» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
سلسلة العلوم الشرعية الشريط التاسع




كتاب \"طبقات الحنابلة\" لأبي يعلى وذيله لابنه ، وذيله كذلك لابن الجوزي ، ومن المتأخرين كتاب \"السحب الوابلة على برائح الحنابلة\" وهذا مختص بالوفيات ونحو ذلك.

ثم الطبقات المختصة بعلم آخر كطبقات القراء ، فقد ألف فيه عدد من الكتب ، قد ألف الحافظ الذهبي كتابه \"طبقات القراء الكبار\" ، وألف الداودي كتاب \"طبقات المفسرين\" ، والسيوطي كذلك \"طبقات المفسرين\" ، والسيوطي قد اختصر تذكرة الحفاظ للذهبي في كتابه \"طبقات الحفاظ\" في الحديث ، وهو مجرد اختصار لكتاب الذهبي ، وإن كان قد وضع على كتاب الذهبي عدد من \"الذيول\" ككتاب ابن النجار ثم كتاب السيوطي الذي ترجم فيه لنفسه ، ولعدد من معاصريه.

وكذلك طبقات النحويين واللغويين مثل كتاب \"طبقات النحويين واللغويين\" لابن الأنباري ، \"طبقات النحويين واللغويين\" للزبيدي ، \"وبغية الوعاة\" للسيوطي وكذلك \"البلغة\" لمحمد بن يعقوب الفيروزبادي في طبقات النحويين واللغوين ، وكتاب السيوطي \"انباه الإنباه\" ، فهذه عدد من الكتب في تراجم أهل اللغة عموما ، النحويين واللغويين والبلاغيين.

وكذلك ما ألف من الكتب على الأمصار أو الأقاليم ، وكثير من هذه الكتب كما قلنا من قبل يسمى \"بالتواريخ\" لكن بعضها قد يسمى باسم خاص ، مثل \"النجوم الزاهرة في تراجم أهل مصر والقاهرة\" لابن بردي تغرى، ومثل كتب الحافظ بن حجر كتاب \"الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة\" وكتاب \"إنباه الغمر بأنباء العمر\" ، وهذه الطريقة التي سلكها الحافظ في \"الدرر الكامنة\" هي التي تبعها بعده السخاوي ، ثم جاء بعده الشوكاني فسار على نفس الطريقة في \"البدر الطالع\" ، وسلكها كذلك ابن العماد الحنبلي في كتابه شذرات الذهب ، والتواريخ الكبيرة كذلك فيها بعض هذه التراجم مثل كتاب \"تاريخ الأمم والملوك\" لابن جرير الطبري ، وكتاب \"البداية والنهاية\" لابن كثير ، وكتاب \"المنتظم\" لابن الجوزي ، وذيله لحفيده ، ٍوكتاب \"الكامل في التاريخ\" لأبن الأثير ، وكتاب \"العبر وديوان المبتدأ والخبر في أخبار من غبر من العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر\" لابن خلدون ، وكتاب \"الإحاطة بأخبار غرناطة\" ، وكتاب الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة\" ، وكذلك كتب المتأخرين مثل \"الاستقصاء في أخبار المغرب الأقصى\" ومثل \"المعرب في أخبار أهل المغرب\" ونحو ذلك، هذه فيها التراجم لكن أكثرها من الثناء ، بل قد يصل المستوى بصاحبها إلى أن يؤلف كتابا بكامله من السجع في الثناء مثل كتاب الفتح ابن خاقان الذي سماه \"قلائد العقيان\" كتاب كله سجع ، من أول الكتاب إلى آخره وهو مطبوع في مجلدين ، في تراجم الأشخاص ..

 ومثل هذا كتب الأسانيد فيتكلم في بعضها عن تراجم بعض الناس ، ومن أهمها الكتب التي تسمى بالفهارس، ومنها فهرست ابن المديني ، وفهرست القاضي عياض المسمى بالغنية ، وفهرست الشيخ زروق ، وفهرست ابن عطية ، وفهرست ابن خير ، وفهرست ابن رشيد ، وفهرست أبي الحسن ابن القطان الفاسي ، وغيرها من كتب الفهارس عموما ، فهذه كتب الفهارس فيها تراجم لكثير من الرجال الذين قد يخفى على بعض الناس تراجمهم ، فمثلا عندما ذكر السخاوي الذين ألفوا في \"الجرح والتعديل\" وتكلموا في ذلك في رسالة له مختصة حققها الشيخ عبد الفتاح أبو غُد٦amp;#39;َه ـ رحمة الله عليه ـ ونشرها تحت عنوان \"رسائل في علم الحديث\" من ضمن الرسائل هذه ، ذكر السخاوي أن من الذين يتكلمون في \"الجرح والتعديل\" ويؤلفون فيه أبو الأصبغ بن سهل فبحث عنه الشيخ عبد الفتاح كل بحث فلم يجد له ترجمة ، وقال غفر الله لمن دلني على أي ترجمة له ، وهو إمام من أئمة المالكية المشهورين ، ترجمته معروفة وكتابه \"الأحكام لابن سهل\" مطبوع في مجلدين محقق ، وله تراجم في كتب المالكية ، لكن الشيخ ما بحث عنه في تراجم كتب المالكية ، وظن أنه في المحدثين في مكان آخر ، فما وجد له ترجمة ، ونظير هذا كثيرا ما يحصل فقد يخفى على الإنسان ترجمة إنسان إذا لم يكن له كتاب بين يديه أو لم يجد له مظنة كما حصل لابن حزم مع الترمذي ، قد روى حديثا في المحلى من طريق الإمام الترمذي ، فقال : \"ومحمد بن عيسى بن سورة مجهول\" ، فضعف الحديث بسببه.

أما فائدة هذا العلم فهي عظيمة جدا ، لأنه به يكتشف الزيف والكذب ، وبه يذب عن السنة ، وبه أيضا يعرف تاريخ الأمة وأعلامها ومشاهيرها ، ويقتدى بهؤلاء ويتبعون وفي ذلك يقول عبد الله بن المبارك : \"سير الصالحين جند من جنود الله يثبت الله بها قلوب عباده المؤمنين\" ومصداق ذلك من القرآن قول الله تعالى : ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين ) هذا جند من جنود الله للتثبيت ، وكم من إنسان اهتدى بسبب قراءة سيرة عالم من العلماء أو قائد من القادة ، فهي مؤثرة جدا ، والاشتغال بها نافع في التربية ولذلك احتاج الناس في زماننا هذا إلى أن يستلخصوا بعض المستلخصات من كتب التراجم والسير ، ومن الكتب الجيدة في هذا الباب كتاب مطبوع في سبع مجلدات حول علو الهمة اسمه \"نفع الأمة في علو الهمة\"، يستلخص الحكايات الغريبة في التراجم والسير، فيأتي فيها بأشياء مبدعة مفيدة جدا ، كتاب يباع في السوق هنا ، مثل ذلك كتابات الشيخ الدكتور محمد عقيل موسى في ملخصاته وغيره من الذين اعتنوا بهذا الباب.

ومما يفيد فيه هذا العلم كما ذكرنا ، جرح الذين يدعون غير الواقع كما حصل للحاكم مع رجل سمعه يحدث عن هشام بن عمار فقال أيها الشيخ متى دخلت مصر ؟ فقال : سنة مائتين وثمانين ، فقال : إن هذا الشيخ قد لقي هشاما فحدثه بعد موته بإحدى عشرة سنة !! فبهت الرجل ، فالتاريخ مهم جدا في هذا الباب ولذلك فإن الله تعالى استدل به في كتابه فقد قال ( وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ) حين ادعى اليهود أن إبراهيم كان يهوديا ، وادعى النصارى أنه كان نصرانيا ، استدل الله بالتاريخ فقال : ( وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده ) فهذا غاية في تكذيب ما هم عليه ، فاليهودية إنما بدأت من نزول التوراة ، والنصرانية إنما بدأت من نزول الإنجيل ، فكيف يكون إبراهيم يهوديا أو نصرانيا ، وقد حصل للخطيب البغدادي أمر مهم في هذا الباب وهو أنه جاء اليهود في أيامه بكتاب يزعمون أنه كتاب من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بإسقاط الجزية عنهم ، وأنه قديم لديهم وأن الخلفاء كانوا يظلمونهم ، فأخرجوا كتابا قديما جدا ، وجاءوا به إلى الخليفة ، فعجب الخليفة لذلك وهُم٦amp;#39;َ له هما عظيما ، ودعا العلماء في مشارق الأرض ومغاربها ، حتى وصل كتابه إلى الخطيب البغدادي فلما نظر فيه بصق عليه ، قال هذا مكذوب على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال له من أين لك ذلك ؟ قال في شهوده سعد بن معاذ ومعاوية بن أبي سفيان وما اجتمعا في الإسلام ، فسعد جرح يوم الأحزاب ومات بعد غزوة بني قريظة في العام الخامس من الهجرة ، ومعاوية أسلم بعد الفتح في العام الثامن من الهجرة ، فكيف يكونان شهودا على كتاب واحد ؟ أبطله بالتاريخ.

أما فضله : فهو بحسب فائدته ولا شك أن الذين برزوا في التاريخ من علماء الأمة لهم مكانتهم وفضلهم الذي لا ينكره أحد كما ذكرنا في الحافظ الذهبي والحافظ بن حجر والأئمة الذين سبقوهم كالبخاري وابن جرير وغيرهم من الأئمة الأعلام، فالمؤرخون والمعتنون بالسير عادة إنما هم الجهابذة الفطاحلة الكبار.

أما حكمه : فهو فرض على سبيل الكفاية ، إن لم يكن في بلد من البلدان من يعرف الجرح والتعديل أو يعرف الرجال وتاريخهم بحيث يمنع وضع الحديث على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنهم يأثمون بذلك جميعا ،وإن وجد فيهم من يقوم بذلك كفى ، عند المتأخرين يكفي الرجوع إلى الكتب ٍكما قال السيوطي:

*ويكتفي الآن بالرجوع إلى المصنف *

إذا وجد في بلد كتب تكفي لهذا ، ووجد من يمكن أن يستفيد منها ويطلع عليها كفاهم ذلك في حصول فرض الكفاية ، ولم يأثموا لكن يبقى مع ذلك ذا فضل عظيم لمن يشتغل به ويقوم بفرض الكفاية عن المسلمين ، وكل أمة تقدمها وتطورها راجع إلى عنايتها بتاريخها لأن الأمة التي لا تاريخ لها معناه أنه ليس لها أمجاد ، ولذلك تحتاج الأمة في كل زمان إلى تدوين خطواتها وتراجم رجالها.

كذلك مستمد هذا العلم إنما هو من سيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن سير خلفائه الراشدين وتواريخ السابقين فالأمم السابقة بعضها كانت لها تورايخ ، فلذلك رجع إليها المسلمون ، فكتبوا على غرارها وأبدعوا وأفادوا وأجادوا ، وما يذكر فيه من الجرح والتعديل ليس غيبة ولا طعنا، بل قال يحيى بن معين إنا لنتكلم في رجال يوشك أن يكونوا حطوا أرحلهم بالجنة  قبل مائة عام ، ولكن لأن يكونوا خصما لنا أحب إلينا من أن يكون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خصما لنا ، وهؤلاء هم الجهابذة الذين يذبون عن السنة ، ولذلك يتكلمون في الناس عمدا لينفروا، ولهذا قال عبد الله بن المبارك : \"والله لو هم رجل من الليل بالصين أن يضع حديثا على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأصبح الناس ببغداد يقولون فلان كذاب وضاع\" هذا من حفظ الله لسنة نبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ .

أما مسائل هذا العلم فهي تنقسم إلى قسمين إلى جانب نظري وجانب تطبيقي ، فالجانب النظري هو قواعد الجرح والتعديل والطبقات ، والجانب التطبيقي هو ما يقال في ترجمة كل إنسان وحده ، وهو علم الرجال ، ولهذا يمكن أن يقال إن هذا العم اليوم ينقسم إلى ثلاثة أقسام أو ثلاثة أنواع من المؤلفات :

 الكتب التي تعتني بألفاظ الجرح والتعديل وهي نادرة يسيرة ، غير مستقلة قديما بالتأليف وإنما بدأ المتأخرون يتكلمون فيها ومن أهم المؤلفات في هذا الباب كتاب \"الرفع والتكميل\" لعبد الحي اللكنوي والد الشيخ أبي الحسن الندوي ، وكذلك رسائل السخاوي ، وكذلك \"ملئ العيبة بما جمع في طول الغيبة\" لابن رشيد ، ومن المتأخرين الذين كتبوا في هذا الباب مثلا حسين أبو لبابة كتاب قواعد الجرح والتعديل ، وكذلك الطحان له فيه كتيب كذلك في قواعد الجرح والتعديل ، قواعد التحديث في المصطلح ذكرناه من قبل ، وإن كان تعرض فيه لبعض ألفاظ الجرح والتعديل مثل كل كتب المصطلح ، فكل كتب المصطلح يتعرض فيها لألفاظ الجرح والتعديل ، لكن نحن نريد كتبا مختصة في هذا العلم.

أما الجانب التطبيقي فهو قسمان قسم ـ كما ذكرنا ـ في التاريخ ولا يعتني فقط بالرجال الذين يروون السنة ، بل يعمم ذلك فيتعرض للملوك والأمراء والقادة وحوادث السنين ، والقسم الثاني ما يتعلق بالرجال فقط ، تراجم الرجال الذين رووا السنة ، وهو قد ذكرنا أمثلته.

بهذا نكون قد أتينا على مقدمات هذا العلم.

......................................................................................

الأسئلة :

السؤال1: ما هي أهم الكتب المختصة بتراجم الصحابة؟

الجواب: الكتب المختصة بتراجم الصحابة مختلفة باختلاف العصور ومن أهمها كتاب \"الاستيعاب\" للحافظ أبي عمر بن عبد البر ، وله كتب في هذا العلم ، منها أيضا كتابه \"الاستغناء في الألقاب والكنى\" ، والحافظ بن حجر أيضا ألف كتاب \"الإصابة في تمييز الصحابة\" ، وابن الأثير ألف كتاب \"أسد الغابة في تراجم الصحابة\" والنسائي ألف الذين بلغوا الاجتهاد من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في رسالة ، وعدد من الأئمة ألفوا في الصحابة منهم الحافظ أبوا نعيم في كتابه \"معرفة الصحابة\" وقد حقق الكتاب الآن ، وكان قديما قد حقق منه ثلاث مجلدات في رسالة دكتوراه ثم كمل.

بالنسبة \"لحلية الأولياء\" للحافظ أبي نعيم أراد فيه التركيز على القصص والتراجم وأراد فيه كذلك ما يتعلق بالزهديات ، ولهذا يذكر في ترجمة كل إنسان تعريفا للتصوف ، فذكر فيه أكثر من ألفي تعريف للتصوف ، في ترجمة كل واحد من الصحابة أو من الأئمة الأعلام يقول ويقال : إن التصوف كذا وكذا ، فيذكر وصفا من أوصاف هذا الرجل مناسبا لذلك التعريف الذي ذكر في الترجمة ، وجمع فيه عددا كبيرا من الأحاديث التي هي متفاوتة في الدرجات منها ما يندر وجوده في غير الكتاب أصلا ، ومنها ما يكون موجودا في غيره لكن ليس له إسناد فيوجد إسناده لدى أبي نعيم ، مثل بعض الأحاديث التي وردت في كتاب الديلمي \"الفردوس في مأثور الخطاب\" فإن الحافظ أبا نعيم أخرجها بأسانيد في كتاب \"الحلية\" ولهذا فالحلية كتاب مهم من عدة أوجه سواء من جهة وجود أحاديث لا توجد في غيره ، أو من جهة ذكره للتراجم وهو محل ثقة ، أو من جهة الدروس والعبر والأمور التربوية لعنايته هو بهذا الجانب ، لكن مع ذلك فيه حشد من الأحاديث الضعيفة.

بالنسبة للشيخ محمد سالم كان يريد نظما للتهذيب أو على الأقل تهذيب التهذيب لابن حجر ، وقد نظم منه الإبراهيمين أوالأحمدين ولكن لم يكمل النظم إلى الآن ولم يخرج شيئا منه للناس، وقليل ما أحفظ منه لأني ما أطلعني إلا على أشياء منه نادرة، منه مثلا في الرد على ابن حزم في طعنه في عبد الملك بن حبيب المالكي يقول :

وابن حبب قد رمى بالكذب** أبو محمد ابن حزم وأبي

إذ لم يكن من قبله من يجتري** به عليه قاله ابن حجر

وهكذا .

بالنسبة للمنهج الذي سلكه الحافظ بن حجر ـ رحمه الله ـ في الإصابة ، أنه جعل الصحابة على أربعة أقسام ، القسم الأول هم الصحابة الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم ـ وغزوا معه ، وعرفوا بالصحبة وهذا مرتب على الحروف ، ثم القسم الثاني وهو لصغار الصحابة وأولادهم ثم القسم الثالث للذين ولدوا في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلعله أن يكون رآهم ، والقسم الرابع للذين قيل بأنهم من الصحابة ولو كان ذلك القول ضعيفا ، حتى إنه عقد في هذا القسم ترجمة مثلا للخضر ، وترجمة لأبي طالب وغير ذلك من الذين قيل بأنهم أسلموا في حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولذلك قال البدوي ـ رحمه الله ـ :

*القسم الاَول من الإصابة    للعسقلاني هم الصحابة*

ونظم البقية في الأقسام الأربعة ، وأفرد بن حجر النساء في الآخر على عادة أهل علم الرجال أنهم يرتبون الرجال أولا على الحروف ثم يأتون في الأخير بالنساء وأول من فعل ذلك محمد بن سعد فالأجزاء الأولى من الصحابة للرجال ، والجزء الأخير أفرده للنساء.

بالنسبة للصحابة عموما كثير منهم لم يترجم لهم وإنما ترجم للذين لهم رواية أو ذكرت أسماؤهم في الحديث ولذلك الإصابة فيها ثمانية آلاف وستمائة تقريبا وعدد يسير ، فهؤلاء هم الذين ترجم لهم الحافظ بن حجر ، والصحابة مئات الآلاف ، بل قد صرح هو بأن الذين شهدوا حجة الوداع ووقفوا بعرفات مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أكثر من مائة وعشرين ألفا، الحافظ نفسه قال ذلك ، ولكن الواقع أنهم أكثر من ذلك بكثير لحديث جابر في صحيح مسلم حيث قال : \"فوفد إلى المدينة خلق كثير، وذكر أيضا أنه حين استقلت به ناقته يقول : \"فنظرت بين يديه فإذا مد البصر ، وعن يمينه مثل ذلك ، وعن شماله مثل ذلك ، ومن خلفه مثل ذلك\" ، هؤلاء لا يحيط بهم عد مع أن هذا في المدينة فقط فكيف بالذين لحقوا به وسط الطريق ، وأهل مكة الذين خرجوا معه جميعا والذين أتوا من اليمن مع علي وأبي موسى ، والذين أتوا من المشرق ، خلق لا يحصون ، وكلهم حصل لهم شرف الصحبة بالحجة مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، فلذلك إنما يحتاج في الترجمة إلى الذين رووا الحديث أو الذين لهم ذكر فيه ، ولهذا فمثلا بعض الناس لهم ذكر في الأحاديث لكن ما لهم رواية مثل الوليد بن عقبة بن أبي معيط ورد ذكره في عدد من الأحاديث منها في الصحيحين قضية جلده ، وغير ذلك ، لكن ما يروى له حديث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ...، لكن عموما عدد الذين ذكروا في الحديث ولم يرووه لم تكن لهم رواية في الحديث عدد كبير.

 

السؤال2: نلاحظ أن الحافظ في التقريب لا يحكم على بعض الرجال فما معنى ذلك؟  

الجواب: بالنسبة للحافظ في التقريب إذا لم يحكم على رجل بحكم معين لم يقل \"ثقة ولا \"صدوق\" ولا طعن فيه ، فمعناه أنه قد تردد هو الحافظ في الحكم ، فبيض له ، ولذلك فالذي يريد الرجوع إلى كلام الحافظ في التراجم بالدقة الأفضل أن يقارن بين عدة نسخ ، فالطبعات الموجودة من الكتاب في الواقع فيها تغيير كثير ، الكتاب \"تقريب التهذيب\" الطبعة القديمة هذه التي في مجلدين هي غاية ما يكون من الأخطاء ، طبعة الدكتور عوام كذلك فيها بعض السقط في التراجم ، ومن أراد أن يطلع على ذلك فليراجع تحقيق كتاب الدعاء للطبراني ، ففي مقدمته ذكر التراجم الساقطة من التقريب ، فهذا التحقيق تحقيق كتاب الدعاء مهم جدا فيما يتعلق بالتقريب ، والنسخ الجديدة هذه نسخة المشهور ونسخة الثاني لا يمكن أن يعتمد على نسخة واحدة منها فقط .

........................................................................................

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ، بالنسبة لعلم الاعتقاد علم من هذه العلوم التي كانت في الأصل داخلة في علوم الحديث ، ثم استقلت بعد بالتأليف ، وقد ذكرنا من قبل أن علم الحديث هو أصل العلوم الشرعية كلها فقد كان علم التفسير وعلم القراءات وعلم شروح الحديث وعلم الفقه والأصول كل ذلك داخلا في علم الحديث ولهذا تجدون كتب الحديث تشمل هذه العلوم كلها ، فهو أصل العلوم كلها ، ومنه تشعبت هذه العلوم الأخرى ، ومنها علم العقائد.

وإذا بدأنا في مقدمات هذا العلم فسنذكر أن حده أي تعريفه ينقسم إلى قسمين كغيره، إلى تعريف بالمعنى اللقبي ، وتعريف بالمعنى الإضافي ، فقولنا علم العقائد هذا مركب إضافي ، صدره علم ، ومعناه كما ذكرنا من قبل \"الفهم والمعرفة\" ، والمقصود به هنا الفن من الفنون ، والعقائد جمع عقيدة ، وهي ما ينعقد عليه القلب أي يجزم به ، وإدراك القلب أقسام ، فأقل مراتبه وأدناها الوهم ، وفوقه الشك ، وهو المستوي الطرفين ، وفوق ذلك الظن وهو ثلاثة أرباع العلم ، وفوق ذلك اليقين وهو العلم كله ، لكن اليقين إن كان لا يقبل الشك ولا الامتراء سمي اعتقادا جازما، وإن كان يقبل الشك والامتراء سمي اعتقادا غير جازم، والاعتقاد الجازم هو الذي يطلق عليه اليقين وليس معنى هذا أن علم العقائد كله قطعي، ولا تدخله الظنيات كما يتوهمه كثير من الناس، بل نحن نتكلم عن العلم بكامله، وفيه المسائل الخلافية وهي أكثره، وفيه المسائل التي لا يشترط معرفتها أصلا على المسلمين، ولا يطلب من كل مسلم معرفتها، بل لا ينقص ذلك من إيمان الإنسان ، جهل الإنسان بها لا ينقص من مراتب إيمانه، وذلك أن أقرب الناس إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حياته عائشة أم المؤمنين، وقد كانت تجهل بعض المسائل التفصيلية في العقائد كعذاب القبر، كما صح في الصحيحين أنها ما تعلمت ذلك إلا من عجوزين من اليهود، وكان ذلك في آخر حياة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقالت: \"فكذبتهما ولم أنعم أن أصدقهما، فلما خرجتا دخل علي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فسألته فقال: \"عائذا بالله من عذاب القبر\" ثم لم أزل أسمعه بعد ذلك يستعيذ بالله من عذاب القبر.

وعقيدة عذاب القبر من العقائد المتفق عليها، والقطعية بالأدلة، أما قطعيتها فهي على الراجح بأنها جاءت في القرآن وجاءت في السنن الثابتة ، أما في القرآن فمن ذلك قول لله تعالى: ( النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) فهنا قوله \"النار يعرضون عليها غدوا وعشيا\" هذا عذاب القبر، ومثل ذلك قوله: (ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون) فالمقصود به عذاب القبر، وقد جاء فيه عدد من الأحاديث الكثيرة مثل ما ثبت في الصحيحين في فتنة القبر من حديث أسماء بنت أبي بكر ـ رضي الله عنها ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال في خطبة الكسوف: \" إنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبا من فتنة المسيح الدجال ، لا أدري أي ذلك قالت أسماء ، فيقال للرجل ما ربك وما دينك وما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فأما المؤمن فيقول ربي الله ، وديني الإسلام ، والرجل المبعوث فينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو محمد ، هو محمد ، هو محمد ثلاثا ، جاءنا بالبينات والهدى فآمنا واتبعنا فيقولان له صدقت وبررت ، نم نومة عروس ، وأما المنافق أو المرتاب ـ لا أدري أي ذلك قالت أسماء ـ فيقول هاه هاه لا أدري كنت سمعت الناس يقولون شيئا فقلته ، فيقولان له لا دريت ولا تليت ، ويضربانه بمرزبة معهما لو اجتمع عليها أهل منى ما أقلوها ، وفي رواية بمطارق من حديد بين فوديه فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الإنس والجن\" وهذه الضربة دليل على عذاب القبر أنها منه، وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على عذاب القبر مثل ما ثبت في الصحيحين أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان في مجلس من أصحابه ذات ليلة فسمعوا أصواتا مفزعة فقال : \"تلك يهود تعذب في قبورها\" وكذلك ما ثبت في الصحيحين من وقوفه على أهل القليب بعد أن رماهم فيه ، فكلمهم وقال : \"ما أنتم بأسمع منهم لما أقول\" عندما قال له عمر ما قال.

وعلى هذا فعلم العقائد يشمل القطعيات والظنيات ، فظنياته المسائل الخلافية وما لا يقوم عليه دليل أصلي قوي ، أو ما يقوم عليه دليل ظني ، فكل ذلك يسمى ظنيا ، وأما القطعيات فهي مثل أركان الإيمان ، أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره ، ومثل ذلك ما يتعلق باعتقاد وجوب أركان الإسلام العملية ، فالذي يرى أن الأصول تختص بالجانب العلمي العقدي ، دون الجانب التطبيقي العملي مخطئ ، فلا شك أن اعتقاد وجوب الصلاة من الاعتقاد الواجب ، القطعي من الدين ، وأن اعتقاد حرمة الخمر والزنى والربا من أصول الدين الأصلية ، ومن أنكر وجوب شيء من ذلك القطعي فهو كافر ، لأنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة ، كابر فيه، هذا تعريفه بالمعنى الإضافي.

أما تعريفه بالمعنى اللقبي ، فإن علم العقائد \"علم من علوم الشرع ، يبحث فيه عما يجب على المسلم تعلمه أو يطلب منه من أمور الإيمان وما يلتحق بها\" ، فقولنا \"علم من علوم الدين\" ، فليس هو من علوم العقل المحضة ، ولا من علوم العادات التي تخضع للتجربة ، بل هو من علوم الدين ، معناه أن مبناه على الوحي ، \"يبحث فيه\" أي هذا موضوعه وسيأتينا الكلام في موضعه ـ إن شاء الله ـ \"في أمور الإيمان\" معناه ما يجب على المكلف أو يطلب منه تعلمه من أمور الإيمان ، ما يجب على المكلف تعلمه هذا الأصل ، والواجبات التي يجب تعلمها أركان الإيمان ، وكذلك في المقابل ما يجب تعلمه من واجبات الدين الأصلية كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج ، وكحرمة الزنى والخمر وقتل النفس التي حرم الله ، وغير ذلك من الأركان ، أو يطلب فعلم العقائد لا يختص بما يجب تعلمه بل يدخل فيه ما يطلب تعلمه عموما سواء كان ذلك الطلب على سبيل الوجوب الكفائي كما سنذكره من أقسامه كما به رد الشبهة أو كان على سبيل السنية أو الندب والاستحباب كتفصيلات هذا العلم بالنسبة لطلاب العلم فإنه تندب لهم الإحاطة بها ومعرفتها ، ولا يجب ذلك عليهم لأن ما ليس كفائيا منها لا يجب ، ومثل ذلك ما لو قام بفرض الكفاية من يكفي ، فإن البقية لا يجب عليهم تعلم تلك الجزئيات ، بل يندب لهم فقط، وقولنا \"من أمور الإيمان\" أي ما يتعلق بالإيمان، والمقصود بالإيمان هنا الإطلاق الأخص، لأن الإيمان يطلق إطلاقين ، يطلق إطلاقا عاما على كل ما جاء به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الدين فيدخل فيه اعتقاد القلب وعمل الجوارح والنطق باللسان فيكون شاملا لذلك كله ، فهو نطق باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان ، والإطلاق الخاص ، إطلاق الإيمان على الجانب العلمي الذي يتعلق بعلم القلب فقط وهو ركن من أركان الإيمان العامة ، وهذا الإطلاق هو في حديث جبريل حين سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الإيمان والإسلام والإحسان وكذلك هو في آية الحجرات في قول الله تعالى : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) ، ومثل حديث سعد بن أبي وقاص في صحيح البخاري أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أعطى رجالا ، وترك رجلا وسعد جالس ، فقال : قلت : يا رسول الله ما لك عن فلان ، فإني والله لأراه مؤمنا !! فقال : أو مسلما ، فسكت ، ثم غلبني ما أعرف فيه فقلت : يا رسول الله ما لك عن فلان فإني والله لأراه مؤمنا !! فعاد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمثل مقالته ، فسكت ، ثم غلبيني ما أعرف فيه ، فعدت لمثل مقالتي فعاد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لمثل مقالته\" ، فهذا الإيمان هنا إذا أطلق بالإطلاق الأخص تعلق بالجانب العلمي الذي يعتقده القلب ولا شك أن الترابط حاصل بينه وبين غيره من الجوانب لأن مبناها عليه ، والجوانب الأخرى مبناها على هذا العلم الذي يقر في القلب ، ويستقر في النفس فعليه تبنى الأعمال الظاهرة للجوارح وعليه تبنى الأخلاق الباطنية للنفوس ، فالدين كله مترابط على هذا ، لكن مقصودنا هنا الجانب العلمي فقط فهو الذي يتناوله علم العقائد ، ولا يدخل فيها تفصيلات الجوانب العملية ، لا في الأخلاق والسلوك ولا في التعبدات والمعاملات ، وإن كان بعض أهل العلم يورد بعض المسائل الجزئية أي المسائل العملية في مسائل الاعتقاد ويجعلها منها لكثرة الخلاف فيها ولاشتهار مذهب أهل السنة فيها ، ولكن هذا اصطلاح لا حرج فيه مثل ما تتداخل مسائل العلوم كلها ، فمثلا أحكام الإمامة وطاعة ولاة الأمور وما لهم من حقوق وما عليهم ، وأحكام البيعة وشروطها ، هذه مسائل عملية فقهية ، ولكن العلماء درجوا على إدراجها في علم العقائد ، وقد ذكر بعضهم أيضا بعض المسائل الأخرى كالمسح على الخفين الذي ذكره الطحاوي مثلا لأنه من الأمور التي اشتهرت مخالفة الروافض فيها ، وكذلك أحكام التكفير فقد يدرجها بعض الناس في علوم العقائد مع أنها من الأحكام الفقهية المختصة التطبيقية ومثل ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ومسائل الحسبة فهي من الفقه ، ولكن درج بعض المؤلفين في العقائد على إدراجها فيها لأن المعتزلة جعلوا من أصولهم أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمقصود عندهم الخروج على الأئمة ، وأخذوا ذلك من الخوراج ، هذا أصل عندهم ، والمسألة الأولى هي التي يدخلها الإرجاء، والكلام فيه أي مسألة التكفير يدخلها الكلام في الإرجاء ، المسألة الثانية هي التي يدخل فيها الخروج  وما يتعلق بالإمامة.

هذا عن حد هذا العلم.

أما موضوعه : فهو أركان الإيمان وما يتعلق بها ، هذا الذي يبحث فيه أصلا ، أركان الإيمان وما يتعلق بها.

أركان الإيمان تشمل أولا : معرفة الإيمان ما هو ؟ والقدر الكافي منه ، لأن الإيمان متفاوت الأطراف متنائي ، منه الأكارع ومنه ذروة السنام ومنه الأطراف المتباينة ، ودرجات الناس فيه متفاوتة جدا ، وهو يخلق ويجد في النفوس ويصدأ ، كما ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأقل ما يطلق عليه الإيمان من ذلك يوم القيامة يوزن بذرة أو بحبة من خردل ، أما في الدنيا فيحتاج إلى معرفته بالمسائل التي يتعلق بها الإيمان ، ولهذا يذكر في هذا العلم ما يتعلق بزيادة الإيمان ونقصه ، وقد اختلف العلماء في المقصود بزيادة الإيمان ونقصه ، فقالت طائفة المقصود بذلك قوة اليقين ونقصه ، وهذا الذي عليه جمهورهم ، أن الناس يتفاوتون في اليقين فمنهم من يكون يقينه قويا بحيث يكون أرفع عنده من الأسباب ، وذلك أن الإيمان ليس مجرد قناعة عقلية بل هو منحة ربانية ( ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا ) وكما في قوله : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون ) ومثل قوله : ( وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها قل إنما الآيات عند الله وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون ) فلذلك يتفاوت الناس فيه بحسب قوة هذه القناعة التي هي منحة ربانية تنزل في جذر قلوب الرجال ، وتزداد بالعمل والتقوى وبالابتعاد عن الشبهات ، وكلما ازداد الإنسان عبادة لله سبحانه وتعالى ازداد حظه من هذا النور الذي هو اليقين والثبات.

وقالت طائفة أخرى بل المقصود بزيادة الإيمان زيادة جزئيات ما يؤمن به الإنسان ، فكلما ازداد الإنسان علما بالاعتقاد ازداد إيمانا بمعنى أن تزداد الجزئيات التي يمؤن بها ، وذلك لقول الله تعالى : ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون ) فإذا أنزلت أية سورة سيزداد عدد السور التي يجب الإيمان بها فيكون الإيمان قد ازدادت أفراده ، لأنك قبل نزول هذه السورة كان يجب عليك الإيمان بالسور التي نزلت فقط ، وازدادت الأفراد بالسورة الجديدة ، فيزداد الإيمان بمقتضاها والتصديق بما فيها لكن هذا القول يشكل عليه أن الذين ماتوا قبل تكامل القرآن ليسوا أقل إيمانا ممن سواهم ، ولو كان المقصود بزيادة الإيمان ونقصه هذا المفهوم لكانت خديجة بنت خويلد ـ مثلا ـ من أقل الناس إيمانا لأنها توفيت قبل تكامل القرآن المكي فضلا عن المدني وليس هذا صحيحا ، بل نحن نعرف مستوى إيمانها الذي استطاعت به أن تثبت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وقت الحاجة ، قالت كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق ، وكذلك الذين قتلوا في المعارك الأولى في الإسلام كشهداء بدر وأحد وغيرهم ، فلا شك أن مستواهم في الإيمان في أعلى الدرجات ، فهم ( الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله ) وبذلك فليسوا في أدنى درجات الإيمان ، مع أن كثيرا من القرآن نزل بعد موتهم ، وكثير مما أخبر به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما يجب الإيمان به أخبر به بعد موتهم.

القول الثالث \" أن المقصود بزيادة الإيمان مجرد زيادة العمل ، فكلما ازداد الإنسان في التقوى اعتبر قد زاد إيمانه ، وكلما انتقص من واجباته أو فعل من المحرمات يعتبر قد نقص إيمانه بذلك ، وهذا القول مجازي ليس على حقيقته ، بل المقصود بذلك ما يلزم عليه لأنه لا شك أن زيادة الطاعات تزيد النور في القلب وزيادة ذلك النور في القلب هو الذي نعني بزيادة الإيمان ، فهذا القول راجع إلى القول الأول ، وليس مقصودا لذاته ، والذين يصرحون بأن زيادة الإيمان بزيادة الأعمال ، وأن نقصه بنقصها من أئمة السلف ، مقصودهم زيادة النور الذي يترتب على الأعمال لا نفس الأعمال ، ولذلك فمن الناس من يعمل أعمالا طائلة ولا تنفعه ، بل قد قال الله تعالى : ( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) ، وصح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال : \"أتدرون من المفلس فيكم ؟ قالوا المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، قال : \"المفلس من يأتي يوم القيامة وقد ضرب هذا وشتم هذا وأكل مال هذا ويأتي بحسنات أمثال الجبال ، فيعطى هذا من حسناته ، وهذا من حسناته حتى إذا نفدت حسناته ألقي عليه من سيئاتهم ثم ألقي هو في النار\".

بالنسبة لآية سورة المائدة ( ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين ) فيها خلاف في المقصود بها على ثلاثة أقوال.

القول الأول أن المقصود الذين فعلوا بعض هذه الأفعال قبل تحريمها وقبل نزول الآيات فيها كما كان حمزة شرب الخمر في الصحيح في نحره لناقتي علي اللتين كان ير يد أن يصدق بهما فاطمة ، وكغيره من الذين ماتوا قبل تحريم بعض المحرمات ، وقد كانوا وقعوا فيها ، فهؤلاء ليس عليهم إثم قطعا مما وقعوا فيه للبراءة الأصلية ، ولأن الإيمان يجب ما قبله، فما فعلوه قبل ذلك قطعا لا يضرهم.

القول الثاني : أن المقصود بها أن الحسنات يذهبن السيئات ، وأن الإنسان إذا استزله الشيطان فوقع في معصية ثم أحسن بعدها وأناب وتاب فإن حسنته تذهب سيئته ، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ :\"أتبع السيئة الحسنة تمحها\" ، كما قال الله تعالى : ( إن الحسنات يذهبن السيئات).

القول الثالث : أن المقصود بالآية أهل بدر وأهل بيعة الرضوان ، لأن الله أحل عليهم رضوانه الأكبر الذي لا سخط بعده قال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم في أهل بدر ، وقال في أهل البيعة : ( لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ) وقال فيهم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ \"أنتم خير أهل الأرض ، وقال والذي نفس محمد بيده لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة \" ، فهؤلاء ما وقعوا فيه بعد ذلك ، والفتن التي دخلوها بعد ذلك كمعركة الجمل وغيرها ، فإنها لا تقع إلا مغفورة أصلا ، لا يقع منهم ذنب إلا وهو مغفور من قبل ، لأن المغفرة سبقت ، فقد سبق رضوان الله عليهم قبل وقوعهم في مثل هذه الذنوب فتقع ذنوبهم مغفورة ليس عليهم منها أي إثم وليس على الأمة منها وبال كذلك ، لأنها وقعت مغفورة أصلا ، كما يقع من الصبي من المخالفات فقد رفع عنه القلم ، وذلك تشريف لهم شرفهم الله به لما علم من الإيمان في قلوبهم فزادهم سكينة ويقينا.

فعلى القول الأول تصلح دليلا في بابنا هذا ، ما يتعلق بزيادة الإيمان بزيادة الأعمال.

ثم المسائل التفصيلية في أركان الإيمان ، فأركان الإيمان مثلا الإيمان بالله ، وهذا يشمل ثلاثة أنواع الإيمان بألوهيته والإيمان بربوبيته والإيمان بأسمائه وصفاته ، وكل واحد من هذه الأنواع يدخل تحته كثير من المسائل ، وكان مقتضى الكلام أيضا أن يدخل في ذلك الإيمان بكتبه لأنها من كلامه وهو من صفته فيكون الكلام في هذا الركن داخلا في الركن السابق ، ومثل ذلك الإيمان بالقدر خيره وشره ، فإنه من صفة الله وعلمه ، وعلمه من صفته ، فكان الأصل أن تدخل في الإيمان بالله ، لكن الله أفردها بين الركنين ، وجعلهما النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ركنين مستقلين ، وصرح الله بذلك في كتابه في عدد من المواضع ، في ذكر ما يؤمن به الناس ، وذلك كما في سورة النساء ( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ) ، وغير هذا من الآيات التي فيها كلام عن أركان الإيمان ، ومثل ذلك الإيمان بملائكته ، وما يشمله هذا الركن من المسائل التفصيلية كالإيمان بأسماء المسمين منهم ، والإيمان بعصمتهم ، وما يتعلق بوظائف المعروف وظائفه منهم ، وكذلك الإيمان بكتب الله المنزلة إيمانا إجماليا ، ثم الإيمان التفصيلي بالأربعة المسماة ، هي القرآن والتوراة والإنجيل والزبور ، وصحف إبراهيم كذلك ، لأنها ذكرت لكنها ذكرت بغير اسم ، ومثل ذلك الإيمان تفصيلا بما أثبته القرآن ، فما جاء في القرآن من الأمور العلمية يجب الإيمان به وتصديقه.

ثم الإيمان باليوم الآخر وذلك يشمل الموت ومسائل القبر ، وعذاب القبر ، والبعث بعد الموت وما يتعلق بطي السماء والأرض ، والبعث والحشر إلى الساهرة ، وكذلك تجلي الباري ـ سبحانه وتعالى ـ لفصل الخصام ، والإتيان بجهنم وما يتعلق ببروز حملة العرش ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) ، وكذلك الشفاعة ، ثم ما بعد ذلك من حوض النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونصب الصراط وما يعلق بالإيمان بالجنة والنار تفصيلا ، ووزن الأعمال في الميزان ، والشفاعات الأخرى غير الشفاعة  الكبرى ، فكل هذا من الأمور التفصيلية المتعلقة بهذا الركن من أركان الإيمان.

ثم الإيمان برسل الله عموما إجمالا ، وتفصيلا بمن سمي منهم والإيمان بأن رسالة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ خاتمة لما سبق مهيمنة عليه وأنه لا ينفع أحدا بعد بعثته إيمان إلا بتصديقه واتباعه ، وما يتعلق بتصديق النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو مقتضى شهادة أن محمدا رسول الله ، وهو المقتضيات الثلاثة أن يصدق في كل ما أخبر ، وأن يطاع في كل ما أمر ، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع ، هذه مقتضيات شهادة أن محمدا رسول الله.

وكذلك صفات الرسل من الصدق والأمانة والتبليغ ، والعصمة من الوقوع في الخطأ في التبليغ عن الله ، ومن الإقرار على الخطأ في أفعال العباد كلها.

وكذلك الإيمان بالقدر خيره وشره ، وما يدخل تحته من المسائل التفصيلية كمسألة الطيرة والتنجيم والعلاقة بالجن ، والأسباب وأفعال العباد ، ونحو ذلك مثل تسيير الأرزاق  والتوكل ، فهذه الأمور داخلة في الإيمان بالقدر.

فهذا هو موضوع علم العقائد ، وقد يتوسع بعض الناس في ذلك فيدخل أيضا ما يتعلق بالموقف من أصحاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لافتراق الأمة كثيرا حولهم ، فإن من الإيمان به محبته ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقد شرط في محبته محبة أصحابه ، فقد صح عنه أنه ذكر أن علامة الإيمان حب الأنصار ، وأن علامة النفاق بغض الأنصار ، وقال علي ـ رضي الله عنه ـ \"لعهد إلي النبي الأمي ألا يحبني إلا مؤمن وألا يبغضني إلا منافق\" ، وكذلك أخبر أن أربعة أخبره الله أنه يحبهم ، وأمره أن يحبهم من أصحابه ، وكذلك قوله في علي : \"اللهم وال من والاه وعاد من عاداه\" ، ومثل ذلك قوله : \"لا تسبوا أصحابي ، فلو أن أحدكم أنفق مثل جبل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه\" ، ومثل ذلك أتباعهم التابعون ثم الذين يلونهم ، لقوله : \"خير القرون القرن الذين بعثت فيهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم ، ثم يأتي بعد ذلك أقوام يشهدون ولا يستشهدون ، ويظهر فيهم السمن\" إلى غير ذلك مما بينه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكذلك قوله كما في صحيح البخاري : \"يغزوا فئام من الناس فيقال هل فيكم من رأى محمدا ؟ فيقولون نعم ، فيفتح لهم ، ثم يغزوا فئام من الناس ، فيقال : هل فيكم من رأى من رأى محمدا ؟ فيقولون نعم ، فيفتح لهم ، ثم يغزوا فئام من الناس ، فيقال : هل فيكم من رأى من رأى  من رأى محمدا ؟ فيقولون نعم ، فيفتح لهم. ومثل هذا محبة آل بيته ، فقد قال الله تعالى في كتابه ( قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ) ، وقد بين النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منزلتهم ومنقبتهم العظيمة إجمالا وتفصيلا ، فمن التفصيل قوله لفاطمة ـ رضي الله عنها ـ \"بضعة مني يريبني ما يريبها ويريبها ما يربني\" ، وقوله فيها : \"هي سيدة نساء العالمين\" ، وكذلك قوله في الحسن والحسين : \"هما ريحانتاي من الدنيا\" ، وقوله فيهما : \"هما سيدا شباب أهل الجنة\" ، وقوله في الحسن ـ رضي الله عنه ـ \"إن ابني هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين ، ومثل ذلك في غير هؤلاء من آل بيته ، وكذلك ما ورد في التفصيل في بعض أصحابه كما جاء في أبي بكر في قوله : \" هل أنتم تاركوا لي صاحبي\" ، وفي قوله : \"أبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر\" ، وكذلك في عمر بن الخطاب في إعطاءه فضله من اللبن الذي أعطيه في المنام ، وقوله رأيت كأني واقف على بئر وبيدي دلو بكرة فنزعت بها ما شاء الله أن أنزع، فتناولها ابن أبي قحافة فنزع ذنوبا أو ذنوبين ، وفي نزعه ضعف والله يغفر له ، أو والله يرحمه ، ثم تناولها ابن الخطاب فاستحالت غربا فلم أر عبقريا يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن\" وكذلك أن الناس عرضوا عليه وعليهم قمص منها ما يبلغ الثدي ومنها ما دون ذلك  وعرض عليه عمر وعليه قميص يجره ، فقيل فما أولته ؟ فقال : الإيمان \" ، وهكذا.

فهذه مناقبهم ، ومثل شهادته للعشرة المبشرين بالجنة بالتفصيل بأسمائهم وشهادته لآخرين كذلك بالجنة بالتخصيص ، كابن مسعود وكعبد الله بن سلام ، ورجال من الأنصار كأسيد بن حضير ، وكشهادته لسعد بن معاذ أنه اهتز له عرش الرحمن ، وغير هذا من المناقب العظيمة لأصحابه ، ولمن جاء بعدهم من التابعين ، كشهادته لأويس القرني ، واستجابت دعائه ، لقوله : \"يقدم عليكم أويس القرني في أمداد اليمن ، وهو رجل كان به وضح ـ أي بياض ـ فشفاه الله إلا موضع إصبع ، له أم هو بها بر ، فمن لقيه منكم فليسأله أن يستغفر له\" ، ومثل ذلك حديثه عن أئمة الدين وتجديدهم للعلم ، وأن الله قد ضمن أن يبعث على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها.

وكذلك تبشيره بفتوحات الإسلام وقادته والمجاهدين الذين يعلون كلمة الله ، ويرفعون راياته ، ومن ذلك إخباره بالمهدي الذي يأتي في آخر هذه الأمة ، وهو رجل من آل بيته من ذرية فاطمة ، يوافق اسمه اسم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ واسم أبيه اسم بيه ، يشبه خُلُقه ولا يشبه خَل٦amp;#39;قه ، يصلحه الله في ليلة ، يملأ الأرض عدلا بعدما ملئت جورا ، ومثل ذلك اثنا عشر إماما من قريش ، كلهم من قريش في هذه الأمة ، وكذلك ما يتعلق بإخوان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذين يأتون في آخر الزمان ، فقد خرج إلى المقبرة يوما ، فقال : \"وددت لو رأيت إخواننا ، قالوا أولسنا إخوانك ؟ قال : بل أنتم أصحابي ، وإخواني قوم آمنوا بي ولم يروني للواحد منهم أجر خمسين ، قالوا يا رسول الله منا أو منهم ؟ قال : بل منكم\".

فمثل هذا النوع يجعل هذا الأمر تتواتر فيه النصوص العلمية التي تقتضي تصديقا به وإيمانا فيدخل على سبيل التوسع في علم العقائد وكل هذا من موضوعاته.

أما واضع هذا العلم فإنه من العلوم التي كانت كما ذكرنا داخلة في علم الحديث ، فكان المؤلفون في علم الحديث يجعلون له أبوابا مختصة كما عقد مالك  ـ رحمه الله ـ في الموطأ أبوابا كثيرة تتعلق بهذا العلم ، كباب صفة الجنة وباب صفة النار ، وكتاب القدر وما جاء فيه ، وكباب أسماء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي ختم به موطأه ، وكذلك مناقب الصحابة وما ذكر منها ، وفضائل مكة المدينة وما ذكر منها ، ومثل ذلك ما فعل من دونه.

فالبخاري افتتح كتابه ببدء الوحي ثم بكتاب الإيمان ، وذكر في آخره أيضا كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ، وكتاب التوحيد.

ومثل ذلك مسلم أورد بعد المقدمة أيضا كتاب الإيمان وذكر كذلك صفة الجنة والنار ، وصفة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وما يتعلق بأشراط الساعة عقد له كتابا كبيرا ، ذكر فيه نزول عيسى بن مريم وخروج الدجال وغير ذلك من الأشراط التي هي داخلة في موضوع علم العقائد ، والبخاري كذلك أتى في وسط كتابه بأحاديث الأنبياء ، وبالفضائل والمناقب ، وكذلك ببدء الخلق ، وكل ذلك من الأمور العقدية.

ومثل هذا أصحاب السنن ، إلا أن أبا داود ـ رحمه الله ـ لم يتوسع في هذا الباب لأن كتابه قد خصصه للأحكام ، ولذلك قال في رسالته لأهل مكة هذا كتاب السنن جمعت لكم فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث كلها في الأحكام ، فلذلك لم يذكر كتاب المناقب ، ولم يتوسع في أحاديث الفتن والأشراط وغيرها ، وإن كان ذكر بعض هذه الأحاديث.

بينما تجد كثيرا من هذه الأبواب توسع فيها الترمذي وبالأخص كتاب المناقب والفضائل وكذلك عند ابن ماجه توسع كبير في أبواب الإيمان ، وكذلك النسائي ـ رحمه الله ـ وبالأخص أن النسائي أفرد كتبا مستقلة لهذا مثل \"مناقب آل البيت\" ، ومثل \"فضائل العشرة المبشرين بالجنة\" وغير ذلك من كتبه فإذا كان المقصود الإفراد بالتأليف فكل هؤلاء لم يفردوا العقائد بتأليف مستقل ، وإن كان الحميدي روى عن سفيان بن عيينة أصول الاعتقاد لكنه لم يفصل فيها ولم يذكر فيها النصوص الشرعية ، وإنما ذكر المبادئ العقدية فقط ، وهي رسالة خفيفة مطبوعة مع مسند الحميدي اسمها أصول السنة.

ومثل ذلك من عاصر الحميدي ممن كتبوا في الردود على المعتزلة ومن سواهم كالقدرية ، فقد ألف ابن وهب كتاب الجامع وكتاب القدر وألف الإمام أحمد كذلك كتاب الرد على الجهمية وكتاب السنة ، وألف أبو خيثمة زهير بن حرب وهو شيخ مسلم كتاب الإيمان ، وألف كذلك ابن أبي شيبة أبو بكر وهو شيخ مسلم كتاب الإيمان أيضا وألف عبد الله بن أحمد كتاب السنة والخلال كذلك كتاب السنة ، وأبو داود كتاب السنة ، وجاء عدد من المتأخرين من المحدثين فأفردوا كتبا مستقلة من أشهرها كتاب التوحيد لابن خزيمة ، وكتاب الإيمان لابن منده ، وكتاب الأسماء والصفات للبيهقي ، وكتاب الصفات للدارقطني ، وكتاب الرؤية كذلك للدارقطني ، بالإضافة إلى كتب الردود مثل كتاب الدارمي ، وكتاب البخاري ، كتاب الدارمي في الرد على بشر المريسي وعلى الجهمية عموما وكتاب البخاري في خلق أفعال العباد والرد على المعطلة ، وكتب الردود كثيرة في ذلك العصر.

لكن مع هذا فلم توضع قواعد لهذا العلم ، وإنما كانت الكتب عبارة عن نقول وآثار فقط ، إذا رجعت إلى كتاب الإيمان لابن أبي شيبة أو الإيمان لأبي خيثمة أو الإيمان لابن منده أو التوحيد لابن خزيمة أو غيرها تجدها أحاديث وآثارا ونقولا ، وقد ألف البيهقي كتابا مستقلا سماه الاعتقاد ، ولم يكثر فيه من النصوص وإنما ذكر فيه المبادئ وفصل فيها ، ولكنه سلك في كثير منه طريق القواعد التي وضعها أبو الحسن الأشعري.

فلذلك يمكن أن نقول إن هذا العلم ليس له واضح مخصوص ، علم العقائد ، ولكن أول من وضع له قواعد من أهل السنة هو الإمام أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري ، وهو من ذرية أبي موسى الأشعري ، صاحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الأشعريين من مذحج، وقد كان معتزليا فعرف العلوم العقلية وناظر بها ، ثم هداه الله تعالى للخروج من الفتنة والرجوع إلى السنة ، فأراد أن يضع قواعد هي بمثابة أصول الفقه التي وضعها الأئمة المجتهدون في الأصول ، وهي محاولة كغيرها من المحاولات لا بد أن يكون فيها الصواب والخطأ ، لأنها اجتهادات في وضع قواعد مثل القواعد التي وضعها الشافعي في أصول الفقه ، كثير منها لا يسلم له كقول الشافعي إن السنة لا تنسخ بالقرآن ـ مثلا ـ وأن القرآن لا ينسخ بالسنة لا يسلم له ، لكنه قاعدة أصولية اجتهد فيها الشافعي نظرا للاستقراء ، وهذه القواعد لا يقصد بها الاحتواء على كل النصوص ، وإنما هي معايير تعرض عليها المسائل التي يتكلم الناس فيها فتكون جامعة لمقتضيات النصوص ، وذلك أن المرجع في المناظرة إلى القطعيات لا إلى الظنيات ، والنصوص القولية يصعب فيها القطع  كما قال الشاطبي في الموافقات : قال القطع في القوليات متعذر ، النصوص القولية القطع فيها متعذر ومثل لذلك قال : من سألك عن الدليل القطعي على وجوب الصلاة ما هو ؟ فماذا تقول له ؟ لو قلت له أقم الصلاة ، أو أقيموا الصلاة ، لقال لك : هذا أمر والأمر يمكن أن يحمل على الوجوب ويمكن أن يحمل على الندب ويمكن أن يحمل على الإباحة ، وأيضا يشمل هذا الفرض والنفل ومحتمل للنسخ كذلك والتخصيص والاشتراك ، فلو قلت له أي نص آخر ستعرض له هذه الاحتمالات ، فيقول إنما يحصل القطع في القوليات في جمعها حتى يحصل لديك مثل التواتر المعنوي ، فقطعك الآن \"بشجاعة\" علي \"وجود\" حاتم هذا في الأمور الخبرية ليس راجعا إلى نص من الوحي ، ما عندك نص أن حاتما جواد أو أن عليا شجاع بالوحي الذي لا يحتمل الشك ، لكن تواتر لديك الكثير من القصص والحكايات التي جعلتك تحكم بشجاعة علي وجود حاتم ، فكذلك هنا إذا جمعت النصوص التي فيها الأمر بأداء الصلاة كقوله( أقيموا الصلاة وآتو الزكاة ) والمدح بها في قوله ( الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ) والذم بخلافها قالوا لم نك من المصلين ) ( وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ) وكذلك عقوبة تاركها في النصوص وكونها حدا بين المرء والكفر والشرك ، \"إن العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة\" ، وغير ذلك ، جمعت كل هذه النصوص حصل لديك القطع بوجوب الصلاة ، ولا يكفي نص واحد منها لتحصيل القطع ، ولذلك لا بد من وضع قواعد هي الأصول ومنطلق أبي الحسن في وضعه لهذه القواعد أن قال \"لا فرق بين آيات العقائد وآيات الأحكام ، كل من عند ربنا\" ، آيات الأحكام وضعت لها قواعد هي \"أصول الفقه\" وآيات العقائد ما وضع لها شيء ، واقتصر فيها على السماع والنقل عن التابعين وأتباعهم وعن الصحابة ، والوراد منها المرفوع إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شيء يسير ، فيحتاج فيها إلى وضع قواعد كالقواعد الأصولية ، ولم يتوسع كثيرا في ما يتعلق بالأمور السمعية المحضة ، لأن الإيمان بها يحصل بتواتر النصوص وتواردها ، وذلك كأمور الآخرة كلها ، ولا توسع كثيرا كذلك في جزئيات ما يتعلق بتوحيد الألوهية ، لأن كثيرا مما يتعلق به قطعي كذلك في النصوص من الوحي ، فالآيات التي فيها ذم المشركين على عبادة غير الله أو قصده أو دعائه كثيرة جدا ، تقتضي الجزم والقطع ، وليست كذلك مثارا للنقاش في زمانه كثيرا فإنما حصل التعلق بالأشخاص والأشجار والأحجار بعد زمانه ولم يكن ذلك معروفا في الصدر الأول ، ما عرفه الناس في عصور هذه الأمة الأولى ، وإنما عرفوا التشكيك في توحيد الربوبية ، والخوض في توحيد الأسماء والصفات ، فلذلك كثرت القواعد المتعلقة بهذين الجانبين ، من جوانب الإيمان ، فالتشكيك في توحيد الربوبية ناشئ عن ترجمة كلام الإغريق والرومان والفلاسفة عموما ، والتشكيك في مجال الأسماء والصفات راجع إلى خوض المعتزلة في هذا الباب ، فلهذا اتجه إلى وضع قواعد لهذين الجانبين والتوسع فيهما ، وقد ألف عدة كتب في هذا الباب من أهمها كتابه \"رسالة الثغر\" ، وكذلك كتابه \"اللمع\" ، وكتابه \"التقريب\" وغيرها.

أما الأمور التفصيلية الخبرية فقد توسع في إيرادها في كتابه \"مقالات الإسلاميين\" وبالأخص في الجزء الأول منه وهو ما يتعلق بالأمور الإجمالية ، ثم تكلم في النواحي الكلامية في القسم الثاني منه وهو القسم الدقيق ، المسائل الدقيقة ، وكذلك في كتابه الآخر الذي هو \"الإبانة عن أصول الديانة\" توسع فيها فيما يتعلق بالنقل الآيات والأحاديث والآثار المتعلقة بمسائل الاعتقاد.

ثم جاء بعده أبو منصور الماتريدي فوضع قواعد تختلف عن قواعد أبي الحسن في بعض الجوانب ، ولكنه وافقه في أكثرها ، والمسائل التي خالفه فيها محصورة ، وأراد الانطلاق من المذهب الحنفي فارتبط بأصول الفقه ارتباطا وثيقا ، لأنه هو حنفي ، ولا شك أن أبا الحسن الأشعري أيضا تأثر بأصول الفقه لأنه بحث في القياس في العقائد ، فقال : ما الفرق بين القياس في العبادات والقياس في الاعتقادات كل من عند ربنا وليس للمكلف في الأصل الاعتماد على العقل في أي شيء ، وهذا القياس هو الذي أوصله إلى التأويل في بعض الصفات التي أشكل عليه فهمها ، فقاسها على ما استشكل الصحابة فهمه فأولوه \"كالمعية العامة\".

ثم جاء بعد أبي منصور البربهاري من الحنابلة فوضع أصول السنة ، وخالف الأشعري والماتريدي معا ، ورأى أن كثيرا من قواعدهما ينساق وراء بعض المذاهب الأخرى ، كالكلابية أو الكرامية أو غيرها ، وفي كتابه بعض التحامل على هذه الطريقة المخالفة له ، وكذلك التحامل على الدولة العباسية وأئمتها عموما ، قال : \"إن الناس لم يزالوا على مذهب واحد حتى ولي الحكم آل فلان أو بنو فلان ، يقصد بني العباس\"، فبرز هنا ثلاثة مذاهب لدى أهل السنة مذهب أبي الحسن الأشعري وقد تمسك به كثير من الشافعية  ومذهب أبي منصور الماتريدي وقد تمسك به كثير من الحنفية ، ومذهب البربهاري وقد تمسك به جمهور الحنابلة ، وأصبح فيما بعد لا ينسب إلى البربهاري بل ينسب إلى الحنابلة عموما.

وقد وافق الحنابلة في أكثر قواعدهم الذين سبقوا من أهل الحديث الذين كانوا في العقائد لا يذكرون شيئا من القواعد وإنما ينقلون النصوص فقط ، والواقع أن ابن قدامة ـ رحمه الله ـ هو من المبرزين في المذهب الحنبلي مطلقا في الاعتقاد وفي الفقه ، فهو الذي نشر المذهب من الناحية الفقهية في مؤلفاته المتعددة ، ومن الناحية العقدية كذلك في لمعة الاعتقاد التي وضع فيها ملخصا لأقوال السابقين من الحنابلة.

ثم جاء بعد هذا عدد من المجددين في كل مذهب من هذه المذاهب ، ومع الأسف توسع كثير من أتباع أبي الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي في المسائل العقلية حتى خرج كثير منهم بآراء غاية في الانحراف والبعد عن الصواب ، كبعض الآراء التي طلع بها الفخر الرازي مثلا ، ومن وراءه من المتأثرين به.

وكذلك حصل لدى بعض أتباع المذهب الحنبلي بعض التعصب الذي أدى لبعض الفتن كفتنة \"القشيري\" وكفتنة الخطيب البغدادي الذي منعوه من الدفن فترة ، وكذلك أبي جعفر بن جرير الطبري الذي أغلقوا عليه بابه بالحجارة حتى كاد يموت عطشا.

ثم جاء شيخ الإسلام ابن تيمية فأراد أن يكون مصلحا بين هذه الطوائف مبينا للصواب لدى كل طائفة وللخطأ لدى كل طائفة ، وأقسم في مناظرته على الواسطية أنه من أشد الناس حرصا على جمع الكلمة ، ونبذ الفرقة وأن الأشاعرة والحنابلة كانوا يدا واحدة حتى جاءت فتنة \"القشيري\" ، وأنهم قبل فتنة القشيري لم يكن أحد منهم يتميز عن أخيه بالانتساب المذهبي ، والمشكلة أن كل داع إلى الحق قل أن يجد أنصارا ، شيخ الإسلام ابن تيمية لم يرض الحنابلة بما فعل ، فلذلك لم يقفوا معه في محنته ، لم يقف معه علماؤهم في محنته ، وإنما وقف معه تلامذته فقط ، وكذلك كان من سواهم خصوما له في أغلب الأحيان.

فيمكن أن يقال إن هؤلاء جميعا يمثلون محطات في علم الاعتقاد.

المحطة الأولى : محطة أهل الحديث التي ذكرناها ، مالك والبخاري ومن ذكرنا.

المحطة الثانية : محطة الردود التي يمثلها كذلك البخاري والدارمي وأحمد ومن في تلك الطبقة.

المحطة الثالثة : محطة التقعيد ، وبدايتها عند أبي الحسن الأشعري ، ثم أبي منصور الماتريدي ، ثم البربهاري ، ثم من جاء بعده كالبيهقي في كتاب الاعتقاد ، وكاللالكائي في كتاب شرح أصول السنة ، وكالآجوري في الشريعة ، وكابن البناء في كتاب المختار.

ثم المحطة الأخرى هي محطة المناظرات الداخلية ، وبطلها وفارسها شيخ الإسلام ابن تيمية فقد برز في هذا الباب.

ويمكن أن تعد محطة أخرى بين ذلك وذلك وهي محطة الانحراف والانسياق وراء الجدل والفلسفة والعلوم العقلية ، وهذه فارسها الفخر الرازي.

فهذه محطات في هذا العلم ، علم العقائد ، وبعض الناس يسعى للتمييز بين هذا العلم فيفرق بين علم العقائد أو علم التوحيد وعلم الكلام ، وهذا التمييز خطأ ، لأننا سنذكر في أسماء هذا العلم وسبب تسميته بكل واحد منها ، وهو اصطلاح ، ولا مشاحة في الاصطلاح ، بتسمية علم بأي اسم اتفق الناس عليه.

فهذا فيما يتعلق بالواضع.

أما نسبته إلى غيره من العلوم فهي بالنسبة لعلم الحديث وكذلك علم التفسير نسبة \"العموم والخصوص المطلقين\" ، وبالنسبة لغيرهما من علوم الشريعة نسبة \"العموم والخصوص الوجهي\" للاشتراك في بعض المسائل وانفراد كل بمسائل مختصة.

أما مستمد هذا العلم : فالنقل الصحيح والعقل السليم ، النقل الصحيح معناه الوحي ، كتابا أو سنة ، أو اجتهاد السلف كاجتهادات التابعين وأتباعهم ، وما روي كذلك من الآثار عن بعض الصحابة ، هذا هو النقل الصحيح ، والعقل السليم ما يتعلق بالتقعيد لذلك وفهمه وجمع نصوصه إذا حصل تعارض بينها ، وحمل المتشابه منه على المحكم مطلقا ، كل ما وقع تشابه أي إشكال وخفاء في الدلالة يحمل على المحكم وهو الواضح الدلالة وهذا يحتاج فيه إلى عقل وتدبر وتفهم ، لكن لا بد أن يكون ذلك العقل سليما معناه مستنيرا بنور الوحي والعبادة.

أما اسمه : فقد أطلق على هذا العلم عدد كبير من الأسماء فيسمى قديما باسم الإيمان ولذلك ألف عدد من المؤلفات بهذا الاسم ، ويسمى كذلك بعلم السنة ، وهذا الاسم الذي اختاره أحمد بن حنبل فقد قال فيه حينما سئل عن سفيان ومالك ، فقال : \"كان مالك إماما في الحديث إماما في السنة ، وكان سفيان إماما في الحديث وليس إماما في السنة\" يقصد تفصيلات هذا العلم ليست لديه.

ولذلك اشتهر أهله في البداية بأهل السنة ، لأن هذا العلم يسمى بالسنة ، لأن المرجع فيه إلى التسليم للنصوص السابقة ، ولما كان عليه الصدر الأول من هذه الأمة.

ثم سمي كذلك بالتوحيد ، والتوحيد \"تفعيل\" و\"التفعيل\" في الأصل من أفعال الصيرورة والجعل ، ولا يقصد ذلك ، فليس معنى توحيد الله جعله واحدا ، بل هو واحد أصلا ، وهذا الإطلاق انتهجه البخاري في صحيحه ، وابن خزيمة كذلك في كتابه التوحيد ، وغيرهما من الذين أطلقوا على هذا العلم \"التوحيد\" كذلك من أسمائه علم \"الاعتقاد\" وقد اشتهر هذا الاسم لدى المتأخرين \"بعلم الاعتقاد\" أو \"علم العقيدة\".

ومن أسمائه كذلك \"علم الكلام\" لأن أكثر مسائله شهرة وخلافا وافتراقا مسألة إثبات التكلم لله تعالى ، وهل كلامه صفة من صفاته أو لا ، وهل تكلمنا بالقرآن مخلوق صفة من صفاتنا أو لا يقال ذلك لأن القرآن كلام الله، هذه المسائل هي التي كثر البحث فيها كثيرا فكانت أغلب مسائل هذا العلم وأشهرها ، ويمكن أن يسمى العلم كله باسم جزئه كما يسمى العبد رقبة وكما تسمى البهيمة رأسا ، يقال رأس من الإبل أو رأس من البقر أو رأس من الغنم ، باعتبار جزء من أجزائه هو أهمه.

كذلك حكمه : قد اختلف فيه فما يجب عينا منه واجب عينا بالإجماع ، علم أركان الإيمان، ما يشهد به الإنسان أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، ويعرف المعلوم من الدين بالضرورة ، هذا واجب بالإجماع على كل مسلم.

أما ما عدى ذلك وهو التفصيل والتدليل في المسائل فقد اختلف فيه ، فقالت طائفة يجب عينا ، وهؤلاء قد غلوا في هذا الأمر فالتبس عليهم الواجب العيني من ذلك بالواجب الكفائي ، وهذا الالتباس ما زال موجودا إلى الآن ، فكثير من الناس يرى أن هذا العلم أفضل العلوم وهو مقدم على غيره منها وأنه ينبغي أن يشتغل به طلاب العلم قبل غيره ، لأنه يلتبس عليهم ما يجب على كل مكلف اعتقاده ، والتفصيلات الجزئية التي توجد في هذا العلم ، ولذلك إذا أخطأ الإنسان في مسألة من مسائله أو جهلها جعلوا ذلك أكبر مما لو جهل مسألة من مسائل التفسير أو من مسائل الحديث بفارق عظيم ، والواقع أنه علم من هذه العلوم الشرعية ليس أكبرها ولا أصدرها ، من ناحية الصدارة.

والقول الآخر أنه يجب كفاية ، يجب على الأمة أن يكون فيهم من يعلمه.

القول الرابع أن منه ما يحرم تعلمه أصلا ، ومنه ما يجوز ، فما يحرم تعلمه ما يوقع في الشبهة دون أن يقدر الإنسان على إجابتها ، أو ما لم يكن السلف يعرفونه أي لم يعلمه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للصحابة ، وهذا القول لا شك كذلك لا يخلوا من غلو ، لأنه لو كان كل ما لم يعلمه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ للصحابة عموما لا يحل تعلمه لحرم تعلم كثير من مسائل الفقه وعلوم الحديث والتفسير وغيرها، وهذا لا قائل به.

القول الآخر أنه يستحب تعلم مسائله فقط وهذا هو اختيار ابن رشد من المالكية ، قال يستحب لطالب العلم تعلم مسائله التفصيلية ولا تجب لأنه إنما يجب كفاية ما يؤدي إلى مناظرة الكفار ومجادلتهم بالتي هي أحسن ورد الشبهات ، أما كثير من المسائل التي الخلاف فيها خلاف داخل الأمة الإسلامية ، فالأفضل للناس أن يجهلوها حتى تموت ، مثل مسألة الاستطاعة ، هل تنشأ عند الفعل أو قبله أو بعده ؟ أو تبقى أو لا تبقى ؟ وهل هي متدرجة أو متفاوتة ؟ ومسألة العرض هل يبقى زمانين أو لا ؟ ، ومسألة الجوهر الفرد وتعلق التكليف به أو تعلق الوجود به ؟ هذه المسائل قال فيها السبكي في آخر كتابه \" جمع الجوامع \" بعد أن ذكر مسائل الاعتقاد ، قال : ومما ينفع علمه ولا يضر جهله ، وذكر عددا من المسائل الكلامية مثل قوله إن \"الممكن الموجود يحتاج في بقائه إلى المؤثر، وفي علة احتياجه إليه هل الحدوث أو الإمكان أو هما معا أو جزءا علة أقوال ، أو الإمكان بشرط الحدوث أو معا أقوال \" ، ومسائل كثيرة من هذا النوع ، ينفع علمها ولا يضر جهلها ، ولذلك قال ابن رشد يستحب فقط تعلم هذه المسائل التفصيلية ولا يجب.

وهذا القول محله فيما يخرج منه ما يجب اعتقاده على كل مكلف ، فهذا قطعا واجب عينا ، وما ترد به الشبهة ويناظر به أهل الإلحاد فهذا واجب كفاية أيضا قطعا ، ثم المسائل الأخرى هي التي تستحب ، وعلى هذا لا يمكن أن يطلق حكم واحد على علم العقائد ، لا يمكن أن تطلق عليه الحرمة ، ولا الوجوب العيني ، ولا الوجوب الكفائي ، ولا الاستحباب ، بل منه ما هو واجب عينا ، ومنه ما هو واجب كفاية ، ومنه ما هو مستحب ، ومنه أيضا بعض المسائل التي قال بعض أهل العلم بحرمة تعلمها ، وهذه المسائل نظمها محمد مولود ـ رحمه الله ـ في قوله :

*علم العقائد بلا دليل ** يجب إجماعا وبالدليل *

* هل فرض عين  أو كفاية يجب ** أو حظر ولابن رشد استحب*

* والوسطان جريا فيما الشبه ** يرد والتفصيل رأي طلبه *

التفصيل بين ما هو واجب عينا وما هو واجب كفاية ، وما هو محرم وما هو مندوب رأي طلبة أي هو رأي أكثر طلبة العلم ، المقصود بهم العلماء.

ثم بعد هذا فضله : ولا شك أن فضل كل علم بحسب فائدته ونتيجته التي تترتب عليه ، ولم يرد في فضل هذا العلم نصوص بخصوص التوسع في هذا المجال ، لكن ورد في القرآن وفي السنة الحض على التدبر في آيات الله ، والتفكر في آلائه ونعمه ، والآيات المختصة بذلك والبراهين العقلية في خلق السماوات والأرض وغيرها عظيمة جدا ، وقد أمر الله بالتفكر في خلق الإنسان نفسه ، \"وفي أنفسكم\" وفي خلق السماوات والأرض والجبال والإبل وغيرها (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت وإلى الجبال كيف نصبت وإلى الأرض كيف سطحت) وكقوله ( إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ) وغير هذا من الآيات الكثيرة ،


عدد مرات القراءة : 5833



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22275206
المتواجدون الأن       7
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو