» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
ثبوت شهر رمضان




بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد فإن أهل العلم اختلفوا في ثبوت الأهلة هل هو من باب الشهادة أو من باب الرواية، فذهب مالك رحمه الله وكذلك أبو حنيفة إلى أن ثبوت الأهلة إنما هو من باب الشهادة لما يترتب عليه من الحقوق الخاصة، كآجال الديون وكعدد النساء ونحو ذلك، والفرق بين باب الرواية وباب الشهادة أن باب الشهادة يتعلق به الحقوق الخاصة، وباب الرواية إنما يتعلق به الحقوق العامة التي لا مرافعة فيها ولا منازعة، وإذا ترتب على ثبوت الهلال حق خاص تمكن المنازعة فيه والمرافعة فإنه يكون من باب الشهادة يحتاج فيه إلى التعدد، أما إذا كان لا يترتب عليه إلا الحقوق العامة المشتركة التي لا منازعة فيها ولا مخاصمة فإنه يكون من باب الحقوق العامة فيكون من باب الرواية لا من باب الشهادة، ولا يحتاج في الرواية غالبا إلى التعدد وإن كان أوثق وأقوى، لكن تحصل الثقة بالعدل الواحد في الرواية ولا تحصل إلا بعدلين في الشهادة.

وذهب الحنابلة إلى أن رؤية الهلال مطلقا من باب الرواية فلا تحتاج إلى التعدد، فإذا رآه رجل واحد أو امرأة واحدة من أهل العدالة في الرواية فقد ثبتت رؤيته سواء كان ذلك لهلال رمضان أو لهلال شوال.

وذهب الشافعي رحمه الله إلى أن رؤية هلال رمضان من باب الرواية ورؤية هلال شوال من باب الشهادة، وذلك أنه رأى أن هلال رمضان لا يتهم الرائي في رؤيته وأن هلال شوال يتهم الرائي في رؤيته فإذا كان الإنسان خفيف الدين فإنه يمكن أن يسعى لتعجيل الفطر بخلاف سعيه لتعجيل الصوم فإنه عادة لا يسعى إليه.

وعموما أجمع أهل العلم على أن رمضان يثبت بكمال شعبان، أي إذا تم شعبان من الرؤية إلى نهايته ثلاثين يوما فالشهر لا يزيد على ثلاثين قطعا، وحينئذ تكون الليلة التي بعد الثلاثين أول رمضان بالإجماع، وكذلك أجمع أيضا على ثبوته برؤية عدلين له من أهل العدالة في الشهادة، فإنهما يثبتان رؤية الهلال إذا رأياه، واختلف فيما دون ذلك ومنه الرؤية المستفيضة أي رؤية عدد من الناس لفيف من الناس يمكن أن يكون فيهم العدول وغيرهم، فرؤيتهم للهلال مثبتة له أيضا عند جمهور أهل العلم، وكذلك عند المالكية الذين يرون أنه من باب الشهادة ولا بد فيه من التعدد يرون أنه إذا حكم به قاض على مذهب الحنابلة أو الشافعية فيرى ثبوته بشهادة عدل واحد فحكم به فإن حكم القاضي مثبت له أيضا، ومثل ذلك ما يتعلق بنقل الشهادة فالشهادة على الشهادة يشترط أن يروي فيها عن كل اثنان ليس أحدهما أصلا، وإذا لم يبلغك الخبر إلا عن طريق الرواية لكن برواية عدل يروي عن شاهدين رأيا الهلال فعند الشافعية والحنابلة قد ثبت الهلال لديك ووجب عليك الصوم، وعند المالكية والحنفية يحتاج في ذلك إلى التعدد أيضا لأن هذا الخبر ليس من باب الرواية بل هو من باب الشهادة فلا بد فيه من الشهادة على الشهادة، أي بعدلين ليس أحدهما أصلا يرويان معا عن كل واحد من العدلين اللذين رأيا الهلال، وكذلك في المستفيضة لا بد أن يروي عنها العدلان أيضا، وكذلك عن حكم الحاكم إذا حكم فإنه يروي عنه عدلان أيضا.

وإذا شهد شاهدان بثبوت الهلال في الليلة الأولى منه وبعد كمال الثلاثين لم ير وكانت السماء صحوا ليس فيها غيم فقد قال مالك هما شاهدا سوء ويكذبان أي يكذبهما القاضي يحكم بتكذيبهما، وحينئذ يقدح في شهادتهما فيما بعد حتى تظهر توبتهما ويحسن حالهما، وأما الرؤية المستفيضة فإن جمهور الناس وعددا كثيرا منهم لا يمكن تكذيبهم، لأن العادة تحكم بصحة ما تواتروا عليه وتواطؤوا عليه، وكذلك إذا حكم القاضي في البداية بثبوت الهلال عنده ولو لم يذكر وسيلته للإثبات في نص حكمه فذلك كاف، ومثل الاستفاضة الإذاعة كما إذا أذاع القاضي حكمه في الإذاعة أو في التلفزيون، أو تناقلته وسائل الإعلام فذلك كاف في النقل عنه وثبوته.

واختلف في وسيلة أخرى من وسائل الثبوت وهي الحساب، فإذا أثبت أهل الحساب أن الهلال قد ولد وأمكنت رؤيته فقد اختلف أهل العلم في الاعتماد على قولهم، فذهب كثير منهم إلى أنه لا يعتمد على قول أهل الحساب لأن الحساب أمر عسر وليس كل الناس يعرفه، والتكليف إنما يكون بالأمر العام الذي يعرفه الناس، وذهب بعضهم إلى الاعتماد على الحساب مطلقا في الإثبات والنفي، فإذا أثبت أهل الحساب ميلاد الهلال وإمكان رؤيته فإنه تثبت رؤيته بذلك وإذا نفوه فإنه يعتمد على نفيهم أيضا فيكذب به الراوي الواحد، ولا يمكن أن يكذب به العدلان والذي أراه في هذه المسألة أن الحساب يمكن أن يعتمد عليه في النفي لا في الإثبات، فإذا أثبت أهل الحساب أن الهلال لم يولد ولم تمكن رؤيته فمن ادعى رؤيته فإنه مكذب لأن قواعد الحساب قطعية والنفي سابق في ذلك على الإثبات فالنفي مقدم على الإثبات في مثل هذا، أما إذا أثبتوا ميلاده وإمكان رؤيته فالإمكان ليس ضامنا للحصول، فالإمكان شرط للحصول لكنه ليس ضامنا له، فلذلك يمكن أن لا يرى الهلال بعد إمكان رؤيته، فإذا أثبتوا أنه ولد فلا يقتضي ذلك إمكان الرؤية، وقد اعتمد كثير من المعاصرين اليوم على العمل بالحساب في الصلاة والصوم وأصبح كثير من المؤذنين لا يعتمدون على متابعة الوقت في الرؤية وبالأخص في الأمصار الكبيرة كمصرنا هذا فإن المؤذنين فيه لا يعتمدون على متابعة طلوع الفجر ولا غروب الشمس ولا متابعة الزوال كذلك بالظل ونحو ذلك وإنما يعتمدون على الحساب أو على تناقله فيما بينهم، وهذا مخالف للمذهب المالكي كما ذكرنا، وأصل هذا الخلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين، فقوله: صوموا لرؤيته أي لرؤية الهلال، والرؤية مصدر وهو مضاف إلى مفعوله وقد حذف الفاعل وحذف الفاعل يقتضي العموم، فهو مقتض لما لو رآه عدل واحد ولما لو رآه أكثر من ذلك لأنه قال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ولا يشترط قطعا رؤية جميع الناس له، فذلك غير ممكن، فالناس فيهم العميان وفيهم المنشغلون وفيهم ناقصو البصر، فإذن لا يشترط رؤية جميع الناس له بل المقصود ثبوت هذه الرؤية، وقد اعتمد الحنابلة والشافعية في إثبات رمضان بالعدل الواحد على حديث ابن عمر وحديث ابن عباس، أما حديث ابن عمر ففيه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه رأى الهلال فأذن مؤذنه في الناس بالصيام، وقد رآه وحده، وكذلك حديث ابن عباس أن أعرابيا جاء إلى المدينة ضحى فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى الهلال البارحة، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قال: نعم، فنادى في الناس بالصيام، وهذه الرؤية المعتبرة هي رؤيته بعد الغروب بالاتفاق، إذا غربت الشمس فريء الهلال فهو لتلك الليلة، بالاتفاق، أما إذا ريء قبل غروب الشمس سواء كان ذلك لكسوف أو لقتر أو غبار أو لغير ذلك من الأسباب كانتفاخ الأهلة والمقصود به اقتراب الهلال على وجه يعرفه أهل الحساب، فإذا كان بعد الزوال فهو لليلة القابلة أيضا، وإذا كان قبل الزوال فقد قيل هو لليلة الماضية، وقيل: يندر ذلك فلا يحكم به، لأن الصورة النادرة لا يحكم بها، فإذن رؤيته فيما بعد الزوال هي للقابلة، وظاهر المذهب المالكي أن رؤيته في النهار مطلقا تعد لليلة القابلة، ولذلك قال خليل رحمه الله: ورؤيته نهارا للقابلة، أي الليلة الآتية، والرؤية أيضا اختلف في عمومها وشمولها، فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه إذا ثبتت رؤيته في أي مكان من أنحاء العالم فقد وجب حكمه على جميع أنحاء العالم، وهذا القول هو الذي يعمل به أهل عموم الرؤية فيرون توحيد رؤية العالم كله، وهو ظاهر المذهب المالكي، ولذلك قال خليل رحمه الله وعم إن نقل بهما عنهما أي عم الخطاب به سائر البلدان إن نقل بهما أي بالعدلين والمستفيضة عنهما أي العدلين والمستفيضة، وذهب آخرون إلى أنه لكل أهل بلد رؤيتهم، فالعبرة حينئذ بالأمصار والبلدان فأهل كل بلد لهم رؤيتهم التي تختص بهم ولا عبرة برؤية من سواهم مطلقا، سواء اتفق معهم في المطالع والجهات أو اختلف معهم، وقد ذهب إلى ذلك بعض الشافعية مستدلين بحديث كريب الذي أخرجه مسلم في الصحيح عن كريب مولى ابن عباس أن أم الفضل أرسلته إلى الشام تستنجز عدة كان معاوية وعدها بها، فجاء من الشام فسأله ابن عباس فقال: بم رأيتم الهلال فقال: رأيناه بالجمعة وصام معاوية وصام الناس، فقال ابن عباس: لكانا رأيناه بالسبت فلا نزال نصوم حتى نرى الهلال أو نكمل العدة ثلاثين لأهل الشام رؤيتهم ولنا رؤيتنا هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا الحديث يقتضي أن لأهل كل بلد رؤيتهم لأن أهل المدينة وأهل الشام توقيتهم متقارب وخطهم في خطوط الطول متقارب ولذلك إذا اختلفت رؤيتهم فمن باب أولى اختلاف من سواهم في الرؤية، قد قال: لأهل الشام رؤيتهم ولنا رؤيتنا، واختلف في هذا الحديث هل معناه أن النبي صلى الله عليه وسلم قام ذلك: أي قال: لأهل الشام رؤيتهم ولنا رؤيتنا، أي لأهل المدينة رؤيتهم، أو أن ابن عباس فهم ذلك من قوله: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، لأن الحديث غير صريح في الرفع، فقد قال: هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد قوله: لأهل الشام رؤيتهم ولنا رؤيتنا، ويمكن أن يكون المقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم فصل في ذلك فبين أن لأهل كل بلد رؤيتهم، أو أنه أحال في الهلال إلى الرؤية فقال: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته كما روى عنه الناس، وفهم من ذلك ابن عباس أن المقصود رؤية أهل كل بلد، ويبدو أن هذا الاحتمال الأخير أرجح، وقد تكرر هذا النوع من الأساليب في حديث ابن عباس رضي الله عنهما كقوله لما سئل عن المسافر يأتم بالمقيم فقال: يتم معه تلك سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فهل معنى قوله: تلك السنة أن لديه حديثا مرفوعا في الباب أو أنه هو فهم ذلك من عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما جعل الإمام ليؤتم به، وكل ذلك محتمل.

وذهب بعض أهل العلم إلى أن كل عدد من الأمصار تحت حكم أمير واحد فرؤيتهم موحدة، ولا عبرة بما كان تحت يد أمير آخر، وقد ذهب إلى هذا بعض الشافعية أيضا، وذهب جمهور أهل العلم إلى اعتبار اختلاف المطالع والتوقيت، لأن ذلك معتبر قطعا في الصلاة، فنحن الآن على توقيت جرينيتش، ولا يمكن أن نعتبر في الصلاة مواقيت مكة مثلا، أو مواقيت المدينة لأن فرق التوقيت بيننا ثلاث ساعات، وفرق آخر فيما يتعلق بأوقات الصلاة يزيد على ذلك، فإذا كان التوقيت مختلفا في الصلاة فكيف لا يختلف أيضا في الصيام، لأن الهلال في الليلة الأولى لا يمكث بعد رؤيته إلا ستة أسباع ساعة ثم يغرب، فإذا كان فرق التوقيت أكثر من ساعة فلا تمكن الرؤية أصلا في هذه المساحة، وهذا القول العبرة فيه ليست بمجرد اختلاف التوقيت، كما يرى الأقدمون بل يرون أنه إذا تباعدت الأمصار جدا فيكون تباعدها معتبرا، لأن اختلاف التوقيت الآن العبرة فيه باعوجاج خطوط الطول لا باستقامتها، فليس خط منها مستقيما وأيضا فإن التوقيت يختلف من الشتاء إلى الصيف بقرارات إدارية، وهذا الاختلاف بالقرارات الإدارية لا دخل له فيما يتعلق بالزمان، ومن هنا فقد ذكر أبو عمر بن عبد البر أنه إذا تباعدت الأمصار جدا كخراسان من الأندلس فيعتبر اختلاف المطالع ولا يعم الهلال بالرؤية بين الأمصار المتباعدة جدا، فإذا ريء الهلال في إيران فلا يثبته ذلك لأهل بلدنا هنا، ومن كان على خطهم، وإذا اعتبر اختلاف التوقيت فيكون ثبوت الهلال في المغرب والسينغال مثلا مثبتا لنا نحن هنا مثلا، بخلاف ثبوته في الجزائر أو في ليبيا ففرق التوقيت بيننا وبين الجزائر ساعة وبيننا وبين ليبيا ومصر ساعتين، وبيننا وبين الحرمين الشريفين ثلاث ساعات وهكذا، وبيننا وبين الإمارات أربع ساعات مثلا، فيقع الاختلاف في التوقيت فلا يكون ذلك معتبرا، وإذا اعتبرت حدود الدول فهذا أيضا مشكك لأن الدول قد تكون مساحتها كبيرة جدا ككندا وكالولايات المتحدة الأمريكية التي يقع فرق التوقيت بين شرقها وغربها خمس ساعات تقريبا، وهي مع ذلك دولة واحدة ذات حدود موحدة، فيبقى الإشكال قائما وكذلك في روسيا فالفرق بين شرقها وغربها في التوقيت كبير، فالذي يبدو أنه لا عبرة بحكم البلد ونظامه وأنه لا عبرة كذلك باتحاد الخط إذا اختلف التوقيت، والذي ينضبط إنما هو الاعتبار باتفاق التوقيت واتحاده، فهذا المنضبط غالبا ما عدا ما يتعلق بالتوقيت الشتوي والصيفي وتغييره، لكن الخط الذي يسير عليه التوقيت العالمي منضبط، والعلة الشرعية لا بد من انضباطها، ولذلك يعرفها الأصوليون بأنها الوصف الظاهر المنضبط الذي علق به الشارع حكما، فالوصف غير الظاهر لا تتعلق به الأحكام، والوصف الظاهر غير المنضبط لا تتعلق به الأحكام، وتباعد الأمصار جدا ليس أمرا منضبطا، لأن التباعد نسبي، ولذلك نجد من الفقهاء من يمثل فيقول: كإفريقية من الأندلس، وبعضهم يقول: كخراسان من الأندلس والفرق شاسع بين إفريقية وخراسان، فإفريقية هي تونس وخراسان أرض أفغانستان وبعض إيران وبعض باكستان فهي أرض بعيدة جدا من هذا التحديد، ومن هنا فالذي أراه أن العبرة باختلاف التوقيت، فهذا أولى ما يمكن الاعتماد عليه في هذا الباب، ولا يثبت الهلال بمن ليس أهلا للشهادة كالمجروحين والمسخوطين ولو تعددوا إذا أمكن تواطؤهم على الكذب، وقد جرب في بلدنا أنهم في بعض الأحيان يتواطؤون على الكذب فيخبرون بعض من لديهم تسرع من القضاة بذلك فيحكمون بثبوت الأهلة من غير مراجعة، وقد يرجعون عن الشهادة فيما بعد، وقد حدثني بعض العدول أن ذلك قد حصل في سنة من السنوات وكان عضوا في لجنة الأهلة في مصر فحكم بشهادة شخصين ولم يعدلا وإنما وثق بهما في ذلك الوقت ثم بعد ذلك رجعا عن شهادتهما وأنكراها بعد الحكم، فلذلك لا بد من التثبت فيما يتعلق بالإثبات، واليوم بوسائل الاتصال أصبح بالإمكان معرفة حال الشهود وأيضا الاطلاع على شهاداتهم، فوسائل الاتصال اليوم تغطي أكثر مناطق العالم والذي أرى أنه يمكن أن تقام لجان مشتركة في كل دول من الدول الإسلامية يجمعها توقيت واحد فتنسق فيما بينها، فإذا ثبت في بلد من البلدان رؤية الهلال وكانت البلدان الأخرى التي هي معه على نفس الخط والتوقيت تعمل بذلك الثبوت، وكذلك لا بد من التشدد فيما يتعلق بتزكية الشهود ومعرفة عدالتهم.

وإذا رآه من لم يحكم بشهادته كما إذا كان منفردا وهو عدل كما عند المالكية والشافعية في شوال فإنه لا يعمل برؤيته بل إذا رأى رمضان يمكن أن يصبح صائما وإذا رأى شوالا لم يفطر، وإذا أفطر فليكن ذلك لمبيح أو لسبب وليكتم فطره، وإذا كان الإنسان مسخوط الشهادة فرأى الهلال فإنه لا يلزمه رفع رؤيته للقضاء لأن في ذلك تعريضا لعرضه للطعن وكشفا لحاله، أما إذا كان عدلا أو مرجو التعديل فإنه يجب عليه الرفع إذا رأى الهلال يرفعه للقضاء فيخبر بأنه قد رأى الهلال ليعتمد عليه إذا ضم إليه شاهد آخر أو ضم إلى مستفيضة أو عدد من الشهود، وقد ذهب اللخمي إلى أن غير العدل والمرجو يجب عليه الرفع أيضا لأن المستفيضة لا يشترط في كل أفرادها العدالة، فإذا أتى عدد من هؤلاء المسخوطين المجروحين من أماكن مختلفة ولم يمكن تواطؤهم على الكذب وحصل معهم شهادة عدل أيضا فيمكن أن يجعلوا لفيفا فيثبت الهلال برؤيتهم جميعا، وإذا لم يكن في بلد من البلدان قاض فالعبرة بجماعة أهل الحل والعقد وجماعة المسجد فإذا ثبت لديهم الهلال أعلنوا ذلك للناس فصاموا وأفطروا، وقد كان ذلك يحصل في كثير من الحواضر قبل اتساع نطاق الاتصالات، ويمكن الاعتماد على أئمة المساجد والمؤذنين في هذا الباب لأنهم يقلدون في الصلاة ونظير ذلك في الصيام أيضا، ولهذا قال العلامة محمد مولود بن أحمد فال رحمة الله عليهما:

وجاز في الصيام والصلاة                 تقليد عدل عارف الأوقات

فهم يقلدون في الإمساك والفطر في الصيام ويقلدون كذلك في أوقات الصلاة فكذلك يمكن تقليدهم أيضا في ثبوت هلال رمضان وفي ثبوت هلال شوال أيضا، واختلف في التلفيق، إذا رأى هلال رمضان شاهد عدل، ولم يحكم برؤيته، وبعد تسعة وعشرين يوما رآه شاهد عدل آخر هل يلفق مع الشاهد الأول فيثبت بهما هلال شوال أو لا يثبت بهما، فالثاني لا يمكن أن تصح رؤيته إلا إذا صحت رؤية الأول، ولكن الأول لا تترتب رؤيته على رؤية الثاني، وما ذكرناه من لزوم رؤية الهلال بحكم الحاكم المخالف في الفروع كالحاكم الحنبلي أو الشافعي هو الراجح في المذهب المالكي، وقد تردد بعض المتأخرين في ذلك في إعماله ولكن الراجح هو أن حكم القاضي يرفع الخلاف مطلقا في كل المسائل التي فيها خلاف بين أهل السنة وبين المذاهب فيعتمد على حكم القاضي ويرفع الخلاف، وقد أطلق خليل رحمه الله ذلك في القضاء فقال: ورفع الخلاف لا أحل حراما، وهنا في الصوم قال: ولزومه بحكم المخالف بشاهد تردد، فذكر التردد ولكن ما ذكره أخيرا في القضاء قاض على هذا، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن القاضي إنما يحكم على نحو ما يسمع كما في حديث أم سلمة في صحيح البخاري إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من مال أخيه فإنما أقتطع له جمرا من النار، وفي رواية جمرا من نار، وهذا يقتضي أن حكم القاضي معتبر مطلقا وأنه رافع للخلاف.

 


عدد مرات القراءة : 8022



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22905694
المتواجدون الأن       9
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو