» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر الشريط السادس تابع




بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد فيقول الحافظ رحمه الله: \"ثم الطعن إما أن يكون لكذب الراوي أو تهمته بذلك أو فحش غلطه أو غفلته أو فسقه أو وهمه أو مخالفته أو جهالته أو بدعته أو سوء حفظه\" فذكر هنا هذه الأقسام من أقسام الطعن على حسب ترتيبه هو، وهو يختلف عن الترتيب الذي عليه جمهور أهل المصطلح، وهو الترتيب الذي سقناه سابقا، فتكون الأقسام به أقل من هذا التقسيم، لأن هذا التقسيم بعضه يشترك في الاسم، فذكره مع كونه مشتركا في الاسم كأقسام مما يزيد العدد من غير كبير فائدة، فلذلك لم ننتهج هذا لكن لا بأس بشرحه، فهنا قال إن الطعن، له أسباب السبب الأول أن يكون لكذب الراوي أي أن يكون الراوي معروفا بالكذب وذلك بإقراره هو، أو بشهادة الناس عليه بذلك، فهذا حديثه هو الموضوع، على هذا المصطلح الذي سار عليه هو، \"أو تهمته بذلك\" أي أن يكون الراوي مجرد متهم بالكذب ولم يثبت عليه، فلم يضع حديثا مشهورا ولكن عرف حديث بالوضع والضعف واتهم هو به، أنه هو علة هذا الحديث، سواء كان ذلك الاتهام في عصره ووقته أو كان فيما بعد، وكلاهما يقع فالتهمة بالكذب، عند جمهور أهل الحديث هي كذب، والمتهم عند جمهورهم هو وضاع، لأن معرفة الكذب إنما تكون بالاتهام به، ومن النادر أن يقر الإنسان بالوضع، كمحمد بن سعيد المصلوب، أو أن يشهد الناس عليه جميعا بذلك بأنه وضاع كذاب، فهذا من الأمور التي يختلف فيها الناس، في تقديرها، لكن أصل التكذيب إنما هو بالاتهام، أن يتهم إنسان بأنه كذب على النبي صلى الله عليه وسلم أو كذب في الحديث أو كذب حتى في رفع الموقوف فالوضاع مثلا من أمثلته محمد بن سعيد المصلوب، ونوح بن أبي مريم وأبو مخنف، والمتروك من أمثلته العرزمي والواقدي صاحب المغازي، فكلاهما يوصف بأنه متروك، ومثل ذلك مسلم بن خالد الزنجي، عند جمهور أهل الحديث، فهذا من أمثلة المتروك، \"أو فحش غلطه كذلك\" إذا كان فاحش الغلط أو كان فاحش الغفلة فهذا حديثه يسمى بالمنكر وكذلك من هو معروف بالفسق في غير الكذب كالذي يغش في البيع أو يخون في الأمانة أو نحو ذلك، فحديثه أيضا يسمى منكرا على رأي، ثم قال: \"أو وهمه\" فهذه الأقسام الخمس الأَوَّلُ لم يفصل فيها كثيرا ثم فصل فيما بعدها، ففصل في الوهم وفصل كذلك في المخالفة وفي الجهالة وفي الابتداع وفي سوء الحفظ، فهو ذكر هنا عشرة أقسام الأقسام الخمسة الأول هي الكذب والتهمة بالكذب والغلط والغفلة والفسق هذه الخمسة الأول، الأول من هذه الخمسة الكذاب هو الذي يسمى بالوضاع وحديثه بالموضوع، والثاني هو المتهم بالكذب وهو المتروك وحديثه أيضا يسمى متروكا ويسمى موضوعا أيضا عند جمهور أهل الحديث كما سبق، وفاحش الغلط أو الغفلة أو الفاسق هؤلاء الثلاثة حديثهم يسمى بالمنكر، فمرجع الاصطلاح في هؤلاء الثلاثة واحد أن حديثهم منكر، فلذلك قال: \" فالأول الموضوع والثاني المتروك والثالث المنكر على رأي وكذا الرابع والخامس\"ثم فصل في الخمس الأخيرة فقال: \" ثم الوهم إن اطلع عليه بالقرائن وجمع الطرق فالمعلل\" أما الوهم إذا كان الراوي يهم وذلك هو نوع من الغلط في الواقع فالوهم نوع من الغلط يظن به صاحبه أنه سمع شيئا لم يسمعه، أو يظن أنه سمع هذا اللفظ من فلان وقد سمعه من فلان الآخر، فهذا النوع هو الوهم، فإن عرف بالقرائن وجمع الطرق وبالممارسة للحديث ومعرفة ألفاظه ومعرفة رواته وحالهم فهذا الذي يسمى بالمعلل، ويختص ذلك بالجهابذة أئمة الحديث فالنقاد هم الذين يكتشفون العلل، ومن دونهم لا يشعر بذلك إنما ينظر إلى الظاهر فقط، وظاهر الحديث قد يكون الإسناد متصلا ورواته عدولا فيظن أن الحديث صحيح ولكنه يكون معللا بعلة خفية لا يطلع عليها إلا النقاد الجهابذة، \"ثم المخالفة إن كانت بتغيير السياق فمدرج الإسناد\" المخالفة هي مخالفة الراوي لمن هو أوثق منه أو أكثر، وهذه المخالفة إن كانت فاحشة بأن كانت فيها زيادة في إثبات في مقابل النفي أو نفي في مقابل الإثبات أو زيادة تحكم على الأصل بالإبطال فهذه هي المخالفة المعتبرة، بالإبطال أو نفي المثبت أو إثبات المنفي، فهذه المخالفة إما أن تكون في الإسناد أو في المتن، فإن كانت بتغيير السياق فهذا الذي يسمى بمدرج الإسناد، وإن كانت بدمج موقوف بمرفوع فهذا مدرج المتن، وقد سبق شرحهما معا، وإن كانت بتقديم وتأخير في الأسماء فهذا الذي يسمى بالمقلوب، وإن كانت بزيادة راو والإسناد يمكن اتصاله بدون ذلك الراوي فالمزيد في متصل الأسانيد، وقد سبق شرحه، أما إذا كانت بإبدال راو براو آخر ولا مرجح فهذا الذي يسمى بالاضطراب في الإسناد وقد سبق أن الاضطراب ينقسم إلى قسمين إلى اضطراب في المتن واضطراب في الإسناد وكلاهما من العلل، \"أو بإبداله ولا مرجح فالمضطرب أو بتغيير السياق فالمُصَحَّفُ\" قد يقع الإبدال عمدا امتحانا، الإبدال فيما يتعلق بالإسناد هذا في الإسناد فقط أما في المتن فلا يجوز تبديله، ولو كان ذلك في الامتحان، لكن الإبدال يجوز أن يمتحن به، بأن يحذف راو في السياق، أو أن يضاف إليه راو، أو أن يذكر إسناد لمتن امتحانا لشخص في حفظه، كما فعل أهل بغداد بالبخاري وقد سبق بيان ذلك، كذلك إذا وقع بتغيير الحروف مع بقاء السياق كما هو، فإن كان ذلك في النقط فهو المصحف، وإن كان في الشكل فهو المحرف، لذلك قال: أو بتغيير حروف أي بتغيير الحروف، سواء كان ذلك في الاسم كله أو في بعض حروفه ولو كان في حرف واحد، \"فالمصحف والمحرف\" فالمصحف ما كان في النقط والمحرف ما كان في الشكل، \"ولا يجوز تعمد تغيير المتن\" فتغيير الإسناد امتحانا يجوز، أما تغيير المتن فلا يجوز لأنه كذب على النبي صلى الله عليه وسلم \"ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلا لعالم بما يحيل المعاني\" فتغيير المتن لا يجوز امتحانا ولا غيره، إنما يجوز بالرواية بالمعنى أو الاختصار، وهما أمران محل خلاف بين أهل العلم، الأمر الأول هو الاختصار، وهو حذف بعض الحديث لأنك تريد الاستدلال ببعضه فقط، وهذا الاختصار سبب الخلاف فيه هو الخلاف الذي سبق وهو الخلاف في تحديد وحدة الحديث، هل الحديث هو ما حدث به النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس واحد أو ما ساقه الراوي بإسناد واحد، أو كل جملة ذات معنى مستقل، فالأقوال الثلاثة التي سقناها هي سبب الخلاف في اختصار الحديث، وجمهور أهل الحديث على عدم جواز الاختصار، وقد رأى الاختصار مالك والبخاري وعدد من الأئمة الجهابذة، وقد ذكرت لكم أن أول حديث في صحيح البخاري اختصره البخاري فحذف منه جملة فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، قد فعل ذلك اختصارا خشية اتهام النية أن يظن أنه يزكي نفسه بأنه إنما يكتب هذا الكتاب لله مخلصا فيه فخشي من تزكية نفسه فحذف هذه الجملة من الحديث، وأما الرواية بالمعنى فمن الأحاديث ما لا تحل روايته بالمعنى مطلقا، وذلك كجوامع الكلم التي اختصرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء عنه أنه قال: «أوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا» فما كان من جوامع الكلم وهي القواعد العامة التي تجمع الكثير من المعاني بألفاظ قليلة، فهذا لا يجوز روايته بالمعنى بل لا بد من إبقائه كما كان، وجوامع الكلم في الحديث تجري مجرى المثل، ولذلك ألف فيها عدد من الأئمة باسم الأمثال، كما ألف الإمام أبو بكر بن أبي عاصم كتاب الأمثال، وألف كذلك أبو هلال العسكري كتاب الأمثال من الحديث، وألف ابن شاهين كتاب الأمثال من الحديث، فيقصدون بذلك جوامع الكلم والألفاظ التي اشتهرت على الألسنة فأصبحت بمثابة المثل، والمشتهر على الألسنة من الحديث أنواع منوعة، فمنه ما هو أحاديث صحيحة اشتهرت على ألسنة الناس فحفظوها ورووها، كأحاديث التعوذات ونحوها، ومنه ما هو أحاديث ضعيفة أو منكرة تداولها الناس فنسبوها للحديث، وذلك كثير، فكثير من الألفاظ تعجب الناس فينسبونها للحديث، ثم ألفاظ التعبدات كذلك وهي ما يتعبد بلفظه من الأحاديث لا يجوز روايتها بالمعنى أيضا، كحديث التشهد وأحاديث التعوذات ونحو ذالك فهذه لا يجوز تغييرها لأنها متعبد بلفظها كالقرآن ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم البراء بن عازب رضي الله عنه حديث الدعاء عند النوم قال البراء فذهبت أرددهن لأحفظهن فقلت: اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وأسندت ظهري إليك أو وألجأت ظهري إليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت، فقال لا، وبنبيك الذي أرسلت، فهذه متعبد بألفاظها فلا تغير، فتغيير النبي بالرسول فيما يتعلق بالأسانيد جائز على الراجح لدى أهل الحديث، كأن يقول الراوي مثلا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتبدلها أنت فتقول قال النبي صلى الله عليه وسلم فمثل هذا النوع جائز على الراجح، لكن في ألفاظ التعبدات لا يغير، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم البراء بن عازب عن التغيير في الدعاء عند النوم، أما ما سوى ذلك من الأحاديث وهي ما ليس من جوامع الكلم ولا من أحاديث التعبدات فقد اختلف أهل العلم في جواز الرواية بالمعنى، فذهب بعضهم إلى جواز الرواية بالمعنى مطلقا، وذهب آخرون إلى المنع مطلقا، وذهب آخرون إلى التفصيل، والقائلون بالتفصيل اختلفوا، فمنهم من قال يجوز ذلك عندما ينسى اللفظ ويذكر المعنى، بشرط أن يكون الإنسان عالما بمدلولات الألفاظ، وقال آخرون بل لا بد أن يكون ذاكرا للفظ، وهو عكس  القول الأول، القول الأول أنه لا بد أن يكون نسي اللفظ ليلا يفوت اللفظ والمعنى معا، والآخرون يقولون بل لا بد أن يكون ذاكرا للفظ ليعرف البديل الذي يأتي به، والبخاري رحمه الله وكذلك مالك بن أنس يرون جواز الرواية بالمعنى في غير أحاديث التعبدات وجوامع الكلم، والواقع أن الرواية بالمعنى في هذا القبيل لا مناص منها فيندر جدا أن يحفظ الإنسان الحديث فيحدث به تماما كما سمعه من غير أي تغيير في الألفاظ، والتغيير اليسير الذي لا يحيل المعنى لا بد أن يغتفر لأنه لا بد من حفظ هذا الشرع، وحفظه يشمل حفظ المعاني التي يحتاج إليها، ولذلك يندر جدا أن يبقى اللفظ كما هو، وبالأخص إذا كان اللفظ من أفعال النبي صلى الله عليه وسلم فليس لفظا مرويا عنه، ليس من اللفظ النبوي وإنما هو من لفظ الصحابي الذي يصف حدثا من الأحداث التي حصلت في زمان النبي صلى الله عليه وسلم أو فعلا من أفعاله صلى الله عليه وسلم أو نحو ذلك، فهذا النوع تكثر فيه الرواية بالمعنى، والذين يرون جواز الرواية بالمعنى يستدلون بأن الله سبحانه وتعالى قص علينا قصص الماضين فرواها بالعربية في القرآن وهي لم تكن بالعربية في الأصل، كخطاب موسى لفرعون، وكخطاب أم موسى لأخته، ونحو ذلك فهؤلاء إنما كانوا يتكلمون بالعبرية، وقد جاءت حكايتهم في القرآن بالعربية، ومثل ذلك التراجم، فترجمة معاني الحديث بأية لغة لا بد منها لأن الناس لم يكونوا جميعا عربا، ولم يكونوا جميعا يفهمون العربية، فيحتاج إلى شرح لما صعب عليهم ولا يمكن ذلك الشرح إلا عن طريق الترجمة، ومثل هذا معاني القرآن أيضا فإنها تترجم إلى اللغات الأخرى ولا يمكن ترجمة ألفاظ القرآن حتى إلى العربية، فألفاظ القرآن لا يمكن إبدالها حتى إلى العربية فأي لفظ فيه فهو معجز و لو بحثت عن لفظ آخر عربي يصلح لأن يسد مسده لما وجدته، فلذلك قال: \"ولا يجوز تعمد تغيير المتن بنقص والمرادف\" بالنقص وهذا الذي يسمى بالاختصار، والمرادف وهذا الذي يسمى بالرواية بالمعنى \"إلا لعالم بما يحيل المعاني\" وهذا القول هو قول بالتفصيل اختاره هو، فقد قالت طائفة لا يجوز ذلك مطلقا وقالت طائفة أخرى بل يجوز مطلقا، قالت طائفة بل يختص هذا بالعالم بما يحيل معاني الألفاظ، وقد ذكرنا خروج ألفاظ التعبدات وجوامع الكلم من ذلك، \"ومن ثم احتيج إلى شرح الغريب\" من ثم، بما أن الحديث منه ألفاظ يندر استعمالها في لغة العصور المتأخرة فاحتيج إلى غريب الحديث وهو علم من علوم الحديث علم غريب الحديث، فالغريب هو ما لم يعد مستعملا في التخاطب بين الناس، غريب اللغة هو ما لم يعد مستعملا في التخاطب بين الناس، فاللغة في الأصل هي ما يعبر به كل قوم عن مرادهم فإذا عرف لفظ من الألفاظ في وقت من الأوقات واشتهر بين الناس في ذلك الوقت ثم نسي أو ترك في التعامل العادي بين الناس ولم يعودوا يستعملونه، فإن هذا اللفظ يكون غريبا، ولو كانت الرواية بالمعنى تجوز مطلقا لذهبت الألفاظ الغريبة لأن أهل كل عصر يعبرون بلغتهم المشهورة لديهم فلا يحتاج إلى شرح غريب الحديث، وغريب الحديث علم من علوم الحديث وقد ألف فيه عدد كبير من الأئمة، منهم الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام، ومنهم شيخ أهل اللغة كذلك أبو عبيدة معمر بن المثنى، ومنهم الزمخشري الذي ألف كتاب الفائق في الغريب، ومنهم ابن الأثير الذي ألف كتاب النهاية في غريب الحديث، ومنهم مكي بن أبي طالب الذي ألف غريب القرآن وغريب الحديث، وهكذا فعدد من الأئمة ألفوا في الغريب، \"وبيان المشكل منها\" كذلك ألف عدد من الأئمة في بيان المشكل، وهو مشكل الحديث الذي يسمى مشكل الحديث، وقد ألف فيه عدد من الأئمة كالإمام أحمد بن جعفر بن سلاَّمة الطحاوي، فقد ألف كتاب مشكل الآثار، وهو مطبوع طبع قديما منه أربع مجلدات في طبعة دار صادر على مخطوطة واحدة، ثم وجد كاملا فطبع قبل سنوات قليلة، فهذا النوع هو في المشكل وهو ما يقع الإشكال في سياقه، إما أن يقع ذلك في الإعراب واللغة وإما أن يقع الإشكال لوجه آخر، ومن الذين ألفوا فيه كذلك محمد بن مالك صاحب الألفية والتسهيل، فعندما أراد اليونيني أن يحقق صحيح البخاري في أول تحقيق عرف في هذه الأمة وجمع ستة عشر من أعيان العلماء في دمشق، كل واحد منهم أخذ نسخة مروية من النسخ المخطوطة، واقترح هو فروق النسخ والإشارة إليها بالحروف، فكان يكتب تلك الرموز فوق الكلمات، إذا زاد بعض النسخ أو نقص يكتب ذلك، أجلس محمد بن مالك بجانب هؤلاء فكان كل مشكل من الألفاظ يكتبه ابن مالك فيخرجه تخريجا لغويا، فلما انتهت المجالس وتمت نسخة اليونيني وهي الآن أصح نسخ صحيح البخاري اجتمع كلام ابن مالك فوضع في كتاب مستقل وهو التصحيح والتوضيح لحل مشكلات الجامع الصحيح، وقد طبع عدة طبعات، وإليه المرجع في مشكلات صحيح البخاري فيما يتعلق باللغة، ومن أمثلة هذا ما حصل لي قديما فقد كنت أقرأ في شروح الموطإ في كتاب الوصية في حديث سعد بن أبي وقاص فوجدت نسخ شرح الزرقاني متفقة على خطإ غريب، وهو أن الزرقاني رحمه الله لما ذكر حديث سعد ذكر أن رواية من روايات صحيح البخاري فيها «إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» والرواية المشهورة هي «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس» وأن تذر هذا مصدر مؤول من أن وصلتها، معناه تركك ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، والجملة اسمية وهي خبر إن إنك، ولكن الرواية الأخرى  وهي: إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس فيها إشكال لغوي وهو أن فعل الشرط هنا إن تذر جوابه لا يصلح لمباشرة الشرط والجواب إذا لم يصلح لمباشرة الشرط يجب اقترانه بالفاء أو إذا الفجائية كما قال ابن مالك رحمه الله في الألفية:

واقرن بفا حتما جوابا لو جعل
وتخلف الفاء إذا المفاجأه

 

شرطا لإن أو غيرها لم ينجعل
كإن تجد إذا لنــــا مكافأة

فالجواب هنا لا يصلح لمباشرة الشرط لأنه جملة اسمية وهو خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، فذكر الزرقاني أن هذا يوجد في لغة العرب وأن له أمثلة فذكر منها قال في قراءة طاوس ﴿ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وهذا الذي حكاه وهو في جميع نسخه المطبوعة قل إصلاح لهم خير هذه قراءة جمهور العلماء وليس فيها أي إشكال ولا ترد على هذا الوجه، فأشكل علي الأمر فكتبت أسال عنه بعض العلماء، وسألت عنه كثيرا من المشايخ، فلم يعرفوه، فأرسلت سؤالا عنه للشيخين محمد سالم ومحمد يحيى فجاء جواب الشيخ محمد يحيى أنه يمكن أن يكون المقصود ما تركه من الآية وهو: ﴿قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم إخوانكم بحذف الفاء لعل قراءة طاوس إخوانكم بحذف الفاء فتكون شاهدا على هذا، وجاء جواب الشيخ محمد سالم لعل قراءة طاوس ﴿ويسألونك عن اليتامى قل أصلح لهم خير فيكون هذا بفعل الأمر وهو في قوة الشرط وجوابه مثل جواب الشرط، فالأصل أصلح لهم فهو خير فحذفت الفاء والمبتدأ معها، فبحثت أنا بعد ذلك في كتاب ابن مالك فوجدت فيه هذه الرواية وتوجيهاتها فذكر قراءة طاوس وهي موافقة لما أجاب به الشيخ محمد سالم، قراءة طاوس ويسألونك عن اليتامى قل أصلح لهم خير، فجاء جواب الشيخ موافقا لما ذكره ابن مالك عن قراءة طاوس بن كيسان، وهذا النوع هو من لغة العرب ولكنه نادر فيها ومن شواهده في اللغة:

من يفعل الحسنات الله يشكرها

 

والشر بالشر عند الله مقرون

من يفعل الحسنات هذا شرط، الله يشكرها هذه جملة اسمية وهي لا تصلح لمباشرة الشرط ومع ذلك لم تقترن بالفاء، وهكذا فهذا النوع يسمى مشكل الحديث، ومن أمثلته في صحيح مسلم مثلا، وهذا ما لا يذكره كثير من أهل الحديث في أنواع المشكل، حديث عياض بن حمار المجاشعي في صحيح مسلم وفيه الذين هم فيكم تبعا، تبعا بالنصب، فتبعا هنا ظاهر السياق أن تقول الذين هم فيكم تبع فهو خبر ولكنه نصب على الحال، والواقع أن الحال إنما تغني عن الخبر إذا كانت سادة مسده، كما قال ابن مالك:

وقبل حال لا تكون خبرا
كضربي العبد مسيئا وأتم

 

عن الذي خبره قد أضمرا
تبييني الحق منوطا بالحكم

فهذا من مشكل الحديث ولم يتعرض شراح صحيح مسلم لذكر هذا اللفظ وأنه من مشكل الحديث، \"ثم الجهالة\" وهي سبب من أسباب الطعن كما سبق، فصَّل فيها، وقد فصلنا نحن فيها فيما سبق، فقال \"ثم الجهالة وسببها أن الراوي قد تكثر نعوته فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض\" أن الراوي قد تكثر نعوته والنعوت تشمل الأسماء كأن يكون له اسم مثلا، وكنية، أو كنى متنوعة متعددة وألقاب كنسبته إلى بلدان، سكن بلدا ثم انتقل منه فسكن بلدا آخر، فينسب إلى هذا البلد وإلى هذا، فإذا وصف بغير المعروف فهذا سبب من أسباب الجهالة، فلذلك قال: فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض، وهذا الغرض أنواع منوعة فمنه ما سبق، وكالخطيب يفعل استكثارا، أن الخطيب البغدادي يفعل ذلك استكثارا ليظن أن شيوخه ذوو كثرة وعدد، \"وصنفوا فيه الموضح\" هذا النوع صنف فيه أهل الحديث الموضح، والموضح هو موضح الأوهام فيما يتعلق بالجمع والتفريق، فالجمع أن يظن أن عددا من الرواة راو واحد، والتفريق أن يظن أن الراوي الواحد عدد من الرواة، وذلك بنسبته كأن يقال: عمرو بن خالد الشامي وعمرو بن خالد الدمشقي، وهما في الواقع رجل واحد، لكن اشتهر بالنسبة إلى دمشق فيقال الدمشقي ويذكر أيضا بالنسبة إلى الشام عموما فيقال الشامي، فيترجم ترجمتين بناء على النسبتين وهو في الواقع واحد، وقد يقع الخطأ في هذا النوع في النسبة بسبب التقارب في أشكال الكلمات، فمثلا نسخ فتح الباري المطبوعة وهي أربع عشرة نسخة إلى الآن أو أكثر اتفقت على الخطإ في الحديث الذي أخرجه البخاري في الصحيح قال حدثنا عمرو بن خالد قال أخبرنا الليث عن يزيد عن أبي الخير عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أي الإسلام خير؟ فقال: تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف، في جميع نسخ الفتح المطبوعة هذا الإسناد كله بَصْرِيُّونَ، والواقع أن هذا الإسناد كله مصريون، فليس فيه أحد من أهل البصرة، لكن الباء قريبة من الميم فوجدت في مخطوطة كذلك فطبعت جميع النسخ على هذا الغلط، هذا الإسناد كله مصريون، والفرق شاسع بين الأمرين فالبصريون يكثر فيهم الضعفاء والمصريون يقل فيهم ذلك، فالبصرة كانت تسمى قديما بدار الضرب، قال مالك في العراق ما هو إلا دار الضرب يخرج إليهم الحديث من عندنا شبرا فيعود إلينا ذراعا، ويخرج إليهم ذراعا فيعود إلينا باعا، كان يقول: تضرب فيها الأحاديث كما تضرب فيها الدراهم، فالفرق شاسع إذن بين البصريين والمصريين، وهذا النوع من الأخطاء لا بد من الانتباه له لأن كثيرا من طلبة العلم يرجعون إلى النسخ المطبوعة فإذا راجعوها وليس لهم رواية فيها ظنوا أنها صحيحة، فيعتمدون على ذلك، والواقع أن كثيرا من الكتب المطبوعة فيها أخطاء فاحشة، لا يطلع عليها إلا من تتبعها، والبخاري رحمه الله وقعت له أخطاء في التاريخ من قبيل الجمع والتفريق وقد تتبعها الخطيب البغدادي فألف كتاب موضح أوهام الجمع والتفريق، ومثلها الأخطاء التي وقعت للإمام عبد الحق الإشبيلي في كتاب الأحكام الوسطى وقد تتبعها الحافظ أبو الحسن بن القطان الفاسي في كتاب بيان دفع الوهم والإيهام، \"وقد يكون مقلا فلا يكثر الأخذ عنه\" قد يكون الراوي مقلا فلا يكثر الأخذ عنه فيروي عنه واحد مثلا، وهذا النوع هو الذي يسمى بالوحدان، والمنفردات، فالوحدان من الرجال والمنفردات من النساء، وقد ألف فيه الإمام مسلم بن الحجاج كتاب المنفردات والوحدان، وألف فيه الخطيب البغدادي كتاب الوحدان، ألف فيه عدد من الأئمة كتبا، الوحدان معناها أن يكون الإنسان واحدا، هو انفرد بهذا الراوي لم يرو عنه سواه، فعدد من الرواة المشاهير من أهل الثقة والعدالة انفردوا عن بعض الشيوخ لم يرو عنهم سواهم، \"أو لا يسمى اختصارا\" كذلك قد لا يسمى الراوي اختصارا، لم تكثر نعوته ولكنه أبهم فلم يسم فذكر بوصفه دون اسمه، فهذا  المبهمات هذا الذي يسمى بالمبهم، \"أو لا يسمى اختصارا وصنفوا فيه المبهمات\" ككتاب الخطيب البغدادي كتاب المبهمات ويكثر ذلك في النساء فكثير من الراويات للحديث قد لا يسمين فيكثر فيهن الإبهام، ولذلك فإن الإمام الذهبي لما ألف كتابه ميزان الاعتدال في نقد الرجال، ذكر فيه ثلاثة آلاف وستمائة من الرجال المجروحين، الذين تكلم فيهم، فلما انتهى من ذلك قال باب ذكر المجهولات والمبهمات ومن لم يسمين، ولا أعلم منهن من جرحت ولا من تركوها، ولا أعلم منهن أي من النساء، من جرحت ولا من تركوها، فلا يعرف في النساء الراويات للحديث مجروحة ولا متروكة، ولا وضاعة، ولذلك قال: وصنفوا فيه المبهمات \"ولا يقبل المبهم ولو أبهم بلفظ التعديل على الأصح\" الإبهام نوعان منه إبهام مطلق، عن رجل مثلا، أو عن شيخ لهم، أو عن أصحاب فلان و نحو ذلك فهذا إبهام ليس فيه تعديل، والنوع الثاني هو الإبهام مع التعديل، أن يكون الإبهام بلفظ التعديل، عن الثقة عنده، أو عن من يثق به من أهل العلم، فلا يقبل المبهم مطلقا، حديث المبهم لا يقبل لأنه مجهول وهذا العلم وهو علم المصطلح وعلم التخريج ودراسة الأسانيد يقوم على مقاييس دقيقة وهذه المقاييس إذا كان الراوي مجهولا أو محذوف الاسم لا يمكن أن تنطبق عليه، فلذلك لا يقبل حديث المبهم ولو أبهم بلفظ التعديل، ولو كان ذلك بلفظ التعديل إلا إذا عرف من خارج، بأن وجد له متابع، أو قال إذا قلت عن الثقة عندي فمقصودي فلان مثلا، فهذا الذي يزيل الخفاء حينئذ، إذا عرف من خارج، بأن قال: إذا قلت عن الثقة عندي فأقصد فلانا مثلا، أو عرف ذلك بالتتبع، فالكثير من أهل الحديث يرون أن مالكا إذا قال عن الثقة عنده فيقصد به محمد بن عمر الواقدي، \"على الأصح\" معناه خلافا لقوم فقد ذكروا أنه يكفي في الإسناد أن يحكم الراوي إذا كان من أهل الجرح والتعديل، بثقة من روى عنه، وكان مالك رحمه الله لا يروي إلا عن الثقات، فقد سئل عن حديث أبهم من رواه عنه، قال مالك أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كذا فقيل يا أبا عبد الله عمن تروي هذا؟ فقال: ما جالست سفيها قط، ما جالست سفيها قط معناه كل من يروي عنهم ثقات، فإن سمي وانفرد واحد عنه فمجهول العين، إذا كان الراوي مسمى ولكنه لم يرو عنه إلا واحد فهذا الذي يسمى بمجهول العين وقد سبق ذلك، أو اثنان فصاعدا بأن روى عنه اثنان فصاعدا أي أكثر من واحد ولم يوثق فمجهول الحال، إذا روى عنه اثنان فصاعدا ولكنه لم يوثق لم يرو توثيقه عن أحد من الأئمة فهذا يسمى بمجهول الحال وهو المستور، يسمى بالمستور أيضا وقد سبق أن جمهور أهل الحديث لا يرون رواية مجهول الحال، وأن ابن حبان كان يرى رواية مجهول الحال ويرى أن الأصل في طلبة العلم العدالة، وأن كل من يروي الحديث فالأصل فيه العدالة، فإذا لم يرو فيه الطعن فيكفي ذلك في أصل الإثبات، ومالك رحمه الله سئل عن الراوي هل الأصل فيه العدالة أو الطعن فقال: من العقل سوء الظن، ويقصد بذلك سوء الظن فيما يتعلق بالرواية فقط لا سوء الظن بالناس فقد نهى الله عنه في كتابه فقال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم فيقصد سوء الظن فيما يتعلق برواة الحديث، لأن هذا الحديث دين فلا بد أن يعرف من يروى عنه، فإن كان من أهل العدالة قبلت روايته وإلا ردت عليه، \"ثم البدعة\" وهي نوع من أنواع الطعن كما سبق، \"إما بمكفر أو بمفسق\" فالمبتدع لا يكون خاليا من الكفر أو من الفسق، لأن البدعة كلها ضلالة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة، والبدعة معناها كما عرفها الشاطبي: طريقة في الدين مخترعة يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى، فقوله طريقة في الدين مخرج لما كان في العادات والمعاملات فهذه لا تدخلها البدع، فالمعاملات والعادات والملابس والمراكب ونحو ذلك هذه لا تدخلها البدع، إنما البدع في أمور الدين، والدين يشمل جانبين، الاعتقاد والتعبدات، فالعقيدة والعبادة هما اللذان لا يقبل فيهما الابتداع، أما العقيدة فمبناها على الوحي، لأنك لا يمكن أن ترى الله سبحانه وتعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير فلا يمكن أن تثبت له ولا أن تنفي عنه إلا ما جاء الوحي به، فالمرجع فيها إلى الوحي ولا يتعدى، وكذلك العبادة فأصل ذالك أن الله تعالى لا يمكن أن يصل إليه عباده بنفع ولا ضرر فلا يمكن أن يتقربوا إليه إلا بما شرع، فالذي يمكن أن تنفعه يمكن أن تتقرب إليه بشيء لم يأمرك به لأنك تعلم أنه ينفعه، أو تتقرب إليه برفع ضرر عنه لأنك تعلم أن هذا مما ينفعه، والله تعالى لا يمكن أن تنفعه ولا أن تضره فلا يمكن أن تتقرب إليه إلا بما شرع لك، وعلى هذا فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد، المقصود بأمرنا هذا العقائد والعبادات، فالابتداع المكفر هو ما تعلق بتغيير شيء من الدين، بمعارضة له أو يعود عليه بالإبطال، سواء كان ذلك بالإثبات أو بالنفي، فمثلا نفي كون القرآن كلام الله هذا النوع يعود على الشرع بالإبطال وهو من باب النفي، وفي مقابله أيضا الإثبات نسبة كلام الناس جميعا لله تعالى تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، هذا أيضا مما يعود بالإبطال في جانب الإثبات، ولذلك تجدون في القدر مذهبين من مذاهب الابتداع كلاهما يكفر صاحبه في الأصل إن كان داعيا إليه، وهما مذهب القدرية ومذهب الجبرية، فالقدرية هم نفاة القدر الذين يزعمون أن الأمر أنف وأن الله لا يعلم بالشيء حتى يكون وأن المخلوق هو الذي يخلق فعله تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، والجبرية هم الذين يبالغون في إثبات القدر، حتى يرون أن المخلوق لا يفعل شيئا وأن الله هو الذي يفعل أفعال المخلوق كالزنى والكذب والسرقة وغير ذلك تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا، والجميع خطأ مخالف لأن الأصل إثبات القدر لله تعالى وهو أربع مراتب، المرتبة الأولى علم الله السابق بجميع الأشياء إجمالا وتفصيلا، والمرتبة الثانية كتابة الله لكل ما هو كائن في الصحف التي عنده  فوق عرشه وهي أم الكتاب، والمرتبة الثالثة توزيع ما هو كائن على الزمن، فليلة القدر من كل عام فيها تبرم الأمور وتفرق، ومع كل جنين يكتب أجله ورزقه وعمله وشقي أو سعيد، وكذلك الأشجار فلها آجال كآجالنا، إن لهذه الأشجار لَآجالا كآجالكم، والمرتبة الرابعة هي تنفيذ ما أراده الله وعلمه في سابق علمه على وفق ما علمه، المرتبة الرابعة من مراتب القدر هي القضاء وهي التنفيذ فجلستنا هذه علمها الله قبل خلق السماوات والأرض، وكتبها في أم الكتاب وقدرها في هذه السنة ثم قضاها الآن فوقعت على وفق علمه السابق، فالمرتبتان الأوليان قديمتان وهما المذكورتان في قول الله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين فجمع بين العلم والكتابة، والمرتبتان اللاحقتان مذكورتان في غير هذا النص كقوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم أمرا من عندنا وفي حديث ابن مسعود حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات، بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» وقد اشتهر على ألسنة الناس زيادة في هذا الحديث وهي موجودة في الأربعين النووية وذكرها النووي أيضا في رياض الصالحين، وهي: «يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك» وهذه الزيادة وهي لفظ نطفة ليست في الصحيحين ولا هي صحيحة، فالحديث: «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك» وزيادة نطفة هذا اللفظ غير صحيح، فلذلك يعلم أن الله تعالى يخلقنا ويخلق أفعالنا ولكن الأفعال هي من فعلنا لا من فعل الله، ولذلك نثاب على صالحها ونعاقب على سيئها لأنها من فعلنا نحن ليست من فعل الله، فإذن الابتداع إن كان فيما يتعلق بإبطال الشرع بزيادة أو نقص، أو يعود عليه بالإبطال فهذه البدعة المكفرة، وما سواها من البدع مفسق قطعا، إلا نوعا واحدا وهو البدع الإضافية فهي محل خلاف، والبدع الإضافية هي إضافة الهيئات وتحديد الأوقات والأعداد ونحو ذلك مما ثبت أصله، ما ثبت له أصل في الشرع ولكن لم يرد في خصوصه نص فمثلا أن تحدد مائة أو ألفا من ذكر معين في وقت معين، فهذا النوع لم يرد به نص بخصوصه، وليس هو كالبدع الحقيقية لأنك لم تأت بأمر زائد على ما شرعه الله، فالله أمر بالذكر بالإطلاق فقال: ﴿اذكروا الله ذكرا كثيرا وقال: ﴿واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون فالذكر جاء الأمر به مطلقا، لكن تحديد عدد منه معين في وقت معين لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم هو محل البحث، وهذا الذي يسمى بالبدع الإضافية، والشاطبي رحمه الله يرى تحريمها مطلقا، وأنها مثل غيرها من البدع داخلة في عموم قوله صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة، والعز بن عبد السلام والقرافي يريان عدم تحريمها، ويستدلان لبعض النصوص الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كقوله: وما يدريك أنها رقية، في الرقية بالفاتحة، فظاهر هذا النص أن الصحابي الذي رقى بالفاتحة لم يكن يعلم عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم أنها رقية ومع ذلك أقره النبي صلى الله عليه وسلم عليها، ومثل ذلك قول الرجل الأنصاري حين رفع رأسه من الركوع: «ربنا لك الحمد حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه» وهذا اللفظ رواه الجماعة كلهم، وزاد النسائي «كما يحب ربنا ويرضى» فالنبي صلى الله عليه وسلم أقره على ذلك لأنه قال: من القائل؟  قال أنا، فقال: «لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها» فهذا إقرار على هذا القول مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمهم به، وهذا الخلاف قد اشتهر في الماضي وبعض أهل العلم لعله لم يطلع على جانب الإيجاب فيه، فظن أن البدع الإضافية ليست محل خلاف بين أهل العلم في ذمها، وإنما الخلاف في حكمها هل هي على سبيل التحريم أو على سبيل الكراهة، ومن الذين رأوا ذلك العلامة حامد بن محمذٍ بن محنض باب رحمه الله فقد قال:

ومن خفي البدع الاضافي
وهو نصبك لبعض القرب

 

وهو مذموم بلا خلاف
سببا الشرع له لم ينصب

قال: وهو مذموم بلا خلاف، قال: \"ثم البدعة إما بمكفر أو بمفسق\" والكفر في اللغة الستر فالليل كافر أي ساتر ما فيه، والفسق في الأصل هو الخروج كخروج الفرخ من البيضة فيسمى فسقا، فيقال: فسقت البيضة إذا خرج منها الفرخ، والفسق في الشرع هو الخروج عن الطاعة، الفاسق هو الخارج عن الطاعة، \"فالأول\" أي القسم الأول \"لا يقبل صاحبها الجمهور\" أي القسم الأول من قسمي البدعة وهي البدعة المكفرة لا يقبل صاحبها الجمهور، وليس ذلك لأنه قد اتصف بالكفر، فهو غير كافر إلا إذا تحققت فيه شروط التكفير السبعة، قد سبق بيانها في عدد من الدروس، لكن بما أن بدعته مكفرة فالجمهور لم يقبلوا روايته، وقبلها كثير من أهل الحديث ومن أهل الفقه، وقد ذكرت لكم من قبل أن الشافعي رحمه الله قال في الأم: (أنا أقبل شهادة جميع أصحاب الأهواء إلا الخطابية فإنهم يستبيحون الكذب لنصرة مذهبهم) \"والثاني\" أي القسم الثاني من قسمي البدعة وهو البدعة المفسقة \"يقبل من لم يكن داعيا إلى بدعته في الأصح\" أي المبتدع بدعة مفسقة إذا كان غير داع إلى بدعته فإنه تقبل روايته على الأصح، وقد ذكرت لكم أن البخاري أخرج في الصحيح لهشام الدستوائي وهو ممن قال بالقدر، وأخرج في الصحيح لعبيد الله بن موسى أخرج من طريقه حديث ابن عمر بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، فهذا الحديث أخرجه البخاري من روايته عن عبيد الله بن موسى وعبيد الله بن موسى شيعي كان يرى تفضيل علي على سائر الصحابة، وذكرت لكم أن البخاري أيضا أخرج في الصحيح لعمران بن حطان الشاعر، وهو من الخوارج وكان يرى مذهب الحرورية، لكن هؤلاء جميعا لم يكونوا يدعون إلى بدعتهم، وقد أباهم بعض أهل العلم، فالأصح مقابله قول آخر لبعض أهل العلم أن كل من عرف ببدعة ولو لم يدع إليها فإنه لا تقبل روايته مطلقا، \"إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المختار\" إلا إذا كان روى ما يقوي بدعته أي ما هو موافق لمذهبه في الابتداع، فإن روايته لا تقبل عند الجمهور وهذا هو القول المختار، ولذلك فإن الإمام عبد الرزاق بن همام الصنعاني وهو إمام من أئمة الحديث ومن أصحاب مالك الذين رووا عنه وهو شيخ أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعدد من الأئمة الكبار ومع ذلك كان فيه تشيع مثل أهل اليمن جميعا، فأهل اليمن كان فيهم تشيع في ذلك الوقت، فروايته إذا لم تكن فيما يتعلق بفضائل علي وآل بيته مقبولة عند الجميع، وإذا كانت في فضائل علي وآل بيته فينظر فيها، هذا القول هو المختار، \"وبه صرح الجوزجاني\" \"وهو شيخ النسائي\" شيخ أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي فقد قال إن المبتدع غير الداعي إلى بدعته إذا روى ما يقوي مذهبه فلا تقبل روايته وإذا روى ما سوى ذلك تقبل روايته، \"ثم سوء الحفظ إن كان لازما فالشاذ على رأي\" سوء الحفظ وهو سبب من أسباب الطعن كما سبق وهو آخرها إما أن يكون ملازما للإنسان من أول عمره فقد يكون الإنسان ضعيف الحفظ من بداية عمره في الطلب، فهذا يسمى سوء الحفظ الملازم، أي منذ نشأة الإنسان، وإما أن يكون قد تجدد مع الكبر والهرم وسيأتينا الكلام في ما يتعلق بالتحديث، فإن جمهور أهل الحديث يحددون سنا للتلقي وسنا للتحديث وسنا للكف أيضا، فالتلقي بدايته من أن يعقل الإنسان ويحفظ، من بداية الصبا، والتحديث لا بد أن يكون قد تجاوز العشرين عندهم، ونهايته مختلف فيها فذهب بعضهم إلى أنها سبعين سنة و بعضهم إلا أنها ثمانين، وبعضهم قال ينبغي إذا خشي الهرم والتغير في عقله أن يكف عن الحديث لئلا يحدث بكذب، ولذلك قال العراقي:

وينبغي الإمساك إذ يخشى الهرم
وبعضهم مثل الهجيمي وفئه

 

فبالثمانين ابن خلاد جزم
كالطبري حدثوا بعد المائه

بعض المحدثين حدثوا بعد المائة بعد أن أكملوا مائة سنة، كالإمام محمد بن جرير الطبري، وكالهجيمي، فإنهم حدثوا بعد أن أتموا مائة سنة، لكن لم يتغير شيء من عقولهم وإدراكهم، فلذلك قال: \"ثم سوء الحفظ إن كان لازما فالشاذ على رأي\" فهذا يسمى بالشاذ على رأي أي على اصطلاح لبعضهم، والرأي هنا ليس معناه أن في المسألة قولين، خلاف، إنما المعنى أن بعض أهل الحديث اصطلاحه في ذلك الشاذ أن يطلق عليه الشاذ، وقد سبق إطلاق الشاذ، وذكرنا أن للشذوذ ثلاثة أركان هي الانفراد والمخالفة وأن يكون ذلك من ثقة، هذه هي أركان الشاذ عند جمهور أهل الحديث، إذا انفرد الثقة فخالف من هو أوثق منه أو أكثر فهذا الذي يسمى شاذا، لكن بعض أهل الحديث يطلق الشاذ أيضا على رواية من كان ضعيف الحفظ من بداية شبابه، \"أو طارئا، إذا كان سوء الحفظ طارئا على الإنسان فالمختلط أي المتصف به هو المختلط، وهذا الاختلاط تعرف بدايته فكثير من المحدثين عرف متى اختلط، كأبي إسحاق السبيعي وهو إمام من الأئمة لكن كان له من الأولاد عدد من العلماء، فابنه يونس بن أبي إسحاق من المشاهير، وابن ابنه إسرائيل بن يونس كذلك من المشاهير فعرفوا الوقت الذي بدأ فيه الاختلاط، فحددوه بالضبط، فعاش سنتين في الاختلاط، وقد ذكر ذلك بعض أهل الحديث  عن سفيان بن عيينة لكن الراجح عدم صحة ذلك، أن سفيان لم يختلط في السنتين الأخيرتين من عمره، بل بقي كما كان، ولذلك فإنه حج ثلاثا وسبعين حجة في كل حجة يسأل الله عند الصدر أن يعود من قابل فيعود، فلما أكمل ثلاثا وسبعين حجة وقد تجاوز التسعين، قال استحييت من ربي فلم يسأله العودة فمات في ذلك العام، وهذا الاختلاط يعرف بضعف عقل الإنسان في الأمور كلها، الذي لا يتذكر عدد الركعات أو لا يتذكر في البيع والشراء ديون ونحو ذلك هذا يعرف به اختلاطه ولو لم يقع ذلك في الحديث، فيكف عن الرواية عنه، ومثل ذلك إذا كان صاحب تصحيف فأصبح يصحف لأنه كان يروي من كتابه، ولم تكن الكتب إذ ذاك يعتمد فيها النقط والشكل، فإذا أصبح يصحف فذلك دليل على اختلاطه، مثلما حدث أحدهم من كتابه فرفع الإسناد حتى قال: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عن رجل فقال له أحدهم ويلك من الرجل الذي يحدث عنه ربنا عز وجل، فنظر في الكتاب فإذا هي عز وجل، فقرأها عن رجل، عز وجل، قرأها عن رجل، ومنهم من يكون سبب اختلاطه أن تحترق كتبه مثلا، كالإمام عبد الله بن لهيعة فإنه احترقت كتبه وقد كان يروي من كتبه، فمنذ احترقت كتبه لم تصح الرواية عنه، لأن ما حدث به بعد ذلك من حفظه ليس مثل ما كان يحفظه في كتبه، والذين رووا عنه قبل أن تحترق كتبه قبل الاختلاط عرف منهم العبادلة عبد الله بن وهب وعبد الله بن المبارك وغيرهما، والذين رووا عنه بعد الاختلاط روايتهم عنه ضعيفة، ومنهم أحمد بن حنبل وغيره، قد روى عنه بعد الاختلاط، \"ومتى توبع سيء الحفظ بمعتبر وكذا المستور والمرسل والمدلس صار حديثهم حسنا\" يقول إنه إذا حصلت المتابعة لحديث ضعيف قابل للجبر، والحديث الضعيف قسمان، قسم لا ينجبر، وقسم ينجبر، الضعيف الذي ينجبر الضعيف الذي ضعفه بسبب سوء الحفظ، أو سببه جهالة الحال لا جهالة العين، أو سببه الإرسال بسقوط الصحابي أو سببه التدليس، فهذه الأقسام الأربعة من أقسام الضعيف تنجبر، وجبرها إنما هو بالمتابعة بمعتبر، فإن توبع مجهول الحال بمثله، فكان للحديث إسنادين مثلا، أحدهما فيه مجهول حال والثاني فيه مجهول حال، فتابَعه فيقوى هذا الحديث فيصير حسنا لغيره بدل أن كان ضعيفا، ومثل ذلك حديث سيء الحفظ إذا توبع بمعتبر فإنه يكون حسنا لغيره، ومثل ذلك حديث المدلس فإنه يكون حسنا لغيره، ومثل ذلك المراسيل إذا أرسل الحديث تابعي وأرسله تابعي آخر فهذا يدل على أن هذا الحديث له أصل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يذكر فيه الصحابيُّ، إذا وجدناه من رواية تابعي فأرسله ومن رواية تابعي آخر فأرسله فهذا يعتبر حسنا لغيره، \"باعتبار المجموع\" أي باعتبار مجموع الروايات وهي المتابِع والمتابَع، وكذلك ما له شاهد يقويه إذا كثرت شواهده، من حديث غير هذا الصحابي فذلك كاف كما سبق في حديث أبي موسى الأشعري \"لا نكاح إلا بولي\" فقد ذكرت لكم أن الحاكم ذكر أن عشرين من الصحابة رووا هذا الحديث، فأحاديثهم شواهد لحديث أبي موسى، قال: \" ثم الإسناد إما أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم تصريحا أو حكما من قوله أو فعله أو تقريره أو إلى الصحابي كذلك وهو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به ومات على الإسلام ولو تخللت ذلك ردة على الصحيح، أو إلى التابعي وهو من لقي الصحابي كذلك فالأول المرفوع والثاني الموقوف والثالث المقطوع ومن دون التابعي فيه مثله ويقال للأخيرين الأثر والمسند مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال\" الإسناد إذا كان منتهاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم هذا القسم الأول من أقسام الإسناد الإسناد ثلاثة أقسام إما أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإما إلى صحابي وإما إلى تابعي أو من دونه، فإن انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فالحديث مرفوع، وإن انتهى إلى صحابي فالحديث موقوف، وإن انتهى إلى التابعي فهو مقطوع، والقسم الأول و هو المرفوع يسمى خبرا، والقسمان الأخيران يسميان أثرا، فإذن هذا هو التقسيم الذي ذكره هنا، قال: \"ثم الإسناد إما أن ينتهي إلى النبي صلى الله عليه وسلم\" إما أن ينتهي إليه بأن تكون السلسلة متصلة منك أنت إلى النبي صلى الله عليه وسلم سواء حصل فيها سَقْط بالإرسال مثلا إذا كان من آخرها، أو بالتعليق إذا كان من أولها، أو بالإعضال إذا كان من وسطها باثنين فصاعدا، أو بالانقطاع إذا كان من وسطها بواحد أو أكثر على غير التوالي، فهذا كله يسمى المرفوع، \"أو إلى الصحابي\" إذا كان الإسناد منتهاه إلى الصحابي، وسواء كان المروي قولا أو فعلا أو تقريرا، المهم أن المنتهى هو إلى الصحابي فقط ولم يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهذا يسمى بالموقوف، لأنه وُقِفَ على الصحابي فلم يتجاوزه، وعرَّف هنا الصحابي، فالصحابي منسوب إلى الصحابة والصحابة هم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا على الوجه المتعارف وآمنوا به وماتوا على دينه ولو تخلل ذلك ردة على الصحيح، فإذن الصحابي من شرطه الرؤية وليس من شرطه الرواية، بخلاف التابعي فمن شرطه الرواية، الصحابي من شرطه الرؤية أن يكون رأى النبي صلى الله عليه وسلم والمقصود بالرؤية إمكانها، فمن كان ضريرا أعمى كابن أم مكتوم وكأبي أحمد بن جحش، وغيرهما من عميان الصحابة كانوا عميانا ولم يروا النبي صلى الله عليه وسلم بسبب العمى فذلك لا ينقض صحبتهم لأن المقصود بالرؤية إمكانها، لولا المانع وهو العمى لرأوه، وهذا يشمل الصغار والكبار، فمن كان صغيرا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ولكن رأى النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه النبي صلى الله عليه وسلم فيسمى صحابيا من أجل ذلك، فمن شرطها كما ذكرنا الرؤية، ومن شرطها المعاصرة، فإن كانت الرؤية على غير الوجه المألوف كالأنبياء الذين رآهم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج، فصلوا وراءه كعيسى بن مريم عليه السلام وسيأتي في آخر هذه الأمة، فعيسى لا يعد من الصحابة، وإن كان رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به وسيموت على دينه، لكن رؤيته له لم تكن على الوجه المتعارف في الدنيا إنما كان على وجه آخر، فالذين لم يروه لا يعدون من الصحابة، كذلك أن يموتوا على دينه، فمن آمن به ورآه وصحبه على الوجه المتعارف مؤمنا به ولكنه مات على الكفر نسأل الله السلامة والعافية كعُبَيد الله بن جحش، وهو ابن عمته، وقد آمن به بمكة وهاجر إلى الحبشة، ولكنه تنصر هنالك فمات على النصرانية، فهذا لا يعد من الصحابة، ومثل ذلك بعض الذين آمنوا بعده فماتوا على الكفر لا يعدون من التابعين، كجَبَلة بن الأيهم، فقد أسلم في أيام عمر بن الخطاب وصحب الصحابة وروى عنهم أي حَدَّث في فترة إسلامه عن عمر، ولكنه مع ذلك نعوذ بالله ارتد فتنصر في آخر أيامه، وكذلك آخر وقد حفظ القرآن كاملا، وكان يدرسه، ثم انتقل إلى النصارى فتنصر، فلقيه رجل من المسلمين فقال ما بقي معك من القرآن؟ قال: ما بقيت أحفظ منه إلا كلمة واحدة، قال ما هي، قال: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين، لم يبق معه من القرآن إلا هذه الآية وحدها حجة عليه، ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمينفهذا النوع لا يعدون من التابعين، إذن الصحابي من شرطه أن يموت على الإسلام، لكن لو تخلل ذلك ردة بأن أسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد بعد موته ثم رجع إلى الإسلام كحال عمرو بن معدي كرب، وطليحة الأسدي، والأشعث بن قيس، وأضراب هؤلاء الذين أسلموا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، والأعراب الذين أسلموا في حياته ولكنهم بقوا خارج المدينة، لقوا النبي صلى الله عليه وسلم ولما توفاه الله ارتدوا عن الإسلام وأرادوا منع الزكاة، واتبعوا بعض المتنبئين الذين زعموا النبوة كطليحة وسجاح ومسيلمة والأسود العنسي، فهؤلاء تنبؤوا بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم وزعموا النبوة لأنفسهم فقاتلهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتلوهم، فالذين اتبعوهم ثم رجعوا إلى الإسلام بعدُ تعود إليهم صحبتهم على الراجح، ولذلك قال: \"ولو تخللت ردة في الأصح\" أي ولو تخللت حياتهم ردة في الأصح أي في القول الأصح فتبقى لهم الصحبة، لأن الصحبة مزية، وهذه المزية تحصل بالرؤية، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: يغزو فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى محمدا فيقولون نعم فيفتح لهم، ثم يغزوا فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى من رأى محمدا؟ فيقولون نعم فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى من رأى من رأى محمدا فيقولون نعم فيفتح لهم، فهؤلاء هم القرون المزكاة من هذه الأمة الذين رأو النبي صلى الله عليه وسلم ثم الذين رأوهم ثم الذين رأوا أولئك، والتابعي من شرطه الرواية، الصحابي ليس من شرطه الرواية، لكن التابعي من شرطه أن يكون روى عن الصحابي، فمن شرط التابعي الإسلام كذلك والموت عليه وأن يكون صحب صحابيا، وأن يكون روى عنه، لكن لا يشترط روايته عن عدد من الصحابة، لو لم ير إلا صحابيا واحدا، أو لم يرو إلا عن صحابي واحد فيعتبر من التابعين، ولذلك يعد أبو حنيفة وهو النعمان بن ثابت بن زَوْطَا التيمي يعد من التابعين لأنه رأى أنس بن مالك يصلي فرآه في جلسة التشهد يحرك إصبعه، ولم يرو عنه غير هذا فيعد من التابعين، لم ير من الصحابة إلا أنس بن مالك، ولم يرو عنه إلا أنه رآه يصلي فرآه في التشهد يحرك إصبعه المسبحة، والرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسمان رفع حقيقي بالتصريح ورفع حكمي، أي أن يكون ما ذُكِرَ لا يمكن أن يؤخذ بالرأي بل ينسب نسبة عامة فيقدر بذلك نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم كقول عائشة كنا نؤمر مثلا، أو أمرنا بكذا، فعائشة رضي الله عنها أخبرت أنهن كن يحضن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيؤمرن بقضاء الصوم ولا يؤمرن بقضاء الصلاة، فمن سيأمرهن؟ من المعلوم أنهن لن يأمرهن بذلك إلا النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا النوع هو من المرفوع حكما وإن كانت هي لم تذكر اسم النبي صلى الله عليه وسلم فيه، لكنه مرفوع في الحكم، \"من قوله أو فعله أو تقريره\" وهذه هي أقسام السنة كما سبق، أو إلى الصحابي أي إلى صحابي أيا كان ذلك الصحابي وابن حجر جعل الصحابة أربعة أقسام القسم الأول كبار الصحابة الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ورووا عنه وهم الذين سماهم النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه الذين آمنوا قبل الفتح وجاهدوا، فهؤلاء هم الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وقد فضلهم الله في القرآن على من يأتي بعدهم فقال: { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} والقسم الثاني الذين كانوا رجالا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم كانوا رجالا في حياته لكنهم أسلموا بعد الفتح مثلا أو كانوا من مسلمة الفتح أو من المتأخرين، والقسم الثالث الذين كانوا صبيانا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ورأوه ورووا عنه، والقسم الرابع الذين كانوا صغارا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يدركوه وإن كانوا من المظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم رآهم أو دعا لهم، لأنه كان إذا ولد المولود في المدينة في حياته يحمل إليه لِيدعوَ له ويحنكَه، فهؤلاء حصلت لهم مزية وشرف الصحبة وإن كانوا لم يدركوا ولم يعقلوا شيئا، والقسم الذي فوق هؤلاء قد لا يدرك الإنسان منهم إلا أمرا يسيرا، كمجة مجها النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه من دَلْوٍ، أو رشة رشها عليه، فهذا النوع يسير جدا من الرواية لكن الصحابي لا يشترط له الرواية، والصحابة غير محصورين بالعدد، فعددهم كثير، ولذلك في حديث جابر في وصف الذين حجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم قال فنظرت بين يديه فإذا مد البصر، وعن يمينه مثل ذلك وعن شماله مثل ذلك ومن خلفه مثل ذلك، فهذا في حجته، فبين يديه مد البصر ومن ورائه مد البصر، ومن يمينه مد البصر، وعن شماله مد البصر، وهؤلاء لا يمكن أن يحصروا بعدد، وقد حج مع النبي صلى الله عليه وسلم عدد كثير جدا من الناس، وقد حزرهم الحافظ ابن حجر بمائة وعشرين ألفا، لكن من المستبعد جدا أن يكون هذا العدد حَاصِرا، لأن هذا العدد يمكن أن يكون فقط وفد اليمن مثلا، أو الذين خرجوا معه من المدينة، لكن لا يمكن أن يكون جميع من حج معه حجة الوداع محصورين في مائة وعشرين ألفا هذا غير متوقع، والذين رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم ولهم رواية عنه وعرفت أسماؤهم  حوالي ثمانية آلاف، ثمانية آلاف من الصحابة هم الرواة، ومن سواهم من الصحابة ليس لهم رواية، لكنهم حصل لهم مزية الصحبة وشرفها، والتابعون يشترط أن يرووا عن الصحابة، فمن لم يرو عن الصحابة لا يعد من التابعين ولو عاصر الصحابة وخالطهم، عرَّف الصحابي قال: \"وهو من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنا به، ومات على الإسلام ولو تخلل ذلك ردة في الأصح\" وهم درجات كما هو معروف أنهم تتفاوت درجتهم في الفضل ومقامهم كذلك في الصحبة، وتعرف الصحبة بالتواتر والاستفاضة، أن يكون شخص مثلا مشهورا بصحبته للنبي صلى الله عليه وسلم معروفا متواترا مثلا، فكلكم الآن يشهد أن ابن مسعود من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأن بلالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لأن هذا بالتواتر، لا يمكن أن يشك فيه مسلم، أو أن يكون بالوحي أصلا كصحبة أبي بكر الصديق ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فصحبته بالوحي، ومن أنكرها كفر، أو أن يكون ذلك برواية من عرفت صحبته، فإذا حدث أبو هريرة مثلا أبو هريرة صحبته متواترة إذا حدث عن شخص أنه جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فتثبت لذلك الشخص الثاني الصحبة، لحديث أبي هريرة عنه، أن أبا هريرة ذكره، ذكر رؤيته للنبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك بإخباره هو عن نفسه إن لم يتهم، إذا قال غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم أو خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وكان غير متهم فيعرف بذلك صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم لأنهم لم يكونوا يكذبون عليه صلى الله عليه وسلم ولم يكونوا يعرفون ما الكذب حتى ركب الناس الصعب والذلول فيما بعدهم، أو إلى التابعي معناه إذا كان الإسناد ينتهي إلى تابعيٍ، والتابعي منسوب إلى التابع والمقصود به من كان من أتباع الصحابة أي من الذين رووا عنهم وصحبوهم، وهو من \"لقي الصحابي كذلك\" لا يكفي هذا بل أن يكون قد روى عنه أيضا، \"فالأول\" وهو ما انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو المرفوع، \"والثاني\" و هو ما انتهى إلى الصحابي هو \"الموقوف\" \"والثالث\" هو ما انتهى إلى التابعي هو \"المقطوع، ومن دون التابعي فيه مثله\" فالتابعي لا يقصد به طبقة واحدة، بل كل من دون الصحابة يسمى تابعيا في هذا المقام، فإذا كان الإسناد ينتهي إلى مالك بن أنس فهذا يسمى مقطوعا، ومالك ليس من التابعين إنما هو من أتباع التابعين، ويقال للأخيرين وهما الموقوف والمقطوع الأثر، وقد سبق معنى الأثر في اللغة والاصطلاح، \"ويقال للأول الخبر\" المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم الذي منتهاه إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقال له الخبر وقد سبق ذلك، \"والمسند مرفوع صحابي بسند ظاهره الاتصال\" و المُسْنَدُ هو مُفْعَلٍ بصيغة اسم المفعول من الإسناد والإسناد النسبة، فأسند الشيء إلى الشيء إذا أضافه إليه ونسبه، ومنه إسناد الرَّحْلِ، فالسند هو ما يكون وراء الرحل يمنعه من السقوط، وقد قال عنترة:

أبقى لها طول السفار مُقَرْمَداً

 

سَنَداً ومثل دعائم المتخيم

أبقى لها أيْ لِلناقة طول السفار أي طول السفر عليها، أبقى لها طول السفار مقرمدا سندا أي أبقى من سنامها قدرَ ما يسند الرحل، ومثلَ دعائم المتخيم أرجلها، فهي بمثابة دعائم المتخيم وهو المتخذ الخيمة، والخيمة هي البيت الذي من الشجر، الخيمة مختصة بالشجر، فالمسند إذاً هو مرفوع صحابي أسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسند ظاهره الاتصال ولو حصل فيه انقطاع خفي فذلك لا يمنعه أن يسمى مسندا، وبهذا نقف إن شاء الله تعالى وننتهي من تقسيم الحديث باعتبار صفة الناقلين، تقريبا لم يبق لنا منه إلا ما يتعلق بطرق التلقي والأداء وستأتينا إن شاء الله.

 


عدد مرات القراءة : 5594



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22883579
المتواجدون الأن       18
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو