» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
سلسلة العلوم الشرعية الشريط الثالث عشر




بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

من العلوم الشرعية التي هي من المقاصد علم الفقه، وهو من أشرف العلوم الشرعية وأجلها، فهو الذي ينظم علاقات العباد بربهم وعلاقاتهم فيما بينهم، ويبين لهم أحكام ما يحتاجون إليه، وكطريقة ما يتعلق بالعلوم السابقة نبدأ بتعريف الفقه، فتعريفه ينقسم إلى قسمين إلى تعريف بالمعنى الإضافي وتعريف بالمعنى اللقبي.

فتعريفه بالمعنى الإضافي فإن علم الفقه مركب إضافي صدره علم وهو مصدر علم الشيء إذا أحاط به وأدركه، والفقه في اللغة الفهم ومنه قول الله تعالى: {قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول} أي لا نفهمه، والفقه في الاصطلاح هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلته

فالحكم الشرعي هو ما جاء في خطاب الله عز وجل الموجه إلى عباده بقصد العمل، والحكم العقلي هو قضية أي ما يقبل الصدق والكذب بغير توقف على شرع ولا على عادة، والحكم العادي هو إثبات أمر لأمر أو نفيه عنه بواسطة التكرر، مع صحة التخلف، كالعلوم الطبائعية كلها، فإنما تؤخذ الأحكام فيها من العادة من التكرار مع قبولها للتخلف، والشرع في اللغة الإظهار،

والشرع في الاصطلاح ما بينه الله لعباده من أحكام دينهم، وإنما سمي شرعا للبيان لأن الله أظهره وبينه، ولأنه أيضا مرجعهم الذي ينهلون منه كما بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بالمثل الذي ضربه

العلم بالأحكام الشرعية العملية الأحكام الشرعية التي بينها الله لعباده تنقسم إلى قسمين إلى علمية وعملية، فالعلمية هي التي لا يتعلق بها عمل وإنما يعلمها العباد مما بين الله لهم مما يبنون عليه تصوراتهم ومعارفهم، وهذه منها العقائد فإنها لا يتعلق بها عمل بذاتها وإن كانت تقتضيه، فالأعمال كلها تقتضيها العقيدة، لكن العقيدة بذاتها ليست بعمل، هي من أعمال القلب تعلم ولا تتعلق بالجوارح، وخلافها ما يتعلق بالأعمال الفعلية أي الجانب العملي من الدين وهذا الذي يقصد بالفقه، ولذلك قال: بالأحكام الشرعية العملية، وبعضهم يقول: الفرعية، ليخرج الأصلية وهي الأحكام العقدية، ولكن هذا يرجع إلى اصطلاح المعتزلة فهم الذين يجعلون من الدين أصولا وفروعا، وقد درج مصطلحهم هذا وغزا أهل السنة واشتهر في كتب المتأخرين مع أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كان من الذين لا يرون هذا التفريق، فيرى أن هذا التفريق في الأصل مأخوذ عن المعتزلة وقد رتب الناس عليه أمورا كثيرة، فأصبحت الاجتهادات في الأمور العقدية مذمومة مردودة على أصحابها بسبب أن الناس جعلوها أصولا، وأصبحت الأخطاء فيها أكبر من الأخطاء في غيرها وبالأخص في الأمور الاجتهادية منها، وهذا غلط، فالجميع دين الله وسواء، كله من عند الله، سيان منه ما يقتضي علما وما يقتضي عملا، ولذلك قال رحمه الله: كل من اجتهد في طلب الحق فهو معذور أصاب أو أخطأ سواء كان ذلك في الأصول أو في الفروع لأن كلا من عند الله، ومثل هذا التفريق أن يقال أن الأمور العقدية منها أصول لا يقبل من الإنسان العمل إلا بها، كأركان الإيمان مثلا الستة، لكن يجاب عن هذا بأن الأمور العملية كذلك كالصلاة والزكاة والصوم كأركان الإسلام، فمن لم ينطق بالشهادتين ولم يصل ولم يزك ولم يصم ولم يحج فكذلك لا يقبل منه هذا، ومثل ذلك الأعمال السلبية أي المنفية كتحريم الزنا والخمر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وغيرها من الموبقات فهذه معلومة من الدين بالضرورة ومن أنكر شيئا منها فليس من المسلمين، لا يمكن أن يعد الإنسان مسلما إلا إذا عرف ضرورات الدين، سواء كانت علمية أو عملية، فالعلمية منها كأركان الإيمان الستة والعملية كأركان الإسلام الخمسة، وكالأمور المنفية أيضا مما هي بمثابة الأركان، كتحريم قتل النفس وتحريم الزنا وتحريم شرب الخمر وتحريم لحم الخنزير هذه كبريات المنفيات في الدين، فلا يمكن أن يكون الإنسان من المسلمين وهو لا يعلم أن الدين يحرمها.

المكتسب من أدلتها التفصيلية، فالعلم بالأحكام الشرعية العملية قسمان قسم منه موحى غير مكتسب، كما أوحى الله به إلى رسوله صلى الله عليه وسلم بالمباشرة فهذا لم يكتسبه النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبوة لا تكتسب بل هي خيار رباني، يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة، الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، فما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأحكام لا يسمى فقها، لأن الفقه معناه الفهم كأنه أنتجه، وهذا لم ينتجه لأنه أوحي إليه، فلا بد أن يكون مكتسبا، الفقه لا يطلق إلا على الأمور المكتسبة، ولهذا فمواقع الإجماع التي فيها نصوص صريحة من الشرع ونحوها لا يطلق عليها أنها مذهب لأحد، فلا يقال: مذهب فلان وجوب الصلاة أو وجوب الزكاة أو وجوب الحج مثلا، ولذلك هذه الأمور وإن كانت تذكر في الفقه فهي ليست من الفقه بالمعنى الاصطلاحي بل هي من الدين من الإسلام.

من أدلتها التفصيلية من أين يكتسب الفقه لا شك أن المشرع هو الله سبحانه وتعالى فهو وحده العليم الخبير المطلع على سرائر الأمور ومصائرها، فهو الذي يستطيع أن يشرع لعباده، وعلى هذا فلا تشريع إلا من عنده، لكن التشريع من عنده ينقسم إلى قسمين إلى تشريع مبين وتشريع مجمل، فالتشريع المبين هو ما جاءت التفصيلات فيه، والتشريع المجمل هو ما بين فيه العلل الشرعية فنقيس نحن على كل شبه ما يشبهه، فهذا كله من حكم الله لكنه لم يأت تفصيلا ولم ينص عليه بالألقاب، وإنما جاء تشريعه بالإجمال.

من أدلتها والأدلة جمع دليل

إذا حل بين اليحصبي فقل له

سيصبح فوقي أقتم الريش واقعا

تزود بزاد واستعن بدليل أي بالذي يرشدك الطريق،

إلى العلم المقصود به الإدراك مطلقا فيشمل اليقين والظن، لأن من الأدلة ما يقتضي يقينا وهذا الذي يسميه المناطقة بالدليل، ومنه ما يؤدي إلى ظن فقط وهو ما يسميه المناطقة بالأمارة ي

والأدلة الشرعية تنقسم إلى قسمين إلى أدلة إجمالية وأدلة تفصيلية، فالأدلة الإجمالية هي أجناس الأدلة كالكتاب والسنة والإجماع والقياس والاستدلال، والأدلة التفصيلية كأجزائها، كل آية من القرآن يؤخذ منها حكم فهي دليل تفصيلي على ذلك الحكم

فهذا هو حد تعريف العلم في حال إضافته أما تعريف الفقه بالمعنى اللقبي أي اسم لعلم من العلوم فيمكن أن نعرفه بالتعريف الاصطلاحي للفقه لكننا نضيف إليه كلمة فنقول معرفة الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية

أما واضع هذا العلم فلا يمكن أن يعين له واضع معين لأن النبي صلى الله عليه وسلم الراجح من أقوال الأصوليين أنه اجتهد فيما لم ينزل إليه فيه حكم، والأمور التي اجتهد فيها هي من باب الفقه، إلا أن آخرين يعترضون فيقولون: بل إنه أقر عليها من الشرع وإقراره عليها وحي، وعلى هذا فلا تعتبر اجتهاداته من الفقه أيضا بل هي من الأدلة، فيكون عمل النبي صلى الله عليه وسلم حتى لو كان باجتهاده دليلا لا فقها.

وقد تعدى قوم هذا حتى وصلوا إلى أن كل عمل في زمانه أيضا حتى لو كان من اجتهادات الصحابة فإنه لا يعتبر فقها وإنما هو دليل لأن الله تعالى أقرهم عليه، واستدلوا بقول جابر رضي الله عنه: كنا نعزل والقرآن ينزل، فهذا إقرار من الله، فتقرير الله أبلغ من تقرير رسوله صلى الله عليه وسلم، تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم من الأدلة لأنه قسم من أقسام السنة، وتقرير الله كذلك لأن الفعل إذا وقع وقت نزول الشرع فلم ينه عنه الشارع دل ذلك على إباحته.

أما اجتهادات أصحابه بعد موته صلى الله عليه وسلم فهي من الفقه، ولكن نظرا لأن كثيرا من اجتهاداتهم لم تكن إلا تفصيلا لما جاء أصله في الوحي، وأيضا فهي قليلة إذا قورنت باجتهاد من سواهم، لهذا لم يكن لهم فقه مستقل، بل إن كثيرا من الناس يرى أن فقه الصحابة حتى باجتهاداتهم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم يعتبر دليلا ولا يعتبر من الفقه فيقولون: قول الصحابي دليل مطلقا، لكن من الأصوليين من يفرق فيقول: قول الصحابي إذا عارض القياس دليل، وقوله في موافقة القياس ليس بدليل لأنه من الفقه يمكن أن يكون اجتهد فيه دون توقيف، وعموما فدائرة الفقه في عمل الصحابة وأقوالهم ضيقة قليلة، لكن بدأ الفقه من أيام التابعين، واشتهر في أيامهم مدرستان في الفقه إحداهما سماها الناس فيما بعد بمدرسة الأثر والأخرى سموها بمدرسة الرأي، وكانت مدرسة الأثر في الحجاز ومدرسة الرأي في العراق، والمقصود بالأثر هنا العناية بالنقل عن السابقين من الصحابة وكبار التابعين، هو تقديم ذلك على إعمال العقول والاجتهاد فيما يتجدد، أي محاولة رد كل واقعة إلى ما يشبهها من عمل السابقين دون أن يتوسعوا في إعمال عقولهم في الحلول، والمقصود بالرأي كذلك إعمال العقول والتوسع في ذلك فيما يتعلق بالحلول للقضايا الجديدة، وعلى هذا فالمدرستان معا كلتاهما فيها جانب من الرأي وفيها جانب من الأثر، فليست مدرسة الرأي معطلة عن الأثر، ولا مدرسة الأثر معطلة عن الرأي، وهذا الانقسام حصل حتى في العلوم فيما بعد كما ذكرنا من قبل في التفسير، فقد ذكرنا أن أهل التفسير انقسموا إلى مدرسة رأي ومدرسة أثر، لكن قلنا إن مدرسة الأثر ما تنقله كله من الرأي، إذا قيل لك: هذا تفسير من التفاسير التي تعتني بالأثر انظر إليه تجده أكثر ما ينقله آراء إما من آرائه هو أو آراء شيوخه أو آراء أتباع التابعين أو آراء التابعين أو آراء الصحابة، وكذلك في الرأي فإن مبناه على الأثر، لأنهم لا يمكن أن يرجعوا في استنباط الأحكام الشرعية إلى الفراغ أو إلى مجرد تحسينات العقول بل لا يرجعون فيها إلا إلى الأثر المروي، وفي أيام التابعين كانت مدرسة الأثر تدور على فقهاء المدينة، وهم أئمة التابعين المشاهير، بعضهم يحصرهم في سبعة وبعضهم يجعلهم تسعة، وبعضهم يزيد لكن المهم أنها مدرسة واحدة، متفقة، فمنها سعيد بن المسيب بن حزن بن وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن عبد الله بن مخزوم بن يقظة بن مرة القرشي، وعروة بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق بن أبي قحافة عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن لؤي بن غالب القرشي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي الذي هو من أحلاف بني زهرة من قريش، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام القرشي كذلك، وكذلك سليمان بن يسار الهلالي من بني عامر بن صعصعة بالولاء وهو مولى لأم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، وكذلك أبو بكر بن عمرو بن حزم الأنصاري، وخارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب بن عمرو بن نفيل بن عبد العزى بن رياح

هؤلاء تقريبا أئمة التابعين الذين كانت تدور عليهم الفتوى في المدينة، ومعهم غيرهم من فقهاء المدينة من التابعين أيضا، وكان في العراق أهل الرأي وقد اشتهر منهم حماد بن

ثم خلص علم مدرسة الأثر إلى أبي عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن غيمان بن خثيل بن عمرو بن الحارث وهو

هذه المذاهب إنما يبقى منها ما كان له أتباع أو أشياع، أو ما قامت عليه الدول ورعته الحكومات، وقد حظي المذهب الحنفي باعتماد في الدولة العباسية عندما ولى هارون الرشيد أبا يوسف صاحب أبي حنيفة القضاء، وهو أول من تولى القضاء العام في الدولة الإسلامية، سمي قاضي القضاة، وكذلك عندما اعتمدت الدول المختلفة في مصر وبلاد المغرب والأندلس على المذهب المالكي فكان سحنون بن سعيد التنوخي اسمه عبد السلام قاضي تونس والقيروان، وكان عبد الملك بن حبيب قاضي الأندلس، وكان البهلول بن راشد وعبد الله بن فروخ وعبد الله بن غانم في برقة مرجعا للإفتاء والقضاء، وهؤلاء من أصحاب مالك إلا أن سحنونا وعبد الملك بن حبيب لم يلقيا مالكا وإنما هما من أصحاب أصحابه، فهما تلميذا عبد الرحمن بن القاسم العتقي وأشهب والحارث بن مسكين من أصحاب مالك، فكذلك حظي المذهب الشافعي بأخذ المتوكل بن المعتصم به، فهو أول خليفة للمسلمين يتمذهب، لأنه من المعلوم أن خليفة المسلمين يشترط له أن يكون مجتهدا في الدين، وأن لا يكون مقلدا لأحد سواه، لأنه متبوع فلا يمكن أن يكون تابعا، وأول من قلد من خلفاء المسلمين هو المتوكل وهو عاشر خلفاء بني العباس، قلد المذهب الشافعي، ولم تكن للمذهب الحنبلي في البداية صفة رسمية، لكنه مع هذا انتشر في بلاد فلسطين، وبالأخص في نابلس والقدس، استمر فيهما قرونا من الزمن، ثم عين بعض علمائه في الوزارة في بعض الدول، فكان لذلك صدى رفع المذهب وأعان على انتشاره، أما المذاهب الأخرى غير هذه الأربعة فلم يبق لها أتباع ولم تقم عليها دول، إلا أنه ظهرت بعض المذاهب في العصور المتأخرة عن هذه، ومنها مذهب محمد بن جرير الطبري، وقد كان إمام أهل التفسير ومن أئمة أهل الحديث وقد سبق أيضا أنه من أئمة أهل الأخبار والتاريخ، وقد كان له أتباع وأشياع ببغداد وبغداد إذ ذاك عاصمة المجتمع، عاصمة الدولة الإسلامية، لكن نظرا للخلافات التي حصلت بينه وبين الحنابلة وتضييقهم عليه لم ينتشر مذهبه، وأصبح مذهبه من المذاهب المندرسة، بل إن بعض كتبه قد تلفت في بعض ما دار بينه وبينهم من الفتن، ومنها بعض كتبه في الحديث، وكذلك داود بن علي الظاهري، فقد كان له أتباع في العراق، ثم انتشر مذهبه حتى وصل إلى الأندلس، كان له أتباع هناك ومنهم المنذر بن سعيد البلوطي الذي كانت الدولة الأموية في الأندلس تعتمد عليه، ونصر مذهبه في الأندلس بعد ذلك أبو محمد علي بن حزم الظاهري، وبهذا انحصرت المذاهب الفقهية المعتبرة لأهل السنة في المذهب الحنفي والمذهب المالكي والمذهب الشافعي والمذهب الحنبلي بالإضافة إلى بقايا المذهب الظاهري.

أما من سواهم فقد كان للشيعة عدد من المذاهب الفقهية، لكنها راجعة إلى مذهبين كبيرين أحدهما مذهب الجعفرية والثاني مذهب الزيدية، فالجعفرية الذين ينتسبون إلى جعفر بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين، وإن كان عدد كبير من طوائف الشيعة كلها تنتسب إلى جعفر، فكل من سوى المنتسبين إلى زيد بن محمد ينتسبون إلى أخيه جعفر، فلم يختلف الشيعة في الانتساب إلى محمد بن علي الباقر، كل طوائفهم ترجع إليه، لكن إنما اختلفوا في أولاده، فقد خرج مع زيد عدد منهم، فاشتهروا بالزيدية ورفضه الذين بقوا وتمسكوا بمذهب أخيه فسموا بالروافض هم الذين رفضوا زيدا، فالشيعة إذن قسمان زيدية وروافض، فالزيدية لهم مذاهب فقهية متعددة، وفي مذهبهم عدد من المجتهدين، وكذلك الرافضة الجعفرية لهم مذاهب متعددة فيها عدد من المجتهدين، والخوارج لم يبق شيء من مذاهبهم يذكر إلا المذهب الإباضي وهو مذهب أتباع عبد الله بن إباض التميمي الخارجي الذي هو في الأصل من أتباع نافع بن الأزرق من الأزارقة الحرورية، فكل هذه المذاهب التي بقيت إلى زماننا ويوجد اليوم من يتمسك بها هي ثمانية مذاهب، مذاهب أهل السنة الأربعة المتبوعة والظاهرية والزيدية والجعفرية والإباضية، وإنما تختلف هذه المذاهب كذلك في بناء بعض القواعد التي يرجع إليها في تفصيلات الفقه.

فمثلا تختلف هذه المذاهب في العمل عند تعارض النصوص، هل نبدأ بالجمع أو بالترجيح، وتختلف كذلك هل السنة يمكن أن ينسخ بها القرآن أو لا ينسخ بها، وهل القرآن كذلك يمكن أن ينسخ السنة أو لا ينسخها، وتختلف كذلك في دلالة العام على أفراده هل هي قطعية أو ظنية، إذا عارضها دليل خاص هل يقدم عليها أم لا، وتختلف كذلك في دلالة الأمر المطلق هل هي الإيجاب أو الندب أو الإباحة، وتختلف كذلك في دلالة الأمر المطلق من ناحية الوضع هل هو يدل على الصحة أو لا يدل عليها، وكذلك في دلالة الأمر المطلق على التكرار أو على الفورية كل ذلك من القواعد التي حصل عليها الاختلاف وعلى أساسها قامت هذه المذاهب المذكورة.

وعموما هذه المذاهب كلها الخلافات بينها في أمور اجتهادية لا يمكن الحكم لواحد منها بأنه أصوب مطلقا، حتى لو كانت المذاهب لها انحرافات أخرى في غير الفقه، حتى لو قلنا مثلا الروافض لهم مذهب عقدي منحرف لكن لا يمنعنا ذلك أن نعلم أن لهم مذهبا فقهيا له مآخذ لا يمكن أن ننكرها، فعلى هذا الجانب الفقهي المنبني على فهم النصوص وقواعد تطبيقها على الجزئيات يقبل فيه تعدد وجهات النظر، لا مانع فيه من التعددية، ولا يمكن ادعاء الصواب فيه محصورا في قول واحد أو في مذهب واحد من المذاهب، فذلك هو التعصب المقيت، فاحتكار الحق في الأمور الاجتهادية الراجعة إلى العقل متعذر، لأنه ما من أحد يعمل عقله إلا سيوصله عقله إلى وجهة نظر ينبغي أن تحترم له ما دامت لا يمنعها شرع ولا تتصادم مع عقول الآخرين.

وهذه المذاهب لا تخلو كذلك من مدارس ومنازعات وخلافات في داخلها، فقد اشتهر من أصحاب أبي حنيفة الإمام أبو يوسف يعقوب وقد خالف أبا حنيفة في أمور كثيرة، وكذلك محمد بن الحسن الشيباني وقد خالف أبا حنيفة وأبا يوسف كذلك في مسائل كثيرة، وكذلك الإمام زفر ثالث أصحاب أبي حنيفة، وكذلك الحسن بن صالح اللؤلؤي رابع أصحاب أبي حنيفة

إن الهداية كالقرآن قد نسخت

فاحفظ فوائدها واضبط قواعدها            يسلم كلامك من زيغ ومن كذب

وقد خدمت خدمة بالغة، فوضع عليها من الشروح أعداد كبيرة جدا، فمن شروحها مثلا فتح القدير للكمال بن الهمام وهو من محققي الحنفية الأعلام، وكذلك البناية على الهداية، للعيني شارح صحيح البخاري، وكذلك العناية للبابرتي والكفاية للبلدي وعدد كبير من الكتب الأخرى تدور في فلك الهداية، وخرج أحاديثها الزيلعي الكبير في كتابه نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، وهو أول كتاب متخصص في مجال تخريج الأحاديث، وقد لخصه الحافظ بن حجر في كتابه الدراية في تخريج أحاديث الهداية، ثم جاء بعد هذا القدوري فألف مختصره الذي يسميه الحنفية بالكتاب، فأصبح أيضا عمدة المذهب ومرجع الناس لأنه لخص كتب محمد بن الحسن وبالأخص أنه جمع بين الجامع الكبير والجامع الصغير، فاشتهر هذا الكتاب وتداوله الناس وتناولوه بالشروح، كثرت شروحه، أصبح عمدة عندهم، ثم جاء النسفي وهو من أئمتهم الكبار فألف كتابه كنز الدقائق فأقبلوا عليه كذلك إقبالا عظيما، فمن شروح كنز الدقائق تبيين الحقائق للزيلعي الصغير تلميذ صاحب نصب الراية، ومنها كذلك البحر الرائق لابن نجيم، وعليه حاشية ابن عابدين المسماة بمنحة الخالق على البحر الرائق على كنز الدقائق، وعلى تبيين الحقائق كذلك حاشية إبراهيم الشلبي التركي ثم جاء المتأخرون منهم فأكثروا من المختصرات المختصة ومن أشهرها، تنوير الأبصار للحصكفي و

أما المذهب المالكي فأقدم كتبه وأهمها في الأصل المدونة، وهي كتاب تداولته الأيدي وتناولته، فإن أسد بن الفرات وكان من أصحاب مالك جعل الفقه في صورة أسئلة، فذهب فعرضها على أهل العراق، يقال إنه عرضها في البداية على مالك فامتنع من إجابته وقال: اذهب إلى أهل العراق فإن أرائ

ثم ذهب أسد بن الفرات إلى القيروان فلقي هن

فعرض عليه الكتاب فأعجب به، فسأله أن يعيره إياه ليكتبه فقال: لا سبيل إلى ذلك، ففاوضه حتى قبل أن يعيره إياه في ليلة واحدة، فوزعه سحنون في تلك الليلة على طلابه فكتبوه جميعا فأصبح مكتوبا عندهم في الأوراق، وذهب أسد بن الفرات إلى صقلية وافتتحها وكان قائد الجيش وقا

وهان على سراة بني لؤي          حريق بالبويرة مستطير

وقد أصبح هذا البيت مضرب المثل، كما قال الشاعر:

أصبحت فيهم غريبا بين أظهرهم           كبيت حسان في ديوان سحنون

وقد اشتهر هذا الكتاب وتداوله الناس وتناقلوه، وروي كما تروى الأمهات من الكتب، حتى إن أهل طليطلة حين صال عليهم الإسبان فأحرقوا كتبهم ورموها في النهر كان من فقهائهم فقيه يحفظ المدونة فأملاها عليهم، فجاءتهم نسخة

وقد اختصرها عدد من المؤلفين وشرحوها، وخدمت بكثير من أنواع الخدمة، فألف في مصطلحاتها وألف في غريب لغتها وفي تخريج أحاديثها وغير ذلك، ومن مشاهير الذين خدموها أبو محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، فقد ألف كتابه النوادر والزيادات في خدمة المدونة، ثم بعده القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد الكبير الجد وقد شرح تراجمها وأبوابها فق

وقد ألف عدد من أصحاب مالك كتبا أخرى، ومن أشهرها مختصرات عبد الله بن عبد حكم، وهي أقدم مختصر يؤلفه المسلم

وكذلك كتب ابن وهب وإن كانت لم تحظ بالنقل الكافي لأن الرجل اشتهر بالحديث فكان الناس في حديثه أرغب منهم في كتبه الفقهية، ثم جاء بعد هؤلاء محمد بن المواز، ومحمد بن سحنون اللذين اشتهرا بالمحمدين، وألف ابن المواز الموازية التي هي من أشهر كتب المالكية وأهمها، وألف محمد بن سحنون عددا من الكتب الكثيرة، ثم أصبح المذهب المالكي على مدارس، يمكن إرجاعها إلى خمسة تقريبا، المدرسة المدنية وهذه لم يكتب لها البقاء طويلا لأن الشيعة قد غلبوا على المدينة فيما بعد وغيروا معالمها، وطردوا أهل السنة منها، وهذه المدرسة يدور فقهها على رواية عبد الملك بن الماجشون عن مالك، وعلى رواية المغيرة ومطرف عنه، هؤلاء مشاهير أصحاب مالك من المدنيين عبد الملك بن الماجشون ومطرف والمغيرة.

والمدرسة المصرية وركنها ابن القاسم ومنها أشهب وابن عبد الحكم وابن نافع، وابن وهب، وأتباعهم من بعدهم، والمدرسة العراقية ومن أشهر أئمتها من أصحاب مالك القاضي إسماعيل وهو من ذرية حماد بن زيد، وهو مؤلف كتاب المبسوط في الفقه المالكي، ومن أشهر تلامذة مالك فيها أيضا أبو مصعب الزهري الذي كان شيخا للإمام أحمد، وكذلك يحيى بن يحيى التميمي، ويحيى بن عبد الله بن بكير، وهذه المدرسة مدارها لدى المتأخرين على أبي بكر الأبهري وابن القصار وابن خويز منداد، وينطق أيضا خويز بنداد والقاضي عبد الوهاب بن نصر البغدادي، ومن أشهر كتبها عيون الأدلة لابن القصار، ورؤوس المسائل له أيضا، وكتب القاضي عبد الوهاب التي من أشهرها المعونة، والتلقين وشرح الرسالة.

ثم المدرسة القيروانية المغربية وعمدتها على سحنون وتلامذته، وهي أرجح هذه المدارس وأهمها لأنها ورثت المدرسة المصرية وفيها استقر المذهب القرون المتطاولة، ثم المدرسة الأندلسية وهذه عمدتها في الأصل على يحيى بن يحيى الليثي المصمودي وعبد الملك بن حبيب وقد قويت هذه المدرسة بالأئمة المشاهير الذين اشتهروا في الأندلس من أمثال أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر حافظ المغرب، وأبي الوليد سليمان بن خلف الباجي، وأبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد الجد وحفيده كذلك

أما الكتب الجامعة لآراء هذه المدارس التي تعتبر مرجعا للمذهب فيما بعد فمن أقدمها كتاب التفريع لابن الجلاب، ثم كتاب ابن شأس أو ابن شاس بالهمزة أو بدونها، شأس من أعلام العرب المعروفة ويجوز فيه التسهيل يقال شأس وشاس، ثم مختصر ابن الحاجب الذي سماه جامع الأمهات، وقد وضع الله القبول على مختصر ابن الحاجب، فخدم خدمة عظيمة، واشتهر من شروحه ثمانية عشر شرحا، منها التوضيح لخليل بن إسحاق بن موسى الجندي، وشرح ابن عبد السلام التونسي، وشرح ابن هارون التونسي كذلك، وشرح ابن راشد القفصي، وقفصة مدينة من تونس أيضا، وغيرها من الشروح، وكتاب المستخرجة لمحمد بن العتبي، وقد جمع فيه الروايات عن مالك من غير طريق المدونة، على طريقة أهل الحديث في الاستخراج، وقد اشتهر هذا الكتاب حتى كان ندا للمدونة، حيث يقول الإمام ابن رشد في حضه على حضور مجالس أهل العلم والقضاء: يقول: عندما وليت القضاء عرضت علي أول مسألة فلم أدر ما أقول فيها، وأنا يومئذ أحفظ المدونة والمستخرجة الحفظ المتقن، لولا مشورة أبي سعيد بن لد كان قاضيا مفتيا قد سبقه، فلولا عمله السابق حضوره لمجالس القضاء لما عرف كيف يقضي، مع أنه يحفظ المدونة والعتبية الحفظ المتقن، وقد ألف أبو الوليد بن رشد الكبير البيان والتحصيل بشرح العتبية، شرح المستخرجة هذه، فخدمها فيه خدمة عظيمة، وكذلك من أمهات كتب المالكية الجامع لابن يونس الصقلي، وقد حاول فيه أن يجمع أدلة المالكية، فكان كثير من طلبة العلم يلقبونه بمصحف المذهب، لجمعه للأدلة من الآيات والأحاديث، كل آية

لقد مزقت قلبي

وكتب الإمام المازري ومن أهمها شرح التلقين للقاضي عبد الوهاب، والرسالة لأبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني، وقد وضع الله عليها قبولا عظيما، فشروحها الآن أكثر من ثلاثمائة شرح، ومضت قرون في كل سنة يظهر لها شرح، قرون كل سنة يظهر لها شرح جديد، ومن أشهر شروحها الآن شرح العلامة أحمد زروق البرنسي، وشرح ابن ناجي، وهما مطبوعان في مجلد واحد وشرح أبي الحسن الص

ثم جاء خليل بن إسحاق بن موسى الجندي المالكي فألف مختصره الجامع الذي وفق فيه لنوع من الاختصار عجيب، جمع فيه كل هذه الكتب السابقة تقريبا، فيه مائة وعشرون ألف مسألة فقهية، وقد قال فيه ابن القيم رحمه الله لم تزل ألطاف الله بالمالكية تتوالى حتى أخرج لهم شابا جمع لهم مذهبهم في أوراق يتأبطها الرجل ويخرج، يتأبطها الرجل أي يجعلها تحت إبطه ويخرج، وهو عمدة المذهب اليوم، يحفظه الناس كما يحفظون القرآن، خدم بأنواع الخدمة، وعليه أكثر من ثمانين شرحا، من أشهرها شرح بهرا

وتم عرضه على الأعيان           كالعالم الأكدبج الرباني

أنخت عنده بتيلماس

فمر بالإصبع في يومين            على جميع النظم مرتين

وقال لا عيب به للمشتهي           غير اختصاص سره بالمنتهي

قلت من اصله حوى ذاك الشمم     ومن يشابه أبه فما ظلم

ومنها منظومة الشيخ محمد سالم

وهذا النظم يجمع كذلك غريب اللغة

ومن عليه شنق قد ذابا             شحطها فمشرت آرابا

على السباهل فأش

وهكذا، يأتي بألفاظ صعبة، حتى ألفاظ الأقوال النادرة في التفسير يأتي بها أيضا ليربط الإنسان بكتب التفسير، فيأتي مثلا في الحيض يقول:

دم جرى بنفسه من ش

فيأتي بلفظ الشكر ولفظ الإعصار أعصرت معناه حاضت، ولفظ الإكبار أيضا من أكبرت، وهذا يربط الإنسان بكتب التفسير فبعضهم يفسر قوله:

السؤال هنا عن المفتي إذا استفتي ماذا يلزمه؟

فأقول إن للناس في ذلك ثلاث طرائق، الطريقة الأولى إذا كان السائل من أهل العلم فإن على المفتي أن يبين له ما في المسألة من الأقوال وأدلة كل قول ثم يترك الترجيح إلى المستفتي، فإن كان ليس من أهل العلم القادرين على الاستباط يبين له ثم يرجح له القول الذي يراه راجحا، هذه الطريقة هي الطريقة العلمية للإفتاء، لأنها تجعل المستفتي لا يتحجر، فإذا رأى أن مذهبا من المذاهب أصلح له وأن دليله أقوى يمكن أن يأخذ به، ويعرف ما فيه خلاف من المسائل وما ليس فيه خلاف منها، الطريقة الثانية هي أن يفتيه على مقتضى مذهبه، فالمفتي والمستفتي كلاهما في الغالب

الطريقة الثالثة أن يبين له ما ترجح لدى المفتي فقط، ويعطيه حكما جاهزا بحسب ما يترجح لديه فقط، وهذه الطريقة تسمى

هنا سؤال عن التمذهب أصلا وعن حكمه وعن أن كثيرا من الناس يدعون إلى ترك المذهبية، ويقولون إن العلماء أصحاب المذاهب أخذوا من الكتاب والسنة فلماذا لا يرجع جميع الناس إليها.

الجواب أن هذه الفكرة متعذرة متعسرة في زمان المتأخرين، لأن الكتاب والسنة لا يغطيان كل المسائل بالصريح، كل ما يتجدد من الوقائع والنوازل بالصريح، فالمساحة المغطاة بالوحي من عمل المكلف والمجتهد قليلة جدا لا تصل إلى 10% من عمل المكلف، وإنما يغطى سائر أعمال المكلفين من الاجتهاد والاستنباط، والاجتهاد والاستنباط لا شك أنهما غير محصورين في أهل زمان ولا في أهل مكان، ولكن القواعد التي يتعامل بها مع النصوص محصورة بالعقل فلا يمكن أن يأتي اليوم إنسان ولو بلغ رتبة السابقين في العلم فيقول: سآتي بقول جديد في دلالة العام أو في دلالة المطلق أو في الترجيح، لا يمكن أن يأتي بشيء، لأن كل الاحتمالات العقلية قد حصرها السابقون، لكن يمكن فقط التلفيق وهذا الذي بقي للمتأخرين.

والتلفيق لا حرج فيه، أن يأخذ من هذا المذهب بالقاعدة الفلانية ومن هذا بالقاعدة الفلانية لكن لن يخرج في الغالب الأمور العقلية عما حصروه، والمحصور عقلا لا يمكن أن يقع فيها تجديد، والمذاهب ليست هي خارجة عن الكتاب والسنة، بل هي إنما تغطي المساحة التي لا تغطى بالوحي، لأن ما غطي بالوحي كما ذكرنا لا يدخل في تعريف الفقه أصلا، الفقه إنما هو الأمور التي ليس فيها نص وإنما هي اجتهادات للرجال، وهذه بالضرورة لا بد أن تقع فيها مذاهب، لكن تلك المذاهب ليس مذهب منها إجباريا على أي إنسان، إنما إذا كان الإنسان طالبا للعلم عليه أن يختار منها الراجح لأن العمل بالراجح واجب لا راجح، يبحث عما ترجح لديه هو ويعلم أن ترجحه لديه ليس مقتضيا لترجحه لدى كل الناس.

فمجرد ترجح القول لديك أنت يقتضي زيادة أنصار هذا القول بصوت واحد، وفي المقابل يمكن أن تجد الأقوال الأخرى أصواتا أخرى كثيرة.

كذلك إذا كان غير صالح لهذه المرحلة ولم يكن طالبا للعلم أصلا فإن هذه المذاهب فسحة منجية له كما قال الشعراني قال: إن للشريعة سورين أحدهما سور العزيمة والثاني سور الرخصة، والمذاهب كلها بين هذين السورين، فإذا وجدت مذهبا يشدد في مسألة فاعلم أنه اقترب إلى سور العزيمة، وإذا وجدت مذهبا يسهل فيها فاعلم أنه اقترب إلى سور الرخصة، وانظر إلى نفسك هل أنت من المترخصين أو من أصحاب العزائم، إذا كنت معذورا بعذر أو صاحب ضعف فاذهب مع الذين ذهبوا إلى الرخصة، وإن كنت صاحب قوة ونعمة فاذهب إلى الذين ذهبوا إلى العزيمة.

بالنسبة لتبني دولة من الدول لمذهب معين ليس معناه أن عمل الناس سيكون موافقا لذلك المذهب، بل المقصود أن القضاء سيكون على وفقه والإفتاء العام في الأمور العامة سيكون على وفقه أما الأفراد فيعملون على مقتضى ما ترجح لديهم، ولا يحل لهم ترك الراجح لأن الدولة تبنت مذهبا من المذاهب ولم يقع هذا في أي عصر من العصور الماضية، في أيام بني العباس عندما أخذوا مذهب أبي حنيفة في القضاء ليس معناه أن الناس تركوا مذاهبهم وذهبوا إلى مذهب أبي يوسف.

كذلك في دولة العثمانيين مثلا التي اعتمدت المذهب الحنفي ليس معناه أنها فرضت المذهب الحنفي على الناس في سلوكياتهم وأعمالهم، بل فقط فيما يقضي به القاضي فقط هذا المقصد، لو خالف ذلك القاضي باجتهاد وعمل بما ترجح لديه فحكم به فإن كان قد التزم أن لا يحكم إلا بمقتضى المذهب الفلاني في أصل توليته فيعتبر معزولا عن ذلك إلا إذا رضي به الخصمان فيكون كالمحكم، ومع هذا فإن حكم به فإن حكمه نافذ لأنه يرفع الخلاف.

 


عدد مرات القراءة : 8306



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              22275214
المتواجدون الأن       3
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو