» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
حفظ الجوارح




بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى قد ائتمن الإنسان على ما أنعم به عليه من النعم، ومن ضمن ذلك جوارحه التي خصه الله بها، وهي نعم عظيمة، لو قدرت لما وفى بها أي ثمن.

فحفظ الإنسان للسانه مما حرم الله عليه ومنعه من الوقوع في المناهي اللفظية، ومنعه كذلك من الوقوع في اللغو الذي لا فائدة فيه هو من أمانة الإنسان، وكذلك حفظه لسمعه وبصره وسواهما من جوارحه كل ذلك من وفائه بأمانته لله سبحانه وتعالى، فهو مؤتمن على هذه الجوارح ويجب عليه ألا يضعها إلا حيث أذن له في ذلك، وتشغيلها في غير ما خلقت له هو من إتلافها وإضاعتها، وأخطر الجوارح وأشدها ضررا اللسان، فإن الإنسان إذا لم يحفظه أورده الموارد كما ثبت في حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ألا أدلك على ملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا رسول الله فأخذ بلسانه فقال: كف عليك هذا، قلت: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به، قال: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم أو قال على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم.

فحصائد الألسنة فيها خطر كبير، ولذلك ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الرجل ليتكلم بالكلمة الواحدة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفعه الله بها الدرجات العلى من الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة الواحدة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها سبعين خريفا في قعر جهنم.

والمقصود بـ لا يلقي لها بالا أي لا يقدر لها وزنا ولا يظنها ذات خطر، وليس المقصود بذلك أنه لا ينويها ولا يحضرها، فالإنسان قد رفع عنه الخطأ والنسيان فما لم يقصده الإنسان ولم ينوه لا إثم عليه فيه

وبين سبحانه وتعالى عقوبة الكذب وخطره، وأنه من مظاهر النفاق، قال: والله يشهد إن المنافقين لكاذبون، وبين النبي صلى الله عليه وسلم كذلك ما يقود إليه الكذب فقد صح عنه أنه قال: إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا، والكذب من صفات المنافقين كما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان، وكذلك ثبت عنه أنه قال: أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب وإذا ائتمن خان وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر.

ومن هذه المناهي كذلك التي يجب حفظ اللسان عنها الغيبة، وهي التكلم في أعراض المسلمين بما يكرهون،

والغيبة يستحلها كثير من الناس من حيث لا يشعرون، فيظنون أن كثيرا مما يقولون ليس داخلا في نطاق الغيبة، وذلك خطأ فأي كلام في إنسان غائب بما يكرهه هو داخل في نطاق الغيبة، سواء تعلق ذلك بخ

وكذلك من هذه المناهي التي لا بد من حفظ اللسان عنها النميمة، وهي نقل الكلام على وجه الإفساد، وقد حذر الله من ذلك، وبين النبي صلى الله عليه وسلم خطره، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن النمام لا يدخل الجنة، فقال: لا يدخل الجنة قتات، وهو النمام، وكذلك قال: لا يدخل الجنة: مدمن الخمر ولا عاق لأبويه ولا نمام.

فالذي ينقل الكلام على وجه الإفساد بين الناس ممنوع من دخول الجنة بمعنى أنه لا بد أن تسوء خاتمته فيموت على الكفر نسأل الله السلامة والعافية، والناس يستحلون ذلك يتقربون به إلى الناس ويرتزقون به ويريدون أن ينالوا منه مكاسب دنيوية ولا يعرفون الخطر الداهم الذي فيه، وأنه سبب لسوء الخاتمة ومنع من دخول الجنة، وهو سبب كذلك لعذاب القبر لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بقبرين جديدين فقال: أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، ثم قال: بلى أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ويدخل في ذلك التجسس على الناس فهو داخل في النميمة وهو أكبر منها لأن الإنسان قد توصل إلى ما ينقله عن طريق غير شرعي

وكذلك من هذه المناهي الوعود الكاذبة، فالإنسان إذا وعد وعدا يلزم أن يفي به، فقد قال الله تعالى:

وإخلاف الوعد يشمل كذلك كثيرا من الأمور التي يتهاون الناس بها، فالبرنامج الانتخابي الذي يقدمه الإنسان للناس ليصوتوا له هو من الوعود ويلزمه أن يبذل الجهود في الوفاء به، بل ينعقد الوعد بأقل من ذلك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمع امرأة تنادي ولدها الصغير فتقول: تعال أعطك، فسألها ماذا تريد أن تعطيه، فقالت إنها تستدعيه ليأتيها فقال: جمرة من النار، فبين أن مجرد الوعد إذا لم يف به صاحبه ولم يقصد الوفاء به ولو كان لولده الصغير في مقابله عذاب من النار نسأل الله السلامة والعافية، وهذا الوعد إنما يتقوى على عقده دون قصد الوفاء به من لا خلاق له، ولذلك يقول أحد الشعراء:

يتفيهق الغمر المغمر مسهبا

الله يعلم أن هذا عاجز              فيما يقول وأن هذا معجز

كالوعد يقوى المخلفون بحمله              ويهاب عقدة حمله من ينجز

وكذلك من هذه المناهي التي تجري على ألسنة الناس في رمضان وفي غيره الطعن في الأنساب، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه من أمر الجاهلية وأنه باق في هذه الأمة، وهو اغتياب للأحياء والأموات معا، وقد يكون قذفا أيضا لنفي نسب معروف فيكون ذلك أشد لأن القذف من أكبر الكبائر، كما بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حذر الله تعالى منه في كتابه فقال:

وكذلك من هذه المناهي القول على الله بغير علم، فكثير من الناس يستبيحون الفتوى والكلام في أمور الشرع بما لا يعلمون، وكل ذلك هو من التقول على الله، وقد قال الله تعالى:

وكذلك من هذه المناهي التي لا بد من حفظ اللسان عنها في رمضان وفي غيره الإكثار من تزكية الناس ومدحهم لقصد أخذ ما في أيديهم من المال مع أن الإنسان لا يعتقد صدق ما يقوله فيهم، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أتاكم المداحون فاحثوا في وجوههم التراب، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من هذا المدح إذا كان في الوجه فبين أنه قطع لظهر الممدوح إذا كان في وجهه وكان بالصدق، فكيف إذا كان على خلاف ذلك.

وكذلك اللغو فهو محذور مطلقا وبالأخص في رمضان فالإنسان إذا كان صائما فعليه أن يجتنب كل ما هو لغو من الكلام فهو في عبادة لا بد أن يظهره عليه خشوعها وأثرها، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، والله تعالى يقول:

كذلك غير اللسان من الجوارح لا بد من حفظه، فالعين لا بد من حفظها عن النظر إلى ما حرم الله، ويعين على حفظها أن يتذكر الإنسان أنها نعمة لديه، وأن كثيرا من الناس حرمها، فليتصور لو كان أعمى لا يبصر موضع رجله ولا يبصر ما يقع في ملابسه من الاتساخ، فقد أنعم الله عليه بنعمة البصر، فعليه أن يمنع بصره من الوقوع على ما حرم الله عليه، وكثير من الناس لا يكف بصره عن متابعة الحرام، وبالأخص في الشوارع التي تكثر فيها المناظر المحرمة وذلك خطر داهم لأن العين هي بريد القلب فتوصل إليه كلما وقعت عليه، وقد قال أحد الحكماء:

فإنك إن أرسلت طرفك رائدا

رأيت الذي لا كله أنت قادر               عليه ولا عن بعضه أنت صابر

ويقول الآخر:

كل الحوادث مبداها من النظر              ومعظم النار من مستصغر الشرر

كم نظرة بلغت في قلب صاحبها           كمبلغ السهم بين القوس والوتر

والمرء ما دام ذا طرف يقلبه

يسر مقلته ما ضر مهجته                 لا مرحبا بسرور عاد بالضرر

وكذلك السمع فلا بد من صونه عن سماع الحرام ويشمل ذلك صونه عن سماع الكذب، فقد عاب الله سبحانه وتعالى اليهود بأنهم

فسامع القول شريك له

وكذلك لا بد من صون الأذن عن سماع الموسيقى المحرمة، ولا بد من صونها كذلك عن سماع ما يتلذذ به من الكلام حيث لا يحل للإنسان ذلك، فكل هذا من الأمور التي لا بد من صون السمع عنها، وبالأخص إذا تذكر الإنسان أن أذنه هي بمثابة الوردة، وأن الكلام القبيح هو بمثابة النتن، فإذا مر على الوردة أفسدها، كما قال الحكيم:

والأذن كالوردة مفتوحة             فلا تمرن عليها الخنى

فإنه أنتن من جيفة                 فاحذر على الوردة أن تنتنا

وكذلك لا بد من حفظ اليد عن البطش فيما لا يحل، فقد أنعم الله عليك بالحركة والتصرف، وأنت تعلم أن كثيرا من الناس قد منعوا هذه النعمة فهم مشلولون يحتاجون إلى من يقلبهم، ومن يقوم بشؤونهم فإذا تذكرت هذه النعمة وأثرها عليك فعليك أن لا تصرف شيئا من قوتك ولا من بطشك إلا فيما أذن لك فيه، وهذا يقتضي أن يكون الإنسان رقيبا على يده فلا تأخذ إلا ما يحل له أخذه ولا تمتد إلا حيث يحل له مدها، وعلى الإنسان أن يكف يده عن الطمع في المخلوقين وأن لا يمدها إليهم بطمع، وأن يحاول أن يكون فقره وطمعه إلى الله جل جلاله، وهذا الذي يحصل به الاستقلال ويتحقق به للإنسان مراده، كما قال المكودي رحمه الله:

إذا عرضت لي في زماني حاجة                  وقد أشكلت فيها علي المقاصد

وقفت بباب الله وقفة ضارع                      وقلت إلهي إنني لك قاصد

ولست تراني واقفا عند باب من                  يقول فتاه سيدي اليوم راقد

وكذلك يقول الآخر:

لا تسألن بني آدم حاجة                    وسل الذي أبوابه لا تحجب

فالله يغضب إن تركت سؤاله

ويكفي من ذلك مذلة الحياة الدنيا، ورحم الله أحد علماء الشام فقد كان في جامع دمشق فجاء ملك من الملوك وهو جالس في مجلس تعليمه، فجلس الملك بين يديه فأطال الجلوس فمد الشيخ رجله لتعبه من الجلوس فكانت إلى اتجاه الملك، فغضب الملك من ذلك غضبا شديدا فلما ذهب استشار أصحابه ماذا يستطيع أن يذل به هذا الشيخ، فقالوا لا شيء أذل للإنسان من الطمع فأرسل إليه مالا فسيأتيك صاغرا، فأرسل إليه مالا فلما جاء رسول الملك يحمله قال له الشيخ: إن من يمد رجله لا يمد يده، فرجع خائبا بذلك.

وكذلك لا بد أن يتذكر الإنسان أن مس الحرام إنما هو إزهاق لطاقة وإذلال ليد، فمصافحة الأجنبية ومس شيء من جسدها كله إذلال لهذه اليد التي طهرها الله، وإزهاق لما خلق الله فيها من الطاقة، وما أولاك بها من النعم، وأنت تريد أن تأخذ بها كتابك بيمينك يوم القيامة، وتريد أن تشرب بها من حوض النبي صلى الله عليه وسلم، وتريد أن تصافح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فامنعها من مس الحرام ورحم الله عثمان بن عفان رضي الله عنه فقد قال: أدخر عند ربي عشرا فما تغنيت ولا تمنيت ولا مسست ذكري بيميني منذ بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى آخر حديثه، فإنه كان يجل يده لأنه بايع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يمس بها الأقذار، تعظيما لهذه البيعة ولصاحبها صلى الله عليه وسلم.

وكذلك الرجل فعلى الإنسان أن لا تحمله رجله إلى محرم وأن يحفظها

هذا الشيخ محمد الخضر بن ضيف الله الشنقيطي المكي رحمة الله عليه، وإذا تذكر الإنسان أنه في مخرجه وهو لا يدري أين يخرج ربما صادف فتنة تؤثر في إيمانه أو تؤثر في خلقه، وربما عرض نفسه لأذى فإنه حينئذ سيمسك رجله عن الذهاب إلى الحرام وبالأخص في حال صومه فهو في خشوع عبادة لا بد أن يستشعرها، وهكذا في بقية الجوارح، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: استحيوا من الله حق الحياء ثم قال: أتدرون ما الحياء من الله حق الحياء؟ قال

احفظ لسانك أيها الإنسان                  لا يلدغنك إنه ثعبان

كم في المقابر من قتيل لسانه       كانت تهاب لقاءه الشجعان

وكذلك الفرج لم يتعدد وما سواه

وليك ما تسمعه أكثر من                   ما أنت قائل له تكن فطن

لذاك لا ازدواج للسان                     وازدوج العينان والأذنان

وكثير من الناس في التزاماته يلتزم أمورا هو يعلم أنه عاجز عنها ولا يستطيع الوفاء بها، كتحمل كثير من الناس للديون التي لا يستطيعون الوفاء بها، وإضاعتهم لكثير من مال الآخرين ومن أوقاتهم في غير طائل وكل ذلك محرم لأنه مناف لحفظ هذه الجوارح.

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يملكنا أنفسنا بخير وأن لا يسلطها علينا بشر.

 


عدد مرات القراءة : 7865



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22513246
المتواجدون الأن       1
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو