» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
سلسلة العلوم الشرعية الشريط الرابع




بسم الله الرحمن الرحيم

السؤال 1 : الاستشكال الذي يحصل عندما يحفظ الإنسان الشاطبية والدرة في الالتباس بالألف والباء والجيم والدال ونحو ذلك من الرموز المشتركة كيف يتخلص منه الإنسان ؟

الجواب : إنما يتخلص منه بإتقان حفظ القصيدتين ، أن يحفظ كل واحدة منهما حفظا محكما بحيث لا تلتبس عليه بالأخرى ، لأن الالتباس إنما يقع عند عدم إتقان الحفظ ، إذا حفظت هذه وحفظت هذه وكان حفظك غير محكم تتداخل عليك وتلتبس ، ولذلك كثير من الذين يحفظون الشاطبية والدرة اليوم إذا امتحنت أحدهم بالمفاجأة فسألته عن بيت هل هو من الشاطبية أو من الدرة التبس عليهم الأمر ، وهذا الذي يقتضي الوقوع في خطئ مثل هذا ، ويمكن التخلص من ذلك ـ أيضا ـ بإتقان القراءة نفسها فمن كان متقنا للسبع أو لإحداها عرف ما كان من الدرة مما كان من الشاطبية ، لأن ما كان من الدرة ليس فيه ذكر للسبع ـ أصلا ـ وبالأخص أن القراءات الثلاث  تابعة ، يمكن أن نتجوز فنقول ما يقوله أهل العلوم الطبيعية ، يسمون النبات سلالات معينة يقصدون مجموعات متشابهة ، فكذلك القراءات، وقد سبق أن \"خلفا\" وهو أحد القراء العشرة راو كذلك في القراءا  خالفا وهو أحد القراء السبعة راو كذلك  الدرة ليس فيه ذكر للسبع أصلا وبالأخص أن القراءات الثلاث يقتضي الوقوع في حطأ مت السبع.

السؤال 2: هل التقسيم الذي سلكه بعض المعاصرين في التفسير بحيث يبدأ بالمفردات ، ثم بالإعراب ، ثم بالكلام على أسباب النزول ، ثم الناسخ والمنسوخ ، ثم بالأحكام ، ثم النكات البلاغية ، هل هذا التقسيم مناسب أو غيره أحسن منه ؟

الجواب : أن لكل إنسان أسلوبه الخاص فيما يتعلق بالترتيب ، وقد ذكرنا من قبل أن الأحسن أن يسير الإنسان على منهج واحد سواء اختار أي ترتيب معين، ينبغي إذا اختار ترتيبا أن يسلكه ويستمر عليه ليكون ذلك منضبطا ، وبالنسبة للقرآن لا يمكن أن يطبق عليه منهج واحد في كل آياته ، لأن كثيرا من الآيات تجد فيها تبويبا غير موجود لديك في الآيات السابقة ، مثلا بعض الآيات لا يكون فيها مفردات غريبة أصلا ، وبعض الآيات فيها اختلاف للقراء واضح فتدرج فيها القراءات ، وبعض الآيات لها أسباب نزول مروية

 

 

وبعضها ليس لها أسباب نزول أصلا ، بعض الآيات كذلك تتكلم عن ما يتصل بواقعنا نحن، وأنت تبحث فيها وتستنبط لعل الله يكتب لك ويفتح لك بما يختصك به بأن تكون من السابقين إلى فهم بعض ما أرجئ من كتابه لأهل هذا العصر ، وبعض الآيات ليست كذلك لا تتعلق بأحكام ونحو هذا وهكذا ، فإذن لا يمكن أن يسير الإنسان على ترتيب مثل هذا في كل القرآن ، بل ربما كان هذا أغلبيا فقط .

السؤال 3: ما حكم الجمع بين القراءات بما فيها القراءات الشاذة؟

الجواب: أن القراءات الشاذة لا توجد في التسجيلات ولا في الإذاعات ولا يعتني أحد بقراءتها ولا تجوز قراءة القرآن بها تعبدا لذاتها إنما تجوز القراءة بها في التعليم ونحو ذلك ، أما القراءات المتواترة فهي التي حصلت لها تسجيلات وإن كانت يسيرة وما طبع منها في المصاحف إلا أربعة مصاحف إلى الآن ، طبعت رواية حفص عن عاصم ، وهذه انتشرت وكثرت مصاحفها وطبعت كذلك رواية ورش عن نافع وانتشرت وكثرت مصاحفها ، وطبعت رواية قالون عن نافع طبعتين فقط ، الطبعة التونسية والطبعة الليبية ، وطبعت كذلك رواية حفص الدوري عن أبي عمرو ابن العلاء طبعة واحدة هي الطبعة السودانية ، فهذه أربع مصاحف فقط هي الموجودة اليوم في العلم كله أما المصاحف الأخرى فهي خطية وقد جاءت محاولتان الآن في السوق لاستيعاب القراءات في مصحفين، ويبدو أن الأخير منهما الذي طلع هذه السنة أدق من سابقه ، لأن السابق كان يتكل في القواعد على ما سبق من المقدمات ، وإنما يذكر الفرش فتجده يذكر في الأسفل الإمالات وزوائد الياءات  ياءات الإضافة نحو هذا فقط ولا يتعرض لغير ذلك من الأمور التي تتعلق بالتسهيل وترقيق الراءات وميم الجمع ونحو هذا ، والجديد أظنه أدق من سابقه وما ختمته إلى الآن ، لكن أظن أنه يمكن أن يكون أدق من سابقه فقد قرأت بعض الأمور التي فيه فيها إتقان ، فالأول طبع بالقراءات العشر المتواترة باسم \"القراءات العشر المتواتر\" والثاني ما أذكر اسمه لأنه جديد طبع هذه السنة ، لكن عموما أظن أن صاحبه أكثر دقة ويمكن أن يكون استفاد من تجربة السابق ، وهذا كما ذكرنا مفضول لأن الأفضل الفرق ، أن تطبع المصاحف مفرقة كل رواية تطبع وحدها هذا الأولى والأجدى ، أما الجمع بين القراءات فإن كان ذلك في كلمة واحدة لم يجز كأن يقول الإنسان : (والآخرة خير وأبقى) ف \" الآخرة \" جمع فيها الإنسان بين نقل الهمزة وبين تفخيم الراء ، ولا أحد يجمع بين هاذين في كلمة واحدة ، لا أحد من القراء يجمع بين هذين ، فالذي ينقل الهمزة هو ورش ، وورش يرقق الراء(والآخرة خير وأبقى) فالذي يقرأ (والآخرة) هذا ـ قطعا ـ فعل محرما لأنه جمع بين وجهين في كلمة واحدة لم يجمع بينهما قارئ فيها ، أما الجمع بين القراءتين في الآية الواحدة فهو مكروه كراهة شديدة لأنه يوقع في الإلباس وربما أدى إلى اختلاف المعنى ، أما الجمع بين القراءتين في الآيات المختلفة ، أن يقرأ هذه بقراءة وهذه بأخرى ، فهذا لا حرج فيه ، لكنه في مقام التعليم لا ينبغي لأنه يشوش أذهان الطلبة ، فلذلك يقال خلاف الأولى فقط ، ويلجأ إليه المعلمون في القراءات عندما يسمى بوقف الاختبار ، لأنه من علوم القرءان علم الوقف والابتداء ، وهذا علم مهم يهمله الناس اليوم مع الحاجة الشديدة إليه ، فقد سمعت قارئا قرأ في سورة الأعلى في الصلاة فقرأ قول الله تعالى : (بل تؤثرون الحياة الدنيا) قال : (بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة) ثم استأنف فقال : (خير وأبقى) فيفسد المعنى تماما بوقفه وابتدائه ، ونظير هذا كثير ، لكن قليل من ينتبه له لأن كثيرا من أوجه الوقف لا يتقنها إلا من كان ماهرا بالقرآن يعرف ما يؤدي إلى الاختيارات في الوقف والابتداء ، ولا تكاد تصلي مع إمام إلا أخطأ فيما يتعلق بالوقف والابتداء ، والأسلم في ذلك والأحوط هو من يلتزم فواصل الآيات ، هذا أحسن شيء لأنه أولا  يعينه على عد الآيات وضبطها ، وعدم تجاوز أي شيء منها كما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعل ،وأيضا فيه مهارة جديدة لأنه يقتضي من الإنسان أن يطيل نفسه حتى يتم الآية ، والآية إعجاز من إعجاز القرآن ، والله سبحانه وتعالى جعل وحدة القرآن آية ، فالمحافظة على وحدات القرآن مهم جدا ، إذا لم يستطع الإنسان ذلك على الأقل لا بد أن يتقن مبادئ الوقف والابتداء ، ولذلك فالوقف عند القراء ينقسم إلى أربعة أقسام : إلى وقف تام ، ووقف كاف ، ووقف حسن ، ووقف قبيح ، هذه أربعة أقسام لا بد من التمييز بينها فالوقف التام هو الذي يقع عند تمام المعنى ، بحيث تنتهي التعلقات تتم العمدة وتتم الفضلة وتتم متعلقات الفعل ، ولا يبقى منصوب ولا مجرور متعلقا بما سبق ، فيتم المعنى كاملا ، فهذا يسمى الوقف التام، الوقف الثاني : هو الوقف الكافي ، وهو الوقف المعتبر شرعا حتى لو لم يتم المعنى ، وهو الوقف عند رؤوس الآي ، حتى لو تعلق بالآية مما بعدها مجرور أو نحو ذلك كقول الله تعالى ـ في سورة البقرة ـ : (..لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة) فلو وقفت على قوله \"لعلكم تتفكرون\" فلا حرج لأن الوقف هنا كاف ، لأنه عند رأس الآية ، لكن في الابتداء لا بد أن ترجع لما قبله ، ولا تبتدئ بقوله \"في الدنيا والآخرة\" كما يفعله بعض الناس، فكثيرا ما نصلي خلف الأئمة في بعض البلدان فيفتتحون بمثل هذا النوع من الابتداءات ، أحدهم من العجيب أنه لا يهتدي إلا إلى ما كان في وسط الكلام فيفتتح قراءته دائما من وسط الكلام افتتح قراءته في سورة الرحمن بعد الفاتحة  قال: \"آمين ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان\"، وعدة مرات هكذا يفتتح دائما القراءة من موضع عجيب ، ولا تدري كيف اهتدى إلى هذا، فمن كان يفهم لا يستطيع أصلا أن يفتتح من هذا المكان، حفظه لا يساعده على ذلك، كذلك الوقف الحسن: وهو أن يكمل الإنسان الجملة فيأتي بما يحسن السكوت عليه ـ على الأقل ـ تكمل العمدة ويبقى بعض الفضلات وما يتعلق بالفعل من منصوباته ونحو ذلك قد يقف الإنسان دونه، لكن عمدة الكلام قد انتهت، الوقف الرابع هو الوقف القبيح: وهو الوقف  بين المبتدأ والخبر أو المضاف والمضاف إليه أو بين الفاعل والفعل ، أو نحو ذلك بينما تعلقه عضوي داخل الجملة ، وهذا الوقف يجب فيه الرجوع ، ولا يحل تعمده إلا عند انقطاع النفس ، ولذلك سمعت قارئا يقرأ : \"وقال\" ، ثم قال \"الله\" (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين) فقال : و\"قال\"  \"الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد\" وهذا لا يحل قطعا ، وفيه إفساد للمعنى وتقطيع له ، فهؤلاء جعلوا القرآن عضين كما فعل المستهزئون من قبلهم ، ولهذا لا بد من إتقان الابتداء مثل ما تتقن الوقف، وحد الرجوع في الوقف القبيح محل خلاف، فقالت طائفة من أهل العلم يكفيه أن يرجع إلى كلمة واحدة، لأن الربط يحصل بها كأنه ما وقف، وقالت طائفة بل لا بد أن يرجع لبداية كلامه، لأن هذا ابتداء والابتداء لا بد منه، وهذا الخلاف هو الذي أشار إليه السيوطي ـ رحمه الله ـ بقوله:

           *ويقف المضطر في القبيح  ** والبدء من قبل على الصحيح*

أي أن الصحيح أنه يبدأ من بداية مقطع ولا يبدأ بكلمة فقط، إذا رجع في الوقف القبيح يرجع مما يمكن الابتداء به سواء ابتدأ بفعل أو مبتدأ لكن المهم أن يبدأ بجملة.

كذلك مما يتعلق بكتاب الله علم التناسب وقد ألف فيه كثير من الكتب المهمة ومن أعظمها كتاب نظم الدرر في تناسب الآيات السور للإمام البقاعي وهو كتاب ضخم كبير، وكذلك كتاب السيوطي في تناسب السور، والكتابان مطبوعان.

كذلك من علوم القرآن ما يتعلق بالمعنى وهو كثير جدا منه ما يتعلق بالإعجاز البلاغي فيه، وبلاغة القرآن اعتنى بها عدد من المفسرين قد سبقت الإشارة إلى ذلك كالزمخشري ومحمد الطاهر بن عاشور ومن المتأخرين الصابوني، فهؤلاء الذين اعتنوا بأوجه البلاغة ، وكذلك هذا الذي ألف كتاب الجدول في إعراب القرآن وبيانه ما يتعلق بالبيان ، وكذلك أحد المشايخ الموريتانيين فقد ألف كتابا سماه البيان والتعريف بما في القرآن من أحكام التصريف ، هذا في التصريف فقط ليس في البلاغة ، البيان والتعريف بما في القرآن من أحكام التصريف ، وهو مطبوع في مجلدين.

كذلك من هذه العلوم المتعلقة بالمعاني في القرآن ما يتعلق بأسرار التكرار لأنه يقع التكرار في القرآن سواء في القصص أو في الأخبار أو غير ذلك ، وهذا التكرار قطعا له سر بلاغي أو سر حكمي ، فاستنباط ذلك من المهمات ، فقد يكون هذا على وجه الإلغاز مثل ما جاء في قول الله تعالى : (فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه) فهنا ما السر في التكرار ؟ لأن الأسلوب المناسب في الأصل أن يقول \"فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها منه\" أو \"من وعائه\" وهكذا ، وهذا حصل فيه إلغاز ألغز فيه أحد العلماء الشناقطة بقصيدة يقول فيها :

            *سؤال غريب دون شنقيط أرضه   **  من البعد تيه  يتصلن بتيه*

            *إذا  شبه  الهادي بها وجه مرشد   **  تشابه في عينيه وجه متيه*

وأرسلها إلى المغاربة فلم يجيبوه، لم يهتدوا إلى جوابه، فأجابه أحد العلماء الشناقطة بقصيدة على نفس الروي يقول فيها :

            *سؤال قد أعيا أهل فاس وغيرهم ** فكنا بحمد الله مفتتحيه*

وهذه يقول فيها إن السر العجيب فيها أنه لو قال : \" فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها منه \" لكان هذا مما تأنف عنه الأنفس لأنه كأنه استخرجها من أخيه ، ولو قال \" ثم استخرجها من وعائه\" لأوهم هذا أنه استخرجها من وعاء نفسه، من وعاء يوسف وليس ذلك مقصودا فلا يمكن أن نتخلص من هذا إلا بالتصريح بالاسم الظاهر، وقد ألف الكرماني في أسرار التكرار كتابا مطبوعا وهو أسرار التكرار في القرآن ، وألف غيره كذلك ، لكن كتاب الكرماني تناول كثيرا من الآيات التي فيها هذا النوع من التكرار مع أن هذه الآية لم يعلق عليها.

كذلك من علوم القرآن ما يتعلق بنزوله ـ تاريخ نزوله ـ كنزوله منجما وكالتفريق بين مكيه ومدنيه ، فالمدني عشرون سورة والمكي اثنتان وثمانون سورة ، واثنتا عشرة سورة مختلف فيها ، هل هي مكية أو مدنية أو مما تكرر نزوله ، فالمدني عشرون سورة هي البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنفال والتوبة والنور والأحزاب وسورة محمد والفتح ـ وإن كانت لم تنزل بالمدينة ـ إلا أنها نزلت بعد الهجرة ، وهذا ضابط المدني ، والحجرات والحديد والمجادلة والحشر والممتحنة والجمعة والمنافقون والتغابن والتحريم والنصر فهذه عشرون متفق على أنها مدنية ، واختلف في اثنتي عشرة سورة منها الفاتحة والمجموعة التي معها هل هي مدنية أو مكية أو مما تكرر نزوله ، ومنها المعوذتان كذلك ، وأما اثنتان وثمانون سورة فمتفق على أنها مكية ، قد كنت نظمت هذا في الصغر وما أحفظه لكن فيه :

*المدني من كتاب الله ** عشرون سورة بلا اشتباه *

*أولها بقرة فالآل** ثم النسا المائدة الأنفال*

*فتوبة فالنور فالأحزاب **محمد فالفتح لا كذاب*

*فالحجرات فالحديد فالجدال ** فتح امتحان جمعة نفاق تال*

 

*والباق مكي وذا ثنتان ** مع الثمانين بلا بهتان*

فمعرفة هذا مما يعين الإنسان على تفهم القرآن والتدبر فيه والتفريق بين الأساليب المتنوعة فيه ، والكتب التي تجمع علوم القرآن المتنوعة من أعظمها كتاب الزركشي المسمى بالبرهان في علوم القرآن وكتاب السيوطي المسمى بالإتقان في علوم القرآن ـ كذلك ـ ومن كتب المعاصرين في هذا الباب كتاب الزرقاني المسمى مناهل العرفان وهو جيد لخصه من كتاب السيوطي ـ تقريبا ـ وأضاف إليه بعض ما يتعلق بترجمة القرآن وغير ذلك من الأبحاث النافعة.

ثم من الكتب المتعلقة بعلوم القرآن للمحدثين ـ كذلك ـ كتاب الشيخ مناع القطان ـ رحمة الله عليه ـ واسمه مباحث في علوم القرآن ، وكذلك كتاب صبحي صالح ـ رحمة الله عليه ـ المسمى أيضا مباحث في علوم القرآن ، والذي يريد تدريس علوم القرآن الأفضل له أن يتقيد بكتاب محدد من هذه الكتب ، وألا يتجاوز ذلك لأنه بتجاوزه سيضطر للتداخل بين علم علوم القرآن وعلم التفسير ، سيقع في التداخل ، وبالأخص الموضوعات المدروسة في الجانبين مثل الحروف السبعة وما يعتلق بها ، هذا في مقدمات التفسير يدرسه المفسرون كابن جرير الطبري الذي أتى به في المقدمة والقرطبي الذي أتى به في المقدمة وابن جزي الذي أتى به في المقدمة ، ويدرسه أهل علوم القرآن ـ كذلك ـ ومثل هذا ما يتعلق بأسباب النزول فهو من المباحث المشتركة بين علوم القرآن وعلم التفسير ، ومثل ذلك ما يتعلق بشروط المفسر ، وصفاته فإن هذا مما يدرسه أهل علم التفسير في المقدمات ويدرسه أهل علوم القرآن ـ كذلك ـ ويعقدون له بابا مستقلا ، أما ما يتعلق  بظاهرة الوحي فإنه مما يشترك فيه علم علوم القرآن مع علوم الحديث ، لأن ظاهرة الوحي يشرحها أهل الحديث ، ويعقدون لها الأبواب ، والبخاري ـ رحمه الله ـ بدأ صحيحه بباب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقول الله تعالى : (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح) وأورد فيه الأحاديث المتعلقة ببدء الوحي ، فهذا مما يدرسه أهل علوم القرآن كذلك لأن الوحي جاء على أوجه متعددة أوصلها بعضهم إلى اثني عشر وجها بجمع النصوص الواردة فيه ، ومعظمها ترجع إلى ثلاث هي المذكورة في قول الله تعالى : (وما كان لبشر أن يكلمه إلا وحيا) أي في رؤيا النوم (أو من وراء حجاب) بالكلام مثل ما حصل لموسى وللنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  (أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) هذا هو الأكثر تنزيل الرسالة عن طريق الملائكة ، فأكثر الوحي راجع إلى هذه الثلاثة ، لكن هذه لها أنواع متعددة مثل الحديث الذي هو ثاني حديث في الصحيح يقول فيه البخاري : \"حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن هشام بن عروة عن عائشة زوج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ قال : أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال ، وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي عنه ما يقول ، قالت عائشة ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا\" فهذا ذكر نوعين من أنواع نزول الوحي ولا شك أن كل واحد منهما له صور لأن الرجل الذي يأتيه يأتي تارة في صورة دحية الكلبي وتارة يأتي في صورة رجل مجهول ، شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد ، وكذلك يأتي مثل صلصلة الجرس، تارة يأتي بشدة هائلة مثل ما حدث زيد بن ثابت أنه كان جالسا إلى جنب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأسند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ركبته إلى فخذه فنزل عليه الوحي فارفضت فخذي ، كادت فخذه تتكسر من شدة ما غشيه من هول الوحي ، وهذا النوع كان إذا نزل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو راكب راحلته لا يقوى له شيء أي دابة يركبها تمس الأرض إلا القصوى وحدها فكان إذا نزل عليها هذا النوع من الوحي ضربت بأخفافها الأرض ووقفت حتى ينقطع ، لا تتحرك حتى ينقطع ، ومنه ما دون هذا، ولهذا يتفاوت الناس فكان عمر إذا كان بمجلس النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنزل عليه هذا النوع من الوحي يسمع مثل أزيز النحل ، النبي صلى الله ـ عليه وسلم ـ يسمع مثل صلصلة الجرس الشديد مثل السلسة الضخمة من الحديد التي تجر في الجبل الصلب ، صوت شديد جدا وعمر يسمعه مثل أزيز النحل فقط ، كل وقدرته بحسب ذلك ، فمن دون عمر لا يسمع شيئا أصلا.

 فإذن على الباحث أو المدرس الذي يريد تدريس هذا العلم الذي هو علوم القرآن أن يعلم أنه ملفق من عدة علوم وأنه الأفضل له أن يرتبط بكتاب محدد يدرسه وألا يجعله كما سبق  في تدريس التفسير لا يرتبط فيه الإنسان بكتاب معين ، في إحدى الطريقتين اللتين ذكرنا ، وإذا ارتبط بالكتاب فليس معنى ذلك أن يتابع الكتاب في كل ما فيه بل عليه أن يضيف ويزيد وأن يوضح ويبين وأن يحاول كذلك تلخيص ما تشعب ، ونظم ما انتثر ، والتمثيل لما أغفل ، والاعتراض على ما يمكن الاعتراض عليه ، والإجابة عن الاعتراضات ، فهذا من أوجه التفهيم المهمة جدا في كل العلوم، وبهذا نكمل ما نريد بيانه عن علوم القرآن .

السؤال 4 : هل  لكل سورة معنى عام تدور حوله ؟

الجواب : هذا السؤال من أسئلة التفسير ، وليس من أسئلة القراءات ولا من علوم القرآن ، ونحن الليلة في القراءات وعلوم القرآن وقد سبق أن بينا أن الذين يشتغلون بالتفسير الموضوعي استطاعوا أن يستنبطوا محور كل سورة أو يجعلوا لها محورا ، وليس معناه أنها لا تتناول سوى ذلك المحور للتداخل الواضح في الأساليب وهو معجز ، لكن المهم أن تلك السورة تنزل بشيء معين لأمر معين ، فيغلب عليها ذلك فيكون محور السورة ولهذا فالمقدمات التي وضعها سيد قطب ـ رحمه الله ـ في كتابه \"في ظلال القرآن\" تبين المحور الأساسي لكل سورة من السور ، وعلى هذا يقوم التفسير الموضوعي كله.

السؤال 5 : ما حكم الوقف الكافي؟

الجواب : بالنسبة للوقف الكافي لا إشكال فيه لأنه من السنة وكان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يفعله لكن المشكلة هل الابتداء الذي بعده هل هو دائما برأس الآية أو بالرجوع ؟ فالوقف على \"لعلكم تتفكرون\" لا إشكال فيه قطعا لكن هل يجوز الابتداء بقوله \"في الدنيا والآخرة\" أو لا يجوز ذلك إلا بالرجوع هذا محل خلاف والأفضل أن يرجع الإنسان ، وألا يبتدئ بذلك ، فالوقف لا إشكال فيه لكن الإشكال في الابتداء.

السؤال 6 : ما حكم الاستعاذة والبسملة؟

الجواب : بالنسبة لما يتعلق بالاستعاذة والبسملة ، أو بوصلهما بما بعدهما أو الوقف  أو السكوت هذا مما يدرسه أهل القراءات ويبدءون به ، فإن الافتتاح في بداية السور لا خلاف في أنه يكون بالبسملة ما عدا سورة براءة، والافتتاح بالأجزاء، معناه بما دون السور لا خلاف كذلك في أنه يفتتح فيها بالتعوذ ، والتعوذ مختلف في هيئته هل هو على ما ورد في سورة الأعراف \"فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم\" على هذا اللفظ \"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم \" أو يزاد على ذلك التعوذ من جهنم ومن الشيطان الرجيم ، ٍأو يزاد الثناء ٍفيقال أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم ، ٍ فكل ذلك لا حرج فيه وقد حقق فيه المهدوي أن هذه الزيادات مطلوبة كلها ، وقد وردت فيها أحاديث لا يصح شيء منها ، أما وصل ذلك بما بعده فوصل البسملة إن كان الإنسان يقرأ بين سورتين فلا يجوز وصلها بآخر السورة السابقة والافتتاح بأول الثانية قطعا لا يجوز ان يقول : \"لكم دينكم ولي دين بسم الله الرحمن الرجيم\" ويقف ، ثم يقول : \"إذا جاء نصر الله\" لأن البسملة بداية سورة قطعا ، ولذلك ما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم نهاية السورة حتى ينزل عليه جبريل ببسم الله الرحمن الرحيم ، فلا يجوز وصلها بأواخر السور ، ولك فيها وجهان جائزان : إما أن تقف قبل البسملة وبعدها ، وإما أن تقف قبلها فقط وتصلها بما بعدها ، لا حرج في هذا إلا في أربع سور هي محل خلاف ، هي سورتان مفتتحتان ب\"ويل\" وسورتان مفتتحتان ب\"لا\" ٍ، ف\"لا أقسم بيوم القيامة\" و\"لا أقسم بهذا البلد\" ٍو\"ويل للمطففين\" و\"ويل لكل همزة لمزة\" هذه السور الأربع اختلف العلماء في حكم وصلها بالبسملة ، فذهب بعضهم إلى كراهة ذلك للجمع بين النفي والإثبات واسم الله والويل حينئذ فاستحبوا السكوت أو الوقف بين البسملة وبين بداية السورة حينئذ ، أما التعوذ فإن افتتح الإنسان بما فيه ضمير غائب فإن الأفضل أن يقف أيضا وألا يصل، مثل ما ٍلو افتتح فقال : \"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\" ثم قال إليه يرد علم الساعة ، أو إليه يصعد الكلم الطيب أو نحو ذلك مما فيه ضمير غائب لأنه يوهم أن الشيطان هو الذي إليه يصعد الكلم الطيب ، أو هو الذي إليه يرد علم الساعة وليس ذلك صحيحا ، بل ينبغي أن يقف الإنسان، أن يقول \"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم\" ويقف ، ثم يبتدئ فيقول : \" إليه يرد علم الساعة \" أو \" إليه يصعد الكلم الطيب \" أو نحو ذلك ، ٍوإذا وقف انقطع هذا الإيهام قطعا ، لذلك قال ابن بري في كتابه الدرر اللوامع :

            *وبعضهم بسمل عن ضرورة ** في الأربع المعلومة المشهورة*

            *للفصل  بين  النفي  والإثبات **  ٍوالصبر واسم الله   والويلات*

 

السؤال 6 : هل أسماء السور توقيفية؟

الجواب : بالنسبة لأسماء السور هي توقيفية على الراجح ، لكن مع ذلك فقد كره ابن عمر بعض التسميات التي اشتهرت في زمانه ، كره أن يقال سورة البقرة أو سورة بني إسرائيل ، فكان يقول السورة التي تذكر فيها البقرة والسورة التي يذكر فيها بنوا إسرائيل وذلك تحرجا من أن ينسب بعض القرآن إلى البقرة أو إلى بني إسرائيل ونحو هذا ، وهذا تورع منه ـ رضي الله عنه ـ لكن هذه الأسماء ثابتة لهذه السور ، فسورة بني إسرائيل هي سورة الإسراء ، وسورة البقرة هي سورة البقرة المعروفة ، وأسماء السور يدرسها كذلك أهل التفسير ويعتنون بها ، ومن أشهر من اعتنى بها محمد بن يعقوب الفيروزبادي في كتابه بصائر التمييز في كتاب الله العزيز فقد اعتنى بأسماء السور وهذبها ، وكذلك يعتني بها أبو حيان في البحر وابن عطية في  المحرر الوجيز والقرطبي ـ كذلك ـ في تفسيره.

السؤال 7 : أيهما أفضل الاشتغال بعلم القراءات أو علم التفسير؟

الجواب : بالنسبة للمقارنة بين الاشتغال بعلم القراءات وعلم التفسير ، لا شك أنه من ناحية الفائدة في التفهم والتطبيق أن علم التفسير أولى وأشرف ، ولذلك فإن كثيرا من أهل  العلم يقول هو أشرف العلوم على الإطلاق ، لأنه يتعلق بفهم كتاب الله تعالى ، ويتناول غيره من العلوم كلها ، فالعلوم كلها مندرجة فيه ، فيدخل فيه التوحيد ، ويدخل فيه الحديث ، ويدخل فيه الأحكام ، ويدخل فيه التعبدات كلها ، كل شيء في هذا العلم والقصص والمواعظ والعبر والأخلاق والآداب كلها داخلة في علم التفسير ، أما الاشتغال بعلم القراءات فهو من مساعدات التفسير، لا ينبغي للإنسان أن يقتصر على القراءات وينشغل بها عن غيرها من العلوم ، بل هذا علم مساعد للمفسر ومعين له ومن لم يكن متقنا له يصعب عليه في الواقع إتقان التفسير ، بل الذي يقرأ دائما بقراءة واحدة قد أثمه بعض أهل العلم إذا كان قادرا على أن يتعلم غيرها فإن الله تعالى يقول : ( فاقرءوا ما تيسر منه) وقد تيسر له أن يقرأ غيرها في الغالب، ولذلك قال السيوطي :

 \"ما تيسر منه: القراءات العشر برواياتها العشرين\"، متيسرة في زمانه.

 

السؤال 8 : هل ترتيب السور توقيفي أم لا؟

الجواب : بالنسبة لترتيب السور توقيفي في العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد عرضه بهذا الترتيب الذي لدينا ، ولذلك ثبت عن أبي وزيد بن ثابت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمرهما أن يؤخرا سورة كذا ويضعانها في مكان كذا فهذا يدل على هذا الترتيب ، وأما ما أخرجه أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف من أن ابن عباس قال لعثمان : ما بالكم أخذتم سورة الأنفال فجعلتموها في المئين فاعتذر إليه عثمان بما يدل على أن ذلك اجتهاد منه فهذا لا ينافي ما ذكر بل هو إنما يحمل على أن ابن عباس لم يبلغه الترتيب فيما يتعلق بسورة الأنفال فقط ، وبلغه فيما سواها ، لأن الترتيب جاء على أطوار ، ففي الترتيب الأول كانت سورة النساء قبل سورة آل عمران ، ثم جعلت سورة آل عمران مما يلي سورة البقرة قبل النساء ، وذلك في حديث حذيفة وابن مسعود ، ومن هنا فأنبه إلى أن كتاب المصاحف المطبوع اليوم ، قد طبع بعناية مستشرق ، وقد دس فيه كثيرا وحرف فيه كثيرا من النصوص ، وقد وقفت على مخطوطة فيه فوجدت فيها الكثير من التحريف الواضح ويحققها أحد الإخوة من أهل المدينة في جامعة اسكوتلاند في أدنبرا، يحقق الكتاب وقد أجبروه على ألا يسب هذا المستشرق الذي حرف الكتاب ، ويشرف عليه مستشرق تلميذ لذلك ومتأثر به، فيقول هذا لا تمكن مخالفته، ومخالفته خطأ علمي تحسم عليه درجة.

 

السؤال 9 : ما حكم مخالفة ترتيب السور في الصلاة؟

الجواب : بالنسبة لمخالفة الترتيب في الصلاة مختلف فيها، فقيل تكره لأن الله اختار له هذا الترتيب ، وتعمد مخالفته مكروه ، وقيل لا يكره التنكيس ، ومثل ذلك ما يتعلق بالتكرير فإن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كرر سورة الزلزلة في الصلاة قرأ بها في الركعتين معا ، فقيل كان متعمدا وقيل إنما فعل ذلك من باب السهو ، ولذلك اختلف في التكرير والراجح كراهته في غير سورة الزلزلة إذا فعلها الإنسان تسننا مرة فلا حرج ، لكن يكره في غيرها ، وهذا ما أشار إليه أحد العلماء بقوله :

            *لا يكره التنكيس في الشهير ** وشهروا كراهة التكرير*

بيت واحد جمع المسألتين.

 

السؤال 10 : ما هي مراتب التجويد؟

الجواب : بالنسبة للسؤال عن ما يتعلق بالتجويد قد أشرنا من قبل إلى مراتبه فذكرنا أنه ليس منزلة واحدة من ناحية الحكم الشرعي ، فمنه ما يجب وهو ما يستقيم به الكلام ويفهم به ، فهذا واجب لا خلاف  فيه ، وخلافه لحن واللحن في القرآن محرم قطعا ، ومن تعمد اللحن فيه جمهور العلماء يكفرونه :

                *روى عياض أنه من غيرا ** حرفا من القرآن عمدا كفرا *

إن تعمد ذلك لأنه بهذا يستهزئ بكتاب الله ما يتعمد ذلك إلا مستهزئ ، والدرجة الثانية هي ما يكون إتقانا وإحسانا مثل إتقان المد ومخارج الحروف وصفاتها فهذا سنة مؤكدة ولكنه لا يجب ، ومنه مراعاة الشدات والإدغام والفك ونحو ذلك ، وعند الحنابلة يجب ذلك في الفاتحة فإذا نقص إحدى الشدات في الفاتحة فإن ذلك مبطل لصلاته في الرواية المشهورة عند الحنابلة، وشدات الفاتحة هي: شدة \"لله\" هذه شدة واحدة، و\"رب\" شدة أخرى، \"الرحمن\" شدة \"الرحيم\" شدة أخرى، و\"الدين\" الشدة الخامسة، \"إياك\" الشدة السادسة، و\"إياك نستعين\" الشدة السابعة، و\"الصراط\" الشدة الثامنة، و\" الذين\" الشدة التاسعة، و \"ولا الضالين\" الشدة العاشرة ، والضالين فيها شدتان ، الضاد واللام ، فهذه إحدى عشرة شدة من نقص منها واحدة بطلت صلاته عندهم  لأنه لم يأت بالفاتحة التي أمر بها الشارع في كل ركعة ، لكن الذي يبدو أن محل هذا عند التعمد ، التعمد أصلا كفر عند الجمهور كما ذكرنا من قبل ، ومع ذلك فقد قرئت في الشواذ \"صراط لذين أنعمت عليهم\"  وهذه لغة من لغات العرب ، \"لذين\" بدل \"الذين\" ، و\"لذي\" بدل \"الذي\" ، لغة معروفة من لغات العرب ، وقرئ بها في الشواذ فقط ، ولم يقرأ بها في المتواتر ، وكذلك القسم الثالث هو ما يندب من التجويد وهو تحسين الصوت بالقرآن وإتقانه فهذا مندوب ، يزيد الأجر وفيه فليتنافس المتنافسون ، الناس فيه متفاوتون حسب ملكاتهم وقدراتهم ، والرابع : ما يكره وهو ما فيه ما يؤدي إلى تمطيط زائد، أو مبالغة في القلقلة حتى إن بعض القراء يحرك القلقلة ، يجعلها حرفا محركا ، فيختلفون هل القلقلة مكسورة أو مضمومة ، فإذا قرأ يقول : \"قل هو الله أحد\" ـ يجعل الدال دالين ـ يقول \"الله الصمد\" يبالغ \"قدِ أفلح\" هذه مبالغة في القلقلة حتى تكسر دالا أخرى غير الدال الساكنة ، والقلقة هي مجرد ارتجاف الحرف في المخرج ، أن يرتجف في المخرج ، فهذا النوع من المبالغات مكروه لأنه يغير المعنى، والخامس هو المحرم وهو ما كان فيه من تقطيعه على هيئة أنغام وأناشيد مما يخرجه عن أصله الذي أنزل له من التدبر والسكينة والوقار فهذا محرم ،ولم يكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلم الأعراب مخارج الحروف وصفاتها ونحو ذلك من الأمداد لأن هذه من لغتهم في الأصل ، ولا يحتاجون إلى تعلمها ، فهم يعرفونها بفطرتهم وأصلهم لكن ابن مسعود عندما قرأ عنده \"إنما الصدقات للفقراء والمساكين\" قال \" إنما الصدقات للفقراء والمساكين \" ـ يمد بها صوته ـ فعلمه المد ، وعلمه طريقة ذلك ومن هنا يعلم أن هذا النوع من الأمداد التي قد يستعجل عنها الإنسان فلا يلقي لها بالا في بعض الأحيان ينبغي أن يرجع إليها ويتقنها .

.....................................................................................

والمبادئ العشرة في علم التفسير: أولا حده أي تعريفه، وتعريف التفسير ينقسم إلى تعريفين إلى تعريف لقبي وإلى تعريف إضافي، فالتعريف الإضافي هو باعتبار أن التفسير كلمتان تفسير القرآن ، فالتفسير في اللغة مصدر فسر الشيء شققه وقطعه ومنه تفسير اللحم ، وهو مشتق من الفسر وهو الإبانة ، والقرآن في اللغة القراءة ويطلق كذلك على الجمع أيا كان ، فقرأ الشيء بمعنى جمعه ، ومنه قول عمرو ابن مضاض الجرهمي:                

               *صاح هل سمعت براع رد في الضرع ما قرى في الحلاب *

أي ما جمع فيه، والتفسير في الاصطلاح هو المعنى اللقبي ٍالذي سنذكره، والقرآن في الاصطلاح هو كلام الله المنزل على محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ للإعجاز بسورة منه المتعبد بتلاوته وبعضهم يضيف المروي تواترا، وهذا القيد لا حاجة إليه لتعريف القرآن لأنه في زمان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن هذا القيد موجودا، فلا يمكن أن يقال عند نزوله على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن قرآنا حتى تواتر بعد ذلك ، فهذا القيد إذن لا فائدة فيه لأن وقت نزول جبريل إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ به هو قرآن ، ولم يتواتر إذ ذاك ، أما تعريف التفسير في الاصطلاح : فهو علم يبحث فيه عن معاني كتاب الله وما يتصل بها ، فقولنا \"علم\" هذا جنسه ، \"يبحث فيه\" أي أن هذا تعريف للفن ، وليس تعريفا لما في قلب الإنسان لأن ما في قلب الإنسان يقال له العلم بمعاني كتاب الله، لو أردت تعريف التفسير كعلم في صدر الإنسان تقول هو العلم بمعاني كتاب الله ، لكن إذا أردت فنا من فنون العلم تعرفه فإنك تقول \"هو علم يبحث فيه عن معاني كتاب الله \" والمعاني جمع معنى وهي تشمل معاني الأخبار ومعاني الإنشاءات ، فمعاني الأخبار مثل القصص عن الماضي وعن المستقبل ينقسم إلى قسمين قصص عن الماضي أيام الله وقصص الأنبياء السابقين وقصص عن المستقبل كأشراط الساعة ومشاهد القيامة ، والإنشاءات هي الأحكام وما يتعلق بذلك ويشمل هذا أسباب النزول وما لا بد منه للمفسر من القراءات وما يستنبط من الآيات مما ليس من معاني المفردات ، وكذلك ما يتعلق بالإعجاز ونحوه من إعراب الكلمات وتصريفها ، فهذا كله مما يتعلق بالتفسير ومن متماته التي لا بد منها، أما واضعه فالمقصود به أول من جعله علما مستقلا ، ولا يقصد به أول من فسر القرآن ، لأن أول من فسر القرآن الله سبحانه وتعالى فإن بعض القرآن يفسر بعضا ، ثم رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقد أمره الله ببيانه بعد أن بينه له ، لأن الله هو أول من فسر القرآن فقد قال لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم : ( لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه ) ففسره له ، ثم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو المفسر لنا لقول الله تعالى : ( أنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) ثم بعد ذلك اشتهر عدد من المفسرين من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومشاهيرهم عشرة ـ هم الذين اشتهروا بالتفسير ـ الخلفاء الأربعة وعبد الله بن عباس الذي كان يلقب بترجمان القرآن وعبد الله بن مسعود الذي كان له درس أسبوعي في تفسير القرآن كل يوم خميس ، وعبد الله بن عمر الذي عاد إليه علم أصحاب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبي بن كعب الذي قال فيه النبي الله صلى الله عليه وسلم ـ \" أقرأكم أبي \" وزيد بن ثابت الذي قال فيه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ \" أفرضكم زيد \" ففقد اشتغل بذلك ومعاذ بن جبل الذي قال فيه \" وأعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل \" وبعضهم يجعل مكان معاذ بن جبل لقدم موته ـ فقد توفي في أول خلافة عمر ـ يجعل مكانه عائشة فقد روي عنها شيء من التفسير .

وفي زمان التابعين اشتهر من المدارس التفسيرية ثلاث مدارس ، مدرسة أهل مكة وكان فيها تلامذة ابن عباس، وأشهرهم مجاهد بن جبر وعطاء بن أبي رباح وطاووس بن كيسان، ثم مدرسة أهل المدينة ومن مشاهير المفسرين فيها زيد بن أسلم وأبو العالية ومحمد بن كعب القرظي، ثم مدرسة أهل العراق ومن مشاهير المفسرين فيها سعيد بن جبير وزر بن حبيش وعبيدة السلماني وعامر بن شراحيل الشعبي وقتادة بن دعامة السدوسي، أما في أتباع التابعين فقد كان التفسير إذ ذاك جزءا من الحديث ، فعند بداية جمع الحديث جعل التفسير بابا من أبواب الحديث ، ولهذا تجدون كتاب التفسير في صحيح البخاري كتاب فضائل القرآن وكتاب التفسير ، في صحيح مسلم آخر كتاب فيه هو كتاب التفسير ، وكذلك في الكتب التي هي من جوامع الحديث فيها كتب للتفسير ، واختلف في أول من أفرد التفسير بالتأليف ، فقيل يزيد بن هارون ولم يصل إلينا تفسيره ، وقيل عبد الرزاق بن همام الصنعاني وتفسيره الموجود اليوم ـ فيما يبدوا ـ جزء من مصنفه لكنه أفرد عنه، وقد روي عن عدد من المحدثين أنهم أفردوا التفسير مستقلا ومنهم الإمام أحمد ، فقد روي أن تفسيره فيه أربعون ألف حديث ، وقد استغرب هذا كثير من المحدثين الذين ترجموا للإمام أحمد فقالوا كيف يكون هذا وقد قال أحمد ثلاثة لا أصل لها ، يقصد أن الأحاديث التي فيها قليلة ومنها التفسير .

ومن مشاهير القدماء الذين ألفوا في التفسير محمد بن يزيد بن ماجة القزويني صاحب السنن، وأبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي وتفسيره موجود، ثم محمد بن جرير الطبري أبو جعفر ، ثم عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ، وهؤلاء متعاصرون تقريبا، فابن ماجه توفي سنة 276 هـ ، والنسائي توفي سنة 303 هـ ، ومحمد بن جرير الطبري توفي 310 هـ ، وعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي توفي 327 هـ ، فهم تقريبا في فترة متقاربة ، ومن هذه الطبقة كذلك عبد بن حميد فقد ألف تفسيرا مستقلا وكذلك السدي، وقد اشتهر من الضعفاء الذين اشتغلوا بجمع تفاسير السلف أبو صالح والكلبي ، والناس يسمون سلسلتهما سلسة الكذب ، فكلاهما وضاع ، وأكثر تفسيرهما مروي عن ابن عباس، يروون كثيرا من التفاسير عن ابن عباس ، وقد جمعها محمد بن يعقوب الفيروزبادي في كتابه المقباس في تفسير ابن عباس ـ تنوير المقباس ـ ويسمى المقباس في الأصل، ومع ذلك فكثير مما فيها من الموضوعات والضعاف ، وعموما أشهر تفاسير هؤلاء وأنفعها تفسير ابن جرير الطبري ، ولذلك قال فيه ابن تيمية وغيره المفسرون عيال على محمد بن جرير.

 

 

السؤال 11 : لماذا تنقل أقوال هؤلاء في التفسير مع أنهم ضعفاء ، وكذلك ما رووه ، فمثلا لا تكاد تجد تفسيرا من تفاسير السلف إلا وفيه نقل عن أبي صالح والكلبي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكل هؤلاء ضعاف لدى أهل الحديث ؟

الجواب : أن ضعفهم يتعلق براويتهم لا بدرايتهم ، فما كان من التفسير راجعا إلى عقولهم ودرايتهم فلا يضره غفلتهم أو قبولهم للتلقين أو ضعفهم في الحديث ، فما كان من ذلك راجعا لروايتهم فهو المردود ، وعموما فإن الناس يحكمون على ما يوردونه من طريقهم ما كان من روايتهم يحكمون عليه فيضعفونه.

....................................................................................

المقدمة الثالثة من مقدمات علم التفسير هي موضوعه، وموضوع كل فن ما يبحث فيه أي في ذلك الفن عن عوارضه أي عوارض الموضوع الذاتية ، أي ما يعرض له من الأمور الراجعة إلى ذاته لا العوارض الخارجية التي تعرض عليه فموضوع علم الطب ـ مثلا ـ جسم الإنسان ، لأن هذا العلم يبحث فيه عن عوارض جسم الإنسان الذاتية التي تعرض له ، ولا يبحث فيه عن عوارض الإنسان الخارجية ـ مثلا ـ كالنسبة ، كونه ابن فلان أو كونه أبا لفلان ، فهذا لا يعني من الناحية الطبية ، اللهم إلا ما كان بالتعدي مثل عوامل  الوراثة ونحو ذلك ، فمثل هذا علم التفسير موضوعه كلام الله تعالى لأنه يبحث في علم التفسير عن معاني هذا القرآن ودلالاته ، فمعانيه ما يتضمنه اللفظ بذاته منطوقا أو مفهوما ، ودلالاته ما لا يتضمنه اللفظ ولكنه يقتضيه بوجه ما سواء كان ذلك الوجه لزوما ذهنيا أو لزوما عقليا ، أو نحو ذلك ، فمن دلالاته مثلا ما فهمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه من قول الله تعالى : ( وحمله وفصاله ثلاثون شهرا ) وقوله تعالى : ( وفصاله في عامين ) ، ففهم من هذا أقل أمد الحمل ستة أشهر ، وليس هذا من تفسير كلام الله مباشرة ، ولا هو من معاني هذه الألفاظ ، لكنه من دلالاتها التي تلزم عليها عقلا ، لأن الله جعل الحمل والفصال في ثلاثين شهرا {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} ثم أفرد الفصال في عامين وعامان أربعة وعشرون شهرا ، فإذا اختزلت أربعة وعشرين من ثلاثين لم يبق غير ستة ، ومثل ذلك ما فهم الإمام مالك ـ رحمه الله ـ من قول الله تعالى : ( فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ) فهم من هذا جواز إصباح الصائم جنبا ، لأن الله أجاز مباشرتهن حتى يتبين الفجر ، وإذا كان كذلك فمعناه أنه لم يترك وقتا للغسل ، وإذا لم يبق وقت للغسل لزم عقلا أن يترتب على هذا إصباح الصائم جنبا ، فهذا النوع هو الذي يسميه الأصوليون \" دلالة الإشارة \" ومثله \" دلالة الاقتضاء \" عند الأصوليين وهي دلالة اللفظ على محذوف لا يستقيم الكلام إلا به سواء توقفت صحته عليه أو توقف صدقه عليه ، فالمحذوف الذي يتوقف عليه الصدق مثل قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (رفع لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ) فهذا يتوقف صدقه على محذوف لا يستقيم الكلام إلا به وهو \" إثم الخطئ والنسيان \" لأن الخطأ والنسيان لم يرفعا في الواقع ، أنت تنسى وتخطئ ، فالخطأ والنسيان موجودان في هذه الأمة فلا يستقيم إذن الكلام ولا يصدق إلا بذلك المحذوف معناه \" رفع لي عن أمتي إثم الخطئ والنسيان وما استكرهوا عليه \"، فالخطأ والنسيان والإكراه كلها موجودة في الأمة، والذي لا تستقيم صحة الكلام عقلا إلا به مثل قوله تعالى : ( وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ) فإن خرق السفينة لا يخرجها عن أن تكون سفينة ، فالمقصود كل سفينة صالحة غصبا ، فخرقه للسفينة هل نقل عنها اسم السفينة ؟ ما نقل عنها اسم السفينة وهو أخبر عن أن الملك يأخذ كل سفينة ، فعلم أن المعنى \" كل سفينة صالحة \" غصبا وهذه السفينة غير صالحة فلن يأخذها الملك غصبا ، والذي تتوقف صحته عليه ذهنا أو عرفا مثل قول الله تعالى : ( فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان ) معناه \" فأرسلون فأرسلوه فقال: يوسف أيها الصديق ...\" والجملتان وهما \" فأرسلوه وجملة \" فقال \" محذوفتان لكنهما تفهمان من السياق ، ومثل ذلك قول الله تعالى في خطابه لموسى : ( أن اضرب بعصاك الحجر ) ونحوها \" فانبجست \" أو \" فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا \" فهنا \"اضرب بعصاك الحجر \" معناه فضرب \" فانفجرت أو فانبجست \" في الآيتين ، فإن الانبجاس والانفجار لم يتوقفا ولم يترتبا على الأمر ، وإنما ترتبا على الضرب المحذوف ، معناه فضرب فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا ، ومثل ذلك (وأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ) ، \" اضرب بعصاك البحر فانفلق \" هل انفلاق البحر توقف وترتب على مجرد الأمر أو ترتب على الضرب ؟ ما ترتب إلا على الضرب ، والضرب محذوف ، فأصل الكلام \" فضرب \" وهذا النوع من الدلالات هو الذي توسع فيه أصحاب التفسير الإشاري ، وربما توسع فيه أيضا المفسرون من الفقهاء ، فكثيرا ما يأخذون من بعض النصوص ما ليس من صريح معانيها ، ألا تنظرون إلى أخذ الشافعية والحنابلة من قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ \" إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون وأتوها وعليكم السكينة والوقار فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا \" أخذ الشافعية والحنابلة من هذا الحديث أن ما يدركه المسبوق من الصلاة هو أولها ، وأن ما يقضيه هو آخرها ، لكن هل هذا معنى الحديث ؟ لو كان هكذا لقال : \" فما أدركتم فأتموا \" وهو لم يقل \" وما أدركتم فأتموا \" إنما قال \" فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا \" لو كان ما يصليه المسبوق بعد سلام الإمام اتماما لما سبق بدلالة الحديث لقال : \" فما فاتكم فصلوا وما أدركتم فأتموا \" أو قال : \" فما أدركتم فأتموا فقط \" ، لأنك تتممه بما بعده ، فهذا النوع من الدلالات ليس من معاني النص لا من منطوقه ولا من مفهومه ، وإنما هو توسع في دلالته ، وقد توسع الفقهاء في هذا كثيرا ، وبالأخص فيما يتعلق بدلالات العموم ، والمخصصات المنفصلة وغير ذلك ، وكذلك توسع النحويون ـ المفسرون من أهل النحو، المشتغلون به كأبي حيان والسمين الحلبي وأبي السعود وسليمان الجمل وأبي البقاء العكبري وغير هؤلاء ـ في الدلالات النحوية ، وما يتعلق بها توسعا زائدا ، وسبب ذلك أن هذه المصطلحات التي هي مصطلحات العلوم ترسخت في أذهان الدارسين حتى ظنوا أنها مثل دلالات اللغة الأصلية قبل نزول القرآن ، والفرق شاسع بين الأمرين ، فالفرق بين الوجوب والندب والتحريم والكراهة في الاصطلاح والفرق بينها في اللغة متباين ، ولهذا فحملنا لنص من النصوص على هذه المصطلحات إنما هو تقييد للنص بما هو أخص من دلالته ، نعم لا شك أن هذه المصطلحات العلمية لا تنافي دلالات النصوص في الواقع ، لكن حملها عليها فيه تجوز  ، ولهذا فإن المذاهب الأربعة متفقة على أن معنى قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ \" غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم \" أن معنى ذلك الطلب \"أنه يطلب من كل محتلم \" وليس معناه الوجوب الاصطلاحي ، واختلفوا في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في إجابته للرجل الذي سأله أنتوضأ من لحوم الإبل ؟ قال : \" نعم \" ما معنى ذلك ؟ هل يقتضي وجوب الوضوء من لحوم الإبل وأن أكلها ناقض للوضوء ، أو لا يقتضي ذلك ، وما معنى الوضوء هنا ؟ هل هو الوضوء اللغوي ؟ أو الوضوء الاصطلاحي ؟ هذا راجع إلى التوسع في دلالات النصوص الشرعية ، ولذلك تجدون الخلاف عند المفسرين في دلالات حروف الجر في مثل قوله ( فامسحوا برؤوسكم ) هل \" الباء \" للإلصاق أو للتبعيض ،  ومثل ذلك قوله ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) أيضا هل الشطر بمعنى \" النصف \" أو بمعنى \" الجهة \" ونحو هذا من الأمور التي هي راجعة إلى الدلالات اللغوية، فهذا هو موضوع علم التفسير.

المقدمة الرابعة : نسبته إلى غيره من العلوم ، ونسبة علم التفسير إلى غيره من العلوم هي نسبة العموم والخصوص الوجهي لاشتراكه مع كل من العلوم الشرعية واللغوية في جانب مما يدرس فيه ، ولاختصاصه هو ببعض الجوانب التي لا تدرس في غيره من العلوم ، ولاختصاص تلك العلوم أيضا بجوانب لا تدرس في علم التفسير ، فمثلا شرح الحديث ، هذا يشترك مع التفسير في كثير من العلوم الموجودة في الحديث وفي القرآن ، لأن الحديث في أكثره بيان للقرآن ، لكن ينفرد شرح الحديث بكثير من الأمور التي ليست في القرآن ، وينفرد التفسير بكثير من الأمور التي ليست في شرح الحديث ، ومثل ذلك في علم النحو مثلا كثير من الأبحاث التي يدرسها النحويون في كتبهم  المتخصصة موجودة لدى المفسرين ، ولكن كثيرا أيضا مما يعرج عليه النحويون لا يوجد له ذكر في كتب التفسير لأنه إما لغات ضعيفة أو تأويلات أو أمور شاذة ليست في القرآن أصلا مثل لغة \" أكلوني البراغيث \" ومثل الحروف الفرعية، ومثل نصب الفاعل ومثل جر المبتدأ بالباء الزائدة ونحو هذا، هذه مباحث يدرسها النحويون ولا يدرسها المفسرون إلا من توسع منهم وتطفل ـ مثلا ـ الذين يتكلمون عن جر الفاعل بالباء الزائدة وهو موجود في القرآن كثير فيه يتوسعون في بعض الأحيان فيذكرون مواضع زيادة الباء كأبي حيان أو الذين يفسرون البسملة والباء التي فيها يترددون في دلالتها هل هي للاستعانة أو للتسبب أو للاستعلاء أو للإلصاق ، أربعة معان ممكنة فيها يبحثون هنا في معاني الباء كلها توسعا ، كذلك ينفرد التفسير بكثير من الأمور التي لا دخل لأهل النحو فيها ولا يدرسونها أصلا فهي دلالات القرآن في الأحكام في التشريع في الأخلاق في التوحيد وغير ذلك فإذن كل علم من العلوم بينه وبين علم التفسير نسبة العموم والخصوص الوجهي ، وفائدة ذكر النسبة هي مقدمة من المقدمات أن يعرف الإنسان ارتباط هذا العلم بغيره حتى لو أراد دراسة علم التفسير ـ مثلا من بين العلوم ـ عليه أن يعلم أن كثيرا مما فيه مما يشكل عليه سيجده مشروحا مستوفى في العلوم الأخرى ، إذا وجدت في التفسير استشكالا فلم تجده في كتب المفسرين فاعلم أن ذلك لا ينفي وجوده بل ارجع إليه في مظانه من الكتب الأخرى ، ومن هنا ستكون الكتب كلها لديك تفسيرا ، فإن استشكلت دلالة لغوية سترجع إلى القاموس و اللسان وإن استشكلت وجها إعرابيا أو فهما من لفظ سترجع له إلى كتب النحو ، وإن استشكلت وجها صرفيا سترجع إلى كتب التصريف وهكذا ، ترجع إلى كتب الأصول في هذه الدلالات ، والذي يحقق مخطوطة في التفسير أو يؤلف تفسيرا لا بد أن يعلم أن مراجعه ليست محصورة على كتب التفسير بل سيحتاج إلى الرجوع إلى كتب هذه العلوم الأخرى وهي مما يعينه على فهم كلام المفسرين ويعينه كذلك على الازدياد في التفهم كما ذكرنا من قبل أنه مخاطب بالتعرض للنفحات الربانية لعل الله يفتح له مما لم يتعلمه غيره.

المقدمة الخامسة هي مستمد علم التفسير ، ومستمد علم التفسير مختلف باختلاف مدارسه ، فقديما مستمده علم الحديث وعلوم اللغة ، ثم أضيف إلى ذلك العلوم العقلية لدى المتأخرين ، ومستمده أي العلم الذي يستمد منه المفسرون ويجعلونه مادة لهذا العلم، فالعلوم كلها تتقارب فيما بينها، فالتفسير كان في الأصل بابا من أبواب الحديث ـ كما ذكرنا من قبل ـ ثم فصل عنه ، فمستمده الأول علم الحديث ، ثم بعد ذلك استمد ـ أيضا ـ من اللغة والنحو والصرف وعلوم البلاغة ثم أضيف إلى هذا كتب التاريخ والأخبار والسير ، ثم أضيف إليه ـ أيضا ـ العلوم العقلية كالمنطق ، وعلم الكلام وعلم الفلسفة ، هذه العلوم العقلية هي تقريبا ترجع إلى أربعة علوم الفلسفة والمنطق والجدل وعلم الكلام ، وهذه العلوم الأربعة إنما جعلها بعض المفسرين مستمدا له لتخصصه فيها ، كالقاضي عبد الجبار ، فإن تفسيره مستمد من علم الجدل وعلم المنطق وعلم الفلسفة وعلم الكلام ومثله الإمام الرازي فتفسيره كذلك مستمد من هذه العلوم العقلية ، ولهذا ينتقدونه فيقولون فيه كل شيء إلا التفسير ، فيه كل علم من العلوم إلا التفسير.

أما القرآن لا يقال هو مستمد لعلم التفسير إلا لبعض التفاسير النادرة التي تفسر بعض القرآن ببعض مثل : أضواء البيان ونحو ذلك لكن المقصود بمستمد علم التفسير أي الذي يرجع إليه المفسر وهو يفسر آية أو يشرحها ، فإذا عددت القرآن من مستمده ستعد ـ أيضا ـ تفاسير السابقين من مستمده ، ونحن نقصد الجنس ، ولا نقصد تفسيرا بعينه.

وفائدة هذه المقدمة وهي المستمد كذلك التوفيق والرجوع إلى المنابع الأصلية والعناية بذلك ، ولهذا فإن ابن كثير ـ رحمه الله ـ  رجع إلى المنابع والمراجع الأصلية في علم الحديث فأصل كتابه بالمستمد الأصلي.

المقدمة السادسة : \" فضله \" وفضل كل علم إنما هو بحسب فائدته وفائدة علم التفسير ستأتينا قريبا ، لكن لا شك أنه من أفضل العلوم وأحسنها ولهذا فإن عادة أهل العلم في الطلب ألا يدرسوا التفسير إلا بعد أن يتوسعوا في العلوم الأخرى فهو من علوم الغايات والنهايات ، والمبتدئون لا طمع لهم فيه عادة ، وإنما يختص بالذين درسوا وأصلوا أنفسهم تأصيلا لا بأس به في العلوم المختلفة ، وكذلك فإن عمومه للعقائد والأحكام والأخلاق وحسن الأدب مع الله سبحانه وتعالى والسلوك كل ذلك يقتضي فضله والزيادة في ترجيحه على غيره ، وهذه المقدمة فائدتها تحفيز الطلاب على الاشتغال به ، ومقدمة فضل كل علم إنما هي بتحفيز الهمم على الاشتغال به ، ولا شك أن الذين اشتغلوا بعلم التفسير من هذه الأمة قد برزوا ، وشهد لهم بالفضل وعرفوا بذلك ، وتوسعت مداركهم وأفادوا كثيرا ،ويكفي لفضله إذا عرفت من هم المفسرون في زمان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ثم في زمان التابعين ثم في زمان أتباع التابعين ، فتجد الأئمة في كل عصر هم الذين يشار إليهم بالبنان في علم التفسير ، وبالأخص أنه إحدى وظائف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ التي وظفه الله فيها بقوله : ( لتبين للناس ما نزل إليهم ) فمن وظائف النبي صلى الله عليه وسلم ـ الاشتغال بتفسير القرآن .

ولذلك ينبغي التعريج على علاقة السنة بالقرآن ، فالسنة علاقتها بالقرآن من أوجه ، الوجه الأول أنها تكون مفسرة له مثل تفسير النبي ـ صلى الله عليه وسلم للورود بالعبور في قول الله تعالى : ( وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ) ففسر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الورود بالعبور على الصراط وفسر المغضوب عليهم والضالين في قول الله تعالى : ( غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) باليهود والنصارى فهذا النوع من السنة مفسر للقرآن.

النوع الثاني : ما هو مخصص لعمومه كقول الله تعالى : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله ) فقد خصص عموم الآية فعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقوله ، ففي فعله قطع يد السارق من الكوع ، مع أن اليد تشمل إلى المرفق وإلى المنكب ، لكن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما قطع إلا من الكوع فكان هذا تخصيصا للعموم ، وكذلك خصص لفظ السارق فلم يقطع عبيد حاطب حين سرقوا من ماله ، وورد عنه التقييد بأنه لا قطع في ثمر ولا كَثَرٍ ( والكَثَرُ جُم٦amp;#39;َارُ النخلة أو طلعها) ، ولا قطع فيما لم يبلغ ثمن المجن وكذلك في حريسة الجبل، قال من أكل بفيه غير متخذ خبنة فلا قطع عليه ، فكل هذه الأحاديث تدلنا على تخصيص إطلاق السارق ، كذلك ربما عممت السنة ما خص من القرآن وهذا الوجه الثالث ، تعميم السنة لما خص من القرآن أي زيادتها لمدلوله ، مثل إدخال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جحد الوديعة في السرقة فإن الله قال : ( والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ) والسارق والسارقة هو من أخذ المال خفية خلسة من حرزه ، وقد قطع الني صلى الله عليه وسلم ـ فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد المخزومية ، وهي كانت تستعير الحلي فتجحده ، فهذا جحد للعارية والوديعة وليس سرقة بالمدلول اللغوي .

الوجه الرابع أن تكون مقيدة لمطلقه، تقيد السنة مطلق القرآن ، مثل حديث كعب ابن عجرة حين أتاه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعوده فرأى القمل يمشي على وجهه ، فقال ما كنت أظن أن المرض بلغ بك ما بلغ ، فأمره أن يحلق رأسه وأن يصوم ثلاثة أيام أو يذبح شاة نسيكة ، أو يطعم ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع ، فهذا تقييد لقول الله تعالى : ( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) فإن الله \" أطلق الفدية من صيام أو صدقة أو نسك \" وقيدها حديث كعب بن عجرة فجعل الصيام مقيدا بثلاثة أيام ، والإطعام والصدقة مقيدة بستة مساكين لكل مسكين مدان نصف صاع ، وقيد الهدي بشاة نسيكة ، وهذه الآية ـ أيضا ـ فيها دلالة إضمار كما سبق لقوله ( من كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ) معناه : فحلق ، لأنه لا تجب عليه الفدية إلا بعد الحلق قطعا ، لا يستقيم شرعا إلزامه بالفدية إلا بعد الحلق ، مجرد المرض لا يلزم الفدية، الوجه الآخر : هو أن تكون مطلقة لما قيده القرآن ، يأتي التقييد في القرآن فتطلقه السنة وذلك مثل قول الله تعالى : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ) فقد قيد الله سبحانه وتعالى جواز القصر من الصلاة بالخوف ، لقوله \" إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا  \" وأطلق ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بفعله ، \" قصرنا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحن أكثر ما كنا قط وآمنه \" وفي حديث يعلى بن أمية أنه سأل عمر بن الخطاب فقال : مالنا نقصر وقد أمنا ؟ فقال لقد عجبت مما عجبت منه فسألت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ  فقال : \" صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته \" فهذا في الواقع إطلاق  لما قيده القرآن ، وهذان النوعان لا يذكرهما أهل الأصول ، وما سمعتهما لكن دارا بخاطري الآن ، وهما تعميم السنة لما خصصه القرآن ، وإطلاقها لما قيده القرآن .

القسم الآخر : إضافتها حكما ليس في القرآن فالسنة قد تضيف حكما ليس في القرآن كقول  النبي صلى الله عليه : ( كل ذي ناب من السباع فأكله حرام ، وكل ذي مخلب من الطير فأكله حرام ) فهذا الحكم ليس موجودا القرآن فالقرآن خص التحريم بأربعة أصناف فقط : ( قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ) ، هذه أربعة أنواع هي التي جاء تحريمها من المطاعم كلها ، وأضاف إليها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كل ذي مخلب من الطير وكل ذي ناب من السباع ، ومثل ذلك قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ \" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب \" فإن الله لم يذكر مما حرم من الرضاع إلا الأمهات والأخوات في قوله : ( أمهاتكم اللاتي أرضعنكم ) وأخواتكم من الرضاعة لم يذكر العمات من الرضاعة والخالات من الرضاعة ، وإنما زيد ذلك في حديث أبي هريرة هذا ، ومثل ذلك \" نهى ـ رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها \" فالجمع إنما قصر في القرآن على الأختين \" وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف \" فأضاف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى ذلك بنفس العلة الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها.

النوع الآخر أن تكون السنة ناسخة للقرآن وذلك مثل قول الله تعالى :( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين) فقد نسخت الوصية للوالدين بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ \" إن الله تعالى قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث \" هذه سنة ناسخة للقرآن ، ومثل ذلك قول الله تعالى : ( اللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) فقد نسخ ذلك بحديث عبادة بن الصامت أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: \" خذوا عني خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلا ، فالثيب بالثيب جلد مائة والرجم ، والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام \" فهذا نسخ للقرآن بالسنة.

الوجه الآخر : عكس هذا وهو نسخ السنة بالقرآن ، ومثاله : حديث أبي سعيد الخدري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكث سبعة عشر شهرا من مهاجره يصلي إلى جهة بيت المقدس ، فهذا نسخ بقول الله تعالى : ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) فهذا القرآن ناسخ للسنة هنا.

الوجه الآخر أن يكون معارضا لها ، معناه أن يقع التعارض بين القرآن والسنة ، والمقصود بذلك التعارض غير الحقيقي ، لأنه لا يمكن أن يقع التعارض الحقيقي ، بأن يأمر النبي  ـ صلى الله عليه وسلم ـ بخلاف ما أمر الله تعالى به إلا إذا كان ذلك على وجه النسخ ، فالتعارض غير الحقيقي معناه التعارض في الدلالات أن تفهم أنت من دلالة القرآن شيئا وتفهم من دلالة السنة ما يخالفه ، وهذا كثير والمرجع فيه إلى الجمع أولا ثم إلى الترجيح بعد ذلك تحاول الجمع أولا فإذا لم يمكن ذلك عدلت إلى الترجيح.

فإذن هذه هي أوجه علاقة السنة بالقرآن.

ثم بعد هذا نصل إلى المقدمة السابعة وهي حكم هذا العلم : أما حكم تعلم علم التفسير ، فينقسم إلى قسمين :

إلى حكم تعلمه وإلى حكم كتابته والتأليف فيه .

فحكم تعلمه الوجوب الكفائي فهو فرض كفاية على الأمة يجب عليهم أن يتعلوا معاني القرآن وأن يكون فيهم من يعرف ذلك وإذا لم يوجد في قرية من قرى المسلمين أو بلد من بلدانهم من يعرف معاني القرآن ولو ليلة واحدة أو يوما واحدا فقد أثموا جميعا ، فلا بد أن يكون في كل بلد من بلدان الإسلام من يعرف معاني القرآن ويجيب عما فيه من المعاني ، والحمد لله أصبح الأمر ميسورا بهذه الكتب التي حفظت علينا هذا فما هي إلا بمثابة أشخاص ، فكتب التفسير بمثابة علماء ، كما قال الحكيم :

*لنا جلساء ما يمل حديثهم ** ألباء مأمونون غيبا ومشهدا *

*يفيدوننا من علمهم علم من مضى ** وعقلا وتأديبا ورأيا مسددا *

*فلا فتنة تخشى ولا سوء عشرة ** ولا نتقي مهم لسانا ولا يدا *

*فإن قلت أحياء فلست بكاذب ** وإن قلت أموات فلست مفندا *

أما التأليف فيه فهو كذلك فرض عين على من تأهل له إذا كان سينشر جديدا مما ليس موجودا في كتب السابقين ، أو يسهل على الناس ما يتعلق بالسابقين فالتأليف فيه لا يعدوا أن يكون مثل التأليف في غيره وهو يرجع إلى سبعة مقاصد هي مقاصد التأليف عموما التي نظمها الهلالي في قوله :

*في سبعة حصروا مقاصد العقلا ** من التآليف فاحفظها تنل أملا *

*أبدع تمام بيان لاختصارك في ** جمع ورتب وأصلح يا أخي الخللا*


عدد مرات القراءة : 8010



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22275211
المتواجدون الأن       4
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو