» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
حِكم الصيام




بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته  إلى يوم الدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى هو الغني لا يحتاج إلى أحد من خلقه ولا يحتاج إلى عبادتهم وما شرع لهم شيئا إلا لمصلحتهم، وكل ما شرع لهم الشارع الحكيم ففيه مصالح لا تحصى للبشر ومن ذلك الصوم ففيه مصالح كثيرة للإنسان، ومن المعلوم أن الإنسان مؤلف من ثلاثة عناصر، هي العقل والجسم والروح، وكل واحد من هذه العناصر الثلاثة له فوائد كثيرة من الصيام، أما العقل فإن فوائده إنما هي في التحرر حتى ينطلق، وفي انقطاع المؤثرات عنه، والإنسان الصائم قد تحرر من شهوات الدنيا وضغوطها فليس لأحد ضغط عليه، لأن الضغط إنما يرجع إلى حاجة الإنسان إلى غيره، فإذا كان صائما لم يحتج إلى أكل ولا شرب ولا شهوة فنال بذلك حرية وتخلصا من الضغوط، فاستطاع به أن يعتزل الناس وأن ينفصل عنهم، وهذا مما يزيد انطلاقته في التفكير وحريته فيه، وكذلك من فوائد الصوم العقلية أن الإنسان فيه يحس بتنزل الملائكة عليه لأنه يشابههم في عبادتهم في استمرار العبادة لله سبحانه وتعالى، وقد بين الله تنزل الملائكة على المؤمنين فقال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين} وظاهر الآية أن هذا التنزل في الدنيا وفي الآخرة، فالخطاب حاصل في الدارين لأنهم يقولون: نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وكذلك من فوائد الصوم على عقل الإنسان أن البطنة دائما تذهب الفطنة، فالإنسان المشغول بالمآكل والمشارب والشهوات ناقص التفكير والعقل، وقد قال الشافعي رحمه الله ما رأيت بدينا عاقلا إلا محمد بن الحسن الشيباني، فالبطنة تذهب فطنة الإنسان، ولا شك أن أجهزة الإنسان هي بمثابة ماكينات فلا يمكن أن تشتغل جميعا في وقت واحد بطاقة محدودة وهي ما في الإنسان من الطاقة، فلذلك إذا شغل بطن الإنسان فسينقص ذلك حظ عقله وتفكيره من الطاقة، وإذا لم يشغل بطنه فستبقى الطاقة موفرة لعقله فيستطيع بذلك الإنتاج العقلي، وقد جرب كثير من الناس في طلب العلم أن وقت الصيام ووقت الجوع هو من أحسن الأوقات لحفظ العلوم ولفهمها واستيعابها، ولذلك ذكر أهل العلم من شروط الطلب الجوع ويقصدون به جوعا معتدلا ليس الجوع المضر وإنما هو الجوع المعتدل أي بحيث لا ينشغل ببطنه، ولذلك نظم أحد العلماء شروط الطلب السبعة فقال:

له تغرب وتواضع واترع           وجع وهن واعص هواك واتبع

أما فوائد الصوم على الروح فهي كثيرة جدا، فالصوم سبب لتهذيب الأخلاق وتحسينها، وذلك أن الإنسان إنما يسوء خلقه بسبب إحساسه بمزاحمة الآخرين له في حوائجه، فإذا عرف أنه لا يحتاج إلى تلك الحوائج وأن الآخرين لا يزاحمونه فيها، فذلك مما يعينه على صفاء خلقه وتهذيب نفسه، إذا كان غنيا عن المآكل والمشارب والشهوات ولا يحتاج إليها ولا يشعر بمنافسة فيها، فذلك مما يصفي خلقه ويهذب طباعه، وكذلك فاستشعار الإنسان للعبادية المستمرة يقتضي تهذيبا لخلقه ويقتضي ورعا وكفا عن المعاصي وهذا من أهم ما يزكي النفوس، فتزكية النفوس تنقسم إلى قسمين، إلى تخلية وتحلية، فالتخلية هي تركها للمنهيات، والتحلية هي اتصافها بالصفات الرفيعة المطلوبة شرعا، فالصوم سبب للتخلية، وهو أيضا تزكية وتنمية، فالإنسان الصائم يزداد من الله قربا لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: كل عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها يقول الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، ومصداق ذلك من القرآن أيضا قول الله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}، فجمهور أهل التفسير يفسرون الصابرين هنا بالصائمين، فهم يوفون أجرهم بغير حساب، فلا يدخل في حساب الحسنات بل هو أكثر من ذلك ليس له عدد محصور، بخلاف غير الصوم من الحسنات فإنه محسوب، الحسنة في الأصل بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء، لكن الصوم إنما هو نفحات وحفنات من الأجر ليست محصورة ولا معدودة، ولذلك جاء في هذا الحديث بيان علة هذا فقال: يقول الله تعالى: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يترك طعامه وشرابه ولذته من أجلي، وفي رواية وشهوته من أجلي، فتركه لمشتهيات نفسه ولما يحبه من المطاعم والمشارب والشهوات من أجل الله جل جلاله هو سبب هذا الأجر العظيم فيه.

وكذلك فإن هذا الشهر الكريم هو شهر نزول القرآن وتنزل الملائكة وفيه ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، وفيه كذلك فضل ليالي العشر الأواخر وفيه فضل أيامه جميعا، وكل ذلك يحس الإنسان فيه بأنه في عالم روحاني وفي حضرة قدسية فتتطهر أخلاقه وتتهذب وترتفع نفسه وتسمو عن سفاسف الحياة الدنيا، ويتصل بالله جل جلاله اتصالا مباشرا، وهذا من فضل الصوم ومزيته.

وكذلك فإن من فوائد الصوم الروحية أن الإنسان في هذا الشهر تتهذب أخلاقه فيسعى لنفع غيره فقد جرب الحرمان مما يقتضي منه حنانا على الفقراء المحرومين كما قال حاتم بن عبد الله الطائي:

لعمري لقدما عضني الجوع عضة                فآليت أن لا أمنع الدهر جائعا

فإذا أحس هو بمرارة الحرمان فسيقتضي ذلك منه حنانا على الفقراء المحرومين، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس في جميع أوقات السنة، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان يدارسه القرآن في كل ليلة من ليالي رمضان، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة، ولا شك أن الجود من أهم الطباع تأثيرا على النفوس، ولذلك قال الله تعالى: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون، وشح النفس هو البخل الذي هو ضد الجود، وكذلك من آثار الصيام على النفس شعور الإنسان بالمسؤولية من خلال صومه، فإحساسه بأنه مكلف وقد كان صبيا لا يحس بهذا الصوم ولا يفعله يفعل الصلاة يفعل الصدقات يفعل الأذكار يشارك في بعض الطاعات لكن الصوم عادة لا يفعله الإنسان إلا بعد بلوغه أو قرب بلوغه فيقتضي ذلك منه إحساسا بالمسؤولية والتكاليف، فهو مقترن في ذهن الإنسان بالتكليف، أي بكتابة الملائكة لعمله، وبداية ذلك من بلوغه، والناس في عرف أهل بلدنا يسمون البلوغ صياما، فيقولون: فلان صام أي بلغ، وذلك أن الصيام هو العبادة المرتبطة بالبلوغ، أما ما سواها من العبادات فكثيرا ما تقع قبل البلوغ، والبلوغ يقتضي من الإنسان إحساسا بالمسؤولية وأنه أصبح مكلفا وأصبحت أقلام الملائكة تكتب عليه أعماله، وقد قال الله تعالى: وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون، وقال تعالى: ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، ثم بعد هذا فوائد الصيام على البدن وهي كثيرة جدا، فمنها أن فيه تجديدا لدماء الإنسان، فالدم يتأثر بالتغذية والأخلاط، والإنسان يحتاج إلى تنقية له، فالدم إذا ازدادت ثخونته وغلظه أدى إلى التجلط وانسداد كثير من العروق، وإذا ازداد سيلانه أيضا ورقته أدى إلى كثير من الأمراض ومنها صعوبة توقفه إذا أصيب الإنسا بجرح أو نحوه، ولا بد من حد وسط بين ذلك، وهذا الحد الوسط إنما يتأثر بنوع التغذية وكذلك بنوع الدواء الذي يستخدمه الإنسان مما يؤثر على الدم، والصيام منق له، وهو كذلك تطهير لكل أجهزة الإنسان فهو بمثابة الراحة، فالماكنة التي تشتغل طيلة العام ولا تتوقف ليلا ولا نهارا مهما كانت قوتها لا يطول عمرها أبدا، والسيارة التي لا تتوقف عن العمل لا يمكن أن تعمر كذلك، والإنسان إنما هو ماكنة مجموعة ماكينات، فلذلك يحتاج إلى راحة لبعض أجهزته، وهذه الراحة جعلها الله سنوية لزاما أي حتما في هذا الشهر، ويندب فيما سوى ذلك أن يصوم الإنسان فالصيام ليس مختصا برمضان بل رمضان يجب صومه، وفي السنة يصوم الإنسان فرضا قضاء رمضان والكفارات وكذلك النذور فهي من الواجبات من الصيام ويصوم السنن وهي الأيام المؤكدة في السنة، كستة أيام من شوال وكصيام عاشوراء ويوم قبله أو يوم بعده، وكذلك الإكثار من الصيام في الأشهر الحرم كلها، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الفرد، وكذلك صيام يوم الاثنين ويوم الخميس دائما، وكذلك الإكثار من الصيام في شعبان فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يكثر الصيام فيه، وفي حديث عائشة ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر غير رمضان، وما رأيته في شهر غير رمضان أكثر منه صياما منه في شعبان، وكذلك في السنن عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله أراك تكثر الصيام في شعبان فقال: ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، ومن فوائد الصوم على البدن كذلك أن الإكثار من المآكل والمشارب يزيد الكولسترول في الدم، ويزيد الإنسان كذلك إخلادا إلى الراحة والنوم ويزيد الترهل والسمنة، والصيام مخفف لذلك ومعين على التخلص منه إذا أداه الإنسان على وجهه الصحيح، ونحن نعرف أن بعض الناس بدل ما يوزع وجباته في أربع وعشرين ساعة إذا كان صائما يحصرها ويزيد عليها في وقت ضيق في الليل فيكون هذا استعمالا سيئا للمفطرات وفيه ضرر عليه، لكن إذا كان الاستعمال استعمالا جيدا على الوجه الصحيح، فتناول طعام الإفطار بخفة عند الإفطار ثم بعد ذلك تناول عشاء خفيفا أو سحورا والسحور أفضل فهذا كاف وفيه الفائدة للبدن وهي الفائدة المتوخاة بتقليل الوزن لأن الله سبحانه وتعالى قوم الإنسان فجعله في أحسن تقويم، فكل عظم من عظامه عليه قدر من الوزن يمكن أن يحمله، فإذا زاد وزنه على قدر طاقته وحمولته أدى ذلك إلى ضعفه وعجزه، وكذلك إذا زادت الشحوم فكثيرا ما تسد القنوات، وكثير من الأمراض التناسلية سببها زيادة في الشحوم وزيادة في الوزن فيسد كثير من القنوات وهكذا في كثير من الأمراض سببها ما يتناوله الإنسان من المفطرات وما يخرجه كذلك من الشهوات، ومن آثار الصوم على البدن كذلك أنه رياضة يتعود به الإنسان على الصبر والإنسان محتاج إلى الرياضة، فقد تعود الرياضة من بداية فطامه عن ثدي أمه فذلك أول رياضة يواجهها الإنسان، ومنذ ذلك الوقت فهو في رياضات يتعلم منها كثيرا من المهارات والخبرات ويتعود بها على العمل، والإنسان في الصيام يتعود على الصبر عن المآكل والمشارب والشهوات والصبر على الطاعات والقربات، وبذلك يصلح بدنه لما خلق من أجله، لأن هذا البدن إنما خلق من أجل عبادة الله، وقد قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين}، فإذا لم يحسن الإنسان هذه العبادة التي من أجلها خلق فهذا البدن لا خير فيه لأنه صنع لشيء فلم يحسنه، وكل هذه الأجهزة إنما صنعت من أجل حكمة محددة، وإذا لم تؤدها لم يكن لها ثمن، هذا الجهاز صنع من أجل التسجيل، فإذا لم يؤد هذه الحكمة التي من أجلها صنع لا يمكن أن يشتريه أحد ولا أن يبذل فيه ثمنا بل يرمى في القمامة لأنه ليس فيه نفع ولا فائدة، والإنسان خلق من أجل العبادة، فإذا لم يؤدها كان كالجهاز المعطل الذي ليس فيه نفع ولا فائدة، وكذلك فإن من فوائد الصيام على البدن أنه أيضا راحة واستجمام، فإذا صام الإنسان طيلة اليوم فحان وقت الإفطار فسيجد في نفسه رغبة في الأكل والشرب، وهذه الرغبة هي التي تجعل الشرب والأكل نافعا للجسم، لأن الإنسان إذا كان يأكل من غير رغبة فسيدخل الطعام على الطعام ويكون في ذلك ضرر كبير، ولهذا يحتاج الإنسان إلى استجمام وراحة حتى يرغب في الملذات والشهوات، وفي ذلك حكمة أخرى وهي أيضا إحساسه بنعمة الله، فالإنسان المتعود على أنه كلما مضت ساعة من نهار أو من ليل أكل أو شرب وهو مستمر طيلة وقته على هذا لا يحس بنعمة الله بذلك، لكن إذا صام واشتهى الطعام والشراب فإنه يحس بالنعمة حينما يطعم وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح البخاري وغيره أنه قال: للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، وبعض أهل العلم يفسر تلك الفرحة عند فطره بأنها فرحته بإباحة الطعام والشراب له، ولكن الواقع أنها فرحة أخرى أكبر من ذلك وهي أنه فات الشيطان بيوم كامل من أيام حياته وقدمه عبادة لله وإرضاء له، وأيضا فإن فرحته عند لقاء ربه هي بنجاحه في مهمته وأدائه لواجبه، ولكثرة ما يشهده من الأجر لهذا الصيام، ومن حكم الصيام ما بينه الله تعالى في آية البقرة بقوله: لعلكم تتقون، فهو مدرسة للتقوى، فالإنسان يتعود في صيامه على ترك ما يشتهيه فيقتضي ذلك منه أن يصوم دائما عن المحرمات، فإذا كان يتعود على ترك الماء البارد وهو محتاج إليه محب له في حال الصيام فمعنى ذلك أنه سيتعود على ترك ما ليس له من المال المحرم ومن الغلول ومن السرقة ومن نهب المال العام، ومن شرب الخمور ومن كل محرم فيتخلص من ذلك كله، وهذا معنى: لعلكم تتقون، فالصوم داع للتقوى، وكذلك من حكمه أيضا مضاهاة الملائكة الكرام، فالملائكة عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون، وعبادتهم ليس فيها انقطاع، لا يقطعونها بأية حاجة أخرى، ولذلك قال: لا يفترون، وهذا شامل لجميع الساعات، فهم لا يفترون من العبادة، خلقوا من أجلها وأوتوا قوة عليها فلا يفترون، وقد جاء في الحديث أطت السماء وحق لها أن تئط فما فيها موضع أربعة أصابع إلا وملك لله فيه ساجد أو راكع، فهم على عبادة مستمرة، والإنسان عبد لله كما أن الملائكة عباد لله، وهو يريد القرب من الله سبحانه وتعالى ومنافسة عباده، فلذلك يحب من كان عابدا لله حق عبادته حبا شديدا، وسر ذلك أننا نحب الله جل جلاله فنحب أن نعبده، وما عجزنا عنه من العبادة إذا قام به غيرنا أحببناه لعبادته لله، فنحب الملائكة والأنبياء وصالحي الإنس وصالحي الجن بسبب عبادتهم لله وما يتقربون به إليه من الطاعات، وهذا الحب يقتضي منا انطباعا بهم وتأسيا بهم، فكل من أحب أحدا فلا بد أن ينطبع ببعض أخلاقه، أو أن يحاكيه في بعض أموره ومحبتنا للملائكة على أساس عبادتهم لله تقتضي منا نحن حرصا على الاستمرار على العبادة والانقطاع لها في الساعات بحسب ما يتيسر، وليس في ذلك مدعاة للمشقة فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم ولكن ساعة وساعة، قال: لو تدومون على ما تكونون عليه عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات ولكن ساعة وساعة، ومن هنا فإن الصيام محاكاة لعبادة الملائكة لدوامه واستمراره، فالإنسان وهو في عمله أو في وظيفته أو في تجارته أو في سفره في الشارع أو في منامه هو في عبادة مستمرة يكتب له الصوم وهو نائم، ويكتب له وهو قائم ويكتب له وهو يعمل أعمالا أخرى، فهو في صلاته مشتغل بعبادة أخرى، وهو في زراعته أو تجارته أو صناعته مشتغل بعبادة أخرى، فهي عبادة لا تشغل عن غيرها من العبادات بخلاف غيرها، فيصعب على الإنسان أن يجمع بين غيرها من العبادات والطاعات، نعم قراءة القرآن في الصلاة هي جمع بين أنواع أخرى من العبادات والذكر والدعاء في الصلاة هو جمع بين أنواع من العبادات، لكن العبادة المستمرة في حال النوم واليقظة هي الصيام وحده، فلا يمكن أن يكون الإنسان عابدا في نومه إلا بها، وهي كما ذكرنا محاكاة لعبادة الملائكة، واستشعار الإنسان بذلك يقتضي منه سموا ونموا وبالأخص للنفس، فهذه النفس ليست من هذا العالم الأرضي وإنما هي نفخة علوية غيبية من أمر الله جل جلاله، وهي محبوسة هنا في هذا الجسم، وهي تنتظر التخلص منه والخروج، وخروجها إذا كان إلى خير فسيناديها ملك الموت عند قبض الروح يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي.

وإذا أحست النفس بمحاكاة الملائكة فإنها ستسمو وترتفع عن مقتضيات هذه الدنيا، وكذلك من حكم الصوم أنه أيضا وقت يستجاب فيه للإنسان الدعاء، وإحساس الإنسان باستجابة الدعاء تقوية عظيمة له، لأن الإنسان يحب أن ينال وسائل القوة، وهو محتاج إليها، سواء كانت قوة جسمية أو عقلية أو روحية، فكل إنسان ولو كان في آخر عمره محب للقوة، يحب أن يكون لديه من القوة ما يفعل به ما يريد فعله، وأقوى القوى الدعاء، لأنه يصطرع في السماء مع البلاء، ولا يرد القدر إلا الدعاء، كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فاستجابة الدعاء تقوية ليس لها حدود ولا حصر، ولذلك يحتاج الإنسان إلى استجابة الدعاء دائما، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: للصائم دعوة لا ترد، وهذه الدعوة اختلف فيها فقيل: هي دعوة في وقت صيامه لأنه قال: للصائم، وهذا يقتضي أنه متصف بالصوم إذ ذاك، وقيل: هي دعوة عند فطره، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر الدعاء عند فطره، فقد كان إذا أفطر يقول عند تناوله للمفطرات: اللهم لك صمت وبك آمنت وعلى رزقك أفطرت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله، وهذا دعاء كله لأن ما كان منه ثناء على الله واعترافا بنعمته مثل ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله، هذا اعتراف بنعمة الله وتحدث بها، والتحدث بالنعمة شكر، والشكر سبب للزيادة لأن الله تعالى يقول: وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد، وهذا الإحساس باستجابة الدعاء قوة عظيمة لدى الإنسان وحرص منه على عدم ضياع أوقاته، وحرص منه على عدم ذهاب دعوته في غير طائل، فلذلك لا يمكن أن يدعو بما لا نفع فيه، ولا يمكن أن يدعو على إنسان أو أن يظلم في دعائه لأنه يعلم أن دعاءه الآن مهم ففيه دعوة لا ترد وهي مستجابة، فهو يحرص على توخيها ويريد أن تكون دعوته من طلوع الفجر إلى غروب الشمس أو حتى بعد الإفطار، دعوة خالصة لما يحتاج إليه من أمور آخرته ومن أمور دينه وكذلك من أمور دنياه، وكذلك فإن من حكم الصيام أنه أيضا سبب لتوحيد المسلمين واجتماع كلمتهم، فإحساس الإنسان أنه منتم لأمة وأن هذا الشهر شهر الصوم تصوم فيه الأمة من قاصيها إلى دانيها، وهو شهر موحد بين المسلمين حتى في وجباتهم وأوقات طعامهم وشرابهم وقيامهم فيحس المسلمون فيه بالتوحد، وهذه الوحدة مقصودة في كل العبادات، فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أساس الوحدة بين المسلمين، والصلاة يطلب فيها تساوي الصف وتناظره، عباد الله لتسون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم، وكذلك الزكاة فيها تكافل اجتماعي وقيام بمصالح الفقراء، وكذلك الصوم فيه هذا التوحد العجيب، وكذلك الحج مؤتمر عام للمسلمين يثوبون إليه من مشارق الأرض ومغاربها وهكذا في كل أنواع الطاعات كما قال الله في الجهاد: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص}، فكل ذلك من حكم هذه الطاعات نسأل الله أن يلهمنا الطاعة وأن يستجيب دعاءنا وأن يتقبل منا.

 


عدد مرات القراءة : 6137



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22905702
المتواجدون الأن       12
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو