى: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون، والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون، وجزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، إنه لا يحب الظالمين، ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل، إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم، ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور فالإنسان حينئذ بالخيار بين أن يصبر ويغفر وبين أن يأخذ حقه.

\"باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي\" عقد هذا الباب لما جاء في هذه الآية من بيان نوع من الشرك ينتشر في بني آدم، في حال السراء، ويزول عنهم في حال الضراء، فإن كثيرا من بني آدم في حال الضراء يلجأون إلى الله ويضل عنهم ما يدعون من دونه، وفي حال السراء يتناسون ذلك، ولئن أذقناه رحمة منا، أي لئن أذاق الله الإنسان رحمة من عنده أو فضلا من عنده من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي، ففي حال الضراء كان يلجأ إلى الله ويدعوه وإذا مسته السراء بعد الضراء، ليقولن هذا لي فينسى أنه من عند الله ويظن أنه من كسبه هو وجده وتشميره، وهذا من الغلط البين وقد قال أحد الشعراء: «باتت تعيرني الإقتار والعدما** لما رأت لأخيها المال والنعما**تبا لرأيك ما الأرزاق عن جلد** ولا من الكسب بل مقسومة قسما» فكلها من تقسيم الله سبحانه وتعالى، وقال ابن زريق الأندلسي: «لا تعذليه فإن العذل يولعه** قد قلت حقا ولكن ليس يسمعه** جاوزت في نصحه حدا أضر به** من حيث قدرت أن النصح ينفعه** فاستعملي الرفق من تأنيبه بدلا** بقلبه فهو مضنى القلب موجعه** يكفيه من حزن الترويع أنه له** من النوى كل يوم ما يروعه** ما آب من سفر إلا وأزعجه** عزم على سفر بالرغم يزمعه** كأنما هو في حل ومرتحل** موكل بفضاء الله يذرعه** إذا الزمان أراه في الرحيل غنى** ولو إلى السند أضحى وهو يقطعه** وما مجاهدة الإنسان واصلة** رزقا ولا دعة الإنسان تقطعه** قد قسم الله رزق الناس بينهمُ** ما يخلق الله من خلق يضيعه** لكنهم كلفوا رزقا فلست ترى** مسترزقا وسوى الغايات يقنعه** والدهر يعطي الفتى من حيث يمنعه** عفوا ويمنعه من حيث يطمعه** أستودع الله في بغداد لي قمرا** بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه» فلا بد أن يعلم أن الأرزاق والرخاء والسراء أن كل ذلك من عند الله سبحانه وتعالى وحده، وأن ما يناله الإنسان من ذلك ليس من جده واجتهاده وكسبه، ولا من ميراثه عن أسلافه وإنما هو نعمة أنعم الله بها عليه، ﴿وما بكم من نعمة فمن الله ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها قال مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿هذا لي هذا بعملي وأنا محقوق به أي صاحب حق فيه، وقال ابن عباس: يريد من عندي أي من عند نفسي ورثته عن آبائي أو أنا مستحق له، وقوله: قال إنما أوتيته على علم عندي، وهذا في قصة قارون، فقد نعى الله عليه ذلك، فقال: ﴿إنما أوتيته على علم عندي، أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون مع أنه قد أخذته العزة بالإثم فإنما قال هذا للذين ذكروه بالله، فإنه حين خرج على قومه في زينته قال الذين هم من أهل هذه الحياة الدنيا ومن الراغبين فيها، قال الذين يحبون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم، فجعلوا هذا حظا عظيما، فوعظهم أهل العلم ووعظوه، وقال الذين أوتوا العلم، فردوا عليهم ذلك وبينوا لهم أن هذا من عند الله سبحانه وتعالى وليس مما ينبغي أن يحرص الإنسان على مثله ولا أن يمد إليه عينيه، ﴿وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون فخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين قبل هذا عندما رزقه الله تلك الأموال الطائلة وأطال عمره وأسبغ عليه عافيته فطغى بذلك وتجبر قال له الناصحون ﴿لا تفرح، إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين وهذه أصول الاقتصاد الخمسة جمعتها هذه الآية، قال: ﴿إنما أوتيته على علم عندي فتكبر وأنكر أن يكون ذلك من فضل الله ونعمته، فكانت عاقبته أن خسف الله به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين، قال قتادة على علم مني بوجوه المكاسب، على علم عندي أي إتقان لأوجه المكاسب، وخبرة في التجارة، وتنمية المال، وقال آخرون على علم من الله أني له أهل، أي على علم عندي أي على علم من الله أني أهل لذلك فرزقني بذلك على أني أهل لذلك مستحق له، وهذا معنى قول مجاهد: أوتيته على شرف أي أنه مستحق له بشرفه، وكل ذلك إنكار لنعمة الله سبحانه وتعالى وتطاول عليها، وعن أبي هريرة أنه سمع رسول الله r يقول: «إن ثلاثة من بني إسرائيل أبرص وأقرع وأعمى أراد الله أن يبتليهم فبعث إليهم ملَكا، فأتى الأبرص فقال: أي شيء أحب إليك قال: لون حسن وجلد حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس به، قال: فمسحه فذهب عنه قذره فأعطي لونا حسنا وجلدا حسنا، قال: فأي المال أحب إليك قال الإبل أو البقر، شك إسحاق فأعطي ناقة عُشَرَاءَ، وقال: بارك الله لك فيها، قال: فأتى الأقرع فقال: أي شيء أحب إليك، قال: شعر حسن ويذهب عني الذي قذرني الناس به، فمسحه فذهب عنه وأعطي شعرا حسنا، فقال: أي المال أحب إليك قال: البقر أو الإبل فأعطي بقرة حاملا، قال: بارك الله لك فيها، فأتى الأعمى فقال: أي شيء أحب إليك، قال: أن يرد الله إلي بصري فأبصر به الناس فمسحه فرد الله إليه بصره، قال: فأي المال أحب إليك قال الغنم فأعطي شاة والدا، فأُنْتِجَ هذان وولد هذا، فكان لهذا واد من الإبل ولهذا واد من البقر ولهذا واد من الغنم، قال: ثم إنه أتى الأبرص في صورته وهيأته فقال: رجل مسكين قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرا أتبلغ به في سفري، فقال: الحقوق كثيرة، فقال له: كأني أعرفك: ألم تكن أبرص يقذرك الناس فقيرا فأعطاك الله عز وجل المال؟ فقال: إنما ورثت هذا المال كابرا عن كابر، قال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت، قال: وأتى الأقرع في صورته فقال له مثل ما قال لهذا ورد عليه مثل ما رد عليه هذا، فقال: إن كنت كاذبا فصيرك الله إلى ما كنت، قال: وأتى الأعمى في صورته فقال: رجل مسكين وابن سبيل قد انقطعت بي الحبال في سفري فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري، فقال: قد كنت أعمى فرد الله إلي بصري، فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله، فقال: أمسك مالك فإنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك» أخرجاه، هذه القصة العظيمة قصها علينا رسول  الله r، تنبيها على الإيمان بالنعمة وتقييدها بشكرها، والتحذير من كفرها وإنكارها، فقد بين أن ثلاثة من بني إسرائيل ابتلاهم الله سبحانه وتعالى، فابتلى أحدهم بالبرص والآخر بالقرع والآخر بالعمى، فأراد الله أن يبتليهم أي أن يمتحنهم بفتنة السراء بدل الضراء فقد ابتلاهم أولا بفتنة الضراء.


عدد مرات القراءة : 5561



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22671769
المتواجدون الأن       15
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو