» محمد الحسن الددو يعزي أهل الشيخ إبراهيم أنياس         » وجوب مساعدة الفلسطينيين في حصارهم         » وجوب نصرة المصطفى صلى الله عليه سلم         » الحج.. دروس.. وعبر         » استبشار الرسول صلى الله عليه وسلم بقدوم شهر رمضان         » افتتاحية الموقع         » الحج.. دروس.. وعبر         » كيف نستقبل رمضان         » افتتاحية الموقع        
الأسم :
البريد الالكترونى :

مساحات اعلانية
اصدارات شنقيطية
الدرس الثاني من سلسلة دروس دورة الفرائض العلمية
الكاتب : الشخ محمد الحسن ولد الددو



الدرس الثاي من دروس دورة الفرائض العلمية اللتى القاها و درسها الشيخ محمد الحسن ولد الددو بمركز تكوين العلماء بانواكشوط

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. 

كان الحديث في الدرس الماضي في أواخره عن موانع الإرث، فمن يذكرنا بها؟

بالنسبة لهذه الموانع التي ذكرناها هي موانع في اصطلاح الفرضيين، وإلا فليس ينطبق عليها تعريف المانع لدى الأصوليين، لأن المانع لدى الأصوليين لا بد فيه من تحقق السبب، والزنا النسب فيه وهو سبب الميراث غير موجود، لأن المعدوم شرعا كالمعدوم حسا، فالنسب ولو كان موجودا حسا إلا أنه معدوم شرعا، وكذلك اللعان فالنسب فيه معدوم شرعا، ومعدوم حسا أيضا باعتبار الدنيا، لأن العبرة فيها بما يحكم به القاضي، لذلك اعتبار اللعان والزنا ونحو ذلك من الموانع موانع إنما هو في اصطلاح الفرضيين لا في اصطلاح الأصوليين، ويمكن أن نضيف إلى ما ذكر النبوة، فالنبوة تمنع الإرث من جهة واحدة معناه من كان نبيا فإنه لا يورث ولكنه يرث، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة، فالنبوة مانعة مع قيام السبب، فالسبب مثلا البنوة أو الأخوة أو الأمومة أو نحو ذلك أي النسب ونحوه والنكاح وغير ذلك من أسباب الإرث قائمة، ومع ذلك لا يرثون نبيا مات، ولا يرد على هذا بقول الله تعالى: {وورث سليمان داود} لأنه لا يقصد أنه ورثه في المال، وإنما يقصد أنه قام مقامه في الخلافة في الأرض، (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض) فقد استخلف الله سليمان مكان داود فاعتبر ذلك ميراثا كما أن الله هو وارث الأرض ومن عليها، (ونحن خير الوارثين) كما قال الله سبحانه وتعالى عن نفسه، والنبي صلى الله عليه وسلم وارث للأنبياء الذين قبله ومعنى ذلك أنه خالف لهم، أما الجهة الأخرى وهي كون النبي يرث ممن يرثه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورث دار آمنة بنت وهب وورث من أبيه شقران وبركة أم أيمن وقطعة من الغنم وقطعة من الإبل أيضا، وفي ذلك يقول الشيخ محمد عالي رحمة الله عليه:

قد ورث النبي أم أيمنا             من أبه فوالها ما أيمنا

وقطعة من إبل لا يغتنم            مثالها وثلة من الغنم

وهكذا ورث دار الأم              ودار زوجه النبي الأمي

دار خديجة بنت خويلد. وقد يعترض على عد النبوة مانعا من موانع الإرث بأنها تمنع جانبا واحدا، ومن الأسباب ما لا يقع معه التوارث من الجانبين، كأم أبي أبيك وهي الجدة من جهة الأب أم أب الأب فإنك ترثها ولا ترثك، وكذلك أم الأم فهي ترثك وأنت لا ترثها، ولا يسمى ذلك مانعا من موانع الإرث، وسيأتينا في ميراث الجدات، وفيه يقول أحد الفقهاء:

أم أبيك إرثها لا يجهل             وهكذا إرثك منها يا فل

وأم أمك لها الإرث وجب          وأنت لا ترثها وذا عجب

بعكسها أم أبي أبيكا                فاشدد على ما قلته يديكا

فأم أبي الأب أنت ترثها وهي لا ترثك، وأم الأم ترثك ولا ترثها، وأم الأب ترثها وترثك، وسيأتينا ميراث الجدات، وأن الحنابلة لهم توسع فيه يجوز عندهم ميراث أربع جدات في فريضة واحدة، والجمهور يخالفونهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الحجب في ميراث الجدات.

كذلك ذكرنا القتل في موانع الإرث، ولكن نحتاج فيه إلى تفصيل، وقد سأل عنه أحد الطلاب في أواخر الدرس الماضي، فالقتل الذي يمنع الإرث مختلف فيه، فقد حصل الإجماع في الجملة على أن القتل مانع من موانع الإرث، وورد فيه حديثان كلاهما معلل، أحدهما قول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس لقاتل ميراث. والثاني: لا يرث القاتل شيئا، وكلا الحديثين له علة، ولكنهما باجتماعهما يكون أحدهما شاهدا للآخر، وقد قوى: لا يرث القاتل شيئا أبو عمر بن عبد البر، فالقتل أقسام، منه القتل العمد وهو ما اجتمع فيه علتان أو علة مؤلفة من صفتين هما العمد والعدوان، كمن اعتدى على إنسان بقصد قتله فرماه برصاصة أو ضربه بمثقل، أو ضربه بسيف أو طعنه برمح عمدا عدوانا، فهذا القاتل عمدا عدوانا بالمباشرة لا يرث إجماعا، كذلك القسم الثاني هو القتل خطأ وهو أن يقتل الإنسان الإنسان من غير قصد قتله، وهذا ينقسم إلى قسمين، إلى قتل بالمباشرة وقتل بالتسبب، فالقتل بالمباشرة ينقسم إلى قسمين، إلى ما حصل فيه الفعل بتصرف مقصود وما لم يحصل فيه قصد أصلا، والقتل غير المباشر كأن يحفر الإنسان بئرا في الطريق فيقع فيها إنسان آخر، أو أن يرسل سبعا فيعدو على إنسان فيقتله، أو أن يرمي بقية نار كبقية دخان أو نحو ذلك فيقع حريق فيموت بسببه بعض الناس فهذا القتل غير المباشر وهو خطأ، والقتل المباشر منه ما يكون الإنسان غير قاصد له كمن كان نائما، إذا نامت المرأة فانقلبت على ولدها الرضيع فمات، وكفعل المجنون والصبي ففعلهما لا يعتبر مقصودا قطعا، وكذلك فعل المكره إكراها ملجئا، فالإكراه ينقسم إلى قسمين، إلى إكراه ملجئ وإكراه غير ملجئ، فالإكراه غير الملجئ كمن يرفع سيفا على شخص ويقول له اقتل فلانا أو أقتلك، وهذا لا يبيح قتله إذا كان مسلما معصوم الدم، لأنه ليس أولى بالحياة من الذي يقتله، فهو مهدد بالموت ليقتل، وليس هو أولى بالحياة ممن سيقتله، فكلاهما معصوم الدم، فلا يحل له أن يقتل إنسانا بسبب الإكراه على قتله، ويدخل في هذا الأوامر التي يصدرها القادة لمقوديهم كقادة الجيوش وقادة الشرطة ونحوهم فإذا أطلق القائد أمرا لمقوده بأن يقتل مسلما أو أن يؤذيه فإن ذلك لا يرفع الإثم على المأمور لأنه حتى لو كان مكرها فإكراهه غير ملجئ، لأنه يستطيع أن لا ينفذ العمل أصلا يستطيع أن يتخلص من الوظيفة بالكلية، هذا الإكراه غير ملجئ، فلذلك يأثم ويشارك في الجريمة وتكون مشتركة بينهما.

والإكراه الملجئ كمن أخذ إنسانا فرمى به من السطح فوقع على إنسان آخر فمات فهو لا يستطيع التصرف حينئذ، هذا إكراه ملجئ، لأنه ألجئ إلى القتل فقد أخذ ورمي به من سطح فوقع على إنسان فمات، فهذا قتل خطإ بالنسبة له هو لأنه أكره إكراها ملجئا لا يستطيع التصرف معه، ولكن الذي رماه هو القاتل الحقيقي المسؤول شرعا في هذه المسألة.

لدينا قسم آخر هذان القسم القتل عمدا والقتل خطأ منصوصان في كتاب الله كما تقرؤون في سورة النساء: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، وقبلها: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما)، فهذان قسمان هما القتل عمدا والقتل خطأ.

لدينا قسم آخر يسمى القتل شبه العمد، القتل شبه العمد، وهذا أثبته الجمهور خلافا للمالكية فلم يثبتوه إلا في صورة واحدة فالجمهور أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام إلى عمد وخطأ وشبه عمد، وشبه العمد هو أن يقصد الإنسان الضرب ولا يقصد القتل، كمن أخذ عمودا أو عصا وضرب به إنسانا يريد تأديبه أو ضربه ولكنه لا يريد قتله فوقع في مقتل فمات، فهذا النوع لا يكون شبه عمد عند المالكية، ولذلك قال خليل رحمه الله في المختصر: إن تعمد ضربا وإن بقضيب، أشار ب(إن) إلى خلاف خارج المذهب وهو المذاهب الثلاثة، المذاهب الثلاثة الحنفية والشافعية والحنابلة يرون هذا قتلا شبه عمد لأنه قصد الضرب، ولو بقضيب، وهذا ورد فيه حديثان أحدهما أخرجه أصحاب السنن وأحمد في المسند من حديث يعقوب بن أوس أو عقبة بن أوس عن القاسم بن ربيعة عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ألا إن قتيل خطإ العمد بالسوط والعصا والحجر فيه مائة من الإبل منها أربعون خلفة في بطونها أولادها، وهذا الحديث يقتضي تغليظ الدية وأنه شبه العمد.

ولكنه معلل بعلل منها الاضطراب في الإسناد، فقد جاء عن عقبة بن أوس وعن يعقوب بن أوس، عن القاسم بن ربيعة عن عبد الله بن عمر وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، وجاء أيضا في رواية أخرى  للنسائي عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، غير مسمى، والاضطراب في تسمية الصحابي ليس علة لدى أهل الحديث، لأن الصحابة عدول جميعا سواء كان عبد الله بن عمرو أو عبد الله عمر أو صحابي آخر فلا يضر جهل الصحابي، لكن التردد في عقبة بن أوس ويعقوب بن أوس مع الاستواء علة، الحديث الثاني حديث ابن عباس وقد أخرجه النسائي وأحمد أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الخطأ شبه العمد أن ينزو الشيطان بين الناس فتقع الدماء في غير ضغينة ولا حمل سلاح.

أن ينزو الشيطان بين الناس فتقع الدماء في غير ضغينة ولا حمل سلاح، وفي رواية في رميا أوعميا، في رميا معناه ترام أن يتراموا فيما بينهم، وعميا معناه في فتنة عمياء لا يعرف المصيب فيها من المخطئ، فهذه الفتن التي تقع كالخلافات بين القبائل والخلافات على الأرض فتثور الثائرة بين الناس ويتضاربون فيقع قتلى، فهذا القتل عند الجمهور ليس قتل عمد وإنما هو خطأ شبه العمد، هو خطأ شبه العمد يسمى القتل شبه العمد، وذلك أن الدية فيه مغلظة وهي مثلثة، والدية العادية دية الخطأ مخمسة، في أسنان الإبل.

كذلك القتل سواء كان عمدا أو خطأ أو شبه عمد، ينقسم إلى قسمين إلى قتل بحق وقتل بغير حق، فالقتل بحق كالقتل قصاصا أو إقامة للحد حد الزنا أو حد من الحدود التي تؤدي إلى القتل حد الردة مثلا، أو نحو ذلك، وهو أيضا ينقسم إلى مباشر وغير مباشر، فالمباشر كالمنفذ الذي يضرب بالسيف إقامة لحدود الله أو إقامة للقصاص، وغير مباشر كالقاضي الذي يحكم، أو الشهود الذين يشهدون أن فلانا قتل فلانا، أو أنه زنى وهو محصن حتى يقتل، فهذه التفصيلات هي تفصيلات القتل وعلى أساسها اختلف المذاهب، فذهب الشافعية في الصحيح عندهم إلى تعميم القتل مانعا من موانع الإرث، أن القاتل لا يرث مطلقا سواء كان قتله بحق أو بغير حق، وسواء كان عمدا أو خطأ أو شبه عمد، وسواء كان مباشرا أو غير مباشر مطلقا، فكل قتل سواء كان بالمباشرة أو بغير المباشرة، سواء كان بحق أو بغير حق، سواء كان عمدا أو شبه عمد أو خطأ فإن صاحبه لا يرث، لا من الدية ولا من المال فهذا مذهب الشافعية في الصحيح عنهم.

القول الثاني أن القتل إذا كان بالمباشرة وكان بغير حق فإن صاحبه لا يرث، أما إذا كان بغير مباشرة مطلقا سواء كان عمدا أو خطأ أو شبه عمد أو كان بحق سواء كان بالمباشرة أو بغير المباشرة فإن صاحبه يرث وهذا مذهب الحنفية، فيرون أن القاتل إذا قتل عمدا أو خطأ أو شبه عمد بغير حق بالمباشرة فإنه لا يرث، أما إذا قتل بالتسبب أو قتل بحق أخذ القصاص من موروثه أو أقام عليه الحد فإنه يرثه.

القول الثالث: مذهب الحنابلة أن كل قتل مضمون بقود أو بدية أو كفارة فإنه مانع من موانع الإرث وما سوى ذلك لا يمنع، فالقتل المضمون بقود معناه بقصاص كالقتل عمدا عدوانا، أو بدية كالقتل شبه العمد والقتل الخطأ بالمباشرة أو بالتسبب إذا لم تكن مباشرة تقطع حكم التسبب، أو بكفارة كفعل النائم والغافل كالمرأة إذا انقلبت على ولدها فمات فعند الحنابلة لا ترث منه لأن هذا القتل مضمون بكفارة، وعند الحنفية ترث منه لأنه ليس مقصودا بوجه من الوجوه.

المذهب الرابع مذهب المالكية فالمالكية يقسمون القتل إلى قسمين فقط فليس عندهم شبه العمد إلا في صورة واحدة، وهي قتل الأب لولده بغير الذبح، قتل الوالد لولده بغير الذبح، إذا أخذ الوالد ولده فأضجعه وذبحه فهذا قتل عمد إجماعا، لكن إذا رماه بسيف أو برصاصة فأصابه فمات فمذهب المالكية أنه لا يقتص منه له، لأن هذا لا يمكن أن يعتبر عمدا، فيعتبرونه شبه عمد، ويغلظون فيه الدية، لما ثبت في الأثر الذي أخرجه مالك في الموطإ عن عمر بن الخطاب في قصة المدلجي الذي رمى ولده بسيف فأطن ساقه فنزف فمات، فجاء عمر فأخرج مائة من الإبل ودعا أخا القتيل وقال: لا يرث القاتل شيئا. فأخذ المالكية بهذا فرأوا أن القتل شبه العمد إنما هو في هذه الصورة الواحدة وهي قتل الوالد لولده بغير الذبح، تغلظ فيه الدية، والمالكية يرون أن القاتل خطأ لا يرث من الدية ولكنه يرث من أصل المال، يفرقون بين الدية وأصل المال، فيرون أن المنع مقيد فالقتل العمد يدخلون فيه شبه العمد فهو عمد عندهم، والقتل الخطأ سواء كان بالمباشرة أو بالتسبب لا يرث صاحبه من الدية ولكنه يرث من أصل المال الذي يسبق الدية.

كذلك تفاصيل أخرى فيما يتعلق بالكفر المانع من الإرث، فالكفر ينقسم إلى قسمين إلى كفر أصلي وكفر بالردة عن الإسلام، كفر أصلي وكفر عارض، فالكفر العارض هو الكفر بالردة عن الإسلام، فالكفر الأصلي مانع من التوارث بين المسلمين والكفار، فلا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم، لكن الكفر العارض إذا كان الإنسان مسلما فارتد عن الإسلام فهل الردة مانع من موانع الإرث كالكفر الأصلي أم لا؟ ذهب الشافعي إلى أن الردة مانع مستقل غير مانع الكفر، هي مانع آخر يعدونه مستقلا، ويرون المنع فيها وهذا مذهب المالكية والحنابلة، المالكية والحنابلة يرون أن الكفر الأصلي والعارض سواء، فكلاهما مانع من الإرث، والحنفية يفرقون بين كفر الرجل وكفر المرأة، فالرجل إذا كفر ارتد عن الإسلام فاكتسب مالا في ردته فإنه لا يرثه المسلم بل هو فيء للمسلمين، وماله الذي اكتسبه في إسلامه قبل الردة يورث عنه يرثه ورثته، هذا عند الحنفية، وعند الحنفية أن المرأة إذا ارتدت لا تقتل، فلذلك يرون أنها تورث مطلقا لأنها لا تقتل، فالقتل بالردة مختص عندهم بالرجل، ويرون إخراج المرأة من قول النبي صلى الله عليه وسلم: من بدل دينه فاقتلوه، يخرجون من ذلك المرأة بنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها ولو كانت كافرة أصلية في الحرب، فهذا مذهب الحنفية، فإذن عندهم الرجل إذا ارتد ما اكتسبه في إسلامه قبل الردة يورث عنه، وما اكتسبه في ردته لا يورث عنه وهو فيء، والمرأة تورث مطلقا لأنها لا تقتل فإذا ماتت على الردة ورث مالها عند الحنفية، والمالكية يرون أن الردة تنقسم إلى قسمين ردة المعلن وردة المستسر، فالمعلن بالكفر لا يرث ولا يورث مطلقا لا ما اكتسبه قبل ردته ولا ما اكتسبه في ردته، والمستسر معناه الذي يكتم كفره، وهو الذي كان يسمى في صدر الإسلام بالمنافق، ويسمى في العصور المتأخرة بالزنديق، وهو الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر كالشيوعي والوجودي والذي يرى الحلول أو الاتحاد أو وحدة الوجود أو نحو ذلك، فهذا عند المالكية يورث إذا قتل، فليس ماله فيئا، لأن وارثه يدعي أنه مسلم ولا يراه كافرا أصلا، ولذلك يرون أن الشيوعي إذا مات يرثه أهله من المسلمين، وأن الوجودي إذا مات يرثه أهله من المسلمين، وهكذا في كل كفر يستسر صاحبه به.

هذا المالكية يفرقون بين الكفر المعلن والكفر المستسر به، فكفر المستسر ليس له استتابة فالتوبة كما قال خليل: وقتل المستسر بلا استتابة إلا أن يجيء تائبا وماله لوارثه، وماله لوارثه معناه أن المستسر يورث، بخلاف المعلن للكفر فماله فيء، ومعنى فيء أنه لبيت المال يدخل في خزينة الدول.

هذه أنواع القتل كما ترون، وقد عرفتم المذاهب فيها، فالقتل إذا كان عمدا بحق معناه هذا ثلاثة إخوة أشقاء قتل أحدهم أخاه فطالب الأخ الثالث بالقصاص على أخيه القاتل، فالقاتل الأول لا يرث مقتوله قطعا لأنه قتله عمدا عدوانا، هذا لا يرث بغير حق، لكن الأخ الأخير قتل أخاه أيضا عمدا ولكن غير عدوان لأنه بحق فهمتم الفرق الآن، فلذلك يدخل الخلاف في القتل الثاني لا في الأول، وهكذا في هذه التفصيلات.

هذا طالب بالقصاص والقصاص حق شرعي، وقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: من قتل له قتيل فهو بين خيرتين إن شاء أخذه برمته أو سلم إليه برمته وإن شاء أخذ الدية، فهذا الحديث يدل على أن من قتل له قتيل فهو بين خيرتين، معناه: إن شاء أخذ دية مغلظة، وهي دية العمد، وإن شاء قتله قصاصا، فهو اختار القتل قصاصا فهذا بحق، لكن مع ذلك لا وارث له إلا هو لأنه أخوه الشقيق وليس له وارث سواه، فهذا هل يرثه أم لا هذا محل الخلاف، الذي سقناه.

اكتب أيضا تفصيلات الكفر، اكتب هنا الكفر أصلي ردة، ردة نوعها، مستسر معلن، المعلن قسمين رجل أو امرأة، هذه التفصيلات التي رأيتم في الكفر، لأنه إما أن يكون أصليا والكافر الأصلي لا يرث المسلم ولا يرثه المسلم لكن يأتي خلافات أكبر من هذا وهي: هل الكفر ملة واحدة، أو الكفر ملل، أو الكفر ينقسم إلى ثلاث ملل فقط، فقد قال بعض أهل العلم: الكفر كله ملة واحدة، فيتوارث اليهودي مع النصراني مع المجوسي مع اللاديني، وقالت طائفة بل الكفر ملل، فكل ملة ينتسب لها إنسان سواء كانت دينا سماويا أو دينا أرضيا أو لا دينا أصلا فأهلها يتوارثون فيما بينهم ولكن لا يرثون غيرهم ولا يرثهم غيرهم، فلا يرث النصراني اليهودي ولا اليهودي النصراني ولا المجوسي ولا البوذي ولا السيخي ... إلخ وقال المالكية والحنابلة: الكفر ثلاث ملل، يهودية ونصرانية وما سوى ذلك ملة واحدة، فجعلوا اليهود والنصارى ملتين معترفا بهما في القرآن والملل الأخرى جعلوها كالملة الواحدة، فيمكن أن يتوارث المجوسي والسيخي أو البوذي أو الهندوسي، فتلك الملل جميعا جعلوها ملة واحدة، لأن التفريق جاء في كتاب الله، وبعض أهل العلم يميز أيضا بين المجوسي وغيره من الملل الأخرى، لأن المجوسي يفرق بينه وبين غيره في الأحكام، كما في حديث عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المجوس: سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا محلي ذبائحهم، ومعنى ذلك أنه يجوز أخذ الجزية منه وحده دون غيره من الكفرة، لأن الله في الأصل في سورة التوبة لم يذكر الجزية إلا من اليهود والنصارى، فقال: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾، وحديث عبد الرحمن بن عوف يقتضي أن المجوس كاليهود والنصارى: سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا محلي ذبائحهم، والمالكية والحنابلة يرون إلحاق غيرهم بهم، فيرون أن المجوس مثلهم جميع الديانات الأخرى، فيمكن أن تؤخذ الجزية من كل كافر، حتى لو كان غير يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، ولكن لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، هذا التفصيل ذكرناه أن الكافر الأصلي لا يرث المسلم ولا يرثه المسلم، وأن الكافر المستسر بكفره يرثه وليه عند المالكية والحنفية، وعند الشافعية والحنابلة لا يورث وأن الكافر المرتد ردة هو معلن بها ليس مستسرا فصل فيه الحنفية بين أن يكون رجلا أو امرأة، فالمرأة تورث مطلقا، والرجل يورث عنه ما كسبه في الإسلام ولا يورث عنه ما كسبه في الردة.

يقول المؤلف رحمه الله تعالى:

باب الوارثين من الرجال

هذا الباب معقود لبيان أنواع من تحققت فيهم الأسباب السابقة وانتفت عنهم الموانع اللاحقة، فالأسباب السابقة، تحققت في عدد من الرجال وعدد من النساء، فعقد الباب الأول للرجال الوارثين والباب الثاني للنساء الوارثات، فقال:

والوارثون م الرجال عشره

هنا خطأ مطبعي وهو إضافة النون في من، فنون من تحذف إذا كانت بعدها أل لكثرة الاستعمال، وذلك مشهور في اللغة كحذف ألف على فإن العرب يحذفون ألف على كقول قطري بن الفجاءة:

غداة طفت عل ماء بكر بن وائل          وعجنا صدور الخيل نحو تميم

ومثل ذلك ما يقولون: م الرجال معناه من الرجال، م القوم

فإنك م القوم الذين عرفتهم

فإنك م القوم معناه من القوم الذين عرفتهم، فالنون تحذف لكثرة الاستعمال مثل ما تحذف نون المضارع من كان إذا كان مجزوما اختيارا:

ومن مضارع لكان منجزم         تحذف نون وهو حذف ما التزم

ولم أك بغيا، ولم أك معناه لم أكن، وتحذف النون اختيارا، فكذلك نون من تحذف أيضا إذا كان بعدها أل.

قال: والوارثون م الرجال عشره          أسماؤهم معروفة مشتهره

أسماؤهم يقصد الأسماء الجامعة، لا الأسماء المخصوصة، فالاسم إما أن يكون علما وإما أن يكون اسم جنس وإما أن يكون نكرة، وهو هنا لا يقصد به العلم قطعا، فإنه لا يمكن أن يكون من الرجال، واحد يرث كل الأموات، باسمه، معروفة مشتهره، أي باسم الجنس لا بالعلم.

ألابن وابن الابن مهما نزلا         والأب والجد له وإن علا

ألابن وهذا بنقل الهمزة حتى يتزن البيت، ألابن وابن الابن مهما نزلا، فالابن وابن الابن ولو نزل ابن الابن فكلاهما وارث بالفرعية، أي سبب من أسباب الإرث هنا تحقق فيهما: النسب. مهما نزلا، معناه: ولو حال بينه وبين الميت عدد من الموتى أو الممنوعين من الإرث، فالابن يرث أباه ولكن ابن الابن لا يرث مع وجود الابن، إلا إذا اتصف الابن بمانع، إذا ارتد الابن عن الإسلام فإن ابن الابن يرث مع وجود أبيه، إذا اتصف بالرق أو بمانع من موانع الإرث الأخرى مثل القتل مثلا فإنه يرث مع وجوده، لأن ابن الابن يرث مع وجود الابن، مهما نزلا معناه: ولو كان ابن ابن ابن ابن بينه وبين الأب سلسلة فإنه يرثه، والأب والجد له وإن علا، كذلك الأب وارث لأبنائه بأي سبب من الأسباب بالنسب، والجد له معناه الجد غير المفصول بأنثى، وهو أب الأب، وآباؤه إلى آدم عليه السلام، فهذا الجد غير المفصول بأنثى هو أب في الواقع، فلذلك يرث بسبب من أسباب الإرث وهو النسب، وهذان داخلان في الأصول، فقد سبق أن النسب يرث به الأصول والفروع والحواشي، فالفروع مثل الابن وابن الابن وإن نزل والأصول مثل الأب والجد وإن علا، وإن علا معناه جد الأب، أو جد أب الأب إذا لم يكن بينه وبين الميت من يدلي به، مثلا الأب يحجب الجد، والجد يحجب جد الأب وهكذا، فكل طبقة تحجب التي فوقها.

والأخ من أي الجهات كانا

كذلك الإخوة وهو أجمل هنا فقال: الأخ من أي الجهات كانا، فعده واحدا، والذين يعدون الوارثين من الرجال خمسة عشر يعدونه ثلاثا الأخ الشقيق والأخ لأب والأخ لأم، فهؤلاء ثلاثة أجملهم بقوله: والأخ من أي الجهات كانا، معناه سواء كان شقيقا أو لأب أو لأم، فالأخ الشقيق والأخ للأب كلاهما عاصب، والأخ للأم ذو فرض، وسيأتي بيان ذلك.

قد أنزل الله به القرآنا

فجاء ذلك في آيتين من كتاب الله، جاء ميراث الإخوة للأم في قوله: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس، فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾، وميراث الإخوة الأشقاء أو لأب بينه الله في قوله: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك، وهو يرثها إن لم يكن لها ولد، فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك، وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين﴾.

فهذا معنى قوله: قد أنزل الله به القرآنا.

وابن الأخ المدلي إليه بالأب               فاسمع مقالا ليس بالمكذب

كذلك ابن الأخ، ابن الأخ أيضا فيه التفصيل السابق الذي في الأخ، فالمقصود به ابن الأخ الشقيق أو ابن الأخ لأب، ولا يدخل ابن الأخ لأم، فإنه من ذوي الأرحام وسيأتي الخلاف في توريث ذوي الأرحام، لكن ابن الأخ الشقيق وابن الأخ لأب إذا اجتمعا فابن الأخ الشقيق مقدم كما سنذكره إن شاء الله، لأن الترتيب إما أن يكون بالقرب الذي يسمى بالدرجة، وإما أن يكون بالجهة أي جهة الإدلاء وإما أن يكون بالنزول والعلو.

فلذلك قال: وابن الأخ المدلي إليه بالأب فلا يدخل ابن الأخ المدلي إليه بالأم، أي ابن الأخ لأم، فإنه لا يرث في الأصل، إلا أنه من ذوي الأرحام، وسيأتي الخلاف في توريث ذوي الأرحام، فاسمع مقالا ليس بالمكذب، فهذا إذن اثنان في قوله: وابن الأخ المدلي إليه بالأب، ابن الأخ الشقيق وابن الأخ لأب.

والعم كذلك من الحواشي من الوارثين بسبب هو النسب العم، وهو أخو الأب، وهذا ينقسم أيضا إلى شقيق ولأب، فالعم الشقيق والعم لأب كلاهما وارث، وسواء كان العم بالمباشرة أو كان عم العم وإن علا، فلذلك قال: من أبيه، أما العم لأم أخو أبيك لأم فإنه لا يرثك، لأنه ليس عما من جهة الأب، فإذن هذان أيضا ينقسمان إلى قسمين إلى عم شقيق وعم لأب وابن عم شقيق وابن عم لأب، فيكمل بذلك خمسة عشر لا بقي الزوج والمعتق، قال: فاشكر لذي الإنجاز التنبيه، أو لذا الإنجاز والتنبيه، فاشكر، والشكر معناه الاعتراف بالجميل، فيشمل الدعاء لصاحبه كأن ندعو للمؤلف أن يرحمه الله سبحانه وتعالى، وهذا من حق المؤلفين الذين أفادونا بكتبهم كما قال السيوطي رحمه الله في خاتمة عقود الجمان:

أزفها لمن نهاه راجح              ومهرها منه الدعاء الصالح

علي إذا صرت رهين الرمس      تنفعني دعوته في بؤسي

نسأل الله أن يغفر لهم أجمعين وأن يرحمهم.

وشكر من الأفعال التي تعدى بنفسها وتعدى باللام، فيقال: شكره ويقال: شكر له، فشكر له هي التي جاءت في القرآن: أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير، وشكره مثل قول الشاعر:

سأشكر عمرا ما تراخت منيتي            أيادي لم تمنن وإن هي جلت

فتى غير محجوب الغنى عن صديقه      ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلتي

رأى خلتي من حيث يخفى مكانها         فكانت قذا عينيه حتى تجلت

هذا عمرو بن عثمان بن عفان رضي الله عنهما.

سأشكر عمرا فعداها بنفسها، ويمكن أن تقول لذا الإنجاز أي لهذا الإنجاز والتنبيه، أنني أوجزت فكان الكلام قليل الألفاظ كثير المعنى، ونبهتك على الشروط والفروق فأخرج العم للأم، وابن العم للأم وابن الأخ للأم فذلك تنبيه على عدم الإطلاق.

والزوج كذلك الزوج وهو وارث بأي سبب من أسباب الإرث، بالنكاح، وارث بالنكاح بسبب النكاح، سواء دخل بالمتوفاة أو لم يدخل بها، فالميراث متعلق بالعقد، فإذا تم الإيجاب والقبول فمات أحدهما حصل التوارث مباشرة، وهنا تأتي مسألة معروفة لدى الحنفية بمسألة الأسكفة، الأسكفة أي أسكفة الباب الخروج وهي أن محمد بن الحسن الشيباني كان يشرح لطلابه لو تزوج رجل بامرأة فعقد عليها وسمى الصداق، فماتت قبل أن يدفع لها الصداق فهو الآن عليه دين ذمته مشغولة وله حق فهو له حق في ميراثها هي، ولبقية الورثة حق عليه هو بنصف الصداق أقصد بالصداق، فيمكن الصلح بأن يصطلحا بأن لا طالب ولا مطلوب، فما في ذمته هو من الصداق، يأخذه مقابل نصيبه من الإرث، وحينئذ تأتي صور لأنه إما أن يكون هو الزائد أن يكون الصداق زائدا على الميراث أو العكس أو مساو له، فإذا كان مساويا له فلا إشكال، وإذا حصلت الزيادة فلا بد أن يكون ميراثها هي عرضا في مقابل العين لئلا يقع الربا، لأن هذا النوع من الصلح هو بيع في الواقع، فإذا كان نقدا بنقد فيكون ربا إلا هاء وهاء، عند محمد بن الحسن، يكون ربا إلا هاء وهاء إلا أن يكون يدا بيد، وهذه المسألة شرحها وبينها لطلابه، فلما خرجوا قالوا ما تجاوزت معنا أسكفة الباب، لكثرة صورها وتشققاتها.

والمعتق ذو الولاء، كذلك من الوارثين من الرجال المعتق ذو الولاء معناه المعتق الأعلى المباشر الذي له الولاء، فالمعتق ومعتق المعتق ومعتق معتق المعتق إلى نهايتهم هو الوارث، إذا لم يكن للميت وارث من النسب فالمعتق حر فيرثه وارثه من النسب فالنسب كما ذكرنا مقدم على السبب، فإذا كان له ابن أو أب أو أخ فإنه يرثه دون معتقه، ومثل ذلك النكاح فهو مقدم على الولاء، فإذا كانت له زوجة فنصيبها دائما مقدم وهكذا لو كان هو وارثا لعتيقة، ولا تعارض بين الفرض والتعصيب، فمحل ميراث المعتق إنما هو في التعصيب، معناه إذا لم تستحوذ الفروض على أصل المسألة فبقي شيء للعصبة، أما إذا استحوذت الفروع على أصل المسألة كامرأة ماتت ولها زوج وأخت شقيقة وهي معتقة، فالزوج كم نصيبه النصف، والأخت الشقيقة كم نصيبها؟ النصف، فلم يبق للمعتق شيء لأن الفروض احتوت على أصل المسألة.

والمعتق ذو الولاء وقد سبق الخلاف في المعتق أيضا الذي ليس له ولاء لا يملك ولاء وهو المعتق بالفتح، يسمى المولى الأسفل، فقد ذكرنا أن ابن تيمية رأى أنه يرث، واستدل لذلك بحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلا مات وله مال وترك عبدا هو أعتقه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله ليس له وارث سواه، والولاء قطعا لحمة كلحمة النسب، فهذا القول من ناحية القياس ومن ناحية مقاصد الشرع واضح جدا، فيمكن أن يرجح حتى على مذهب الجمهور، لأن العتيق قطعا بينه وبين معتقه لحمة كلحمة النسب فهو أولى بماله من أن يجعل في بيت مال المسلمين العام، فجملة الذكور هؤلاء أي هؤلاء جملة الذكور، الفاء داخلة في الأصل على قوله هؤلاء، وإذا أعربتم هذا الشطر تقولون: فهؤلاء مبتدأ، جملة الذكور هي الخبر، أي فهؤلاء هم جملة الذكور، أي الذكور الوارثين.

والرجال هنا لا يقصد بها الرجال بمعناها الشرع أي البالغين، بل هي تشمل الصغار فهم يرثون بهذا الاعتبار الذي سقناه.

ثم قال: باب الوارثات من النساء:

والوارثات م النساء سبع           لم يعط أنثى غيرهن الشرع

م النساء أيضا صححوا الخطأ، م النساء ميم فقط، لا لا ميم ليس في الكلمة نون أصلا، كلمة من لم يبق منها إلا الميم فتكتب ميما وحدها.

والوارثات م النساء سبع           لم يعط أنثى غيرهن الشرع

الوارثات من النساء سبع على سبيل الاختصار وعشر على سبيل البسط كما ذكرنا في الوارثين من الرجال خمسة عشر على سبيل البسط وعشرة على سبيل الإجمال.

لم يعط أنثى غيرهن الشرع، أي ليس من الوارثات في الشرع سواهن.

بنت وبنت ابن: وهاتان ترثان بسبب هو النسب أي النسب الفروع، بنت الابن معناه ولو نزلت إذا لم تفصل بأنثى أيضا، وأم مشفقه، كذلك من الوارثات من النساء الأم، ووصفها بكونها مشفقة وهذه تسمى الصفة الكاشفة أي الصفة العامة في كل الأمهات، فكل أم في أصلها مشفقة على ولدها بسبب رحمة الله جل جلاله، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فادخر عنده تسعا وتسعين رحمة لعباده المؤمنين في الجنة، وأنزل رحمة واحدة في الدنيا فبها يتراحم الخلائق فيما بينهم حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها، فالأم مشفقة حتى لو كانت لبؤة أي أنثى الأسد، فهي مشفقة على أولادها برحمة الله جل جلاله.

وهذه وارثة بأي سبب من أسباب الإرث؟ بالنسب ومن النسب الأصول.

وزوجة كذلك من الوارثات من النساء الزوجة وقد اختلف أهل اللغة في تأنيث الزوج، فالزوج يطلق على ما له نظير، فالنعل زوج، يطلق عليهما معا وعلى كل واحدة منهما، وهي تطلق على المذكر والمؤنث وتجمع على أزواج، ولكن من النادر تأنيثها أن يقال: زوجة، وقد ورد ذلك في عدد من الأحاديث في الصحيح، كحديث زينب امرأة ابن مسعود وفيه: زوجة فلان، بإثبات التاء، وقد ورد في ذلك شواهد من اللغة مثل قول الشاعر:

يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم          أن ليس وصل إذا انبتت عرى الذنب

يا صاح بلغ ذوي الزوجات فجمعها فهذا يدل على أن مفردها مؤنث بالتاء، ومثل ذلك قول الآخر:

فإنك إذ تسعى لتفسد زوجتي

فأنثها وأضافها، وزوجة سواء انفردت أو تعددت فهي وارثة بسبب من أسباب الإرث ما اسمه؟ النكاح، وقد سبق التفصيل في المطلقة.

وجدة كذلك من الوارثات من النساء الجدة وهذه فيها تفصيل، الجدة أم الأم والجدة أم الأب وارثتان بالاتفاق، والجدة المفصولة برجل وهي من جهة الأم كأم أبي الأم أو نحو ذلك لا ترث.

وعند الحنابلة تفصيل في هذه المسألة سنذكره في ميراث الجدات إن شاء الله، فإنهم يجوزون أن يجتمع في الفريضة الواحدة أربع جدات يرثن السدس، نعم يقع الانكسار على أكثر من صنفين، فيكون الانكسار على الزوجات وعلى الجدات وعلى الإخوة والأخوات يقع الانكسار كما سيأتينا إن شاء الله.

وجدة ومعتقه: كذلك من الوارثات من النساء المعتقة، ومعتقة المعتقة، ومعتقة معتقة المعتقة إلخ، فالجدة تشمل أم الأب وأم الأم والمعتقة تشمل أيضا معتقة المعتقة إلى تسلسلها، والمعتقة أيضا على الخلاف الذي سبق، وهي ترث بسبب من أسباب الإرث ما اسمه: الولاء.

والأخت من أي الجهات كانت

الأخت على سبيل الإفراد واحدة وهي على سبيل التفصيل ثلاث أخوات، الأخت الشقيقة والأخت لأب والأخت لأم، فالأخت الشقيقة والأخت لأب كلتاهما قد بين الله ميراثها في الآية الثانية في سورة النساء، والأخت لأم بين الله ميراثها في الآية السابقة الآية الأولى.

من أي الجهات كانت              فهذه عدتهن بانت

أي فهذه عدة النساء بانت أي ظهرت، وقد ذكرنا الإجمال أنها على سبيل البسط عشر وعلى سبيل الإجمال سبع.

ثم قال المؤلف رحمه الله: باب الفروض المقدرة في كتاب الله

 عقد هذا الباب للفروض التي قدرها الله أي سماها في كتابه وحددها، وهي ستة كما سبق، من يذكرنا بها.

النصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما.

فلذلك قال: واعلم بأن الإرث نوعان هما         فرض وتعصيب على ما قسما

أي اعلم أن الإرث ينقسم إلى قسمين إرث بالفرض وإرث بالتعصيب، فالإرث بالفرض هو الذي يرث به الإنسان نصيبا مقدرا في كتاب الله، أصحاب الفروض حدد الله لهم أنصباءهم في كتابه، فهؤلاء الذين يرثون نصيبا مقدرا في كتاب الله هم الوارثون بالفرض، والنوع الثاني تعصيب وتعصيب مشتق من العصبة والعصبة معناه الذين يحتمون للإنسان وينصرونه من ذويه، والمقصود بالإرث بالتعصيب إرث العاصب وهو من يرث المال كله إذا انفرد، وما أسأرت الفروض إن كانت، وما أسأرت الفروض، معناه ما تركت الفروض إن كانت، معناه إن كانت فروض، والسؤر والسار والسائر معناه البقية:

ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه         وسائره باد إلى الشمس أكتع

سائره معناه بقيته تسمى السائر وتسمى السؤرأي البقية، ما أسأرت الفروض هو الذي يرثه العاصب، فليس له نصيب محدد في كتاب الله ولكنه يرث المال كله إذا انفرد مثل الابن والأخ فإنه يرث المال كله إذا انفرد، وكذلك يرث ما أسأرت الفروض أي ما أبقت إن كان في المسألة فروض على ما قسما أي على ما قسم الإرث، معناه على أية هيئة قسم الإرث لا يخلو من إرث بفرض أو بتعصيب، فلا إرث إلا بالفرض أو بالتعصيب.

ويمكن أن تقول: على ذا قسما أي قسم الإرث على ذا أي على هذين القسمين، واسم الإشارة المفرد وهو ذا قد يشار به للجملة، مثل قول الله تعالى: {لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك} بين ذلك أي بين ذينك المذكورين فأشير بالمفرد للمثنى.

ومثل ذلك قول الله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾، وكان بين ذلك أي بين ذينك. فاسم الإشارة المفرد قد يشار به لأكثر من مفرد إذا كان يجمعه شيء كان جملة واحدة.

 فالفرض في نص الكتاب سته             لا فرض في الإرث سواها البته

الفرض في نص الكتاب أي فيما حدده الله في القرآن، والنص في اللغة الرفع كقول امرئ القيس:

وجيد كجيد الريم ليس بفاحش             إذا هي نصته ولا بمعطل

إذا هي نصته معناه رفعته، ويطلق على الإسراع في السير كما في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا وجد فرجة نص، نص أي أسرع، والنصيص ضرب من السير معروف، ويطلق النص على التصريح، فواضح الدلالة الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا هو الذي يسمى نصا عند المتكلمين من الأصوليين، فالأصوليون يقسمون اللفظ من ناحية المعنى إلى قسمين إلى واضح الدلالة وخفي الدلالة، فالمتكلمون يقسمون كل واحد منهما إلى قسمين، يقسمون واضح الدلالة إلى نص وظاهر، فالنص هو ما أفاد معنى لا يحتمل غيره، والظاهر هو ما أفاد معنى يحتمل غيره مرجوحا، وخفي الدلالة يقسمونه إلى قسمين إلى مجمل ومتشابه، والحنفية يقسمون واضح الدلالة إلى أربعة أقسام وهي المفسر والمبين والنص والظاهر، ويقسمون خفي الدلالة إلى أربعة أقسام وهي المجمل والمشكل والخفي والمتشابه، وهذه التفصيلات معروفة في الأصول لكن تفهمون بها أن أمور التركة جاءت نصا في القرآن عند الجميع، فهي جاءت بلفظ لا يحتمل معنى آخر، وذلك أن الأعداد نص، فعند الأصوليين أن العدد نص في مدلوله، فإذا قيل: ثلاثة أو أربعة فهذا نص في مدلوله، إلا إذا خرج مخرج التكثير إذا كان العدد يدل على التكثير كما إذا قلت: لقد اتصلت عليك مائة مرة، وقصدت بذلك التكثير، ولم تقصد أنك أحصيت الاتصالات الهاتفية إلى أن وصلت إلى مائة، وعليهما جاء تفسير قول الله تعالى: {إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} فقيل: العدد هنا نص على مدلوله، فلو زاد على ذلك لقبل، ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: لو علمت أني إن زدت غفر لهم لزدت، وقيل: المعنى التكثير، معناه إن تستغفر لهم استغفارا كثيرا فلن يغفر الله لهم، فيكون لفظ سبعين غير نص ولكنه للتكثير جرى مجرى التكثير، في نص الكتاب سته لا فرض في الإرث سواها البته.

فليس في القرآن فرض مقدر لوارث إلا ستة وهي التي بينها فقال: لا فرض في الإرث سواها في كتاب الله، وسيأتينا أن للفرضيين فرض آخر وهو ثلث الباقي، وسنذكره إن شاء الله تعالى، فثلث الباقي في عدد من المسائل يكون فرضا مقدرا ولكنه ليس نصا في كتاب الله، والبته معناه قطعا فهي مصدر منصوب، ولو كان معرفا بأل فإن ذلك لا يمنعه من مصدريته وأن يكون منصوبا على المفعولية المطلقة، فالمعنى لا فرض سواها قطعا لا فرض سواها بتا، فقيل: البتة، وهذا اللفظ مستعمل في لغة العرب كثيرا وقد جاء في القرآن في الآية التي نسخ لفظها وبقي معناها وهي في سورة الأحزاب في قول الله تعالى: {الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله} البتة معناه إلى الموت.

نصف وربع ثم نصف الربع         والثلث والسدس بنص الشرع

والثلثان وهما التمام

فإذن هذه الستة النصف والربع والثمن والثلث والسدس والثلثان فقال: نصف وربع ثم نصف الربع الذي هو الثمن، والثلث والسدس بنص الشرع، كلها بنص الشرع أي بالقرآن المحكم المنزل، والثلثان وهما التمام أي تمام الفروض الستة،

فاحفظ فكل حافظ إمام

 فاحفظ هذه الفروض فكل حافظ للعلم إمام أي مقتدى به، لأن الحفظ وسيلة من الوسائل المعينة على بقاء العلم في الأذهان ولهذا قال الشافعي رحمه الله:

علمي معي حيثما يممت يتبعني            قلبي وعاء له لا جوف صندوق

إن كنت في البيت كان العلم فيه معي      أو كنت في السوق كان العلم في السوق

ومثل ذلك قول أبي محمد علي بن حزم رحمه الله:

فإن يحرقوا القرطاس لا يحرقوا الذي     تضمنه القرطاس بل هو في صدري

يسير معي حيث استقلت ركائبي           ويمكث إن أمكث ويدفن في قبري

وقد قال الحكماء:

ليس بعلم ما حوى القمطر                ما العلم إلا ما حواه الصدر

ليس بعلم ما حوى القمطر القمطر وعاء الكتب، ليس بعلم ما حوى القمطر ما العلم إلا ما حواه الصدر.

ودليل هذا حديث أبي هريرة في الصحيح أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أسمع منك حديثا كثيرا فلا أحفظه فأمره أن يبسط رداءه فحثا له فيه ثلاث حثيات فضمه إليه فما نسي شيئا بعد، فكل حافظ إمام، والإمام في اللغة المقتدى به من رئيس ونحوه، ويطلق على الخيط الذي يوضع على البناء فيسوى عليه ساقه، ومن ذلك قول الشاعر:

وربيته حتى إذا تم واستوى        كمخة ساق أو كمتن إمام

قرنت بحقويه ثلاثا فلم يزغ        عن القصد حتى بصرت بدمام

ويطلق على الطريق المستقيم ومنه قول الله تعالى: {وإنهما لبإمام مبين} أي بطريق، ويطلق على المقتدى به في الدين، سواء كان الدين مستقيما أو غير مستقيم، فمن إطلاقه على الدين المستقيم قول الله تعالى: {واجعلنا للمتقين إماما} ومن إطلاقه على الإمامة في الدين غير المستقيم: {جعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون} أئمة يدعون إلى النار فالأئمة المقتدى بهم في الدين إما أن يكون دينهم مستقيما وإما أن يكون معوجا، فإن كان معوجا أي مائلا عن دين الله فإنهم أئمة في الضلال، وإن كان مستقيما فإنهم أئمة هدى، فكل حافظ إمام.

ثم ذكر الوارثين للنصف وهذه بالإمكان أن تأخذوها باختصار

فهذه الفروض الستة لكل واحد منها عدد من الوارثين إلا واحدا مثلا، فالنصف يرثه خمسة، والربع يرثه اثنان، والثمن يرثه واحد، اكتب ه،  ب، ا، د، ب، ح، هبا دبح لأننا سنذكر الأخت لأم أيضا فيكون الوارثون للسدس ثمانية بدل سبعة.

فالنصف يرثه خمسة وهم الزوج إذا لم يكن للميتة فرع وارث، والبنت بنت الصلب إذا لم يكن لها أخ، وبنت الابن إذا لم يكن لها أخ ولم يكن للميتت بنت، والأخت الشقيقة إذا لم يكن للميت فرع وانفردت أيضا، والأخت لأب إذا لم يكن للميت فرع ولا أخت شقيقة فإذن هذه خمسة، هاء مقابلها 5، ب 2، أ 1، د 4، ب 2، ح 8، فالنصف يرثه خمسة وهم الزوج والبنت أي بنت الصلب، وبنت الابن والأخت الشقيقة والأخت لأب.

الربع يرثه اثنان الزوج عند وجود الفرع الوارث والزوجة عند عدم وجود الفرع الوارث، سبق أن بينا لكم أن أسباب الإرث الثلاثة واحد منها يورث به بالفرض فقط لا بالتعصيب، وواحد يورث به بالتعصيب فقط لا بالفرض، وواحد يجمع بين الفرض والتعصيب، فالنسب يورث به بالفرض والتعصيب مثل ما رأيتم في النصف، هنا نحن نتكلم عن الفروض فقط لكن رأيتم أن النصف يرثه البنت وبنت الابن والأخت الشقيقة والأخت لأب هؤلاء أربعة بالنسب وواحد الزوج بالنكاح.

والربع يرثه اثنان فقط الزوج عند وجود الفرع الوارث، والزوجة عند عدم وجود الفرع الوارث، الزوج عند وجود الفرع الوارث للزوجة المتوفاة، والزوجة عند عدم وجود الفرع الوارث للزوج المتوفى، والزوجة سواء انفردت أو تعددت فنصيبها هو هو.

الثمن يرثه صنف واحد وهو الزوجة عند وجود الفرع الوارث، الزوجة عند وجود الفرع الوارث، والثلثان يرثهما أربعة أصناف وهم ورثة النصف ما عدا الزوج، إذا تعددوا عند التعدد، ورثة النصف ما عدا الزوج عند التعدد، الزوج لا يقبل التعدد أصلا، فإذن لا يمكن أن يرث أكثر من النصف، لكن البنت يمكن أن تتعدد بنت الصلب فإذا كانت اثنتين أو أكثر فلهما نصف ما ترك، وبنت الابن إذا تعددت فكن بنتين أو ثلاث بنات أو أربع بنات أو عشر بنات فلهن الثلثان، والأخت الشقيقة إذا تعددت فكن أختين أو عشر أخوات شقائق فلهن الثلثان، والأخت لأب إذا تعددت فكن أختين أو عشر أخوات لأب فلهن الثلثان، إذن ورثة النصف ما عدا الزوج عند التعدد، أي البنات، بنات الابن، الأخوات الشقائق، الأخوات لأب، هؤلاء الذين يرثون الثلثين.

الثلث يرثه صنفان وهما الأم عند عدم وجود الإخوة عند عدم وجود العدد من الإخوة، والعدد من أولاد الأم، الأم عند عدم وجود الإخوة والعدد من الإخوة لأم، العدد من الإخوة لأم إذا كان الميت يرثه أخ و أخت لأم، أو أخوان لأم أو أختان لأم، أو خمس أخوات لأم، أو أربع أخوات لأم، أو أخوان وأختان لأم فالجميع يشتركون في الثلث، كما قال الله تعالى: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث} إذن الثلث يرثه صنفان الأم لأنه قال: وورثه أبواه فلأمه الثلث، عند عدم وجود الإخوة، والسدس أهله ثمانية، الأب عند وجود الفرع الوارث، والأم كذلك وعند العدد من الإخوة أيضا، الأب والأم والجد والجدة وبنت الابن والأخت لأب، بنت الابن معناه مع وجود البنت، والأخت لأب معناه مع وجود الأخت الشقيقة، والأخت لأب والأخ لأم والأخت لأم هذه ثمانية، الأخ لأم والأخت لأم، فإذن هي ثمانية، الأب والأم والجد والجدة وبنت الابن والأخت لأب والأخ لأم والأخت لأم ثمانية فهؤلاء هم الذين يرثون السدس.

هذه الشروط سنذكرها، الشروط تحتاج إلى تفصيل وسنذكرها إن شاء الله.

لكن المهم أنكم عرفتم الآن الفروض التي في كتاب الله، ومن يرث كل فرض، فالنصف يرثه خمسة أصناف، والربع يرثه صنفان، والثمن يرثه صنف واحد، والثلثان يرثهما أربعة أصناف، والثلث يرثه صنفان، والسدس يرثه ثمانية أصناف.

وهنا يأتي الجواب عن الإشكال المعروف لدى كثير من الناس واعتراضهم على الشريعة بأنها تؤثر الرجال على النساء في الإرث، فيجاب أن الإرث اللازم الدائم هو الإرث بالفرض لا بالتعصيب، والإرث اللازم الدائم ها هو بين أيديكم وإذا جعلنا هذه الفروض الستة على ستمائة درجة فسنجد أن النساء يأخذن منها أربع مائة وخمسة وسبعين جزءا، وأن الرجال يأخذون مائة وخمسة وعشرين جزءا فقط في الفرض، كيف ذلك، مثلا النصف نجعله على مائة درجة وهو بين خمسة أصناف، فعشرين بالمائة للرجال، وثمانين بالمائة للنساء، والربع بين اثنين الزوج والزوجة خمسين بالمائة للرجال وخمسين بالمائة للنساء، والثمن للنساء خالصا مائة بالمائة، مثل الثلثين أيضا الثلثان للنساء خالصا مائة بالمائة، والثلث الأم والعدد من الإخوة لأم فهذه خمسة وسبعين بالمائة للنساء لأن الأم النصف خمسين بالمائة والخمسين الأخرى مقسومة بين الإخوة لأم والأخوات لأم، فتكون خمسة وسبعين بالمائة للنساء وخمسة وعشرين للرجال، والسدس نجد الأب والجد والأخ لأم ثلاثة من الرجال، والباقي كله نساء، فإذا قسمت هذه مائة جعلتها على ثمانية كم جزء السهم 12,5 تقريبا 12,5 ضرب ثلاثة سبعة وثلاثين ونصف هذه للرجال والباقي للنساء اثنين وستين ونصف هذه للنساء، فستجد أن نسبة النساء أكبر بكثير من نسبة الرجال، نسبة النساء أربع مائة وخمسة وسبعين تقريبا فاصل شيء، ونسبة الرجال مائة وخمسة وعشرين، طيب إذن سآخذ بعض الأسئلة.

سؤال:

الجواب: نعم بعض الفقهاء يعد الوارثين للسدس سبعة، لأنهم يجعلون الأخ لأم والأخت لأم سواء، لكن الواقع هم صنفان كل واحد وحده، لأن الله قال: فإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت وأو تقتضي التفريق.

سؤال: هذه أسئلة على الدورة جاءت عن طريق الإنترنت عن طريق الموقع، فيها يقول: قد جاء في الدرس الأول أن بني علي بن أبي طالب قد حرموا الصدقة رضي الله عنه وعنهم، فهل من كان منهم في عصرنا يحرم عليه أكل الصدقة؟ وما المقصود بالصدقة؟

الجواب:  نعم لقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم على بني هاشم وبني المطلب ومواليهم الصدقة، وأجمع المسلمون على أن الصدقة الواجبة إذا لم تكن من هاشمي إذا لم تكن منهم هم من صدقاتهم فهي حرام عليهم، وورد في ذلك ثمانية أحاديث صحيحة، مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة، وإن مولى القوم من أنفسهم، هذا حديث أبي رافع في الصحيح، ومثل قوله: لا تحل الصدقة لمحمد ولا لآل محمد، ومثل قوله: لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها حين وجد تمرة في الطريق إلى المسجد فأخذها ومسح عنها التراب وقال: لولا أن تكون من الصدقة لأكلتها، ومثل حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما أنه أخذ تمرة من الصدقة وهو طفل صغير فلاكها فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأمسك فكيه وجعل يقول: كخ كخ حتى رماها، قال: أما علمت أننا لا تحل لنا الصدقة.

واختلف في زكاتهم هم، أي زكاة أغنيائهم على فقرائهم، فإن علة تحريم الصدقة عليهم، أنها أوساخ الناس وهم منزهون عنها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما هي أوساخ الناس، وأيضا صونا للعقيدة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حض على الزكاة وعلى الصدقة وأكثر الحض على ذلك، فلو كانت تحل له هو ولآل بيته لأمكن أن يتهمه بعض ضعفة العقول وضعفة القلوب بأنه يريدها لنفسه ولذويه، ويكون ذلك ردة عن الإسلام، فصان الله العقيدة فحرمها عليهم أصلا حتى لا يظن ظان أنه إنما يأمر بالصدقة ليأخذها أو ليعطيها أهل بيته، هي حرام عليهم أصلا.

وكثير من الأحكام ينظر فيها إلى هذه القضية، كثير من الأحكام الشرعية ينظر فيها لصيانة العقيدة.

ذهب أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة إلى أن زكاة الهاشمي للهاشمي جائزة، أنه يخرج عليه زكاة ماله، واستدل لذلك بحديث أخرجه الحاكم في علوم الحديث في المثال للأفراد أي أفراد القبائل وهو حديث انفرد به بنو هاشم، فكل رواته من بني هاشم، ولكن الحديث فيه ثلاثة رجال من المضعفين أي من الذين تكلم فيهم، ولم يأخذ به إلا أبو يوسف رحمه الله، وقد نظم ذلك الشيخ محمد عالي رحمة الله عليه فقال: فائدة من أطرف الطريف            صدقة الشريف للشريف

أحلها النبي دون باس              على سؤال عمه العباس

يستند المفتي بذا والحاكم           لما رواه في العلوم الحاكم

بسند ما فيه أي هاشم              كل رجاله من آل هاشم

ثم يقول:

قلت وفي الميزان من هذا السند     ثلاثة فمثله لا يعتمد

ميزان الاعتدال في نقد الرجال ذكر فيه ثلاثة من هذا الإسناد ولا يترجم فيه إلا لمن تكلم فيهم.

قلت وفي الميزان من هذا السند           ثلاثة فمثله لا يعتمد

أي لا يعتمد عليه، وأيضا فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن بني المطلب لا يدخلون مع بني هاشم في تحريم الصدقة، واستدلوا بما أخرجه مسلم في الصحيح من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه عندما عد آل بيته قال: هم الذين حرموا الصدقة بعده آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، فعد هؤلاء وكلهم من بني هاشم ولم يذكر أحد من بني المطلب، ولكن عدم عد زيد لهم لا يخرجهم ولا يمكن أن يقيد به النص، لأن النص هو قول النبي صلى الله عليه وسلم: نحن وبنو المطلب سواء ما افترقنا في جاهلية ولا في إسلام، هذا يقتضي تسويتهم بهم، والمالكية في القول المشهور عندهم اعتمدوا على حديث زيد بن أرقم فأخرجوا بني المطلب من الآل في تحريم الصدقة، وهذا الذي نظمه سيدي بن عبد الله بن الخلف رحمة الله عليهم فقد قال:

آل النبي سيد الأنام                مختلف بحسب المقام

مومن هاشم عنوا بالآل            في منع إعطاء زكاة المال

وإن إلى نهج الدعاء تذهب         فالمؤمنون كلهم آل النبي

وفي مقام المدح هم أهل العبا       ءة الذين الرجس عنهم ذهبا

وطهروا لما دعا تطهيرا           طوبى لهم دعاءه الشهيرا

طه وبنت المصطفى سبطاها       وبعلها سليل عم طه

فهذا بناء على المشهور في المذهب المالكي، لكن في المذهب المالكي قول آخر بأن بني المطلب أيضا لا تحل لهم الصدقة.

فلذلك خليل رحمه الله ذكر في مصرف الزكاة في الموانع قال: وعدم بنوة لهاشم، أي الانتساب لهاشم مانع من موانع الزكاة، ولم يعد مواليهم مع أن الحديث صريح فيهم، مورد الحديث في أبي رافع وهو مولى لهم وقال: إنا أهل بيت لا تحل لنا الصدقة وإن مولى القوم من أنفسهم، والبنوة لهاشم المقصود بها البنوة من جهة الأب لا من جهة الخؤولة، فالخؤولة يحصل بها شرف ولكن لا يحصل بها منع الزكاة، وهذا هو المشهور وفي المسألة خلاف قد نظمه العلامة التاه بن يحظيه بن عبد الودود رحمة الله عليهم أجمعين حيث قال:

هل شرف الأم يكون الشرف              لنسلها به خلاف يعرف

أصحه أن له منه طرف           ليس كمثل ما لكامل الشرف

فله طرف من الشرف ليس كمثل ما لكامل الشرف.

فلا يحرم عليه به الصدقة، وهذا باق إلى الآن، لأن الذين يظنون أن بني هاشم إنما حرموا الصدقة لأن لهم نصيبا في بيت المال، مخطؤون في ذلك، فليس لهم أي نصيب في بيت المال إلا ما للمسلمين، كان لهم نصيب في الغنائم في الخمس الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يأخذه فقد قسم الله الغنائم إلى خمسة أقسام، فجعل خمسا منها لله ثم قسم الخمس الذي لله إلى خمسة أقسام، فخمس الخمس هو للأقربين أي لذوي قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال الله تعالى: واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه، هذا الخمس لله، وأربعة الأخماس الباقية هي للغزاة المجاهدين، ثم فصل الخمس الذي لله فقال: أن لله خمسه وللرسول أي هذا الخمس هو للرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله، فهذه خمسة أقسام يقسم عليها خمس الله، الخمس الذي لله يقسم على خمسة فخمس الخمس كان للأقربين، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقسمه في بني هاشم، وبني المطلب، وقد ثبت عنه ذلك كما في حديث عثمان وجبير بن مطعم رضي الله عنهما، لكن كان هذا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فلما توفاه الله لم يعمل الخلفاء الراشدون بهذا حتى إن بني هاشم جاؤوا إلى علي بن أبي طالب لما تولى الخلافة فسألوه نصيبهم، وهو خمس الخمس عندما جاءت مغانم خراسان وقد أغزى علي بن أبي طالب رضي الله عنه زياد بن أبيه على خراسان، فقال: إن الخلفاء قبلي لم يعطوكم منها شيئا ولا أعدل عن مسلكهم فلم يعطهم شيئا.

وفي صحيح البخاري أن نجدة بن عامر الخارجي وكان تولى على اليمامة كتب إلى ابن عباس يسأله هل لهم حظ في الخمس؟ فأجابه ابن عباس: قد كنا نرى أن لنا حظا فيه ولكن الخلفاء منعونا ذلك فلم نعدل عن قولهم.

سؤال: السؤال الثاني يقول: إنه يحب القائمين على الموقع جزاه الله خيرا، ونسأل الله أن يقضي حوائجه، يقول إنه بحث عما يسمى باسم الفعل عند علماء النحو هل هو من قسم الاسم أو من قسم الخالفة كما قال أبو جعفر، أرجو أن يبين لنا ما هي علامات الاسم الدالة على أن اسم الفعل اسم مثل عليك وهاك وهلم وغيرهم.

الجواب:  الجواب أن هذا اسم وليس كما قال أبو جعفر، حتى ما قاله أبو جعفر لا يسلم له فتقسيم الكلمة ثلاثي فقط، وقد سأل ابن الحاجب النحويين لم انحصر الكلام في الثلاثة فلم يجيبوه فأجاب نفسه بأن الكلمة إما أن تدل على معنى في نفسها أو لا، والثاني الحرف، فإن دلت على معنى في نفسها فإما أن تدل عليه بطرفيها أي بطرفي الإسناد تقبل الإسناد بطرفيه أو لا، الثاني الفعل والأول الاسم، وزاد ابن عقيل تقسيما آخر فقال: إن الكلمة إما أن تدل على معنى في نفسها أو لا الثاني الحرف، والدالة على معنى في نفسها إما أن يكون مقترنا بزمان أو لا، الأول الفعل والثاني الاسم، وللاسم علامات غير العلامات المشهورة يدخل بها اسم الفعل وقد نظمها بعضهم فقال لما قال ابن مالك رحمه الله في علامات الاسم:

للجر والتنوين والندا وأل    ومسند للاسم تمييز حصل

قال: بعضهم في ذكر تلك العلامات الزائدة:

كذاك أن يبدل منه اسم صريح            ككيف أنت أسقيم أم صحيح

نعم المهم أن هذه العلامات يدخل بها اسم الفعل في علامات الاسم، وبالإمكان أن يرجع الأخ السائل إلى شرح الألفية في الموقع في علامات الاسم.

سؤال: السؤال الثالث يقول: ما مدى صحة الحديث التالي وهو: تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كتب هنا طائفة.

الجواب:  الجواب أن أصل الحديث مصحح بشواهده، فالحديث جاء من أحاديث عدد من الصحابة رضوان الله عليهم، وليس فيها حديث واحد قائم الإسناد يصحح بذاته، لكن بمجموعها تصحح بالشواهد، والحديث إذا صحح بشواهده لا يمكن أن تصحح أطرافه، فالأطراف التي لا تتفق عليها الشواهد لا تصحح بالشواهد، هذه قاعدة عامة، كل حديث صحح بالشواهد فإنما يصحح ما دلت الشواهد عليه، أما الأطراف التي لم تذكر في الشواهد فلا تصحح بالشواهد، فمثلا زيادة كلها في النار إلا واحدة، والزيادة كلها في الجنة إلا واحدة، وزيادة من كان على مثل ما أنا عليه وأصحابي هذه زيادات ضعيفة كلها، لأنها لا يمكن أن تصحح بالشواهد، فأصل الحديث إذا صححنا بالشواهد لا يقتضي ذلك صحة أطرافه، فإذن هذه الأطراف لا تصح، واصل الحديث مصحح بالشواهد، فهو صحيح لغيره.

سؤال: هذا السؤال خارج الموضوع وهو يقول إني نذرت أن أصوم شهرا لله مع العلم أن علي قضاء عدة شهور وهي ناتجة عن فترة كان الطبيب قد نهاني عن الصوم فيها وقد صمت بعد عدة سنوات بعد أن جربت الصوم فهل أصوم النذر أم لا أو أقضي وأصوم النذر كيف ذلك؟

الجواب: بالنسبة للقضاء مقدم على صيام النذر غير المعين، فالنذر المعين مثلا إذا نذر صيام شهر بعينه فإنه مقدم، وإن لم يكن النذر معينا إنما نذر أن يصوم أسبوعا أو شهرا فإنه لا يتعين في شهر محدد فلذلك يقدم عليه قضاء رمضان ويصوم بعد القضاء ما نذر.

سؤال: حكم تولي القضاء في غياب تطبيق الشريعة وهل هناك فتوى لرشيد رضا تجيز تولي القضاء في الظروف المذكورة؟

الجواب:  الجواب أن تولي القضاء فرض كفاية، فإذا كان الإنسان قادرا على الحكم بالحق وإقامة العدل بالكلية وجب عليه ذلك ولم يحل له الظلم ولا نقص الحقوق، وإن كان لا يقدر على تمام ذلك فيجب عليه أن يبذل الجهد فيما يستطيعه ويقدر عليه، وهو غير مكلف بما لا يستطيعه فقد قال الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} فلا يحل أن تعطل هذه الفريضة والشعيرة وهي فض النزاع بين الناس بسبب أن الحكام لا يجرؤون أو لا يقومون بواجبهم في تطبيق الشريعة، فالمعصية على الحكام الذين يتبع لهم القاضي وليست على القاضي نفسه، فالقاضي يجب عليه أن يبذل الجهد فيما يستطيعه من إحقاق الحق وإزهاق الباطل، وما لا يدخل في اختصاصه الإثم فيه على الحاكم أي على رأس الدولة، وليس عليه هو فيه إثم، ورشيد رضا رحمه الله له فتوى في فتاوي المنار ذكر فيها أن تطبيق الشريعة في أعناق البرلمان المصري بعد انعقاده، وأنه كل يوم يتأخر فيه الحكام المصريون عن تطبيق الشريعة فإثم ذلك عليهم، وهذه الفتوى كانت في زمانه لأنه كان يتحدث عن ما كان الناس ينظرون إليه من أن البرلمانات والقوانين المنظمة لها، لها واقع ولها وجود ولكن يتبين يوما بعد يوم أن هذه صور وأشكال وليس وراءها كبير شيء وليس وراءها سلطة في الواقع، فلذلك القاضي يمكن أن يتولى في ظل الدولة الظالمة الجائرة حتى الدولة الكافرة يمكن أن يأخذ منها توليه لفض النزاع ولإقامة القسط والعدل، فقد تولى يوسف الصديق عليه السلام مع ملك مصر الكافر، وعدل فيما يستطيعه ولم يكلف ما لا يستطيعه، وكانا يحتال على تنفيذ شرع الله بالحيل كما قال الله تعالى: {كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله} دين الملك أي قانونه كان يقتضي عقوبة أخرى للسارق غير العقوبة التي في الشرع الذي يعرفه يوسف، فاحتال هو هذه الحيلة فقال: ما جزاؤه إن كنتم كاذبين، قبل أن يخرج السرقة؟ قالوا: جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين، فاحتال على تطبيق الشريعة بهذه الحيلة، وحينئذ يجب على الإنسان أن يبذل الجهد وما عدا ذلك هو غير مكلف به ومثل هذا ما يتعلق بتقليل الحرام وتقليل الربا فالإنسان يعلم أنه إذا اشتغل في الجانب التجاري اليوم لا بد أن يوجد نصف الحلقة نصف الدائرة الاقتصادية خارج البلاد الإسلامية وتطبق عليه أنظمة الربا، لكن يجب أن يكون النصف الثاني الذي هو في داخل الأمة الإسلامية ممنوعا من الربا، حتى لو احتجنا في الشق الآخر إليه فهو خارج عن تكليفنا لأنه خارج عن الطوق والتكليف مختص بالطوق.

هذا يسأل عن حكم العمل في المحاماة والضابط في ما يأخذه المحامي حتى لا يأكل أموال الناس بالباطل، والجواب أن المحاماة هي النيابة في الخصام، أي أن ينوب الإنسان عن أحد الخصمين في خصومته بالوكالة، ويجوز أخذ الأجرة عليها كما يجوز عليها عقد الجعالة عند الجمهور خلافا للحنفية، فعقد الإجارة أن يؤاجره على هذه الخصومة سواء كسبها أو لم يكسبها، فله أجرة محددة، وعقد الجعالة أن يجعل له جعلا على كسب هذه الخصومة، إذا كسبها فله كذا وإذا لم يكسبها فليس له شيء.

فمذهب الجمهور جواز الجعالة في هذا وهذا مذهب المالكية، والشافعية والحنابلة خلافا للحنفية، فلا يرون جواز الجعالة لأنهم يرون أنها عقد غرر، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر كما في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.

وأصل المحاماة ما ثبت في حديث العسيف في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه رجلان فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله، فقال الآخر: نعم اقض بيننا بكتاب الله  ودعني أتكلم، فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فأخبرت أن على ابني الرجم فافتديت منه بوليدة ومائة من الغنم، ثم أخبرت أنما على ابني الجلد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأقضين بينكما بكتاب الله، المائة والوليدة رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، ثم قال: واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها.

هذا الحديث حديث العسيف في الصحيح، وفيه وكالة في الخصومة لأن والد الشاب الذي كان عسيفا أي أجيرا تكلم بالنيابة عنه في الخصومة، فخاصم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه المرافعة، وكسب القضية، ولم يسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن الوكالة لأنها وكالة عرفية معروف أن هذا يخاصم عن ولده، فمن المعهود أن تكون له وكالة عرفية، فالوكالة إما أن تكون مقالية وإما أن تكون حالية الوكالة الحالية هي ما كان معروفا كوكالة الزوج عن امرأته ووكالة الوالد عن ولده، والوكالة المقالية هي أن يوكل إنسان بالصريح بصريح العبارة غيره، والضابط في ما يأخذه المحامي هو العقد، فما اتفق عليه في العقد بين الطرفين من غير إكراه هو الذي يلزم، لأن الله تعالى يقول: إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم، فجعل أصل ذلك التراضي، وقد أخرج ابن حبان في صحيحه وابن ماجه في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما البيع عن تراض، فضابط التعامل هو التراضي، فإذا تراضى شخصان كلاهما رشيد غير مكره على عقد والتزم كل طرف فيه بشيء محدد، بخدمة أو مال فإن العقد ملزم لهما ما لم يخالف الشرع، فلذلك إذا قام عنه بالوكالة في أي أمر من الأمور وأداها عنه فإنه يلزمه ما ذكر في العقد، أما إذا لم يقع عقد كحال المسخر، والمسخر عند الحنفية هو الذي يوكله القاضي للإنكار، إذا ادعي على غائب مثلا فإن القاضي يوكل إنسانا من الشارع والأصل أن يكون محاميا فيقول: تعال أنكر عن هذا الغائب، فينكر بالنيابة عن الغائب حتى يستطيع القاضي تكليف المدعي بإثبات دعواه، لأنه لا يمكن أن يكلف بإثبات دعواه قبل الإنكار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك في قوله: البينة على المدعي واليمين على من أنكر.

فحينئذ ليس في العقد أتعاب محددة للمحامي، فإنما يأخذ أجرة المثل بناء على القاعدة الفقهية المسلمة، وهي كل من أوصل نفعا إلى غيره حيث لا يجب عليه له أجرة المثل، وهذه قاعدة في كل شيء، كل الخدمات، كل من أوصل نفعا إلى غيره حيث لا يجب عليه فله أجرة المثل.

كل من أوصل نفعا إلى غيره حيث لا يجب عليه فله أجرة المثل، حيث لا يجب عليه بخلاف من يجب عليه كمن تعين عليه التدريس ودرس فلا يحل له أخذ الأجرة على ذلك لأنه متعين عليه واجب عليه، أخذ الأجرة على التدريس لأنه متعين عليه فرض عين في حقه، كحديث العصا حديث عبادة بن الصامت في التعليم.

سؤال: هذا يقول: كيف يمكن الالتحاق بمركز تكوين العلماء وهل من الممكن الحصول على رقم هاتفهم؟

الجواب:  هذا بالإمكان أن يجيب عنه الإخوة في المركز، فالمركز له شروط للالتحاق به، وهي صعبة لأنهم يشترطون أن يكون الإنسان حافظا للقرآن بروايتين على الأقل، وأن يكون حاصلا على مستوى رفيع في علوم الشريعة، وأن يجتاز الاختبار بنجاح، وغير ذلك من الشروط المنصوصة وبالإمكان أن يرجع إليها أيضا في الورقة التعريفية بالمركز.

إذن هذه هي الأسئلة وبقية الأسئلة سنبدأ بها في بداية الدرس القادم إن شاء الله نبدأ بها قبل التدريس وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا وأن يزيدنا إيمانا ويقينا وصدقا وإخلاصا.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.


عدد مرات القراءة : 13123



ما رأيك فى الموقع
جيد
متوسط
سىء
   
مساحات اعلانية
زوار الموقع              14964061
المتواجدون الأن       11
جميع الحقوق محفوظة للموقع العلمي للشيخ محمد الحسن ولد الددو